رئيس «سيرفيس ناو» الأميركية: الازدهار التقني وعقلية الابتكار سببان لاستثمارنا في السعودية

ماكديرموت أكد لـ«الشرق الأوسط» أن شركته ستضخ 500 مليون دولار وتفتتح مركزي بيانات في المملكة

مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» الأميركية في المؤتمر التقني العالمي «ليب 24» (الشرق الأوسط)
مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» الأميركية في المؤتمر التقني العالمي «ليب 24» (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «سيرفيس ناو» الأميركية: الازدهار التقني وعقلية الابتكار سببان لاستثمارنا في السعودية

مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» الأميركية في المؤتمر التقني العالمي «ليب 24» (الشرق الأوسط)
مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» الأميركية في المؤتمر التقني العالمي «ليب 24» (الشرق الأوسط)

لا يخفي الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو ServiceNow» الأميركية، بيل ماكديرموت، إعجابه بعقلية الابتكار التي تتمتع بها السعودية خلال هذه الفترة. يصف هذه العقلية بالطموح التقني الذي يتجاوز التوقعات ويُحدث تأثيراً إيجابياً على نطاق واسع. ويستشهد بما قاله وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي المهندس عبد الله السواحه في خطابه الرئيسي في مؤتمر «ليب2024» بأن المملكة سارعت في وتيرة النمو الرقمي بنسبة كبيرة وتقدمت بإنجازات رائعة، لأنها تسعى لتكون أكبر سوق رقمية على مستوى المنطقة.

لم يكن الحديث مع ماكديرموت عادياً. لقد كانت نبرة حديثه فيها الكثير من الحماس للعمل، لا سيما «أننا شاهدنا في مؤتمر «ليب24» روحاً وشغفاً وإبداعاً وحماس 230 ألف شاب وشابة يطمحون إلى الارتقاء بالاقتصاد الرقمي في المملكة».

وأضاف خلال حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في «ليب24» أن الفضل في تحفيز الطموح في نفوس الشباب يعود إلى البيئة الحاضنة للمواهب، بقيادة مبدعة وطموح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وطاقم إداري مسؤول عن حراكه، لافتاً إلى أن «تلك العوامل وغيرها الكثير ستسهم في نجاحنا في المملكة».

الاستثمار في السعودية

حول سبب عزم «سيرفيس ناو» الاستثمار في السعودية، قال ماكديرموت «سوقها المزدهرة وحجم الابتكار التقني والتطور الذي تمر به في يومنا الحالي يُنبئ بالكثير من التطور والفرص الواعدة لقطاع التقنية والمعلومات، ولذلك وقعنا العديد من الاتفاقيات أثناء حضورنا مؤتمر (ليب2024)».

ومن بين تلك الاتفاقيات، شراكة «سيرفيس ناو» مع مشروع الكراج - الذي يهدف إلى دعم نمو الشركات المحلية والدولية الناشئة في الرياض. و«نطمح من خلالها لأن تكون لنا يد للمساهمة في هذا التطور من خلال تعليم آلاف الشبان والشابات السعوديين على منصة (سيرفيس ناو)، وسنقوم بتوظيف نخبة الخريجين وتوجيههم وتدريبهم وتوفير فرص عمل لهم سواء في القطاع العام أو الخاص».

وتابع «بالإضافة إلى ذلك، ينتظر شباب وشابات المملكة مستقبل مشرق بحق، ولأجل ذلك بدأنا بتعزيز حضورنا في المملكة من خلال خطتنا الهادفة لتأسيس مقر إقليمي جديد للشركة في مدينة الرياض. وإكمالاً لمساعينا، نعتزم الاستثمار بمبلغ 500 مليون دولار وافتتاح مركزي بيانات في السعودية لضمان إدارة البيانات والحفاظ على أمنها واستمرارية الأعمال التي تواكب طموح المملكة، التي تُعد أكبر سوق في الشرق الأوسط، لذا فإننا في (سيرفيس ناو) متحمسون لنصبح جزءاً من هذا التحول والازدهار».

ثورة الذكاء الاصطناعي

ويعتقد الرئيس التنفيذي لـ«سيرفيس ناو» أن ثورة الذكاء الاصطناعي تعد أقوى ابتكار حدث منذ إصدار الآيفون، وأن شركته تعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها مستهدفة التحول الرقمي الذي يعد أكبر سوق في صناعة التقنية والمعلومات.

ويشرح أن «سيرفيس ناو» هي شركة برمجيات رائدة في إدارة سير العمل الرقمي، تعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي في عملياتها مستهدفةً التحول الرقمي. وقال «الشركات تعيش لحظات حاسمة مع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهذا ما نقوم بتقديمه حالياً في (سيرفيس ناو)، مع توليفة تجمع بين خدمات الحوسبة السحابية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث».

خطط «سيرفيس ناو»

وأكد ماكديرموت أن «سيرفيس ناو» تأسست في المملكة في عام 2011، وقال «الآن نملك عددا من المشاريع الحالية إلى جانب الشركات التي قمنا بها مسبقاً. فخلال جائحة كوفيد 19 حظينا بفرصة العمل مع وزارة العدل وقمنا بتحويل 180 عملية تجارية لمواكبة التحديات التي واجهتها في تلك الفترة. كما عملنا مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية لتوحيد خدمات تقنية المعلومات والموظفين عبر بوابة واحدة تستوعب 23 ألف موظف، لحل أي تحديات تواجههم تلقائياً. وبالنسبة لكلتا الوزارتين، فقد ساهمنا في تحسين تجربة الموظفين بهما من جوانب عدة بشكلٍ كبير.

وأوضح «بالإضافة لذلك، لدينا شركاء مثل ديلويت يتعاونون مع (سيرفيس ناو) لتحويل القطاع العام رقمياً، وتعد هذه التعاونات مهمة جداً لإحداث التغيير. وفي هذا الإطار أرغب بالقول إن لدينا الكثير من المشاريع المقبلة التي لا نطيق صبراً لنُطلعكم عليها، فكونوا مستعدين لها».

وشدد على أن طموحه بأن يساهم في جعل السعودية رائدة عالمياً في هذا القطاع، وأنه يضع هذه الرؤية على رأس أولوياته، من خلال التركيز على تدريب الشباب، وإعادة ابتكار الأعمال، وتنمية الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات وتجارب المستخدمين.

وقال ماكديرموت «يكمن هدفي بالعمل على صعيدين هما: جعل (سيرفيس ناو) شركة صناعة البرمجيات المؤسسية في القرن الحادي والعشرين، وجعل المملكة السوق الرئيسية والشريك الرئيسي لتحقيق هذا الهدف. وأعتقد أن السعودية ستحتضننا بشكل إيجابي لنصبح سويا محط جذب للابتكار والتقنية، مما يساهم في تغيير تجربة الملايين من الأفراد وتحسين حياتهم بشكل جذري».

الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» الأميركية بيل ماكديرموت

السعودية لاعب رئيسي في القطاع الرقمي والتقني العالمي

عندما طرحت عليه سؤالاً من وجهة نظره المحايدة حول قدرة السعودية في أن تكون لاعباً مؤثراً على مستوى التكنولوجيا العالمي، صمت ماكديرموت قليلاً ثم انطلق بالحديث فقال «لا أعتقد أن المملكة العربية السعودية ستكون فقط لاعباً، بل أرى أنها ستكون رائدة في قطاع التقنية والرقمنة على المستوى العالمي. لذا فإن هذه اللحظة تعد مهمة في تاريخ المملكة ويجدر بنا اتخاذ إجراءات فعالة وملموسة للنهوض بالقطاع».

وأضاف «لدينا العديد من التحديات التقنية والتعقيدات التي تعترض الطريق، وأعتقد أننا باستخدام منصة الذكاء الاصطناعي للتحول الرقمي التابعة لـ(سيرفيس ناو)، يمكننا تبسيط هذه التعقيدات من خلال منح المستخدمين واجهة واحدة تعالج تلك المعادلات المعقدة. وسنقوم بنقل البيانات إلى منصة (سيرفيس ناو)، ونعيد ابتكار طريقة آلية لسير وتدفق العمل، وذلك بهدف تعزيز جودة تجارب المستخدمين بطرق مبتكرة».

وزاد «نقوم بعمليات تحسين مستمرة، فقد بات الآن باستطاعة المستخدمين التحدث للنظام بلغته الطبيعية، وسيستطيع وبكل بساطة تكوين المعادلات بين جميع الأنظمة المعقدة لتقديم الإجابات المناسبة. وبهذه اللحظة على وجه التحديد يمكن أن يحدث التعلم العميق، حيث يمكن للنظام فهم الصور وتحليل البيانات بطرق متقدمة للغاية».

مخاوف التقنيات الجديدة

وحول مخاوفه من أن يصبح الذكاء الاصطناعي الجديد أذكى من البشر، قال الرئيس التنفيذي لـ«سيرفيس ناو» خلال الحوار «أعتقد أنه من الممكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي في العديد من الحالات أذكى من البشر، ولكن هذه ليست النقطة الجوهرية التي يجب أن نركز عليها، لأن الأمر الأكثر أهمية برأيي هو أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون في خدمة البشرية. وهذا السبب الأساسي من وراء وجود التقنية في حياتنا، حيث تهدف لجعل حياة الإنسان أفضل. والخطر يكمن في قيادة التقنية وأجهزة الكومبيوتر للبشر، والتحدي هو أن تبقى قيادة التقنية في أيدي البشر».

وزاد «في الحقيقة، سؤالكم يعيدني بالزمن للوراء وتحديداً للعام 1966 عندما نشرت مجلة (التايم) موضوعاً يتعلق بأجهزة الكومبيوتر حيث جاء في التقرير أن أجهزة الكومبيوتر ستستولي على 90 في المائة من الوظائف، ولن يتبقى سوى 10 في المائة فقط التي ستكون للمديرين التنفيذيين. كما أنها أتبعت تقريرها بتوصيات بأنه يتعين على الدولة أن تدعم جميع العاملين حتى يتمكنوا من التمتع بحياة كريمة. أما اليوم، وبعد هذا التقرير، يتوفر في الولايات المتحدة الأميركية وحدها 90 مليون وظيفة في المجال التقني».

وتابع «تبنينا وجهة نظر فريدة حول استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في (سيرفيس ناو) بشكل فعال، لأننا نقوم بالعمل حالياً على قاعدة بيانات لنماذج لغوية ضخمة لتكون قادرة على التعامل مع مجالات متخصصة في المعرفة والصناعات، بهدف تعزيز كفاءة الردود على طلبات الذكاء الاصطناعي التوليدية في المستقبل. وذلك بالاعتماد على بياناتك الخاصة التي جمعت ونظمت بعناية على مدار عقود من الآن.

التطور الهائل

واختتم بيل ماكديرموت حديثه بما بدأ به بالتطرق إلى إعجابه بالتطور الهائل في المملكة، وقال «أود أن أعبّر عن إعجابي بالأمير محمد بن سلمان، وما قام به فيما يتعلق بقضايا المرأة ودعم حقوقها. هذه النقطة مهمة لنا في شركة (سيرفيس ناو) وخاصة لأن نصف قاعدة موظفينا ستكون من الفئة النسائية، إنني أقيس ذلك لأن أكثر من نصف القادة الذين نوظفهم في الشركة من النساء. ونتوقع أن نطبق ذلك هنا أيضاً».

وزاد «هذا التوجه والنهج يحقق مستويات غير متوقعة من الإنتاجية في مكان العمل، فعندما يشعر الموظفون بالتنوع والعدالة والاندماج على صعيد الدول أو حتى الشركات يساهم ذلك في تعزيز الإنتاجية والنجاح. في الحقيقة ووفقاً لجميع الإحصائيات وجدنا أن السعودية تتفوق حتى على وادي السيليكون - الذي يعتبر مركزاً عالمياً للابتكار والتقنية - في تحقيق هذا النهج والالتزام به».

وحول نصيحته للمواهب السعودية، قال «أرغب أن أقول لهم في البداية: احتفلوا باللحظة الحالية فمع التطوير السريع الذي نشهده في مجال الذكاء الاصطناعي، هناك فرص عظيمة. كما أننا نقدم في (سيرفيس ناو) منصة رائدة في هذا المجال وهي بوابة لفرص العمل في المملكة وحتى في القطاع الخاص، لذا تعالوا وانضموا إلينا. حيث تجمعنا شراكة مع الأكاديمية السعودية الرقمية لتدريب آلاف الشباب».

وأضاف «إنني أدعوهم لنفكر معاً في مستقبل مشرق، والانضمام إلينا في (سيرفيس ناو)، لاكتشاف الفرص والإمكانيات التي لا حصر لها».

يؤكد الرئيس التنفيذي لشركة «سيرفيس ناو» أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون في خدمة البشرية (الشرق الأوسط)


مقالات ذات صلة

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

خاص تكشف المخاوف المرتبطة بنموذج «أنثروبيك» عن تحول أوسع في المخاطر السيبرانية (رويترز)

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

تكشف مخاوف «أنثروبيك» تحولاً أوسع حول إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل المخاطر السيبرانية على البنوك ما يوسع الهجوم والدفاع معاً بسرعة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مؤيدو الذكاء الاصطناعي يرون أنه يحمل إمكانات هائلة لإحداث ثورة في الطب (رويترز)

خبراء يُحذرون: الذكاء الاصطناعي يكشف عن طرق خطيرة لتطوير أسلحة بيولوجية

في وقت يتسارع فيه تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، تزيد المخاوف بشأن إساءة استخدام هذه الأدوات في مجالات حساسة وخطيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الصورة التي نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال»

«انتهى زمن الرجل اللطيف»... ترمب يهدد إيران بصورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي

وجّه الرئيس الأميركي رسالة تحذيرية إلى إيران عبر منصة «تروث سوشيال»، مرفقة بصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها وهو يحمل سلاحاً وخلفه انفجارات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا معالج "غرافيتون5"

«ميتا» توقع اتفاقية مع «أمازون ويب سيرفيسز» لتشغيل الذكاء الاصطناعي الوكيل

لتطوير جيل جديد من الأدوات الذكية والخدمات المبتكرة للمستخدمين

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

يرصد الموظفين ذوي الإمكانات العالية قبل إشغال المنصب بثلاث إلى خمس سنوات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
TT

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح بلاده في سداد 3.5 مليار دولار من الديون الثنائية الإلزامية، مؤكداً أن هذا العبور المالي الآمن لم يكن ممكناً لولا الدعم «المحوري» من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح شريف أن هذا السداد الضخم تم من دون المساس باستقرار احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت مستويات عند 20.6 مليار دولار، وهي الخطوة التي تعدّ وقوداً فعلياً لتقوية موقف المفاوض الباكستاني أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشترط عادةً وجود تمويل خارجي مؤكد واستقرار في الاحتياطيات للموافقة على برامج التمويل.

وكان البنك المركزي الباكستاني أعلن يوم الجمعة أن باكستان سددت جميع ديونها للإمارات بقيمة 3.45 مليار دولار، وذلك بعدما منحت السعودية إسلام آباد تمويلاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار مع تمديد أجل وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار.


لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.