انكماش نشاط الأعمال في منطقة اليورو يُنذر بركود اقتصادي

الأسهم الأوروبية تنتعش مدعومة بمكاسب قطاعي الطاقة والرعاية

استمر الانكماش في نشاط الأعمال في منطقة اليورو في نهاية 2023 وأظهر مؤشر مديري المشتريات المركب تراجعاً للشهر السابع على التوالي (رويترز)
استمر الانكماش في نشاط الأعمال في منطقة اليورو في نهاية 2023 وأظهر مؤشر مديري المشتريات المركب تراجعاً للشهر السابع على التوالي (رويترز)
TT

انكماش نشاط الأعمال في منطقة اليورو يُنذر بركود اقتصادي

استمر الانكماش في نشاط الأعمال في منطقة اليورو في نهاية 2023 وأظهر مؤشر مديري المشتريات المركب تراجعاً للشهر السابع على التوالي (رويترز)
استمر الانكماش في نشاط الأعمال في منطقة اليورو في نهاية 2023 وأظهر مؤشر مديري المشتريات المركب تراجعاً للشهر السابع على التوالي (رويترز)

استمر الانكماش في نشاط الأعمال في منطقة اليورو في نهاية عام 2023 بسبب التراجع المستمر في صناعة الخدمات المهيمنة، وفقاً لاستطلاع أظهر يوم الخميس أن اقتصاد الكتلة يمر بحالة ركود.

وتم تعديل مؤشر مديري المشتريات المركب (بي إم آي) لأعمال منطقة اليورو، الذي أعدته «ستاندرد آند بورز غلوبال» ويعد مقياساً جيداً للصحة الاقتصادية العامة، لشهر ديسمبر (كانون الأول) ليتوافق مع 47.6 في نوفمبر (تشرين الثاني) بعد تقدير أولي 47.0، لكنه ظل أقل من العلامة 50 التي تفصل بين النمو والانكماش للشهر السابع، وفق «رويترز».

ويشير ذلك إلى أن الاتحاد النقدي الذي يضم 20 دولة، والذي انكمش بنسبة 0.1 في المائة في الربع الثالث من عام 2023 من المحتمل أن يكون قد انكمش مرة أخرى في الربع الأخير، وهو ما يفي بالتعريف الفني للركود.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات إلى أعلى مستوى له في 5 أشهر عند 48.8 من 48.7 في نوفمبر.

وقال كبير الاقتصاديين في «هامبورغ كوميرشال بنك»، سيروس دي لا روبيا: «لم يصل الأمر بعد إلى مرحلة الركود بالنسبة للخدمات، لكن الأجواء بعيدة كل البعد عن التوجه نحو النمو. هناك نقص في الإشارات الواضحة التي تشير إلى عودة وشيكة إلى التوسع القوي».

وأضاف: «ومع ذلك، يدق مؤشر مديري المشتريات المركب ناقوس الخطر بشأن الركود في منطقة اليورو»، مشيراً إلى أن نموذجه الاقتصادي يتوقع انكماشاً في الربع الرابع.

وعلى الرغم من تراجع الطلب على الخدمات بشكل طفيف الشهر الماضي مع ارتفاع مؤشر الأعمال الجديدة إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر عند 47.1 من 46.7، إلا أنه ظل أقل من 50 للشهر السادس.

وكان ذلك مشابهاً لنتائج مسح مماثل يوم الثلاثاء أظهر انكماش نشاط المصانع في منطقة اليورو في ديسمبر للشهر الثامن عشر على التوالي، منهياً عام 2023 على مستوى ضعيف.

وعلى الرغم من علامات استمرار تباطؤ الطلب على الخدمات، ارتفعت أسعار الإنتاج المركبة بأسرع وتيرة لها منذ يونيو (حزيران)، ما يشير إلى أن التضخم سيبقى أعلى من هدف المصرف المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة على المدى القريب.

وأشار دي لا روبيا إلى أنه في مواجهة قطاع خدمات راكد، من المثير للإعجاب أن يكون مقدمو الخدمات قادرين على تحويل جزء من تكاليف المدخلات المتزايدة إلى العملاء.

وتابع: «سيعارض هذا أعضاء المصرف المركزي الأوروبي الذين يميلون إلى خفض أسعار الفائدة بالفعل في مارس (آذار). نتوقع أول تخفيض لأسعار الفائدة في يونيو (حزيران)».

ومع ذلك، تحسن الشعور العام تجاه العام المقبل؛ حيث ارتفع مؤشر توقعات الإنتاج المستقبلية المركبة إلى أعلى مستوى له في سبعة أشهر عند 57.6 من 56.0.

الأسهم الأوروبية تستعيد عافيتها

على صعيد آخر، انتعشت الأسهم الأوروبية، يوم الخميس، مدعومة بمكاسب قطاعي الرعاية الصحية والطاقة، مع ترقب المستثمرين لسلسلة من البيانات الاقتصادية بحثاً عن أي دلالات للتيسير النقدي من المصارف المركزية الكبرى في وقت أقرب من المتوقع هذا العام.

وارتفع المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.5 في المائة بحلول الساعة 08:04 (بتوقيت غرينتش)، بعد أن سجل أدنى مستوى في 3 أسابيع في الجلسة السابقة. وارتفع مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.2 في المائة، متعافياً من يومين متتاليين من الخسائر. وارتفع أيضاً مؤشر «إف تي إس إي 205» المتوسط بنسبة 0.2 في المائة، وفق «رويترز».

كما ارتفعت أسهم الطاقة 0.8 في المائة يوم الخميس لتصل إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ستة أسابيع بعد أن واصلت أسعار النفط مكاسبها بفعل المخاوف المستمرة بشأن تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط. كذلك ارتفعت أسهم قطاع الرعاية الصحية 0.8 في المائة.

وتحسنت المعنويات أيضاً على خلفية بيانات أظهرت توسع نشاط الخدمات في الصين بأسرع وتيرة في خمسة أشهر.

وقفز سهم «نكست» البريطانية لبيع الملابس بالتجزئة خمسة في المائة إلى قمة المؤشر «ستوكس 600» بعد أن رفعت الشركة توقعات الأرباح على مدى عام حتى يناير (كانون الثاني) 2024.

وأظهرت دراسة نُشرت يوم الأربعاء أن الشركات البريطانية متفائلة بشكل طفيف بشأن نمو المبيعات هذا العام بعد استقرار إلى حد كبير في عام 2023. ومع ذلك، لا تزال الشركات حذرة بشأن زيادة الاستثمار.

في المقابل، هوى سهم «إيفوتك» 16 في المائة بعد أن أعلنت شركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية الرحيل «المفاجئ» لرئيسها التنفيذي الذي تولى المنصب منذ فترة طويلة.

هذا ويترقب المستثمرون بفارغ الصبر قراءات مؤشر مديري المشتريات لمنطقة اليورو وبيانات التضخم الاستهلاكي في ألمانيا، بعد يوم من إظهار محضر اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر ديسمبر أن المسؤولين على قناعة بأن التضخم أصبح تحت السيطرة، وأن القلق تحول تجاه مخاطر سياسة التشديد النقدي على الاقتصاد.

وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات جديدة أن أسعار المستهلكين في فرنسا ارتفعت في ديسمبر بما يتماشى مع التوقعات؛ حيث أظهرت البيانات الصادرة يوم الخميس ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 4.1 في المائة مقارنة مع 3.9 في المائة في نوفمبر الماضي.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال» (نوفاتك)

روسيا ترسل أول شحنة غاز إلى الصين من مشروع «يامال» منذ نوفمبر

أرسلت روسيا أول شحنة غاز مسال من مشروع «يامال» إلى الصين منذ نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك قبل أسابيع من بدء تطبيق الحظر الأوروبي على واردات الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد ارتفعت علاوة النفط الأميركي لشمال آسيا في يوليو بـ30 و40 دولاراً للبرميل (رويترز)

علاوة النفط الأميركي تقفز جراء تنافس مصافي التكرير الأوروبية والآسيوية على الشراء

قفزت علاوات أسعار خام غرب تكساس الوسيط الأميركي الفورية، إلى مستويات قياسية مع احتدام المنافسة بين مصافي التكرير الآسيوية والأوروبية على الخام الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي (أ.ب)

ميدفيديف يدعو لعدم «التسامح» مع سعي أوكرانيا للانضمام للاتحاد الأوروبي

قال ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن ​الروسي اليوم الجمعة إن على موسكو التخلي عن «موقفها المتسامح» تجاه احتمال انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا رئيسة مولدوفا مايا ساندو خلال مؤتمر صحافي مع رئيس لاتفيا إدغارس رينكيفيتش بعد اجتماعهما في ريغا بلاتفيا 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

مولدوفا تعلن انسحابها النهائي من «رابطة الدول المستقلة» التي تقودها روسيا

قررت جمهورية مولدوفا، الخميس، جعل انسحابها من «رابطة الدول المستقلة» التي تُهيمن عليها روسيا، نهائياً، وفق ما أعلنه البرلمان المولدوفي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.