«إس آر إم جي ثينك»: فجوة تمويل تغير المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تهدد جهود التخفيف والتكيف

تتراوح التكلفة الاقتصادية لمعالجة آثاره بين 0.4 و1.3% من الناتج المحلي الإجمالي

كشف تقرير «إس آر إم جي ثينك» عن ضرورة زيادة التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما لا يقل عن 20 ضعفاً لمواجهة آثار تغير المناخ خلال الفترة من 2030 إلى 2040 (البنك الدولي)
كشف تقرير «إس آر إم جي ثينك» عن ضرورة زيادة التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما لا يقل عن 20 ضعفاً لمواجهة آثار تغير المناخ خلال الفترة من 2030 إلى 2040 (البنك الدولي)
TT

«إس آر إم جي ثينك»: فجوة تمويل تغير المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تهدد جهود التخفيف والتكيف

كشف تقرير «إس آر إم جي ثينك» عن ضرورة زيادة التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما لا يقل عن 20 ضعفاً لمواجهة آثار تغير المناخ خلال الفترة من 2030 إلى 2040 (البنك الدولي)
كشف تقرير «إس آر إم جي ثينك» عن ضرورة زيادة التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما لا يقل عن 20 ضعفاً لمواجهة آثار تغير المناخ خلال الفترة من 2030 إلى 2040 (البنك الدولي)

كشف تقرير حديث عن ضرورة زيادة التمويل المناخي داخل 19 دولةً من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما لا يقل عن 20 ضعفاً لتحقيق أهدافها الطموحة في خفض الانبعاثات الكربونية، ومواجهة آثار تغير المناخ، خلال الفترة من 2030 إلى 2040.

وقد نشرت «إس آر إم جي ثينك»، وهي شركة للأبحاث المستقلة والاستشارات الاستراتيجية تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقريراً جديداً حمل عنوان «سد الفجوة: تحدي التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وشمل التقرير كلاً من الأردن ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان والكويت والبحرين واليمن ومصر وتونس والمغرب والجزائر وليبيا والسودان وجيبوتي.

وبحسب التقرير، قامت 9 دول، وهي مصر وتونس والمغرب والأردن والإمارات العربية المتحدة والعراق وجيبوتي وفلسطين والسودان، بتحديد احتياجاتها من التمويل المناخي، وذلك بناءً على خطة المساهمات المحددة وطنياً التابعة للأمم المتحدة. ويقدر إجمالي التمويل المناخي الذي تحتاجه هذه البلدان بنحو 495 مليار دولار، خلال الفترة من 2030 إلى 2040.

التمويل غير كافٍ

تجدر الإشارة إلى أن التمويل المخصص لدعم ملف المناخ في هذه الدول، بما فيه التمويل المشترك، يبلغ 24.4 مليار دولار، وذلك ضمن خطة المساهمات المحددة وطنياً التابعة للأمم المتحدة، إلا أنه لا يزال أقل بكثير من المطلوب. فتسع دول فقط حددت احتياجها الذي يتجاوز هذا الرقم بكثير، ويبلغ 495 مليار دولار لتمويل العمل من أجل المناخ. كما أن التقديرات تشير إلى أن المبلغ الإجمالي للتمويل المناخي الذي تحتاج إليه البلدان التسعة عشر مجتمعة سيتجاوز الرقم البالغ 20 مليار دولار بكثير، وذلك عندما تعلن البلدان العشرة المتبقية عن تكاليف التمويل المناخي في مساهماتها المحددة وطنياً.

ويجعل مبلغ التمويل الموافق عليه البالغ 24.2 مليار دولار المستمد من الصناديق الرئيسية ومصادر التمويل المشترك الإضافية، حصة المنطقة من التمويل المناخي من أقل الحصص على الصعيد العالمي. وجرت الموافقة، بين عام 1992 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2023، على تخصيص نحو 2.7 مليار دولار لإنجاز مشاريع في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من إجمالي مبلغ التمويل المناخي والبيئي الذي أتاحته صناديق المناخ الثلاثة الكبرى؛ أي ما يعادل 6.6 في المائة فقط من التمويل العالمي. واستُمَد التمويل الإضافي الذي ساهم في المبلغ التراكمي الإجمالي البالغ 24.4 مليار دولار من تدفقات واردة إلى المنطقة بقيمة 21.7 مليار دولار في شكل تمويل مشترك من بنوك التنمية الثنائية والمتعددة الأطراف ومن الحكومات والقطاع الخاص.

إعاقة جهود التخفيف والتكيف

ووفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (يو إن إف سي سي سي)، يشمل التمويل المناخي مجموعة متنوعة من مصادر التمويل، بما في ذلك المصادر العامة والخاصة والبديلة، تهدف إلى دعم الإجراءات الرامية إلى التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها.

كما أن بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤهلة للحصول على التمويل من 24 صندوقاً دولياً معنياً بالمناخ والبيئة. وأضخم هذه الصناديق هي صناديق الاستثمارات المناخية، ومرفق البيئة العالمية، والصندوق الأخضر للمناخ. وكلا الأخيرين جزء من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. وتؤدي هذه الصناديق، إلى جانب صندوق التكنولوجيا النظيفة، وهو الموزع الرئيسي لتمويل مرفق البيئة العالمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، دوراً حاسماً في تمويل المناخ.

وكشف التقرير أن تمويل تغير المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير كافٍ، مما يعوق جهود التخفيف والتكيف. ومن المرجح أن تتفاقم التحديات الاجتماعية والبيئية والسياسية في المنطقة بسبب تغير المناخ؛ إذ تصبح الظواهر الجوية المتطرفة أكثر تواتراً وشدة، بما في ذلك موجات الحر والجفاف والفيضانات المفاجئة المتكررة (لا سيما في الخليج)، والعواصف الرملية الشديدة على نحو متزايد، وخاصة في العراق.

وتطرح هذه التغيرات المناخية مخاطر جسيمة على أمن الغذاء والمياه والطاقة وتؤدي إلى تفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، وقد تترتب عليها تحديات جديدة. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التكلفة الاقتصادية لمعالجة آثار تغير المناخ في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتراوح بين 0.4 و1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد يرتفع هذا الرقم ليبلغ 14 في المائة إذا لم تُنفَّذ تدابير التخفيف والتكيف تنفيذاً فعالاً.

معضلة مناخية

هذا وتواجه الدول تحديات كبيرة في الوصول إلى التمويل المناخي والبيئي، على الرغم من تعرضها الشديد لمخاطر المناخ. ويمنع أحد هذه التحديات، ألا وهو ضرورة امتلاك سجل راسخ من أنشطة التمويل المناخي، أكثر الدول تعرضاً للخطر في المنطقة من المضي قدماً في اتخاذ تدابير التكيف مع تغيرات المناخ والتخفيف من آثارها. وتجد الدول الهشة أو المتأثرة بالنزاعات مثل العراق واليمن وسوريا صعوبة في استيفاء معايير الأهلية للحصول على التمويل المناخي الدولي.

كذلك يعوق الصراع وعدم الاستقرار السياسي في هذه الدول إنشاء مؤسسات وأنظمة مناسبة، مما يدفع بقضايا المناخ إلى مرتبة متأخرة في قائمة الأولويات. كما أن هذه الدول تشارك ببطء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، مما يعقد من عملية الحصول على التمويل المناخي الدولي. بالإضافة إلى ذلك، تواجه «معضلة مناخية»؛ إذ تحتاج إلى سجل حافل من الأنشطة المناخية للحصول على المزيد من التمويل، ولكن من الصعب عليها بناء هذا السجل على الرغم من كونها أكثر الدول احتياجاً لهذا التمويل.

في المقابل، تتمتع الدول ذات السجل الحافل بميزة كبيرة في الحصول على التمويل المناخي الدولي بسبب قدرتها على وضع خطط استثمار فعالة، وصياغة مقترحات تمويل قوية، والتواصل الفعال مع الوكالات التمويلية، واستيفاء مؤشرات الأداء الرئيسية.

وفي الختام، وجد التقرير أن عملية تأمين تمويل المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تستغرق 4-5 سنوات للانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، ليست مجدية أو فعّالة؛ فغالباً ما تتغير الحلول والمخاطر المحددة ضمن طلب التمويل بحلول وقت تسلم التمويل. كما تتمتع الدول المتقدمة في ملف المناخ بميزة كبيرة على البلدان الهشة أو المتأثرة بالنزاعات، مما يؤدي إلى تهميش هذه البلدان التي هي في أمسّ الحاجة إلى التمويل؛ لذا هناك حاجة ملحة لإعادة تقييم معايير منح التمويل بهدف إعطاء الأولوية للحالات الطارئة.

الحاجة إلى تمويل مناخي عادل

وتعليقاً على ما ورد في التقرير، قالت رئيسة قسم تحوّلات الطاقة في مؤسسة «إس آر إم جي ثينك»، جيسيكا عبيد، إنه من المهم جداً التشديد على الضرورة الملحة للتمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عادل؛ فقد حان الوقت لتجاوز المعايير التقليدية وإعطاء الأولوية للإجراءات المناخية الفورية والتأكد من وصول التمويل إلى من يحتاجون إليه بأكبر قدر من السرعة والفاعلية.

أما المديرة التنفيذية، لـ«إس آر إم جي ثينك»، نداء مبارك، فعدّت أن عملية تمويل المناخ البطيئة، إلى جانب تفضيل البلدان التي لديها خبرات سابقة في تلقي تمويل المناخ، تضع حاجزاً كبيراً أمام أكثر الدول حاجة لهذا التمويل ولم يكن لديها سجل سابق في التعامل مع التمويل المناخي. وأشارت إلى أن مكافحة تغير المناخ ليست مجرد إشكالية مقلقة على المستوى الإقليمي ولكنها ضرورة عالمية، وقد حان الوقت لأن يكثف المجتمع الدولي جهوده ويعيد التفكير في كيفية دعم المعنيين بتغير المناخ بشكل أكثر فاعلية.


مقالات ذات صلة

تسجيل درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أوروبا خلال 2025

أوروبا شهدت أوروبا موجة حر تاريخية بدول الشمال وتقلصاً في الأنهار الجليدية (أ.ف.ب) p-circle

تسجيل درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أوروبا خلال 2025

قال علماء من الاتحاد الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، إن معظم أنحاء أوروبا شهدت درجات حرارة أعلى من المعدل المتوسط في عام 2025.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تحليل إخباري مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

تحليل إخباري بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

هل سنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية؟

أنطوان الحاج
يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.