إجراءات استباقية في ميزانية 2024 تقي السعودية من الصدمات الاقتصادية الخارجية

إنفاق توسعي يتجاوز 333 مليار دولار لتسريع تنفيذ الخطط الاستراتيجية القطاعية

توقعات الميزانية السعودية 2024 تعد إيجابية في ظل التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي (واس)
توقعات الميزانية السعودية 2024 تعد إيجابية في ظل التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي (واس)
TT

إجراءات استباقية في ميزانية 2024 تقي السعودية من الصدمات الاقتصادية الخارجية

توقعات الميزانية السعودية 2024 تعد إيجابية في ظل التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي (واس)
توقعات الميزانية السعودية 2024 تعد إيجابية في ظل التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي (واس)

اتخذت السعودية إجراءات استباقية لتعزيز قدرة اقتصادها على مواجهة التحديات والتطورات، وضمان الاستدامة المالية، وهو ما عكسته الأرقام الواردة في البيان التمهيدي لميزانية عام 2024، التي تستهدف من خلالها المملكة إيرادات بقيمة 1.1 تريليون ريال (312 مليار دولار)، مقابل نفقات بحوالي 1.2 تريليون ريال (333 مليار دولار)، وبعجز محدود بقيمة 79 مليار ريال (21 مليار دولار) أي ما يمثل 1.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

ويعد القطاع غير النفطي دافعاً أساسياً في النمو الاقتصادي في المملكة، والذي يعكس نجاح المملكة في عملية التنوع الاقتصادي بعيداً عن النفط، وهو أحد أبرز مستهدفات «رؤية 2030».

وتتوقع وزارة المالية في بيان لها أن تنمو الأنشطة غير النفطية بمعدل 5.9 في المائة خلال العام الحالي، علماً بأن هذه النسبة وصلت إلى 6.1 في المائة في الربع الثاني من العام الحالي.

وكان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نوّه في مقابلة أجراها مؤخراً مع قناة «فوكس نيوز» الأميركية، بتطور مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، الذي ساعد على تحقيق الاقتصاد السعودي أعلى معدل نمو في 2022 بين دول «مجموعة العشرين»، كما سجل هذا القطاع ثاني أعلى معدل نمو في 2023 ضمن المجموعة أيضاً. وقال إن ذلك «يشكّل تنافساً بيننا وبين الهند، وهو تنافس جيد».

كما أعلن صندوق النقد الدولي، في الأسبوع الماضي، أن الاقتصاد السعودي يشهد تحولاً، بعد تنفيذ عدة إصلاحات للحد من الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز القدرة التنافسية.

تنفيذ سهام العمري

الإجراءات الإصلاحية

ويعتقد خبراء أن التحسينات الهيكلية التي تجريها الحكومة عززت نمو الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية، الذي انعكس إيجاباً على أداء الميزانية العامة للبلاد.

وقال الخبير الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، إن الإجراءات الإصلاحية عززت دور الأنشطة غير النفطية على أداء الميزانية، بفضل التنوع في مصادر الدخل، وعدم الاعتماد بشكل كبير على الإيرادات النفطية.

وأوضح أن الاقتصاد السعودي طبّق سياسات إصلاحية فعّالة واحتوائية للأزمات مدعومة بوفرة مالية واحتياطيات نقد أجنبي مرتفع، لافتاً إلى أن اقتصاد المملكة يقف على أسس صلبة ومتينة، انعكست على نتائج الميزانية العامة للدولة في 2024.

وذكر الخبير الاقتصادي أحمد الجبير لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة وضعت سياسات وإجراءات إصلاحية لحماية الاقتصاد السعودي من الأزمات العالمية، بفضل دعم القطاع الخاص ليتمكن من قيادة اقتصاد البلاد.

وأوضح الجبير انعكاس سياسة التنوع الاقتصادي، ودعم الأنشطة غير النفطية لتعزز نموها في الناتج المحلي الإجمالي، على أداء الميزانية العامة، مع استمرار الدولة في الإنفاق على المشاريع الكبرى وبرامج ومبادرات «رؤية السعودية 2030».

وتابع أن توقعات الميزانية لعام 2024، تعد إيجابية في ظل التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، واستمرار الحكومة في الخفض التطوعي للنفط من أجل تعزيز الجهود الاحترازية التي تبذلها دول منظمة «أوبك بلس» بهدف دعم استقرار أسواق النفط وتوازنها.

وترى مصادر مالية أن العجز الذي يتوقع تسجيله يأتي بسبب زيادة الإنفاق على قطاعات مهمة؛ مثل الدفاع والتعليم والصحة، وتوقعت أن تزيد الإيرادات عن تلك المتوقع لها بفعل التنامي الكبير للنشاط غير النفطي.

وفي هذا الإطار، كشفت شركة «الراجحي» المالية أن الحكومة قدرت الإيرادات لميزانية عام 2023 على أساس 82 دولاراً لسعر برميل «خام برنت»، متوقعة أن تكون الإيرادات غير النفطية محركاً رئيسياً للنمو، وهذا ما يدعم زيادة الإنفاق في المستقبل.

هذا وخفّضت الوزارة توقعاتها لنمو الاقتصاد إلى 0.03 في المائة من 3.1 في المائة، وهو ما أرجعته بشكل رئيسي إلى الخفض الطوعي لإنتاج المملكة من النفط. كما توقعت نمو الناتج المحلي في العام المقبل بنسبة 4.4 في المائة، وبنسبة 5.7 في المائة في 2025، و5.1 في المائة في 2026.

وكشفت الحكومة عزمها مواصلة الإصلاحات الهيكلية على الجانبين المالي والاقتصادي بهدف تنمية وتنويع اقتصادها، ورفع معدلات النمو المستدام مع الحفاظ على الاستدامة المالية.

وأفصحت السعودية في البيان التمهيدي لميزانية العام المالي 2024، عن الاستمرار في العمل على رفع كفاءة وفاعلية الإنفاق والضبط المالي، واستدامة المالية العامة، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، وبرامجها ومبادراتها ومشاريعها الكبرى.

وقالت إن ميزانية 2024 تهدف إلى تقوية المركز المالي للحكومة من خلال الحفاظ على مستويات آمنة من الاحتياطيات الحكومية لتعزيز قدرة المملكة على التعامل مع الصدمات الخارجية.

الاستثمار المحلي

ووفق البيان، ستواصل الحكومة العمل لرفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين بجانب تعزيز نمو الاستثمار المحلي عن طريق تمكين القطاع الخاص، وتأهيله ليشمل جميع مناطق المملكة.

ويعكس البيان التمهيدي الإصلاحات الهيكلية والمالية الاستباقية التي اتخذتها المملكة لتعزيز قدرة اقتصادها، ما نتج عنها مواصلة تحقيق معدلات نمو للناتج المحلي الإجمالي، وتحسن أداء القطاع غير النفطي وازدياد أعداد المشتغلين، إضافةً إلى الاستمرار في دعم منظومة الحماية الاجتماعية، وتحقيق مستهدفات برنامج الاستدامة المالية، وتوجيه الإنفاق التوسعي لتسريع تنفيذ البرامج والمشاريع الكبرى والاستراتيجيات القطاعية والمناطقية.

وقالت الحكومة إن جميع تلك الإجراءات تسهم في نمو الناتج المحلي وجذب الاستثمارات، وتحفّز النشاط الاقتصادي، مع مواصلة العمل على تطوير أداء المالية العامة، من خلال زيادة المساحة المالية وبناء الاحتياطيات الحكومية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات العالمية.

وستحافظ الإجراءات على مستويات دينٍ عام مُستدامة، وتمكّن من تجاوز التحديات التي قد تطرأ مستقبلاً على هيكل المالية العامة أو تؤثر على نمو النشاط الاقتصادي، فضلاً عن العمل على تعزيز رؤوس أموال الصناديق الوطنية.

تنويع الاقتصاد

وأكد وزير المالية محمد الجدعان، استمرار الحكومة في عملية الإصلاحات الهيكلية على الجانبين المالي والاقتصادي بهدف تنمية وتنويع اقتصادها، ورفع معدلات النمو المستدام مع الحفاظ على الاستدامة المالية، من خلال مواصلة تنفيذ برامج ومشاريع «رؤية 2030»، بالإضافة إلى إطلاق كثير من المبادرات والاستراتيجيات التي تسهم في تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة، وتعزيز جذب الاستثمارات، وتحفيز الصناعات، ورفع نسبة المحتوى المحلي والصادرات غير النفطية.

وأشار إلى الدور الفاعل لصندوق الاستثمارات العامة، والصناديق التنموية، إلى جانب استمرارية تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تعزّز من نمو الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية بمعدلات مرتفعة ومستدامة على المدى المتوسط. وأضاف الجدعان أن عملية تحليل المخاطر المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد تُعدّ جزءاً حيوياً من فهم الوضع الراهن، إذ تُسهم في تبني سياسات واستراتيجيات فعّالة للتعامُل مع هذه المخاطر. وأوضح أنه على الرغم من المخاوف والأزمات التي يشهدها العالم والتحديات المصاحبة لها وتأثيرها على تباطؤ الاقتصاد العالمي الناجمة عن تداعيات جائحة «كوفيد - 19» والتوترات الجيوسياسية التي أثّرت سلباً على سلاسل الإمداد العالمية، فإن اقتصاد المملكة يتمتع بوضع مالي متين، مع وجود مساحة مالية تتمثل في احتياطيات حكومية قوية ومستويات دين عامٍ مُستدامة تُمكّن من احتواء الأزمات التي قد تطرأ مستقبلاً، إضافة إلى طبيعة الإنفاق الإضافي التي تتسم بالمرونة، بما يسهم في السيطرة على مستوى الإنفاق على المدى المتوسط من خلال القدرة على تمديد فترة تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات. ولفت إلى أن ذلك يأتي نتيجةً لكثير من الإصلاحات الهيكلية والاستراتيجيات القطاعية والمناطقية ضمن «رؤية 2030»، مؤكّداً أن الحكومة تولي أهمية كبيرة لتعزيز منظومة الدعم والحماية الاجتماعية حرصاً منها على حماية المواطنين من التداعيات المحلية والعالمية.

نمو الناتج المحلي

وبين أن التقديرات الأولية للعام المقبل، تشير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة، مدعوماً بالأنشطة غير النفطية مع توقع استمرار القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي، والمساهمة في زيادة فرص الأعمال وخلق الوظائف في سوق العمل، بالإضافة إلى تحسُّن الميزان التجاري، والاستمرار في تنفيذ برامج ومبادرات تحقيق الرؤية والاستراتيجيات القطاعية والمناطقية والمشاريع التنموية الكبرى، وكذلك تحقيق الأنشطة الاقتصادية لمعدلات نمو إيجابية على المدى المتوسط. ووفق الجدعان، من المقدر أن يؤدي الانتعاش الملحوظ والمتوقع في اقتصاد البلاد إلى تطورات إيجابية على جانب الإيرادات على المدى المتوسط، لافتاً إلى أن هذا الانتعاش يعكسُ فاعلية الإصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة في إطار برنامج الاستدامة المالية الذي يركز على تطوير عملية التخطيط متوسط المدى، بهدف استدامة واستقرار وضع المالية العامة، مع المحافظة على معدلات النمو الاقتصادي، من خلال تنويع مصادر الإيرادات ورفع كفاءة الإنفاق وتحفيز نمو القطاع الخاص. وأفاد بأن الحكومة تعمل على الاستمرار في الاقتراض وفقاً للخطة السنوية المعتمدة لتمويل العجز المتوقع في الميزانية ولسداد أصل الدين المستحق في 2024، بالإضافة إلى البحث عن الفرص المتاحة وفق أوضاع السوق لتنفيذ عمليات تمويلية إضافية لسداد مستحقات أصل الدين للأعوام المقبلة.

وتعمل الحكومة أيضاً على مواصلة تمويل بعض المشاريع الاستراتيجية، والاستفادة من فرص الأسواق لتنفيذ عمليات الاقتراض الحكومي البديل التي من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي مثل تمويل المشاريع الرأسمالية والبنية التحتية، لتنويع قنوات التمويل للحفاظ على كفاءة الأسواق وتعزيز عمقها.

ووفق وزير المالية، من المتوقع ارتفاع حجم محفظة الدين العام نتيجة للتوسع في الإنفاق لتسريع وتيرة تنفيذ بعض البرامج والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي المُمكنة لتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.