«أمير الظلام» مسؤولاً عن الملف الإيراني في «سي آي إيه»

الضابط مايكل كان مسؤولاً عن مطاردة بن لادن... وتعيينه يعكس نهج ترمب الصارم حيال طهران

إيرانيون أثناء زيارتهم لجامع كبير في مدينة قم جنوب طهران ({غيتي})
إيرانيون أثناء زيارتهم لجامع كبير في مدينة قم جنوب طهران ({غيتي})
TT

«أمير الظلام» مسؤولاً عن الملف الإيراني في «سي آي إيه»

إيرانيون أثناء زيارتهم لجامع كبير في مدينة قم جنوب طهران ({غيتي})
إيرانيون أثناء زيارتهم لجامع كبير في مدينة قم جنوب طهران ({غيتي})

يطلقون عليه اسم أمير الظلام أو آية الله مايك، وهي الأسماء المستعارة التي اكتسبها ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي كان مسؤولا عن مطاردة زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وحملة غارات الطائرات من دون طيار التي أسفرت عن مصرع الآلاف من المتطرفين ومئات المدنيين كذلك.
أما الآن، صارت للمسؤول مايكل داندريا وظيفة جديدة داخل الوكالة، فقد أصبح مدير العمليات الإيرانية في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وفقا للمسؤولين الحاليين والسابقين في الوكالة. وهو المنصب الذي يعد أول إشارة قوية على اعتماد الإدارة الأميركية المنهج الصارم الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية الرئاسية.
والدور الجديد لداندريا هو واحد من تحركات عدة تجري داخل وكالة الاستخبارات الأميركية، التي تدل على منهج أكثر قوة وصرامة من حيث التجسس والعلميات السرية تحت قيادة مايك بومبيو، الرجل الجمهوري المحافظ وعضو الكونغرس الأسبق، الذي يترأس وكالة الاستخبارات المركزية في الوقت الراهن. كما عينت الوكالة الأميركية في الآونة الأخيرة كذلك الرئيس الجديد لعمليات مكافحة الإرهاب، والذي بدأ في الانتقال لمستويات جديدة من العمليات في مكافحة الإرهابيين.
كانت إيران واحدة من أصعب الأهداف على وكالة الاستخبارات الأميركية. فوكالة التجسس الأميركية الأولى لا تملك قدرات كبيرة للغاية في الوصول إلى أو اختراق إيران، وليست هناك من سفارة أميركية يمكن استخدامها في توفير التغطية الدبلوماسية المطلوبة لعملاء الوكالة، ولقد أمضت أجهزة الاستخبارات الإيرانية من جانبها العقود الأربعة الأخيرة في محاولات مستمرة لمكافحة التجسس الأميركي والعمليات السرية.
وتقع تحديات تحويل رؤى الرئيس ترمب حيال طهران إلى واقع ملموس الآن على عاتق داندريا، وهو المدخن الشره الذي اعتنق الإسلام، والذي يملك خبرة واسعة وسمعة كبيرة، والسجل الحافل الداعم لكليهما، وربما لا يوجد في وكالة الاستخبارات الأميركية بأسرها رجل هو أكثر تحملا لمسؤولية تقويض أركان تنظيم القاعدة من هذا الرجل.
يقول روبرت إيتينغر، المحامي الأسبق في وكالة الاستخبارات الأميركية، الذي شارك بعمق في برنامج الطائرات من دون طيار في الوكالة: «بإمكانه إدارة برنامج شديد العداء، لكن بذكاء خارق». ولقد رفضت وكالة الاستخبارات الأميركية التعليق على منصب داندريا الجديد، وقالت الوكالة في بيانها إنها لا تناقش هويات أو مهام ضباط العمليات السرية. ويتحدث إلينا المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هوياتهم بسبب أن داندريا لا يزال يعمل تحت غطاء السرية، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الكبار المسؤولين العاملين في مقر وكالة الاستخبارات الأميركية في لانغلي بولاية فيرجينيا. كما أن إيتينغر لم يستخدم اسمه الحقيقي. (وعطفت صحيفة «نيويورك تايمز» على ذكر داندريا باسمه بسبب أن هويته سبق وأن نُشرت عبر وسائل الإعلام في التقارير الإخبارية، كما أنه يترأس مبادرة الإدارة الأميركية الجديدة ضد إيران).
ولقد وصف الرئيس ترمب إيران بقوله «الدولة الإرهابية الأولى في العالم»، وتعهد في مختلف مراحل حملته الانتخابية الرئاسية بتفكيك أو إعادة استعراض الاتفاق التاريخي الذي أبرمته القوى الدولية الستة الكبرى مع طهران، والذي وافقت الأخيرة بموجبه على الحد من برنامج الأسلحة النووية لديها في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
ولم يتطرق الرئيس الأميركي إلى هذا التهديد منذ توليه مهام منصبه، ولقد أعادت إدارته التصديق على الامتثال الإيراني لبنود الاتفاق النووي المبرم. ولكنه استدعى منهجه الصارم حيال إيران، لكن من نواح أخرى. إذ وصف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الاتفاق النووي الإيراني بالفاشل، وعين الرئيس ترمب في مجلس الأمن القومي الأميركي مجموعة من الصقور الحريصين على احتواء التمدد الإيراني والدفع في اتجاه تغيير النظام الحاكم في طهران؛ الأمر الذي من المرجح أن يوضع له الأساس الراسخ عبر العمليات السرية لدى وكالة الاستخبارات الأميركية.
ولقد كان الجنرال إتش. أر. ماكماستر، مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة، قائدا لقوات المشاة خلال السنوات الأولى من الحرب في العراق، وهو يعتقد أن العملاء الإيرانيين الذين كانوا يعاونون المتمردين العراقيين كانوا هم المسؤولين عن مقتل عدد من جنوده خلال المعارك. ويعتبر ديريك هارفي، كبير مديري ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، من الصقور عندما يتعلق الأمر بإيران.
ولقد أخبر عزرا كوهين واتنيك، كبير مسؤولي المجلس لشؤون الاستخبارات، وهو ضابط الاتصال الرئيسي بين البيت الأبيض ومختلف أجهزة الاستخبارات الأميركية، المسؤولين الآخرين في الإدارة الأميركية أنه يرغب في استخدام الجواسيس الأميركيين للمساعدة في الإطاحة بالحكومة الإيرانية؛ وذلك وفقا للكثير من المصادر رفيعة المستوى في دوائر الدفاع والاستخبارات الأميركية.
وكان بومبيو، الذي يمثل جنوب وسط كانساس في مجلس النواب الأميركي، من بين أشد أعضاء الكونغرس انتقادا للاتفاق النووي الإيراني. وقبل شهرين من الانتخابات الرئاسية الأميركية، نشر بومبيو مقالا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان «إن الأصدقاء لا يسمحون للأصدقاء بالتعاون مع إيران». وتعهد الرجل خلال جلسة الاستماع في الكونغرس لتأكيد تعيينه في منصبه في يناير (كانون الثاني) أنه إذا استمر سريان مفعول الاتفاق الإيراني، فسوف يكون مراقبا شرسا للاتفاق لضمان التزام طهران الصارم ببنوده. وقال خلال جلسة الاستماع البرلمانية: «إن الإيرانيين يحترفون الغش والاحتيال».
ووجد مدير وكالة الاستخبارات الأميركية في داندريا شخصية شديدة الحب للعمل لكي يتولى إدارة الملف الإيراني. ولقد نشأ داندريا في شمال ولاية فيرجينيا لعائلة امتدت صلاتها بمجتمع الاستخبارات الأميركي لجيلين كاملين. والتقى بزوجته، التي تدين بالإسلام هي الأخرى، في إحدى المهام الاستخباراتية في الخارج، ثم اعتنق الإسلام لكي يتمكن من التزوج بها، على الرغم من أنه غير معروف عنه التزامه المطلق بتعاليم الدين الإسلامي.
وفي وكالة الاستخبارات الأميركية، كانت سمعة داندريا بالفطنة والدهاء العملياتي تضاهيها سمعته الأكيدة بالوقاحة في التعامل مع الآخرين. شخصية فظة»، كان الوصف الأكيد الأكثر شيوعا عنه داخل أروقة الوكالة كما يصفه به أولئك الذين عملوا معه، وبعض من موظفي الوكالة رفض التعامل معه لأجل ذلك. وقال مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات الأميركية أنه سأل داندريا ذات مرة، والذي كان معروفا عنه احتفاظه بسرير صغير ملحق بمكتبه داخل الوكالة، ما الذي يفعله في أوقات فراغه. فأجاب على الفور «العمل». وعند سؤال إيتينغر عما إذا كان تعيين داندريا بمثابة إشارة بأن وكالة الاستخبارات الأميركية تخطط لاتخاذ تحركات أكثر جرأة وصرامة حيال إيران، أجاب قائلا: «لا أعتقد أن الأمر بخلاف ذلك».
أما آراء داندريا الشخصية حول إيران فهي غير معروفة علنا. كما أن وظيفته لا تتعلق بوضع السياسات حيال إيران ولكن بتنفيذ قرارات تلك السياسات، ولقد أثبت أنه ضابط عمليات صارم وعنيف. وفي السنوات التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، كان داندريا ضالعا بعمق في برنامج الاعتقال والاستجواب بالوكالة، الذي أسفر عن حالات تعذيب لعدد من السجناء، وتمت إدانة البرنامج في تقرير شامل أمام مجلس الشيوخ في عام 2014، ووصف بأنه برنامج غير إنساني وغير فاعل. ثم تولى مسؤولية مركز مكافحة الإرهاب في الوكالة اعتبارا من عام 2006، وأمضى السنوات التسع التالية في إدارة البحث عن المتطرفين حول العالم.
ولعب العملاء تحت إشرافه أدوارا محورية في عام 2008 في مقتل عماد مغنية، رئيس العمليات الدولية في تنظيم «حزب الله» اللبناني، المدعوم من إيران. ومن خلال التعاون مع الجانب الإسرائيلي، استخدمت وكالة الاستخبارات الأميركية سيارة مفخخة في اغتيال عماد مغنية أثناء عودته إلى منزله في العاصمة السورية دمشق، والتي يتمتع «حزب الله» فيها بعلاقات قوية وإسناد راسخ من الحكومة السورية.
وفي الوقت نفسه، كان داندريا يعزز من برنامج الطائرات من دون طيار داخل باكستان. وصارت الطائرات من دون طيار أداة مكافحة الإرهاب المفضلة لدى الرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي صادق شخصيا على الغارات التي تستهدف زعماء الجماعات الإرهابية. وعندما تولى داندريا إدارة مركز مكافحة الإرهاب في الوكالة، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الطائرات من دون طيار العاملة في باكستان، ولم يتم تنفيذ إلا ثلاث غارات فقط في العام نفسه، وفقا لدورية الحرب الطويلة المعنية بمتابعة عمليات تلك الطائرات. وبحلول عام 2010، عندما بلغت حملة الطائرات من دون طيار ذروتها، أطلقت وكالة الاستخبارات الأميركية 117 غارة ضد أعضاء تنظيم القاعدة وغيرهم من المتطرفين المختبئين في المناطق القبلية الجبلية التي تمتد على طول الحدود الشمالية الغربية لباكستان مع أفغانستان. كما وسّعت وكالة الاستخبارات الأميركية من برنامج الطائرات من دون طيار للعمل في اليمن تحت إشراف داندريا، ويشيد الكثيرون داخل الوكالة به للدور الفاعل الذي قام به في تقويض أركان تنظيم القاعدة.
ولكن كانت هناك بعض الانتكاسات كذلك. كان داندريا على رأس القيادة عندما كان أحد مصادر وكالة الاستخبارات الأميركية يعمل بصورة سرية لصالح تنظيم القاعدة وتمكن من تفجير نفسه في عملية انتحارية داخل إحدى القواعد الأميركية في أفغانستان؛ مما أسفر عن مصرع سبعة من عملاء الوكالة. ولقد كان أكثر الهجمات وحشية التي شهدتها وكالة الاستخبارات الأميركية خلال ربع قرن من الزمان.
وفي يناير من عام 2015، ضربت غارة للطائرات من دون طيار إحدى مقرات تنظيم القاعدة في باكستان، حيث كان المتطرفون يحتجزون اثنين من الرهائن، على غير علم وكالة الاستخبارات الأميركية، وهما وارين وينشتاين عامل الإغاثة الأميركي والمستشار الاقتصادي، إلى جانب المواطن الإيطالي جيوفاني لو بورتو (37 عاما). ولقد لقي الرجلان حتفهما في تلك الغارة. وبعد بضعة أشهر، انتقل داندريا إلى منصب جديد يعمل فيه على استعراض فاعلية برامج العمليات السرية. وقال المسؤولون السابقون في وكالة الاستخبارات الأميركية: إن وظيفة داندريا الجديدة بالإشراف على ملف العمليات الإيرانية تتناسب تماما مع مواهبه وخبراته. وقال إيتينغر: «الكثير من الناس الذين أعرفهم جيدا كانوا خائفين منه وكانوا يعتقدونه موتورا أو متهورا، لكنه ليس كذلك على الإطلاق. بل إنه يتمتع بدقة عالية في عمله ولديه معايير راقية للغاية في التعامل مع الناس من حوله».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

السفارة الأميركية تعلن تشديد الإجراءات الأمنية في الأردن عقب هجوم كنيسة الكرك

المشرق العربي عناصر أمن يقفون خارج كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس حيث أطلق مسلحون النار خلال مراسم جنازة في اليوم السابق بقرية حمود بمحافظة الكرك - الأردن (رويترز) p-circle

السفارة الأميركية تعلن تشديد الإجراءات الأمنية في الأردن عقب هجوم كنيسة الكرك

قالت السفارة الأميركية في عمان إنه جرى تشديد الإجراءات الأمنية في مراكز التسوق والسفارات الأجنبية ومواقع أخرى في الأردن بعد هجوم كنيسة الكرك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي ملك الأردن عبد الله الثاني يعود مصابي الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك أمس (وكالة الأنباء الأردنية)

الإرهاب يضرب كنيسة في الكرك الأردنية

ضرب الإرهاب، أمس، كنيسة في محافظة الكرك، جنوب الأردن، موقعاً 7 قتلى و34 جريحاً، ليتوعّد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بـ«الضرب بيد من حديد من تطاول على

محمد خير الرواشدة (عمان)
الخليج مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

السعودية تدين استهداف كنيسة في الكرك الأردنية

أدانت السعودية واستنكرت بأشد العبارات العمل الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية، مؤكدة تضامنها مع الأردن حكومةً وشعباً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب) p-circle 00:27

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

في قرية الحمود التابعة لمحافظة الكرك التي تقطنها عشائر الهلسة المسيحية، وهي من أكبر العشائر المسيحية في المحافظة، فتح مسلحان النار عشوائياً في محيط الكنيسة.

محمد خير الرواشدة (عمان)
أوروبا الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)

جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار

جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار... الجاني استهدف أشخاصاً من أصول أجنبية أفريقية ومغاربية بإطلاق النار من سلاح أوتوماتيكي.

ميشال أبونجم (باريس)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.