رئيس مجموعة «كار» النفطية: العراق بحاجة إلى مرجعية قانونية لاستثمار البترول

دعا في حديث لـ«الشرق الأوسط» بغداد وأربيل لحلّ خلافاتهما من أجل استقطاب المستثمرين

البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس مجموعة «كار» النفطية: العراق بحاجة إلى مرجعية قانونية لاستثمار البترول

البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)

لم يعرف العراق خلال تاريخه منذ اكتشاف النفط قبل نحو قرن أي شراكة بين الدولة والقطاع الخاص المحلي، وبقيت سوق الطاقة طيلة عقود تحت سلطة الدولة التي احتكرت تطوير حقول النفط والغاز. وبالكاد تحرر المجال عام 2003 مع دخول حذر للشركات المحلية التي واجهت تحديات تتعلق بالموارد البشرية الخبيرة، والعمل في مناخ جيوسياسي مضطرب، وفي منطقة نزاع تعتمد فقط على موارد النفط.

مجموعة «كار» النفطية، من بين شركات عراقية قليلة، انخرطت في الاستثمار النفطي خلال العقدين الماضيين، ويقول رئيسها باز البرزنجي في حوار لـ«الشرق الأوسط»: «إن مستقبل الطاقة في منطقة نزاع إقليمي ودولي هو رهن نجاح تجربة الشركات المحلية بوضع استراتيجية نفطية تقدم الاقتصاد على السياسة وتركز على تطوير البنى التحتية لقطاع النفط».

4 حقب تاريخية لنفط العراق

مرت السياسة النفطية في العراق بأربع حقب تاريخية، بدأت بالعهد العثماني مروراً بتأسيس الدولة الحديثة وحكم الانتداب البريطاني، ومن بعدها فترة الجمهورية وسياسة التأميم، انتهاءً بتجربة عراق ما بعد صدام حسين. وفي جميعها، كان النفط أداة بيد السياسة، كما يصف البرزنجي، الذي يرى أن التصويت على الدستور العراقي عام 2005، كان فرصةً لتوحيد العراقيين وفعالياتهم الحزبية على «سياسة نفطية مرنة ومتاحة للتطوير والتنمية».

وبحسب البرزنجي، فإن تجارب العراق مع الاستثمار النفطي تضع صانع القرار أمام حقيقة ثابتة مفادها أن تحرير النفط من سطوة السياسة بات حتمية تاريخية، وقد توصلت إليها مبكراً حتى الدول التي كانت تتبنى اقتصاداً آيديولوجياً. ويمكن للعراق امتلاك قرار ثابت لإدارة الطاقة، متى ما اعتمدت الدولة العراقية مبدأ السياسة التابعة للاقتصاد وليس العكس، لتكون التنمية هي المصلحة الأساسية من النفط والاستثمار فيه.

وأشار إلى أن الاستفادة من النماذج الناجحة في العالم تتطلب من العراقيين الاتفاق والتفاهم على سياسة نفطية وطنية، على أن تكون المحافظة على تطوير الصناعة النفطية أولوية على المدى القريب والبعيد. ويُعطي البرزنجي إقليم كردستان مثالاً واعداً في هذا المجال، معتبراً أن البنية التحتية لقطاع النفط في هذه المنطقة النشطة تمثل رصيداً استثمارياً للعراق، حيث قامت شركات عالمية رصينة بالاستثمار في هذه الصناعة بموافقة الحكومات والمؤسسات القانونية والمصرفية والمالية. وقد ساعد هذا النوع من الشراكات أخيراً على إيجاد سياسة نفطية وطنية تحدد دور ومساحة الجميع في القطاع النفطي، سواء كان الإقليم، أو القطاعين الخاص والعام.

عقدة قانون النفط والغاز

في الأشهر القليلة الماضية، تعكف الفعاليات السياسية على كتابة مسودة جديدة لقانون النفط والغاز، المتعثر منذ عام 2005، وليس من المرجح أن تحظى النسخة النهائية بمرور سلس في البرلمان العراقي، حتى مع التعهدات السياسية للقوى في تحالف «إدارة الدولة» بسد الفراغ القانوني الذي تعمل بموجبه المؤسسات النفطية.

وفي هذا الإطار، يرى رئيس مجموعة «كار» أن القوى العراقية أمام مسودات مختلفة للقانون، واحدة أعدتها الحكومة الاتحادية وأخرى من حكومة إقليم كردستان، وما بينهما ثمة وجهات نظر من المحافظات المنتجة للنفط يجب احترامها. ومع ذلك، لا يرجح البرزنجي التوصل إلى قانون يحظى بالإجماع بسبب الخلاف على تفسير الدستور، إلى جانب القرارات القضائية سواء في بغداد أو باريس التي رسخت حاجزاً بين الأطراف المعنية وجعلت الحوار بينها أكثر صعوبة.

ويقترح البرزنجي مساراً ضرورياً قبل تشريع قانون النفط والغاز يشمل تفسير فقرات الدستور الخاصة بإدارة الثروات الطبيعية، وحسم البنود الخلافية، والتوصل إلى نص مرجعي لا يمكن لأحد تجاوزه أو التلاعب به. كما يتضمن المسار اتفاقاً على آلية توزيع العوائد المالية للنفط بين إقليم كردستان - أو المحافظات - والحكومة الاتحادية، لا سيما أن الاتفاق المطبق حالياً هو مؤقت يتم تجديده أو تغييره كل سنة وفقاً لقانون الموازنة، حيث تحتكر الأكثرية السياسية المتغيرة صياغته في البرلمان.

وانطلاقاً من هنا، يتعين على الأطراف المعنية في بغداد وأربيل حلّ الخلافات بشأن النفط، إذ لا يجوز للمستثمرين والشركات الدخول كطرف أو جزء في هذا النزاع إلا في حدود الحلول التقنية والفنية.

الشراكة مع الخليج

يرى البرزنجي أن عهد الشراكة مع الخليج بدأ الآن، معتبراً أن كل شيء من وجهة نظره يقود إلى النجاح، فالخليجيون لا يشكلون رأس المال وحسب، بل لديهم سنوات من الخبرة المتراكمة، ويمكن للعراق الاستفادة منها. وهو يجري الآن حوارات متقدمة بشأن الربط بين شبكات الكهرباء، إلى جانب الدراسات والمباحثات التي تقوم بها شركات خليجية لتطوير حقول النفط والغاز ضمن جولة التراخيص المقبلة.

التفاؤل بالدور الخليجي في العراق ليس كافياً، يقول البرزنجي، إذ لا تزال الحاجة قائمة وملحة لتوفير غطاء قانوني يحمي عقود الاستثمار ويضمن استمراريتها في بيئة آمنة يحتاجها المستثمر الخليجي، وغيره، دون أن تجري مثل هذه المفاوضات تحت غطاء الحسابات السياسية لإبرام عقود لن تصمد بوجود توقيعها.

الأزمة مع إيران

وفي مقابل الفرصة الخليجية، فإن الأزمة بين إيران والعالم أثرت على قطاع الطاقة في المنطقة، إذ ثمة توتر حول حقل الدرة، وتعقيدات في غاز البصرة، وقصف حول حقول كردستان. فكيف يمكن للعراق الخروج من هذا؟

يعتبر البرزنجي أن الأزمة مع إيران مثال واضح على أهمية وضع الاقتصاد قبل السياسة، لأن مؤشرات الخطر شاخصة أمام الجميع، وتداعيات السياسة ستؤثر بشكل مباشر على استقرار سوق الطاقة والحياة اليومية للناس. ومع ذلك، فإن العالم يراقب تحولاً إيجابياً لدى الأطراف المعنية بملف الطاقة نحو توفير بيئة تجارية آمنة، تنزع فتيل الأزمات النشطة الآن.

العراق في سوق الغاز العالمية

تُرجح مراكز بحثية معنية أن يحتل العراق، خلال السنوات المقبلة، أهمية كبيرة في سوق الغاز العالمية، ومن المفترض حسب المشاريع القائمة حالياً أن ينجح في إنتاج ثلاثة تريليونات قدم مكعبة يومياً عام 2026، لكن المعادلة الإقليمية تجعل الوصول إلى نهاية هذا الطريق صعبا للغاية.

يقول البرزنجي: «إن العراق الآن في طور الاستكشاف، لكننا لا نعرف الطاقة الحقيقية الإنتاجية للحقول. أما الحقول المكتشفة، فإن المؤسسات النفطية مطالبةً بتطويرها في أسرع وقت ممكن، نظراً للعجز الكبير الذي يعاني منه العراق في الغاز».

وعلى المدى المنظور، فإن العراق سيركز على الحاجة المحلية من الغاز. فالمشاريع الحالية في طور استعادة إنتاج الغاز وتطوير البنى التحتية، والعقود الجديدة المبرمجة في العراق، بينها عقود إقليم كردستان، تستهدف توفير احتياجات توليد الكهرباء ومتطلبات الصناعة والمستهلكين المحليين، بما لا يبرر لأي جهة أو طرف سياسي الهجوم على الشركات العاملة في هذا القطاع الحساس. أما كميات التصدير فلا تزال مجرد أرقام تخمينية، بسبب النواقص في أنابيب النقل والبنية التحتية لإنتاج الغاز الطبيعي.

العودة إلى «جيهان» التركي

متى يستأنف العراق تصدير النفط عبر ميناء «جيهان» التركي؟ يتردد هذا السؤال على لسان جميع المعنيين بملف الطاقة في العراق خلال الأشهر الماضية. بحسب البرزنجي، فإن العودة إلى هذا الخط مرهونة بصيانة الأنبوب المتأثر بالزلزال التركي في فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب حسم الخلاف المترتب على قرار التحكيم الدولي الذي ألزم أنقرة بدفع تعويضات للعراق.

هذا ويقترح البرزنجي مواصلة الحوار بين الجانبين على المستويين التقني والسياسي، وعلى مستويات متعددة، مشيراً إلى أنه وبعد زيارة وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إلى أنقرة، بدأ الحوار يأخذ منحى جدياً أكثر بين الطرفين لوضع حلول تقنية وتعاقدية ومالية للخلاف الحالي، معتبراً أن هناك حاجة ملحة لتكثيف المداولات الثلاثية بين بغداد وأنقرة وإقليم كردستان للوصول إلى حل نهائي ودائم في أسرع وقت ممكن.

وقد اعتمد العراق على خط التصدير الحالي نحو «جيهان» التركي، بسعة مليون برميل يومياً، وهو البديل الفعلي الذي استخدم بعد عزل كركوك من قبل «داعش»، وتدميره الخط الواصل إلى فتحة جنوب الموصل، وبات اليوم خياراً عملياً وفقاً للبرزنجي، الذي رأى أن العراق تمكّن من ربط نفط كركوك عبر الخط الحالي وإيصاله إلى الأسواق العالمية في وقت قياسي، وهو يكفي لكميات إضافية من حقول العراق الأخرى، لأن نفط الإقليم لا يتجاوز الـ450 ألف برميل يومياً.

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة «كار» تأسست عام 1999، حيث بدأ نشاطها بتجارة المشتقات النفطية. كما عقدت شراكات مع الأمم المتحدة خلال الحصار الاقتصادي على العراق لتوفير وقود التدفئة في إقليم كردستان، وأبرمت عقوداً في مجال البناء والإنشاءات والكهرباء. وفازت «كار»، كأول شركة عراقية، بعقد تطوير وشراكة في حقل «خورمالة» ولاحقاً في حقلي «الصبة واللحيس» و«حمرين»، في حين وصلت قيمة عقود الشراكة مع وزارة النفط إلى نحو نصف مليار دولار خلال عامي 2004 و2006.


مقالات ذات صلة

الكرملين: روسيا لن تنسحب من «أوبك بلس»

الاقتصاد مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان في روسيا (رويترز)

الكرملين: روسيا لن تنسحب من «أوبك بلس»

أعلن الكرملين، يوم الأربعاء، أن روسيا تُخطط للبقاء في «أوبك بلس» رغم قرار الإمارات العربية المتحدة الانسحاب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد  خزانات تخزين النفط الخام في صورة جوية لمركز كوشينغ النفطي بأوكلاهوما (رويترز)

النفط يقفز لـ119 دولاراً بعد رفض ترمب عرضاً إيرانياً

سجلت أسعار النفط العالمية قفزة دراماتيكية اليوم الأربعاء حيث تجاوز خام برنت حاجز 119 دولاراً للبرميل محققاً زيادة بنسبة 7 %

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية والبنزين ونواتج التقطير تتراجع بأكثر من التوقعات

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، انخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين ونواتج التقطير في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط بالبيت الأبيض يوم 9 يناير 2026 (رويترز)

ترمب يلتقي مسؤولي شركات طاقة لمناقشة قضايا الإنتاج

قال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقى كبار المسؤولين في شركة «شيفرون» وشركات طاقة أخرى لمناقشة مجموعة من الموضوعات، مثل الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الغيص: نلتزم بالشفافية لضمان أمن الطاقة وفصل الحقائق عن ضجيج الأسواق

الغيص: نلتزم بالشفافية لضمان أمن الطاقة وفصل الحقائق عن ضجيج الأسواق

حدد الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، عاملين جوهريين يحكمان واقع الصناعة اليوم: «التعقيد البنيوي» و«السرعة المذهلة للتطورات».

«الشرق الأوسط» (فيينا)

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
TT

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح بلاده في سداد 3.5 مليار دولار من الديون الثنائية الإلزامية، مؤكداً أن هذا العبور المالي الآمن لم يكن ممكناً لولا الدعم «المحوري» من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح شريف أن هذا السداد الضخم تم من دون المساس باستقرار احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت مستويات عند 20.6 مليار دولار، وهي الخطوة التي تعدّ وقوداً فعلياً لتقوية موقف المفاوض الباكستاني أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشترط عادةً وجود تمويل خارجي مؤكد واستقرار في الاحتياطيات للموافقة على برامج التمويل.

وكان البنك المركزي الباكستاني أعلن يوم الجمعة أن باكستان سددت جميع ديونها للإمارات بقيمة 3.45 مليار دولار، وذلك بعدما منحت السعودية إسلام آباد تمويلاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار مع تمديد أجل وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار.


لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.