«المركزي الأوروبي» يواجه «حرباً مصيرية» في يوبيله الفضي

معركة فارقة بعد التعامل مع كثير من الأزمات

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ترحب بالرؤساء السابقين جان كلود تريشيه (يسار) وماريو دراغي (وسط) أمام كعكة الاحتفال باليوبيل الفضي للبنك في مدينة فرانكفورت (إ.ب.أ)
رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ترحب بالرؤساء السابقين جان كلود تريشيه (يسار) وماريو دراغي (وسط) أمام كعكة الاحتفال باليوبيل الفضي للبنك في مدينة فرانكفورت (إ.ب.أ)
TT

«المركزي الأوروبي» يواجه «حرباً مصيرية» في يوبيله الفضي

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ترحب بالرؤساء السابقين جان كلود تريشيه (يسار) وماريو دراغي (وسط) أمام كعكة الاحتفال باليوبيل الفضي للبنك في مدينة فرانكفورت (إ.ب.أ)
رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ترحب بالرؤساء السابقين جان كلود تريشيه (يسار) وماريو دراغي (وسط) أمام كعكة الاحتفال باليوبيل الفضي للبنك في مدينة فرانكفورت (إ.ب.أ)

بينما يحتفل البنك المركزي الأوروبي بيوبيله الفضي، صرح بوريس فويستش، عضو مجلس محافظي البنك يوم الجمعة، بأن ارتفاع أسعار المستهلكين ما زال مسألة شائكة.

وأضاف فويستش، وهو محافظ البنك المركزي الكرواتي، خلال عرض تقديمي في كرواتيا، أن «زخم التضخم ما زال مستمرا، لا سيما التضخم الأساسي ومكونات المواد الغذائية». ونقلت عنه «بلومبرغ» قوله إن الوقت ما زال مبكرا للغاية لاستخلاص النتائج بشأن تباطؤ إقراض البنوك، رغم أن اضطرابات القطاع المالي تتراجع تدريجيا.

وتجدر الإشارة إلى أن البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة منذ يوليو (تموز) الماضي سبع مرات متتالية في سلسلة غير مسبوقة، وذلك لمواجهة استمرار الارتفاع في معدل التضخم، وجاءت هذه الخطوة من جانب البنك المركزي الأوروبي بعد سنوات من أسعار الفائدة الصفرية والسلبية.

وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى ارتفاع تكلفة القروض، الأمر الذي يمكن معه تقليل الطلب ومواجهة معدلات التضخم المرتفعة، وهكذا يسعى البنك المركزي الأوروبي إلى تحقيق هدفه الأعلى، وهو استقرار الأسعار في منطقة اليورو على المدى المتوسط من خلال إبقاء معدل التضخم عند 2 بالمائة.

وأثبت البنك المركزي الأوروبي في الأعوام الماضية قدرته على التصرف، حيث تمكن من اجتياز أزمات مثل الأزمة المالية وأزمة الديون وأزمة كورونا، ولا يزال البنك بعد مضي 25 عاما على تأسيسه يصارع من أجل تحقيق هدفه المحوري، ألا وهو تحقيق استقرار اليورو، العملة الأوروبية الموحدة.

وقبل تسعة أعوام أشادت كريستين لاغارد الرئيس الحالي للبنك المركزي الأوروبي والمدير السابق لصندوق النقد الدولي بمسؤولي البنك المركزي الأوروبي، ووصفتهم بأنهم «أبطال الأزمة». وبحكم منصبها الحالي على رأس المركزي الأوروبي أصبحت السياسية الفرنسية نفسها مديرة للأزمات.

وتحل في مطلع يونيو (حزيران) المقبل الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيس البنك المركزي الأوروبي، وهو يصارع حاليا التضخم المرتفع باستمرار من أجل تحقيق هدفه شديد الخصوصية، وهو استقرار اليورو لملايين المواطنين في 20 دولة تطبق العملة الأوروبية الموحدة.

وبدأ تاريخ البنك المركزي الأوروبي في صيف عام 1998 بالتوصل إلى حل توافقي أوروبي نموذجي، وهو عدم إسناد رئاسة البنك المركزي المشترك الجديد، الذي يقع مقره في مدينة فرانكفورت الألمانية، إلى شخصية من ألمانيا أو فرنسا، وهما أكبر اقتصادين في منطقة اليورو، بل تم إسناد هذا المنصب إلى الهولندي فيم دويزنبرغ.

وبغض النظر عن الصراع الذي دار على المناصب الكبرى في المصرف، فإن الأوروبيين تمكنوا من خلال تأسيسه من تنفيذ واحد من أهم المشاريع في تاريخهم الاقتصادي بأسلوب عقلاني للغاية.

وفي 25 مايو (أيار) 1998، عينت حكومات الدول الإحدى عشرة الأعضاء في منطقة اليورو آنذاك رئيس البنك المركزي الأوروبي ونائبه والأعضاء الأربعة الآخرين في المجلس التنفيذي للبنك. ودخل تعيينهم حيز التنفيذ بحلول أول يونيو 1998 إيذانا بقيام البنك.

وبدوره لم يترك الرئيس التأسيسي للبنك المركزي الأوروبي، دويزنبرغ، مجالا للشك حول المقصد الذي يعني المؤسسة الوليدة في المقام الأول، ألا وهو نيل ثقة المواطنين في أن العملة الموحدة ستكون على نفس درجة الاستقرار التي كان يتمتع بها قبلها المارك الألماني، والفرنك الفرنسي، والغولدن، والخولده الهولندية، وغيرها.

وكتب دويزنبرغ لمحافظي البنوك المركزية المستقلين في كتب الضيوف لرؤساء البنوك المركزية في دول اليورو: «اليورو عملتكم، وبمقدوركم أن تثقوا في أنه سيحافظ على قيمته».

وفي الماضي القريب كان البنك المركزي الأوروبي على موعد مع مهمة صعبة جديدة، وذلك عندما أخذ معدل التضخم في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 في التسارع ليصل إلى قيمة قياسية بـ10.6 بالمائة، وهي قيمة شديدة البعد عن هدف 2 بالمائة الذي يسعى البنك المركزي الأوروبي إلى تحقيقه على المدى المتوسط من أجل استقرار اليورو. وواجه البنك هذا التطور بسلسلة من رفع أسعار الفائدة.

ومع ذلك استمر ارتفاع معدل التضخم مدفوعا بالدرجة الأولى بارتفاعات أسعار الطاقة والمواد الغذائية في أعقاب وقوع الحرب الروسية على أوكرانيا، الأمر الذي جعل مسؤولي البنك المركزي يسألون أنفسهم مرارا بشكل نقدي حول ما إذا كانوا تمسكوا لفترة أطول من اللازم بسياسة الأموال الرخيصة التي شملت شراء سندات حكومية بمليارات اليورو بعد الأزمة المالية في 2008/2007.

وعلى الصعيد الداخلي، واجه البنك صعوبات تمثلت في وجود خلل في التصميم في وحدة العملة، ويرجع ذلك الخلل إلى أن الأوروبيين طبقوا عملة مشتركة، دون أن تكون لديهم سياسة مالية ونقدية مشتركة.

وكان كبير الاقتصاديين السابق في البنك المركزي الأوروبي أوتمار إيسينغ قال في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 إن عدم تجانس دول اليورو وبالتالي اختلاف مصالحها يمثل مشكلة هائلة بالنسبة للسياسة النقدية المشتركة. ومع أنه لا يتعين على محافظي البنوك المركزية الوطنية أن يمثلوا المصالح الوطنية داخل مجلس البنك المركزي الأوروبي، فإن إيسينغ يرى أنه «عندما يلعب شراء السندات الحكومية مثل هذا الدور المهيمن في سياسة البنك المركزي الأوروبي، عندئذ سيصبح من الصعب للغاية تنحية المصالح الوطنية جانبا».

وسواء كانت الأزمة هي أزمة مالية، أو أزمة ديون، أو أزمة جائحة كورونا، فإن البنك المركزي الأوروبي الذي عمل كفريق إطفاء أزمات أظهر إبداعا في استخدام الوسائل المضادة في مواجهة مثل هذه الأزمات. وتفنن مسؤولو البنك في إعداد برامج مختلفة لشراء السندات، وأمدوا البنوك بقروض رخيصة وخفضوا سعر الفائدة إلى مستوى قياسي بـ«صفر في المائة» وفرضوا فوائد سلبية على الودائع بالشكل الذي جعل المصارف تشكو من الفوائد العقابية وجعل المدخرين يشعرون بأن ودائعهم عرضة للمصادرة.

والآن نشهد الصراع مع التضخم ومخاوف العديد من الناس من عدم كفاية ما لديهم من مال لنفقاتهم الضرورية. وأكدت ايزابيل شنابل عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي في الخريف الماضي أن «الناس بمقدورهم الاعتماد على البنك المركزي الأوروبي في عودة التضخم إلى الانخفاض مرة أخرى»، وقالت: «سنؤدي مهمتنا، وسنعمل من أجل استقرار الأسعار».


مقالات ذات صلة

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

أوروبا بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا» المعارض يلوّح بالعَلم الوطني بعد إعلانه الفوز بالانتخابات البرلمانية في بودابست (أ.ب) p-circle

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

حقق حزب بيتر ماغيار فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت الأحد في المجر. فماذا نعرف عنه؟

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

توجّه الناخبون المجريون بكثافة إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بودابست - لندن)
شمال افريقيا خلال عملية نقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

إزالة 4 آلاف لغم وذخيرة من مقر ميليشياوي في العاصمة الليبية

تحت شعار «استثمروا في السلام... استثمروا في الأعمال المتعلقة بإزالة الألغام»، انتهت جهود شركاء للأمم المتحدة إلى إزالة آلاف الألغام من مناطق ليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.