مصر: مقترح لتعديل استراتيجية التعامل مع «ملف الديون»

رئيس الوزراء يؤكد: أزمة العملة ستنتهي في فترة بسيطة جداً

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (رويترز)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: مقترح لتعديل استراتيجية التعامل مع «ملف الديون»

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (رويترز)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (رويترز)

كشف النائب أحمد سمير عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ المصري، عن مقترح لتقليل الضغوط على الجنيه في البلاد، من خلال سياسة جديدة في التعامل مع «ملف الديون المصرية»، في ضوء ما تمر به البلاد من أزمة حادة في شح العملة.

وقال سمير في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن المقترح، الذي سيقوم بعرضه على اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ لعرضها بالجلسة العامة، يتضمن خطة لتحويل الديون المصرية إلى استثمارات ومشروعات، ويستهدف صندوق النقد والبنك الدوليين. موضحاً «أنه لو تم الاتفاق مع هاتين المؤسستين، على تخفيض الديون المصرية وتحويل جزء منها إلى مشروعات واستثمارات، كما يحدث مع بعض البلدان الأخرى، سينعكس هذا على التصنيف الائتماني المصري بالإيجاب».

كشف التقرير المالي لشهر سبتمبر (أيلول) الماضي، الصادر عن وزارة المالية، أن مصر أنفقت 391.8 مليار جنيه على خدمة الدين في أول شهرين من العام المالي الحالي 2024/2023. بزيادة 160 في المائة عن الـ149.9 مليار جنيه جرى إنفاقها في الفترة نفسها من العام المالي الماضي.

أدى هذا إلى اتساع عجز الموازنة إلى 3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال أول شهرين، من 1.4 في المائة في العام السابق.

وخفضت وكالات التصنيف الائتماني الثلاث، «موديز» و«فيتش» و«ستاندرد أند بورز»، التصنيف الائتماني لمصر، في ظل ارتفاع قياسي للديون السيادية وخدمة الدين، كان آخرها تقرير وكالة موديز، التي خفضت تصنيف مصر من B3 إلى Caa1.

تواجه مصر أزمة اقتصادية وسط تضخم قياسي ونقص حاد في العملة الأجنبية، فضلا عن أن ارتفاع مستويات الاقتراض على مدى السنوات الثماني الماضية لسداد الديون الخارجية، صار عبئاً مرهقاً بشكل متزايد على الميزانية المصرية. وانعكس على مستويات المعيشة لجميع المصريين.

وأوضح سمير، أن المقترح الذي يتم إعداده حالياً بخصوص وضع الدولار في مصر يتضمن «وضع سياسة لدفع الديون المصرية تختلف عن الوضع الحالي... سيتم تقديمه بشكل رسمي بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة». رافضاً الإفصاح عن تفاصيل المقترح، لكنه قال إنه «في إطار البلورة».

وتستعد مصر لإجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بينما تسعى لزيادة قيمة التسهيلات الائتمانية المقررة مع صندوق النقد الدولي، والبالغة 3 مليارات دولار، في ضوء زيادة الضغوط الخارجية جرَّاء الحرب في قطاع غزة الملاصق للحدود المصرية.

وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في هذا الصدد، إن الصندوق «يدرس بجدية» زيادة محتملة لبرنامج القروض لمصر البالغ ثلاثة مليارات دولار نتيجة الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» الفلسطينية.

وأضافت غورغييفا على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي أن الصراع «يدمر» سكان غزة واقتصادها، وله «آثار خطيرة» على اقتصاد الضفة الغربية، ويشكل أيضاً صعوبات للدول المجاورة مصر ولبنان والأردن من خلال الخسائر في إيرادات السياحة وارتفاع تكاليف الطاقة.

وقال رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، في هذا الصدد، إن أزمة العملة التي تعاني منها البلاد «أزمة عابرة» وستنتهي في فترة بسيطة جداً.

وتوقعت وكالة «موديز» أن تساعد عائدات بيع الأصول المصرية في استعادة احتياطي السيولة من العملة الصعبة للاقتصاد، وحددت النظرة المستقبلية لمصر عند «مستقرة». وتعكس توقعات الوكالة أن مصر ستستمر في الحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي بموجب.

وقد تكون نهاية الانتخابات الرئاسية، بداية لتخفيض جديد في العملة المحلية، التي خفضتها مصر 3 مرات منذ مارس (آذار) 2022، بأكثر من 50 في المائة أمام الدولار، وسط زيادة المعاملات في السوق الموازية التي انتعشت الأسبوع الأخير وبلغت مستويات قمة للدولار، لم تبلغه من قبل.

تعديل قانون رأس المال

أفصح سمير، عن أن اللجنة الاقتصادية تدرس حالياً تعديل قانون رأس المال، لتنشيط التعاملات في البورصة المصرية من جذب شركات جديدة، وزيادة الطروحات المحلية والأجنبية.

أضاف لـ«الشرق الأوسط»: «نحن الآن في بدايات الفصل التشريعي... تعديل قانون سوق رأس المال والبورصة، والاستثمار غير المباشر، محل دراسة من اللجنة الاقتصادية بشكل عام للقانون... وسنبدأ التحدث مع المتخصصين العاملين بهذا القطاع في أقرب وقت للوقوف على أبرز التحديات».

ورغم ارتفاع مؤشرات البورصة المصرية على مدار الأسابيع الماضية، وتسجيل المؤشر الرئيس قياساً جديداً أعلى 24300 نقطة، بدعم مشتريات أجنبية، في جلسة الخميس، آخر تداولات الأسبوع، فإن رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة يبلغ 1.6 تريليون جنيه.

وقال سمير في هذا الصدد: «نقارن البورصة المصرية بنظيرتها السعودية حالياً... وبالتالي نرى أن حجم التداول في بورصة مصر يجب أن يتضاعف... نحتاج إلى المزيد من السيولة من خلال طرح المزيد من الشركات، وذلك من خلال زيادة المحفزات التي نقوم بدراستها الآن ...». مؤكداً: «باختصار ندرس: ما هو المطلوب من البورصة المصرية لتكون جاذبة، لآن الوضع الحالي لا يتلاءم وحجم دولة كبيرة مثل مصر».

رؤية 2030

وأشار سمير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى رؤية مصر 2030، التي قال بشأنها: «الضغوط الحالية الخارجية والمحلية على مصر كبيرة جداً... على المستوى الاقتصادي والجيوسياسي... هذا الوضع يحتاج إلى تعديلات كبيرة... قد تذهب إلى رؤية مصر 2030».

وقال: «جذب المستثمر أصبح صعباً للغاية، في ظل عدم اليقين وخوف المستثمرين، والتنافسية مع الدول المجاورة، نحتاج إلى محفزات، ولدينا تجارب مثل كينيا والمغرب وجنوب أفريقيا».

وأكد: «ما زلنا نطرح النقاشات في تعديل الرؤية، نحن في بداية الجلسات، وبعد انتهاء الجلسات سيكون لدينا رؤية واضحة بشأن الصيغة النهائية».

كانت مصر قد أطلقت النسخةَ الأولى من استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030، في عام 2016، كنقطة ارتكاز أساسية لمسيرة التنمية الشاملة، آخذةً بعين الاعتبار الأولويات والطموحات الوطنية لرسم خريطة طريق تُحقّق التنمية المستدامة، وتلبِّي أحلام الشعب المصري وتطلعاته في الحياة الكريمة اللائقة، بما يُعظِّم الاستفادة من جميع مُقوّمات الدولة المصرية وإمكاناتها.

وقررت مصر مطلع عام 2018، تحديث أجندتها للتنمية المستدامة بمشاركة أصحاب المصلحة كافة من شركاء التنمية، وذلك لمواكبة التغييرات التي طرأت على السياق المحلي والإقليمي والعالمي. واهتم الإصدار الثاني لرؤية مصر 2030، بأن تشرح كيف ستخدم المساهمة المصرية الأجندة الأممية، وكيف سيخدم ذلك السياق العالمي.

وتؤكد الرؤية المُحدثة، وفق موقع الرئاسة المصرية، على «تناول وتداخل كل القضايا من منظور الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: البيئي والاقتصادي والاجتماعي، فهي رؤية شاملة ومتسقة تتكون من استراتيجيات قطاعية للجهات الحكومية المختلفة».

ونظراً إلى ما شهدته السنوات السبع السابقة من تغيّرات وتحدّيات دوليّة وإقليميّة ومحلّية، حدثت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، الأسبوع الماضي، الرؤية العامة، عن طريق عملية تشاركية. وتم إصدار النسخة المحدثة من «رؤية مصر 2030»، التي حددت أربعة مبادئ حاكمة تمثل الركائز الرئيسية التي تحكم تنفيذ الأهداف الاستراتيجية الستة للرؤية باستخدام سبعة ممكنات تمثل أدوات تسريع لتحقيق التنمية المستدامة في مصر.

تركز رؤية مصر 2030 على الارتقاء بجودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته في مختلف نواحي الحياة، وذلك من خلال التأكيد على ترسيخ مبادئ العدالة والاندماج الاجتماعي ومشاركة المواطنين كافة في الحياة السياسية والاجتماعية. يأتي ذلك جنباً إلى جنب مع تحقيق نمو اقتصادي مرتفع، احتوائي ومستدام وتعزيز الاستثمار في البشر وبناء قدراتهم الإبداعية من خلال التشجيع على زيادة المعرفة والابتكار والبحث العلمي في جميع المجالات.


مقالات ذات صلة

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

شمال افريقيا مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

قال رئيس الوزراء المصري إن الحكومة ستُبطئ وتيرة تنفيذ مشاريع حكومية كبرى تتطلب استهلاكاً عالياً للوقود والسولار لمدة شهرين على الأقل بسبب حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة 5 جنيهات إسترلينية (رويترز)

بريطانيا تُسجّل أعلى عائد لسندات 30 عاماً منذ 1998 بعد حرب إيران

باعت بريطانيا، الخميس، سندات حكومية قياسية لأجل 30 عاماً بقيمة 300 مليون جنيه إسترليني (400 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تراجعت المتأخرات على مصر من 6.1 مليار دولار في 30 يونيو 2024 إلى 1.3 مليار دولار حالياً والمقرر تسديدها نهاية يونيو المقبل (وزارة البترول)

مصر تعلن تسوية مستحقات شركات الطاقة العالمية نهاية يونيو

أعلنت مصر أنها ستنتهي من دفع جميع مستحقات شركات النفط والغاز العالمية، بنهاية يونيو (حزيران) المقبل، والبالغة 1.3 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.