ترامب أصبح واقعًا.. وقادة العالم يستقبلونه بلغة دبلوماسية

الرئيس الفرنسي يهنئ ويحذر من «مرحلة من الغموض»

الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
TT

ترامب أصبح واقعًا.. وقادة العالم يستقبلونه بلغة دبلوماسية

الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)

ردة فعل قادة العالم لم تكن غير متوقعة، والتقليد المتبع، خصوصا بين الدول التي لا تمر بحالة من العداء المتبادل، هو أن تقبل بإرادة الشعوب في اختيار ممثليها. ومن هنا انهالت التهاني أمس على الرئيس الأميركي المنتخب. وربما من أهم ردود الفعل على هذا الانتصار الذي جاء مفاجئا للجميع هو الموقف الأوروبي، بسبب العلاقات الاستراتيجية الدفاعية بينها وبين الولايات المتحدة التي تعتبر العضو الأهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
خلال حملته الانتخابية شكك الرئيس المنتخب دونالد ترامب في جدوى الإنفاق الأميركي على الدفاع الأوروبي من خلال حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا سيما فيما يتعلق بالدول الأقرب لروسيا في الشرق. وقال إن على الدول الأوروبية أن تتحمل نفقات الدفاع عن نفسها. لكن مع انتخابه رئيسا أمس سعى سفراء الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لطمأنة أوروبا بأن التعاون الوثيق سيستمر في أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسا للبلاد. وقال دوغلاس لوت سفير واشنطن للحلف خلال اجتماع مع دبلوماسيين أوروبيين في مقر السفارة الأميركية في بروكسل إن هناك مجالا كبيرا للاستمرار وإن حلف الأطلسي لطالما كان مهما بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي. وحث السفير الأميركي للاتحاد الأوروبي أنتوني غاردنر الذي عينه الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما الأوروبيين على عدم تكوين افتراضات بشأن طبيعة إدارة ترامب. وقال للصحافيين: «من السابق لأوانه الوصول لنتائج». وقال: «أي إدارة أميركية ستدرك أهمية.. العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. امنحوها الوقت».
وهنأ ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو» دونالد ترامب لفوزه في الانتخابات الرئاسية وشدد على أهمية القيادة في واشنطن في ظل «البيئة الأمنية الجديدة والصعبة». وقال: «القيادة الأميركية تظل مهمة كما كانت دائما.. وأتطلع إلى العمل مع الرئيس المنتخب ترامب».
وأضاف: «إن قوة حلف الناتو تصب في صالح الولايات المتحدة وكذلك في صالح أوروبا»، مشيرا إلى أن «هناك المزيد من العمل» الذي يتعين القيام به في ضوء التهديدات التي من بينها الحروب غير التقليدية والهجمات الإلكترونية والإرهاب.
كما وجه رئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك دعوة إلى ترامب لعقد قمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أوروبا حين يسمح له الوقت بذلك. وفي رسالة تهنئة مشتركة لترامب على فوزه، وجه يونكر وتوسك «دعوة له للتوجه إلى أوروبا لعقد قمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أول فرصة ممكنة له»، مؤكدا أن «تعزيز العلاقات بين الطرفين مهم أكثر من أي وقت مضى». وأضافا «فقط عبر التعاون بشكل وثيق يمكن للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يواصلا إحداث فارق للنهوض بتحديات غير مسبوقة مثل (داعش) أو تهديدات لسيادة أوكرانيا والتغير المناخي والهجرة». وقالا: «لحسن الحظ الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عريضة وعميقة».
كما هنأت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرئيس الأميركي المنتخب بفوزه. وفي الوقت ذاته ذكّرت المستشارة الألمانية ترامب في برلين بمسؤوليته عن النمو العالمي في ظل القوة العسكرية والاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة. أضافت ميركل: «من يحكم هذا البلد بكل ما تمتلكه من قوة اقتصادية جبارة وقدرات عسكرية وقدرتها على التأثير الثقافي يتحمل المسؤولية التي يشعر بها الناس في كل مكان في العالم تقريبا». وأكدت ميركل أن ألمانيا وأميركا تربطهما قيم مشتركة مثل الديمقراطية والحرية والاحترام والقانون وكرامة الإنسان بصرف النظر عن أصله ولون بشرته ودينه وجنسه وتوجهه الجنسي أو موقفه السياسي. تابعت ميركل: «على أساس هذه القيم أعرض على الرئيس المقبل للولايات المتحدة دونالد ترامب التعاون الوثيق».
وقال وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون إنه يتطلع لمواصلة الشراكة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وسبق أن وجه جونسون انتقادات لترامب الجمهوري. وقال جونسون الذي كان رئيس بلدية لندن في حسابه على موقع تويتر: «أؤمن بقوة بأهمية العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وأنا على ثقة أننا نستطيع النهوض بها معا». وفي العام الماضي قال جونسون إنه يخشى الذهاب إلى نيويورك لأن «هناك احتمالا حقيقيا بلقاء دونالد ترامب» بعد أن قال الملياردير إن مناطق من لندن باتت متطرفة لدرجة أن أفراد الشرطة أصبحوا عاجزين عن فرض القانون فيها خوفا على حياتهم.
وجاء الرد الفرنسي ليعكس حالة التخوف الأوروبي خلال المرحلة القادمة. إذ حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من «مرحلة من الغموض» مع انتخاب الجمهوري ترامب رئيسا للولايات المتحدة، داعيا إلى وحدة صف أوروبية. وبعدما كان الرئيس الفرنسي الاشتراكي ندد بـ«تجاوزات» المرشح الجمهوري، «هنأه» رسميا «كما هو طبيعي بين رئيسي دولتين ديمقراطيتين»، في تصريح مقتضب من قصر الإليزيه. لكنه حذر عن «غموض» يحيط بـ«السلام» و«مكافحة الإرهاب» و«الوضع في الشرق الأوسط» و«العلاقات الاقتصادية» و«حماية الأرض»، في إشارة إلى اتفاق باريس حول المناخ الذي توعد دونالد ترامب مرارا بالانسحاب منه. وقال: «سأباشر من دون إبطاء حول كل هذه المواضيع نقاشا مع الإدارة الأميركية الجديدة» مذكرا بأن «الولايات المتحدة هي شريك ذو أهمية قصوى لفرنسا». وتابع: «إن هذا الوضع يدعو أيضا إلى أوروبا موحدة قادرة على التعبير عن موقفها وتطبيق سياسة حيث تكون مصالحها أو قيمها على المحك: الحرية، الكرامة، اللحمة الاجتماعية، مكافحة الفقر». وقال: «علينا إيجاد أجوبة، لدينا الأجوبة، ويجب أن تكون قادرة على تخطي المخاوف»، في وقت تواجه بلاده أيضا صعودا للخطاب الشعبوي قبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرو قد صرح سابقا بأن بلاده سيكون عليها أن توضح مع الولايات المتحدة مسائل رئيسية مثل الصراع في سوريا والصفقة النووية لإيران والتغير المناخي إذا صار المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية رئيسا للولايات المتحدة. وأضاف ايرو لتلفزيون «فرنسا 2» أنه كان يفكر في أن شخصية ترامب مثيرة «للتساؤلات.. تجعلك تفكر وتطرح أسئلة وربما تثير ردود فعل».
وهنأ الفاتيكان الرئيس الأميركي الجديد. وأعرب عن أمله في أن تكون أفعال ترامب كرئيس مسؤولة أكثر من شعاراته كمرشح. وقال الكاردينال بييرو بارولين، وزير خارجية الفاتيكان: «تمنياتنا للرئيس الجديد بأن تكون إدارته مثمرة حقا، وصلواتنا للرب بأن يمنحه النور ويدعمه في خدمة بلاده». وقال بارولين، الذي يعد أيضا رئيس حكومة الفاتيكان: «أعتقد أننا اليوم في حاجة للعمل معا جميعا لتغيير الوضع في العالم، والذي ينقسم بشكل خطير ويتصارع بشكل خطير».
وردا على سؤال حول تعهد ترامب ببناء جدار على الحدود المكسيكية، والذي انتقده بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، قال بارولين: «من الطبيعي إنهم يقولون: أن تكون مرشحا فهذا أمر، وأن تكون رئيسا فهو أمر آخر. أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نصدر حكما».
كما هنأ الرئيس الصيني شي جين بينغ الجمهوري ترامب بفوزه بالرئاسة وقال إنه يتطلع إلى العمل معه، بحسب ما أورد تلفزيون «سي سي تي في» الرسمي. ونقل التلفزيون عن الرئيس الصيني قوله «أقدر العلاقات الصينية الأميركية وأتطلع إلى العمل معكم والتمسك بالاحترام المتبادل بعيدا عن النزاعات والمواجهات». وأضاف أن الصين والولايات المتحدة بوصفهما أكبر اقتصادين في العالم، تتحملان مسؤولية حماية السلام والاستقرار العالميين وتشجيع الازدهار العالمي، بحسب ما نقل التلفزيون. وأضاف أن «تطوير علاقات صينية أميركية مستقرة وسليمة طويلة الأمد بما يصب في مصلحة شعبي البلدين هو ما يتوقعه المجتمع الدولي».
وتابع المواطنون الصينيون نتائج الانتخابات الأميركية، واستقبلوا فوز ترامب بمزيج من التفاؤل والدهشة. وكان ترامب هاجم سياسات الصين التجارية وألقى على بكين بمسؤولية خسارة الأميركيين الكثير من الوظائف ووعد بفرض تعرفة جمركية بنسبة 45 في المائة على السلع الصينية الصنع.
أما رئيس الوزراء الهندي فشكر ترامب على «الصداقة» التي أظهرها للهند خلال حملته الانتخابية. وقال ناريندرا مودي في رسالة للرئيس الأميركي المنتخب: «نحن نقدر الصداقة التي أظهرتها تجاه الهند خلال حملتك الانتخابية». وأضاف: «نتطلع للعمل معك بصورة وثيقة لرفع العلاقات الثنائية بين الهند وأميركا لمستوى جديد». وكان ترامب قد أشاد خلال خطاب انتخابي أمام الناخبين الأميركيين من أصل هندي الشهر الماضي برئيس الوزراء الهندي، وتعهد بأن الهند وأميركا سوف يصبحان «أفضل أصدقاء» إذا تم انتخابه. وقد احتفل أعضاء من حركة هندو سينا اليمينية بفوز ترامب بوسط دلهي، حيث قاموا بالرقص وتوزيع الحلوى.
وقالت رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرج إن أوسلو تسعى لاستمرار العمل للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، أما رئيس الوزراء الدنماركي لارس لوك راسموسن فقال «الآن بعدما هدأت الأجواء الانتخابية، أتمنى أن تستمر الإدارة المقبلة في التعاون المنفتح والبناء الذي كان سمة رئيسية لأميركا خلال الأعوام الماضية».
وأضاف: «أوروبا في حاجة لأميركا قوية».
أما رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي فقد أعرب عن أمله في علاقات مستقرة لبلاده مع الولايات المتحدة الأميركية. وقال رينزي: «إنها حقيقة سياسية جديدة تظهر مع أشياء أخرى أننا في عهد جديد».
وأكد أنه مقتنع أن العلاقة الودية بين إيطاليا والولايات المتحدة الأميركية ستظل «قوية ومتينة».
وأعرب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن تطلعه للتعاون عن كثب مع الرئيس الأميركي.
وقال في بيان إنه يتطلع إلى «المزيد من تعزيز العلاقات بين اليابان والولايات المتحدة وأن يلعب الجانبان دورا رائدا لضمان السلام والازدهار في منطقة آسيا - المحيط الهادي».



مَن سيشارك في قمة حلف الأطلسي بأنقرة؟ وما المنتظر منها؟

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
TT

مَن سيشارك في قمة حلف الأطلسي بأنقرة؟ وما المنتظر منها؟

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)

يجتمع قادة حلف شمال ‌الأطلسي (الناتو) في أنقرة لحضور القمة المقررة، غداً (الثلاثاء) وبعد غد (الأربعاء)، وسط ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا لزيادة الإنفاق الدفاعي، وبعد أشهر من التوتر عبر الأطلسي بسبب الحرب على إيران وقضية غرينلاند. وأدت الانتقادات المتكررة التي يوجهها ترمب إلى الحلف، إلى ​جانب الإعلان عن سحب قوات من أوروبا وإجراء مراجعة تستغرق ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في القارة، إلى مفاقمة حالة الضبابية داخل الحلف.

فيما يلي ما نحتاج إلى معرفته عن القمة:

ما الذي سيناقشه القادة؟

ضغطت إدارة ترمب على أوروبا لزيادة استثماراتها الدفاعية وتحمل المسؤولية الرئيسية في الدفاع عن القارة، وفقاً لوكالة «رويترز».

ويتوقع المسؤولون أن يركز القادة على التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الإنتاج الصناعي الدفاعي، وكيفية تنفيذ «تحويل العبء» من الولايات المتحدة إلى أوروبا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو الماضي (رويترز)

مَن القادة الذين سيحضرون القمة؟

سيحضر القمة قادة الدول الأعضاء وعددها 32، بمن فيهم ترمب. ومن المتوقع أن ينضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونغ، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية ‌أورسولا فون دير ‌لاين، إلى مأدبة عشاء مع قادة حلف شمال الأطلسي، مساء الثلاثاء.

ماذا سيقول ​القادة ‌بشأن الدفاع؟

سيسعى القادة ​الأوروبيون إلى إقناع ترمب بأنهم يوفون بالالتزام الذي قطعوه في قمة لاهاي العام الماضي بإنفاق 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والإجراءات المتعلقة بالدفاع بحلول عام 2035.

ويشير نص، اطلعت عليه وكالة «رويترز»، إلى أنه من المتوقع أن يقول القادة في إعلان القمة: «في عام 2025، زاد الحلفاء الأوروبيون وكندا استثماراتهم في الاحتياجات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار». ومن المقرر أن يقولوا أيضاً: «نحن نبني المستقبل: أوروبا أقوى ضمن حلف شمال الأطلسي أقوى. حلف متطور. ويتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مسؤولية كبرى في دفاع الحلف».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف الناتو في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ماذا ستفعل دول الحلف من أجل أوكرانيا؟

من المتوقع أن يؤكد أعضاء حلف شمال الأطلسي مجدداً دعمهم لأوكرانيا ويتعهدوا بتقديم مزيد من المساعدات.

ومن ‌المتوقع أن يقول القادة: «بالنسبة إلى عام 2026، يتعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار ‌يورو في شكل عتاد عسكري ومساعدة وتدريب لأوكرانيا، ويؤكدون التزاماتهم السيادية ​بالحفاظ على مستويات معادلة على الأقل في عام 2027».

وسيأتي ‌بعض التمويل من التعهدات الثنائية الحالية ومن آلية قروض الاتحاد الأوروبي التي توفر 60 مليار يورو ‌للاستثمار في الدفاع الأوكراني والمشتريات خلال 2026 - 2027. ولا يُتوقع أن تسهم الولايات المتحدة في التمويل.

ماذا سيفعل الحلف في مجال الصناعة؟

ركزت قمة العام الماضي على الاتفاق على تعهد إنفاق جديد، لكن المسؤولين يرغبون في أن يركز اجتماع هذا العام على زيادة إنتاج الأسلحة وتعزيز الابتكار في مجال الدفاع.

وسيستضيف الحلف، غداً، منتدى لصناعة الدفاع في أنقرة، حيث سيتم الإعلان عن صفقات ‌بقيمة عشرات المليارات من الدولارات.

هل ستُطرح قضية إيران؟

يشعر المسؤولون الأوروبيون بالقلق من أن الحرب على إيران، واستياء ترمب من الحكومات الأوروبية بسبب رد فعلها تجاهها، قد يلقي بظلاله على القمة.

ومن المتوقع أن يذكر القادة في إعلان القمة أن «الحلفاء يؤكدون مجدداً أنه يجب ألا تمتلك إيران أبداً سلاحاً نووياً، ويدعون إيران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز».

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو في لاهاي عام 2025 (الرئاسة التركية)

ماذا تريد تركيا بصفتها الدولة المضيفة؟

ستسعى تركيا إلى تسليط الضوء على قدراتها المتنامية في مجال الصناعة الدفاعية، وتكرار دعوتها المستمرة منذ فترة طويلة أعضاء الحلف إلى رفع جميع القيود المفروضة على التجارة الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي.

كذلك سيرغب الرئيس رجب طيب أردوغان في إحراز تقدم مع حلفاء مثل فرنسا وإيطاليا بشأن شراء منظومة الدفاع الصاروخي «سامب - تي» وغيرها من أوجه التعاون في مجال الصناعة الدفاعية.

وفي المحادثات الثنائية مع ترمب، من المتوقع أن يسلط أردوغان الضوء على تحسن العلاقات بين أنقرة وواشنطن، مع الضغط من أجل رفع العقوبات الأميركية واستئناف المشاركة في برنامج الطائرات المقاتلة من طراز «إف-35».

مَن سيحضر أيضاً؟

في أنقرة أيضاً، يُتوقع أن يلتقي وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي مع نظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات ​وأن يقيموا مأدبة عشاء مع وزير خارجية أوكرانيا ومسؤولة ​السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس. ومن المقرر أيضاً أن يعقد وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي محادثات مع وزراء من أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)

معروف أنَّ دبلوماسية الفاتيكان هي الأعرق في العالم، وليس من باب الصدف، أنَّ البابا ليو الرابع عشر، اختار الرابع من يوليو (تموز)، يوم العيد الوطني الأميركي والاحتفالات الضخمة التي ينظِّمها دونالد ترمب بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، ليمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا؛ ليحيي قداساً بين المهاجرين، ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح طفل أفريقي قضى في الثانية من عمره مع أسرته التي كانت تحاول عبور البحر إلى أوروبا.

صورة مركَّبة لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقبل أن يغادر روما صباح السبت، كان البابا قد وجَّه رسالةً بالفيديو إلى «المركز الوطني الدستوري» في فيلادلفيا، الذي منحه ميدالية الحرية، جاء فيها: «المجد لأولئك الرجال والنساء الشجعان الذين كانوا يحلمون بالحرية وبحياة أفضل لهم ولأبنائهم».

وتأتي هذه التصريحات لأول بابا أميركي في التاريخ، بعد أيام على صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يكبح محاولة ترمب إلغاء حق الحصول على الجنسية لكل الذين يشهدون النور على الأراضي الأميركية، والذي يُشكِّل إحدى الدعائم الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة.

وذكّر روبرت فرنسيس بريفوست (اسم البابا عند الولادة في 14 سبتمبر/ أيلول 1955)، بفقرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة جاء فيها: «كل الرجال والنساء يولدون متساوين بنعمة الخالق الذي يمنحهم حقوقاً ثابتة، منها الحق في الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». ثم أضاف: «تلك الرؤية السامية جعلت من الولايات المتحدة مرادفاً للحرية، إذ فتحت الأبواب أمام موجات متتالية من المهاجرين، وسمحت لهم ولأولادهم بأن يلعبوا دوراً أساسياً في بناء مستقبل الأمة».

بارك البابا لوحةً تذكاريةً تكريماً لسلفه البابا فرنسيس بنقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط (إ.ب.أ)

وكان ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو من أبوين مهاجرَين، قد نأى بنفسه بعيداً عن دونالد ترمب، عندما رفض دعوة البيت الأبيض لزيارة الولايات المتحدة هذه السنة بمناسبة احتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأميركي، وقرَّر تمضية هذا اليوم في الجزيرة التي أصبحت رمزاً لمأساة المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وفي لامبيدوسا، قال البابا: «إن العظمة الأخلاقية للأمم تُقاس، قبل أي شيء، بقدرتها على مساندة وحماية وتقدير حياة كل أبنائها، خصوصاً منهم الضعفاء، والذين تدور شكوك حول قيمتهم بوصفهم بشراً».

وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية وزار «بوابة أوروبا» وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا (رويترز)

وأضاف: «الحرية الحقيقية أعمق بكثير من التَّصرُّف وفقاً لمشيئتنا، فهي تقوم على قدرتنا على معرفة الحقيقة، والتزام الخير مهما كان الثمن باهظاً».

ومن غير أن يسمّي الرئيس الأميركي قال: «يعرف الأميركيون جيداً أنَّ الطريق إلى بناء مجتمع يجسِّد قيم الحرية والعدالة السامية للجميع، لم يكن سهلاً أبداً، وهذه معركة تنتقل من جيل إلى آخر، على أمل أن تبقى الولايات المتحدة دائماً وفيّة للحلم الذي منحها لقب أرض الأحرار وموئل الشجعان». وذكّر البابا ليو الرابع عشر أيضاً بالحرية الدينية التي كانت دائماً من السمات المُميِّزة للمجتمع الأميركي. وأعرب عن أمله بأن يبقى هذا التقليد حياً ومثمراً للأجيال المقبلة.

يلقي موعظته خلال زيارته الجزيرة الإيطالية (إ.ب.أ)

وخلال زيارته إلى الجزيرة الإيطالية في البحر المتوسط، بارك البابا لوحةً تذكاريةً، تكريماً لسلفه البابا فرنسيس، الذي سيُطلَق اسمه فصاعداً على نقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط. وسيُطلَق على هذه النقطة، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم «مولو فافالورو»، الآن «مولو بابا فرنسيسكو». وتهدف تلك الخطوة إلى إحياء ذكرى التزام البابا الراحل تجاه اللاجئين.

وندَّد البابا بالإجراءات الرامية إلى قمع الهجرة غير القانونية. ووصف معاملة الإدارة الأميركية للمهاجرين بأنَّها «غير إنسانية». وحضَّ المهاجرين على الاندماج من خلال تعلم لغة البلد المستضيف، واحترام قوانينه، والتَّعرُّف إلى عاداته وتقاليده.

وحثَّ البابا أوروبا على معالجة مشكلة ⁠الهجرة «بشكل شامل من خلال دمج ‌جهود الإغاثة الفورية ‌في خطة استراتيجية طويلة الأمد قادرة ​على استقبال المهاجرين وحمايتهم ‌ودعمهم وإدماجهم». وناشد أيضاً القادة الأوروبيين المساعدة في ‌تحسين الأوضاع في بلدان المهاجرين الأصلية حتى يقل عدد الذين يشعرون بأنَّهم مضطرون إلى المغادرة.

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ويحيي قداساً فيها (إ.ب.أ)

ورأى الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو أونغارو، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «وجود البابا ليو الرابع عشر يُشكِّل رسالةً واضحةً في زمن يتركَّز فيه النقاش السياسي العالمي حول الهجرة أكثر فأكثر على الحدود وسياسات المنع، بدلاً من الحماية وتقاسم المسؤولية».

وجزيرة لامبيدوسا هي ثاني وجهة أوروبية للهجرة. ويُعدُّ عبور وسط البحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا أخطر مسار للهجرة في العالم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وتقع لامبيدوسا بين صقلية وتونس على بعد 145 كيلومتراً من السواحل التونسية، وتعدُّ الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، منذ زمن طويل من المراكز الرئيسية للمهاجرين الذين يسافرون من أفريقيا إلى أوروبا. وقد تحوَّلت إلى أحد أبرز رموز أزمة الهجرة في أوروبا.

‌وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والبابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان (الفاتيكان)

وفي عام 2025، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولتهم عبور هذا المسار، بحسب تقارير للمنظمة. يُراقب هذا المسار عدد قليل من السفن التابعة لمنظمات إنسانية تتّهم الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات لمنع تسجيل حوادث غرق سفن.

وقال البابا في عظته في الجزيرة: «إن أوروبا قادرة (...) على معالجة الأزمة بشكل متكامل، عبر إدراج عمليات الإغاثة الأولية ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد، وقادرة على الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم ودمجهم، مع العمل في الوقت نفسه على التنمية، حتى لا يضطر أحد للهجرة».

وندَّد بـ«اللامبالاة تجاه الصالح العام، والفساد في البلدان الأصلية للمهاجرين، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء (...) والحسابات الإجرامية لمَن يستفيدون من مأساة الآخرين».

البابا ليو الرابع عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية (رويترز)

وقبل عظته، وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية، وزار «بوابة أوروبا»، وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا، حيث وقف وحيداً على صخرة تواجه البحر، وعباءته ترفرف بفعل الرياح.

وجعل البابا من الدفاع عن المهاجرين موضوعاً أساسياً في حبريته، يركّز عليه تكراراً على غرار ما فعل خلال زيارته أرخبيل جزر الكناري الإسباني الشهر الماضي، شاكراً مَن يمدّون يد العون للمعوزين الذين يتركون بلدانهم، ومندداً بعمليات الترحيل الجماعي في بلده، الولايات المتحدة.


«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.