الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

الشكوك تسبب نزفاً بصناديق الأسهم والسندات العالمية

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
TT

الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)

ما إن بدأ رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) كلمته في منتدى البنوك المركزية المنعقد في بلدة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية، حتى بدأ تراجع كبير لكل من الدولار وعوائد السندات في الأسواق العالمية، فبدلا من أن يفتح بابا أمام احتمال التوقف عن التشديد النقدي، أكد أن الطريق لا يزال طويلا... ومع استمرار حديثه عن عدم اليقين، عادت الدولار والسندات إلى القفز عاليا، مع اتجاه المستثمرين لمزيد من التحوط.

وأكد باول في الخطاب الذي تمت مراقبته من كثب أن استمرار مرونة الاقتصاد الأميركي قد يتطلب مزيدا من الزيادات في أسعار الفائدة... مشيرا إلى أن الاقتصاد ينمو بشكل أسرع من المتوقع، وأن المستهلكين استمروا في الإنفاق بسرعة، وهي اتجاهات يمكن أن تبقي ضغوط التضخم مرتفعة. كما كرر تصميم بنك الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء سعر الفائدة الرئيسي مرتفعاً حتى يتم تخفيض زيادات الأسعار إلى هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وقال باول: «نحن على استعداد لرفع أسعار الفائدة أكثر إذا كان ذلك مناسباً، ونعتزم الإبقاء على السياسة عند مستوى مقيد حتى نكون واثقين من أن التضخم يتحرك بشكل مستدام نحو هدفنا».

وقد سلط خطابه الضوء على الشكوك المحيطة بالاقتصاد، ومدى تعقيد استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لها... وكان ذلك بمثابة تناقض حاد مع تصريحات جاكسون هول قبل عام، عندما حذر بصراحة وول ستريت من أن البنك المركزي سيواصل حملته المتشددة في رفع الفائدة لكبح جماح الأسعار المرتفعة، بحسب «أسوشييتد برس».

وقال باول أيضاً إن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتقد أن سعر الفائدة الرئيسي مرتفع بما يكفي لتقييد الاقتصاد وتهدئة النمو والتوظيف والتضخم؛ لكنه قال إنه من الصعب معرفة مدى ارتفاع تكاليف الاقتراض لتقييد الاقتصاد: «وبالتالي هناك دائما عدم يقين» حول مدى فاعلية سياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض التضخم.

وقال باول إنه نتيجة لذلك، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي «سيتحرك بحذر عندما نقرر ما إذا كنا سنزيد من تشديد السياسة النقدية أو - بدلاً من ذلك - نبقي سعر الفائدة ثابتاً وننتظر المزيد من البيانات».

أوضاع مربكة

ومنذ تحدث باول في مؤتمر جاكسون هول العام الماضي، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي إلى أعلى مستوى له منذ 22 عاما عند 5.4 في المائة. ومن ذروة بلغت 9.1 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، تباطأ التضخم إلى 3.2 في المائة الشهر الماضي، وإن كان لا يزال أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

لكن معدلات القروض المرتفعة بشكل كبير جعلت من الصعب على الأميركيين شراء منزل أو سيارة أو تمويل الشركات للتوسعات. ولا تزال عناصر مثل الإيجار ووجبات المطاعم والخدمات الأخرى أكثر تكلفة. وظل التضخم «الأساسي»، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، مرتفعا على الرغم من قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة 11 مرة ابتداء من مارس (آذار) 2022،

ومع ذلك، فقد تحرك الاقتصاد الشامل للأمام. وظل سوق التوظيف سليما، الأمر الذي أربك الاقتصاديين الذين توقعوا أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تسريح العمال على نطاق واسع والركود. ويستمر الإنفاق الاستهلاكي في النمو بمعدل صحي. ويقف معدل البطالة في الولايات المتحدة عند المستوى الذي كان عليه بالضبط عندما تحدث باول في العام الماضي، 3.5 في المائة، وهو أعلى بالكاد من أدنى مستوى له منذ نصف قرن.

في يونيو الماضي، عندما أصدر صناع السياسات الثمانية عشر في بنك الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم ربع السنوية آخر مرة، توقعوا أنهم سيرفعون أسعار الفائدة مرة أخرى هذا العام. لكن ربما تغير هذا التوقع في ضوء قراءات التضخم المعتدلة التي أصدرتها الحكومة في الأسابيع الأخيرة. وسيقوم المسؤولون بتحديث توقعاتهم لأسعار الفائدة عندما يجتمعون في الفترة من 19 إلى 20 سبتمبر (أيلول) المقبل.

انقلاب التوقعات

وقام العديد من الاقتصاديين بتأجيل أو عكس توقعاتهم السابقة للركود في الولايات المتحدة. وازداد التفاؤل بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف ينفذ «هبوطاً ناعماً» صعباً، حيث يتمكن من خفض التضخم إلى المستوى المستهدف من دون التسبب في ركود حاد.

ولا يتصور العديد من المتداولين في الأسواق المالية هبوطاً سلساً فحسب، بل يتصورون تسارعاً في النمو. وقد ساعدت هذه التوقعات في زيادة عائدات السندات، لا سيما سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، التي تؤثر بشكل كبير على أسعار الرهن العقاري طويل الأجل. وبناء على ذلك، بلغ متوسط سعر الفائدة الثابت على الرهن العقاري لمدة 30 عاما 7.23 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 22 عاما. كما ارتفعت أسعار قروض السيارات وبطاقات الائتمان، وقد تؤدي إلى إضعاف الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي، شريان الحياة للاقتصاد.

تخارجات قياسية من الأسهم والسندات

ووسط هذا المشهد المربك، شهدت صناديق الأسهم والسندات العالمية انسحابات كبيرة في الأسبوع الأخير، وسط مخاوف من أن البيانات الاقتصادية الأميركية القوية قد تبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.

وتجنب المستثمرون أيضاً وضع الأموال في الأصول ذات المخاطر العالية قبل خطاب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر جاكسون هول؛ حيث كان يسود التوقع بمزيد من التلميحات حول توقعات أسعار الفائدة من صناع السياسات.

وفقاً لبيانات «ريفنتيف»، باع المستثمرون ما قيمته 11.1 مليار دولار صافية من صناديق الأسهم العالمية، وهو أكبر حجم في أسبوع منذ أكثر من شهرين. كما سحبوا صافي 3.1 مليار دولار من صناديق السندات العالمية، وهو أكبر صافي بيع أسبوعي في نحو ثمانية أشهر.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ 16 عاماً خلال الأسبوع؛ حيث أشارت القراءات الاقتصادية من الولايات المتحدة، مثل الوظائف والاستهلاك، إلى نمو أقوى، ما دفع المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم لتخفيف السياسة العام المقبل.

وشهدت صناديق الأسهم الأميركية والأوروبية تدفقات خارجة بنحو 11.07 و1.52 مليار دولار على التوالي، لكن الصناديق الآسيوية شهدت صافي مشتريات بقيمة 1.14 مليار دولار.

وحسب القطاع، شهدت الصناديق المالية والتكنولوجيا والصناديق الاستهلاكية الأساسية صافي مبيعات يقدر بنحو 734 و702 و357 مليون دولار على التوالي.

ومن بين صناديق السندات، شهدت الصناديق العالمية ذات العائد المرتفع تدفقات خارجية أسبوعية بقيمة نحو 1.96 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، اجتذبت صناديق السندات الحكومية وسندات الشركات 2.03 مليار دولار و209 ملايين دولار من التدفقات الداخلة على التوالي.

وفي السلع، قلص المستثمرون مراكزهم في صناديق المعادن الثمينة للأسبوع الثالث عشر على التوالي، مع صافي مبيعات بقيمة 675 مليون دولار. كما خسرت صناديق الطاقة 164 مليون دولار من التدفقات الخارجة.

وأظهرت بيانات صناديق الأسواق الناشئة أن صناديق الأسهم واجهت صافي بيع بقيمة 2.02 مليار دولار، وهو الأكبر في أحد عشر أسبوعا، في حين سجلت صناديق السندات 658 مليون دولار من صافي المبيعات.

حذر واسع النطاق

وقبيل انطلاق أعمال اجتماع جاكسون هول، توخى المستثمرون الحذر في الأسواق، فيما واصل ارتفاع عائدات السندات الضغط على الأسهم، مدفوعة على وجه الخصوص بمكاسب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وفتحت الأسهم الأميركية على ارتفاع يوم الجمعة، وزاد المؤشر داو جونز الصناعي 117.64 نقطة أي 0.34 في المائة عند الفتح إلى 34217.06 نقطة. وارتفع المؤشر ستاندرد أند بورز 500 عند الفتح 13.07 نقطة أي 0.30 في المائة إلى 4389.38 نقطة، وارتفع المؤشر ناسداك المجمع 50.40 نقطة أي 0.37 في المائة إلى 13514.37 عند الفتح.

ولكن على الجانب الآخر ارتفعت عائدات السندات صباح الجمعة على مستوى أوروبا، إذ زادت عائدات السندات الألمانية القياسية في القارة إلى 2.54 في المائة، وتراجعت أسهم الشركات العقارية شديدة التأثر بأسعار الفائدة 0.1 في المائة.

وتراجع اليورو إلى أدنى مستوى منذ منتصف يونيو (حزيران) يوم الجمعة متأثرا بازدياد التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يوقف قريبا رفع أسعار الفائدة، بينما ارتفع الدولار.

ونقلت «رويترز» عن ثمانية مصادر مطلعة أن واضعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي يشعرون بقلق متزايد من ضعف آفاق النمو، وأن النقاش لا يزال مفتوحا؛ إلا أن الزخم للتوقف مؤقتا عن رفع أسعار الفائدة يزداد.

وتراجع اليورو إلى مستوى منخفض جديد بعد هذا التقرير، ليسجل أدنى مستوى منذ منتصف يونيو عند 1.0766 دولار تقريبا، وانخفض اليورو 0.3 في المائة في أحدث تعاملات الجمعة.

وصعد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية أخرى، إلى أعلى مستوى منذ السابع من يونيو عند 104.25 نقطة. وارتفع المؤشر بأكثر من اثنين في المائة في أغسطس (آب) الحالي متجها إلى إنهاء سلسلة خسائر استمرت شهرين.

وتأثر اليورو والجنيه الإسترليني بشكل سلبي هذا الأسبوع بسبب بيانات النشاط التجاري الضعيفة التي دفعت المستثمرين إلى خفض توقعاتهم لمزيد من رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو وبريطانيا.

ولامس الإسترليني أدنى مستوى منذ يونيو عند نحو 1.2560 دولار، قبل أن يقلص خسائره إلى نحو 1.2591 دولار. وتراجع الإسترليني واحدا في المائة تقريبا هذا الأسبوع ويقترب من تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي في خمسة أسابيع.

وتراجعت أسعار الذهب الجمعة مع ارتفاع الدولار إلى أعلى مستوى في عشرة أسابيع، لكن المعدن النفيس كان يتجه إلى تسجيل أفضل أداء في ستة أسابيع. وانخفض الذهب 0.2 في المائة إلى 1913.10 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0527 بتوقيت غرينتش. كما انخفضت العقود الآجلة الأميركية للذهب 0.3 في المائة إلى 1941.30 دولار.

وارتفع الذهب نحو 1.3 في المائة منذ بداية الأسبوع، الذي يمكن أن يكون أول أسبوع من المكاسب هذا الشهر، مع صعود الأسعار إلى أعلى مستوى منذ العاشر من أغسطس يوم الخميس.

وقال مات سيمبسون، كبير المحللين في سيتي إندكس «من الممكن أن يعيد باول الذهب إلى 1900 دولار، ويمكن أن يرفعه إلى 1940 دولارا». وأضاف: «من الواضح أن قوة الدولار بمثابة رياح معاكسة للذهب».


مقالات ذات صلة

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

الاقتصاد خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة باستهداف قلب البنية التحتية للغاز في إيران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد محافظ بنك كندا تيف ماكليم في مؤتمر صحافي بعد اجتماع للجنة السياسة النقدية (أرشيفية- رويترز)

«مركزي كندا» يثبِّت الفائدة ويحذِّر: سنتدخل إذا أشعلت حرب إيران التضخم

قرر بنك كندا المركزي، يوم الأربعاء، الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2.25 في المائة، للمرة الثالثة على التوالي.

«الشرق الأوسط» (تورونتو (كندا))
الاقتصاد مبنى وزارة الكهرباء العراقية (وكالة الأنباء العراقية)

«الكهرباء العراقية»: خسرنا 3100 ميغاواط خلال الساعة الاولى من توقف الغاز الإيراني

أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، الأربعاء، توقف تدفقات الغاز المستورد من إيران بشكل كامل، ما أدى إلى خسارة نحو 3100 ميغاواط من القدرة الإنتاجية للمنظومة الوطنية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد شعار شركة «إنفيديا» على خلفية تحمل شرائح ومجسمات إلكترونية (رويترز)

«إنفيديا» تحصل على موافقة بكين لبيع شريحة «إتش 200»

حصلت «إنفيديا» على موافقة بكين لبيع ثانية أقوى شرائح الذكاء الاصطناعي لديها إلى الصين...

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مصفاة غاز قيد الإنشاء جزئياً في حقل غاز جنوب فارس على الساحل الشمالي للخليج العربي في عسلوية (أرشيفية - أ.ب)

برنت يلامس مستويات 108 دولارات بعد استهداف حقل غاز في إيران

لامس خام برنت مستويات 108 دولارات بعد استهداف حقل غاز في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
TT

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة بتسارع وتيرة العمليات العسكرية التي استهدفت قلب البنية التحتية للغاز في إيران. وجاء هذا الاشتعال السعري فور إعلان استهداف حقل «بارس» الجنوبي الإيراني -أكبر حقل غاز في العالم- بضربة إسرائيلية، ما أثار ذعراً فورياً في الأسواق من إطالة أمد الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف شاملة للطاقة.

وسجلت أسعار النفط قفزة هائلة بنحو 10 دولارات للبرميل، أي بنحو 8 في المائة، ليتجاوز خام برنت عتبة 110 دولارات، حتى الساعة 02:34 بتوقيت غرينتش، في حين سجل الخام الأميركي نحو 98.42 دولار للبرميل. ولحقتها أسعار الغاز في أوروبا بارتفاع مماثل، لتستقر عند 55 يورو (63.3 دولار) لكل ميغاواط/ساعة.

وعلى الأرض، شهدت حرب إيران تطورات متسارعة، بعد استهداف إسرائيل حقل غاز «بارس» الجنوبي في إيران، وهو الأكبر في العالم من حيث الاحتياطيات، ويضخ نحو 70 في المائة من إنتاجه للاستهلاك المحلي، ويقوم بتصدير النسبة المتبقية.

وهددت إيران على الفور باستهداف أصول للطاقة في المنطقة، وهو ما قد يتسبب بخفض الإنتاج والإمدادات العالمية بشكل كبير، والتي هي أصلاً متراجعة بفعل تعطل مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران.

بعد تلك التطورات، زادت المخاوف من إطالة زمن الحرب، ما دفع أسعار الطاقة نحو مناطق حساسة بالنسبة للاقتصاد العالمي، الذي طالما عانى من ارتفاع التضخم بشكل حاد عقب الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلها تأثر سلاسل التوريد العالمية جراء جائحة كورونا.

ومن شأن ارتفاع أسعار النفط، وهو السلعة الأولية التي تدخل تقريباً في معظم السلع الأخرى، أن يزيد أسعار جميع السلع التامة الصنع، وبالتالي التضخم، مما ينعكس بالسلب على معدلات النمو في العالم، وحذر خبراء واقتصاديون في هذه المرحلة من الوصول إلى «الركود التضخمي».

خطوة خطرة وغير مسؤولة

وأكد مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، ماجد بن محمد الأنصاري، أن «استهداف البنية التحتية للطاقة يعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها».

وقال في تغريدة على حسابه على منصة «إكس» إن «الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران والذي يمثل امتداداً لحقل غاز الشمال في قطر، هو خطوة خطرة وغير مسؤولة، في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة».

وأضاف: «أكدنا مراراً على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الحيوية»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على خفض التصعيد بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

ويعد حقل «بارس» الجنوبي للغاز في إيران -الذي تتقاسمه مع قطر- أكبر حقل غاز طبيعي في العالم باحتياطيات نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز، ويقع في مياه الخليج العربي، وعادة ما تطلق عليه قطر اسم «حقل الشمال».

ووفق أحدث بيانات إيرانية رسمية، كان الحقل ينتج 716 مليون متر مكعب يومياً من الغاز، يضخ نحو 70 في المائة منه لصالح الاستهلاك المحلي، خاصة محطات الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك، وباقي الحصة يتم تخصيصها للتصدير.

ويحتوي الحقل بأكمله (الجزء الإيراني والقطري) على ما يقدّر بنحو 1800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخدام، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم لمدة 13 عاماً، أو لتوليد طاقة كهربائية تكفي لتزويد الولايات المتحدة لأكثر من 35 عاماً.

انقطاع الكهرباء في العراق

ولم تقتصر تداعيات استهداف الحقل على الأسعار فحسب، بل امتدت لتضرب أمن الطاقة الجاري في دول الجوار، حيث أعلن العراق توقفاً كاملاً لتدفقات الغاز المستورد، ما تسبب في خسارة فورية لـ 3100 ميغاواط من قدرته الكهربائية.

وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد موسى، إن الانقطاع المفاجئ جاء «نتيجة تداعيات التطورات في المنطقة»، مشيراً إلى أن هذا الفقدان الكبير في الطاقة سيؤثر بشكل مباشر على استقرار التجهيز، خاصة أن الوزارة كانت تعمل على تهيئة المحطات للخدمة قبل دخول موسم الذروة.

ويأتي هذا التطور ليضع ضغوطاً إضافية على قطاع الطاقة في العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات التوليد، في وقت تسعى فيه الحكومة لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات عبر مشاريع الغاز المصاحب والربط الكهربائي الإقليمي.

ويوم السبت الماضي، قال أحمد موسى، المتحدث ‌باسم وزارة الكهرباء العراقية، إن إجمالي ⁠إمدادات الغاز الإيرانية إلى العراق ارتفع من 6 ملايين متر مكعب إلى ‌18 ⁠مليوناً خلال الأسبوع الماضي، مضيفاً أن الكميات ⁠الإضافية خُصصت لجنوب البلاد.

أميركا تلجأ للنفط الروسي والفنزويلي

ومع إطباق إيران قبضتها على مضيق هرمز وتحكمها في 20 في المائة من حركة النفط العالمية، اندفعت القوى الكبرى لاتخاذ إجراءات طارئة؛ حيث لجأت إدارة ترمب لـ«برغماتية الضرورة» عبر تخفيف العقوبات على النفط الروسي والفنزويلي لتأمين الإمدادات، وسط مخاوف اقتصادية عالمية من الانزلاق نحو «الركود التضخمي». إذ سمحت إدارة ترمب بشراء النفط الروسي دون عقوبات، حتى منتصف أبريل (نيسان) المقبل. كما قررت السماح للشركات الأميركية بممارسة أعمال تجارية مع شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في فنزويلا بعد أن خففت وزارة الخزانة العقوبات، مع بعض القيود، حيث تبحث إدارة الرئيس دونالد ترمب عن سبل لتعزيز إمدادات النفط العالمية خلال حرب إيران.

من جهتها، أصدرت وزارة الخزانة تفويضاً واسع النطاق يسمح لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» ببيع النفط الفنزويلي مباشرة إلى الشركات الأميركية وفي الأسواق العالمية، وهو تحول كبير بعد أن منعت واشنطن لسنوات التعاملات مع حكومة فنزويلا وقطاع النفط فيها.

وتسلط هذه الخطوة الضوء على الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها الإدارة الأميركية الحالية لتخفيف الضغوط على أسعار النفط المرتفعة.

وسجلت أسعار الوقود في أميركا ارتفاعات قياسية، حيث سجل الغالون نحو 5 دولارات هذا الأسبوع، ارتفاعاً من 2.3 دولار، وهو مستوى قياسي لم يعتَد عليه المواطن الأميركي.

ومن المقرر أن تخضع زيادات أسعار الوقود، لتدقيق من محافظي البنوك المركزية حول العالم في إطار توجيههم للسياسة النقدية. غير أن تركيز أسواق النفط منصب بشكل أساسي على مضيق هرمز، الذي تخضع حركة الملاحة فيه حالياً لحسابات سياسية، إذ تسمح إيران لعدد محدود من السفن بالمرور بناء على علاقاتها السياسية، بينما تمنع أو تردع معظم السفن الأخرى.


بسبب «حرب إيران»... ترمب يعلّق قانون «جونز» لتأمين تدفق الوقود والأسمدة

سفينة شحن في عرض البحر (أ.ف.ب)
سفينة شحن في عرض البحر (أ.ف.ب)
TT

بسبب «حرب إيران»... ترمب يعلّق قانون «جونز» لتأمين تدفق الوقود والأسمدة

سفينة شحن في عرض البحر (أ.ف.ب)
سفينة شحن في عرض البحر (أ.ف.ب)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، تعليق قانون الملاحة المعروف باسم «جونز» لمدة 60 يوماً بشكل استثنائي.

ويسمح هذا القرار للسفن التي ترفع أعلاماً أجنبية بنقل الوقود والأسمدة والسلع الحيوية بين المواني الأميركية، لتخفيف الضغط عن سلاسل التوريد المتضررة من تداعيات الحرب حول إيران.

وصرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بأن هذا التنازل يُمثل «خطوة إضافية للحد من الاضطرابات قصيرة المدى في سوق النفط»، في حين يواصل الجيش الأميركي تنفيذ أهداف عملية «ملحمة الغضب».

ويُعدّ هذا الإجراء نادراً بالنسبة للقانون الذي يعود تاريخه إلى قرن من الزمان، ما يؤكد استنفار واشنطن لمواجهة القفزات الحادة في أسعار البنزين، وتعثر وصول الأسمدة للمزارعين الأميركيين.

ويرى المحللون أن تعليق القانون يُمثل تحولاً براغماتياً للرئيس ترمب، الذي يُعرف بدعمه القوي لقطاع بناء السفن ونقابات العمال البحريين في أميركا (المستفيد الأول من قانون جونز). ومع ذلك، فإن المخاطر السياسية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة دفعت الإدارة لتوسيع خيارات الشحن المتاحة، لضمان وصول المشتقات النفطية (البنزين والديزل) من المصافي إلى الموزعين بسرعة أكبر.

وتأتي هذه الضغوط بعد أن أدت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير (شباط) الماضي إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية. ولم تقتصر الأضرار على الطاقة فحسب، بل امتدت لتشمل إمدادات الأسمدة، ما أثار قلقاً بالغاً في القطاع الزراعي الأميركي.

ويعدّ تعليق قانون «جونز» (الذي يشترط عادةً أن تكون السفن المنخرطة في التجارة الداخلية أميركية الصنع والمالك والطاقم) واحداً من عدة تدابير طارئة اتخذتها واشنطن لمواجهة التبعات الاقتصادية لحرب إيران، بما في ذلك السحب من احتياطي النفط الاستراتيجي، وتعديل سياسات العقوبات لاستقرار الأسواق العالمية قبل تزايد الضغوط السياسية المحلية.


ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بشكل حاد خلال الأسبوع الماضي

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بشكل حاد خلال الأسبوع الماضي

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام الأميركية ارتفعت بينما انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي، الذي يحظى بمتابعة واسعة في السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 6.2 مليون برميل لتصل إلى 449.3 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 13 مارس (آذار)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز» التي أشارت إلى ارتفاع قدره 383 ألف برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما، مركز التسليم، ارتفعت بمقدار 944 ألف برميل خلال الأسبوع.

وحافظت العقود الآجلة للنفط على أدائها الإيجابي رغم الزيادة الأكبر من المتوقع في مخزونات الخام. وبلغ سعر العقود الآجلة لخام برنت العالمي 109.64 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 6.22 دولار، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.72 دولار لتصل إلى 98.93 دولار للبرميل في تمام الساعة 10:46 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (14:46 بتوقيت غرينتش).

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن عمليات تكرير النفط الخام ارتفعت بمقدار 63 ألف برميل يومياً، بينما ارتفعت معدلات الاستخدام بمقدار 0.6 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 91.4 في المائة.

وذكرت الإدارة أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 5.4 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 244 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

كما أظهرت البيانات انخفاض مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 2.5 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 116.9 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.5 مليون برميل.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بانخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام الأسبوع الماضي بمقدار 692 ألف برميل يومياً.