«الحشد الشعبي» تحرق الفلوجة بالصواريخ الطائفية

العبادي يتجاهل مناشدة الأهالي.. والمطلك يحذر من كارثة إنسانية

القوات الأمنية العراقية تدخل أحد أحياء مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط») - ميليشيات «الحشد الشعبي» تطلق قذائف ناحية سكان الفلوجة - صواريخ تابعة لميليشيات «الحشد الشعبي» كتب عليها اسم الإرهابي نمر النمر
القوات الأمنية العراقية تدخل أحد أحياء مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط») - ميليشيات «الحشد الشعبي» تطلق قذائف ناحية سكان الفلوجة - صواريخ تابعة لميليشيات «الحشد الشعبي» كتب عليها اسم الإرهابي نمر النمر
TT

«الحشد الشعبي» تحرق الفلوجة بالصواريخ الطائفية

القوات الأمنية العراقية تدخل أحد أحياء مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط») - ميليشيات «الحشد الشعبي» تطلق قذائف ناحية سكان الفلوجة - صواريخ تابعة لميليشيات «الحشد الشعبي» كتب عليها اسم الإرهابي نمر النمر
القوات الأمنية العراقية تدخل أحد أحياء مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط») - ميليشيات «الحشد الشعبي» تطلق قذائف ناحية سكان الفلوجة - صواريخ تابعة لميليشيات «الحشد الشعبي» كتب عليها اسم الإرهابي نمر النمر

تجاهل حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، المناشدات التي أطلقها أهالي مدينة الفلوجة بعدم تدخل ميليشيات «الحشد الشعبي» في معركة تحرير الفلوجة من تنظيم «داعش» الإرهابي، لتضرب ميليشيات «الحشد» المباني السكنية بصواريخ حملت شعارات طائفية.
وطالب رئيس اللجنة الأمنية في البرلمان العراقي النائب عن محافظة الأنبار حامد المطلك، بوقف القصف الوحشي العشوائي الذي تقوم به الميليشيات التي تحاصر مدينة الفلوجة، ودعا منظمات العالم الدولية للتدخل الفوري لإنقاذ أرواح المدنيين من أهالي الفلوجة الذين سقطوا بالمئات جراء هذا القصف الوحشي. وقال المطلك في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الميليشيات التي رفضنا تدخلها في عمليات تحرير مدينة الفلوجة تقوم بعمليات وحشية من خلال قتل المدنيين العزل داخل مدينة الفلوجة جراء القصف المدفعي والصاروخي بالراجمات والقنابل، مما أسفر عن سقوط المئات من المدنيين الذين تعالت صيحاتهم، مطالبين ومناشدين دول العالم للتدخل الفوري وإنقاذ أرواح هؤلاء الأبرياء».
وأضاف المطلك: «على القائد العام للقوات المسلحة أن يتدخل فورًا بوقف القصف العشوائي وسحب الميليشيات الطائفية من مدينة الفلوجة، وأن تترك الأمور كلها للجيش والقوات المسلحة. نحن لسنا مستعجلين في تحرير الفلوجة على حساب أرواح الأبرياء من أهلنا المحاصرين داخل المدينة الذين يقدر عددهم بأكثر من 105 آلاف مواطن»، وقال: «سيتم تحرر الفلوجة في غضون شهر أو شهرين، لماذا هذا الإصرار على حرق المدينة بمن فيها من المدنيين من أجل أن يعلن النصر الذي سنخسر من خلاله آلاف الأرواح من أبنائنا. على القائد العام للقوات المسلحة تدارك الأمور قبل حدوث كارثة إنسانية جديدة بحق أهالي الفلوجة الذين ينتظرون منا تحريرهم من قبضة تنظيم داعش الإرهابي، لا حرقهم بالنار والقصف ودفنهم تحت حطام البيوت».
من جهته كشفت النائبة في البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار، لقاء وردي، عن وجود رفض كبير من قبل القيادات السياسية في محافظة الأنبار بالسماح لقوات الحشد الشعبي المشاركة في عمليات تحرير مدينة الفلوجة، بعد أن اتفق مع القائد العام للقوات المسلحة على بقاء قوات الحشد الشعبي عدا أطراف المدينة فقط.
وقالت وردي لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك إجماعا سياسيا من قبل القادة والبرلمانيين في محافظة الأنبار على عدم مشاركة قوات الحشد الشعبي في معركة تحرير الفلوجة، وهذا ما تم الاتفاق عليه مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والقائد العام للقوات المسلحة».
وأضافت أنه «تم الاتفاق على تحرير المدينة من قبل قوات الجيش والشرطة ومقاتلي عشائر الأنبار فقط، بينما تقف قوات الحشد الشعبي بعيدة عند أطراف المدينة على أن لا تشارك فعليًا وميدانيًا في المعركة، بل تقف عند أطراف المدينة من أجل محاصرة المسلحين الهاربين من تنظيم داعش وعدم دخولهم إلى العاصمة بغداد أو بقية المدن العراقية».
وأشارت بالقول: «لكن إصرار العبادي على مشاركة قوات الحشد كان له أثر سلبي جدًا، بعد أن تحركت تلك القوات وكأنها الجيش العراقي وقامت بعمليات قصف عشوائي على الأحياء السكنية في داخل مدينة الفلوجة مما تسبب بسقوط العشرات من الشهداء من المدنيين وإصابة المئات منهم، وما زال القصف الوحشي مستمرا منذ ليلة الأحد الماضي وإلى الآن».
وقالت وردي إنها تلقت «شخصيًا عشرات النداءات والمناشدات من الأهالي داخل المدينة، مطالبين بكف القصف الوحشي الذي تسبب بمقتل العشرات من الأبرياء العزّل، فهناك أكثر من 10 آلاف عائلة في داخل المدينة يحاصرها التنظيم الإرهابي سقط المئات منهم ضحايا جراء الجوع الهالك وآلاف القتلى نتيجة القصف الوحشي المستمر على المدينة من قبل جهات مجهولة تدعي انتماءها للقوات الحكومية، نحن نخشى من وقوع ضحايا آخرين من المدنيين، ولهذا أكدنا على دقة ضرب الأهداف والحفاظ على أرواح المدنيين، وأن لا يكون هناك استهداف عام لهم».
وقالت إن «مواطني الفلوجة هم ليسوا أحرارا في داخل المدينة لأنهم مستهدفون من قبل التنظيم الإرهابي الذي يستخدمهم دروعًا بشرية، لذا نعول على الأجهزة الأمنية بتفعيل الجهد الاستخباراتي لتجنيب استهداف الأبرياء».
وأضافت وردي: «نحن ممثلي محافظة الأنبار من أعضاء البرلمان العراقي ندين هذا العمل جملة وتفصيلا، ونحمل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقوات الحشد مسؤولية أرواح المدنيين العزل الذين قتلتهم نيران الحشد الذي تشكل لا على أساس العقيدة العسكرية وإنما كان تشكيله على أساس عقيدة طائفية، والإصرار على مشاركة الحشد في عمليات تحرير الفلوجة جاءت من أجل أن يحسب النصر لهم وليس للقوات الأمنية، ونحن نقف بشدة ضد مشاركة الحشد فعليًا وميدانيا في المعركة من أجل أن لا يتكرر سيناريو محافظة صلاح الدين، وما حصل لها من عمليات حرق للمنازل والمحال التجارية وعمليات قتل وسلب ونهب واختطاف للأبرياء العزّل».
ومن جانب آخر، قال المتحدث الرسمي بلسان قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول الزبيدي لـ«الشرق الأوسط» إن «القوات التابعة لقيادة العمليات المشتركة، وقيادة عمليات بغداد، وجهاز مكافحة الإرهاب، وقيادة شرطة الأنبار، ومقاتلي العشائر المساندة لهذه القوات، تمكنت من تحرير أولى المناطق والأحياء السكنية التابعة لمدينة الفلوجة».
وأضاف بالقول: «بعد أن طهرت قواتنا الأمنية حي النعيمية من مسلحي تنظيم داعش، وبعد السيطرة على هذا الحي الذي يعتبر البوابة الشرقية للمدينة، تقدمت القوات التي يقودها الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي قائد معركة الفلوجة، باتجاه جسر التفاحة الرابط بين الجهة الشرقية للمدينة بوسطها فيما لا تزال قواتنا تتحرك بشكل سريع نحو تحرير المدينة بالكامل من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي».
وأشار الزبيدي إلى أن «عملية دخول القوات من المحورين الشرقي والشمالي لمدينة الفلوجة جاء بعد تحرير مناطق شاسعة في قضاء الكرمة القريب جدًا من مدينة الفلوجة، حيث تزامنت عمليات تحرير الفلوجة مع عمليات تطهير مناطق الدواية والشهابي التي ربما تكون عائقًا أمام تقدم القوات لتحرير الفلوجة في حال بقائها بيد مسلحي تنظيم داعش». وتابع أنه «تم تحرير المنطقتين بالكامل ووصلت القوات الأمنية إلى وسط مدينة الكرمة حيث تم تحرير مبنى المجلس البلدي ورفع العلم العراقي على سطح المبنى المحرر، فيما هرب غالبية عناصر التنظيم الإرهابي قبل وصول قطعاتنا المسلحة إلى تلك المنطقتين».
وأكد الزبيدي أنه «تم قتل عدد من عناصر التنظيم خلال المواجهات مع القوات الأمنية»، وأشار الزبيدي إلى أن القوات الأمنية وقيادة العمليات المشتركة «حددت بعض الممرات الآمنة من أجل خروج المدنيين من أبناء الفلوجة، من أجل ضمان سلامتهم كون المدينة ستشهد عمليات نوعية في داخل أحيائها السكنية التي ربما سيختبئ فيها عناصر (داعش)، فنحن حريصون جدًا على أرواح المدنيين، وكذلك عدم إلحاق الضرر بالبنى التحتية للمدينة».
من جانب آخر، أكد مصدر أمني في محافظة الأنبار بمقتل العشرات من عناصر تنظيم داعش في اليوم الأول لمعركة تحرير الفلوجة. وقال مصدر طلب عدم الكشف عن اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن «أكثر من 70 من عناصر تنظيم داعش قتلوا بنيران القوات الأمنية العراقية على مشارف مدينة الفلوجة»، وأضاف المصدر أن «25 آخرين من عناصر التنظيم قتلوا في منطقة الكرمة شمال شرقي الفلوجة، فيما تمكن أحد إداريي تنظيم داعش من الهرب من قضاء الكرمة ومعه أموال كبيرة تابعة للتنظيم الإرهابي متجهًا إلى منطقة مجهولة، فيما قام بعض مسلحي (داعش) بحلق شعر رأسهم ولحاهم لكي لا يتعرف عليهم أفراد الجيش العراقي والقوات الأمنية الأخرى عند دخولهم إلى مدينة الفلوجة وقضاء الكرمة».
وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن أمس بدء العملية العسكرية لتحرير مدينة الفلوجة من قبضة «داعش»، حيث ارتدى ملابس عسكرية وهو يشرف على سير المعركة في مقر قيادة العمليات الخاصة بها الذي يتولى قيادته الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي. وعزا العبادي في كلمه له بمقر العمليات تأخير إطلاق معركة تحرير الفلوجة إلى المشاكل السياسية التي عصفت بالبلاد خلال الفترة الماضية، وكشف العبادي أن «خطة تحرير الفلوجة وضعت قبل أكثر من شهرين وكان يفترض أن تبدأ في وقت مبكر ولكن للأسف المشاكل السياسية والأحداث التي حصلت في بغداد أخرت بعض التحضيرات لهذه المعارك لكنها تسير الآن بنجاح».
وتابع الرئيس الوزراء بأن «القوات الأمنية تقدمت على مختلف المحاور في الصباح الباكر باتجاه تحرير كل المناطق التي يحتلها (داعش) حول الفلوجة والعملية ستنتهي بتحرير الفلوجة بالكامل». وأشار العبادي إلى أن «هناك نجاحات كبيرة بحسب الخطة التي وضعت للتقدم في كل المحاور».
وخاطب العبادي سكان الفلوجة بالقول إن «هذه العمليات لتحرير الأهالي من قبضة إرهاب (داعش) لأنه انتهك كل الأعراف والقوانين وعرض حياة المواطنين إلى الخطر واليوم نعمل على تحرير مواطني الفلوجة كما حررنا المناطق الأخرى في الرمادي وبقية القرى والقصبات والنواحي».
وحول القوات المشاركة في المعركة، قال العبادي إنه «يشترك في هذه الحرب كتائب من الجيش العراقي ومكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية ومليشيات الحشد الشعبي وأبناء عشائر هذه المناطق بالإضافة إلى شرطة الفلوجة وأيضا بعض الأفواج الأخرى من الرد السريع، وجميعها تشترك في هذه العملية لتحرير الفلوجة ونتمنى خلال الأيام المقبلة أن يتم تحرير كل هذه المناطق».
من جهته، أعلن قائمقام قضاء الفلوجة سعدون الشعلان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «عملية مسك الأرض بعد تحرير المدينة بالكامل ستكون من حصة أبناء الفلوجة أنفسهم وهم جاهزون ومستعدون، حيث هناك ثلاثة أفواج طوارئ تم تهيئتها لهذا الغرض ضمن الخطة الخاصة بالتحرير وهناك أيضا الحشد العشائري من عشائر الفلوجة والذي تم تقسيمه إلى قسمين، قسم يتولى القتال حاليا ضمن الجهد العسكري وقسم آخر جاهز لمسك الأرض، بالإضافة إلى الشرطة المحلية التي تنتظر العودة إلى ممارسة عملها بعد طرد تنظيم داعش منها».
وحول الطريقة التي سيتم من خلالها التعامل مع المدنيين المحتجزين الآن داخل المدينة وكيفية خروجهم من داخلها، قال الشعلان إن «من الصعوبة خروج المدنيين الآن في ظل انتشار القناصين فوق أسطح المنازل وهي السياسة التي يتبعها (داعش) في كل المعارك التي خضناها معه في محافظة الأنبار، وبالتالي فإن الخروج الآمن للمدنيين لن يتم قبل احتدام القتال، حيث وضعت خطط جيدة بشأن طبيعة الأهداف التي ستشمل بالقصف، عندها يحصل ارتباك في صفوف تنظيم داعش ويتمكن الأهالي من ممرات آمنة تمت تهيئتها وهو ما حصل سابقا في معركتي الرمادي قبل شهور والرطبة الأسبوع الماضي».
وردا على سؤال بشأن الكلام عن وجود قيادات كبيرة لـ«داعش» داخل الفلوجة، قال الشعلان إن «المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلى أن القيادات الكبيرة خرجت منذ فترة ومن بقي فهم من المغرر بهم وبالتالي لم يعد بإمكانهم الصمود أو مواصلة القتال ما دامت قياداتهم هربت وتركتهم قبل بدء المعركة».
إلى ذلك أكد اتحاد القوى العراقية (الكتلة السنية في البرلمان العراقي) إن «معركة تحرير الفلوجة ستكون معركة فاصلة في الحرب ضد الإرهاب، وهو ما سيعجل بنهاية تنظيم داعش الذي أصبح خطرا عالميا».
وقال عضو البرلمان العراقي عن تحالف القوى رعد الدهلكي لـ«الشرق الأوسط» إن «معركة تحرير الفلوجة حلم طال انتظاره حيث كان (داعش) قد احتل الفلوجة قبل احتلاله الموصل وصلاح الدين وباقي مدن محافظة الأنبار بشهور»، وأضاف أن «فقدان (داعش) لها إنما هو مؤشر هام على فقدانه أهم حواضنه وما تمثله له الفلوجة من رمزية طوال الفترة الماضية». وأضاف الدهلكي: «كما أن تحرير الفلوجة بجهود عراقية متوازنة من كل الأطراف بالإضافة إلى الدعم الجوي لقوات التحالف إنما هو رسالة اطمئنان للجميع بأن العراقيين سيبقون موحدين بالأزمات الكبرى رغم كل الخلافات السياسية».



العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.


الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)

يتواصل تدهور القطاع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تصاعد الانتهاكات بحق الكوادر الطبية وتفاقم الأزمات التي تطال المرضى والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون بعد أكثر من عقد من الحرب.

ففي وقت تتزايد فيه حملات اعتقال الأطباء والعاملين الصحيين، تتسع معاناة آلاف المرضى نتيجة انقطاع الأدوية الأساسية، بالتزامن مع أزمات بيئية وصحية تهدد بانتشار الأوبئة في العاصمة صنعاء.

وتكشف ثلاث أزمات متزامنة في صنعاء وإب عن صورة أكثر قتامة للقطاع الصحي؛ إذ تتهم مصادر طبية وحقوقية الجماعة الحوثية بمواصلة استهداف الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية، في وقت يشكو فيه مرضى الأمراض المزمنة من انعدام الأدوية المنقذة للحياة، بينما يواجه آلاف السكان مخاطر صحية متزايدة بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا تعكس فقط تراجع الخدمات الطبية، بل تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة، مع استمرار هجرة الكفاءات الصحية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

اختطاف الأطباء

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظة إب تصاعداً ملحوظاً في حملات استهداف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وسط اتهامات للجماعة الحوثية بمواصلة سياسة الاعتقال والإخفاء القسري بحق الكوادر الطبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن مسلحين حوثيين نفذوا خلال الفترة الأخيرة عمليات دهم لمنازل ومقار عمل عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في صنعاء وإب، قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة دون إبلاغ أسرهم بأماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم.

القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

وكان آخر تلك الحوادث إعادة اعتقال طبيب العظام والمفاصل ماجد الخزان في صنعاء، إثر شكوى تقدم بها مسؤولون فيما يسمى «الجمعيات الطبية» التي يديرها القيادي الحوثي مجاهد معصار، رئيس ما يعرف بـ«المجلس الطبي الأعلى»؛ الأمر الذي تسبب في تعطيل عدد من العمليات الجراحية المقررة لمرضاه.

وأكد الطبيب الخزان، في تسجيل مرئي، أنه لا يعرف أسباب احتجازه، عادَّاً أن دفاعه عن المرضى وحقوق المواطنين كان سبباً في استهدافه.

وأفاد مقربون منه بأنه يعاني حالة صحية تستدعي متابعة منتظمة بعد خضوعه سابقاً لقسطرة قلبية، محذرين من تعرض حياته للخطر أثناء الاحتجاز، ومحمّلين الجماعة المسؤولية الكاملة عن سلامته.

وسبق ذلك بأيام اعتقال استشاري العظام لبيب باعباد في مدينة إب عقب افتتاحه مركزاً طبياً خاصاً، حيث داهم مسلحون حوثيون المركز واقتادوه إلى جهة مجهولة بناءً على بلاغ من مسؤول حوثي يدير مستشفى «أطباء المنار»، الذي استولت عليه الجماعة قبل سنوات.

مستشفى أطباء المنار الأهلي الخاضع لإدارة الحارس القضائي الحوثي في إب (الشرق الأوسط)

كما لا يزال الطبيب مصطفى باشا، رئيس قسم الأشعة التشخيصية في مستشفى العدين الحكومي، محتجزاً منذ أسابيع بعد مطالبته بصرف مستحقاته المالية، في حين تستمر الجماعة منذ نحو عامين في احتجاز الطبيب علي المضواحي، رغم المناشدات المتكررة للإفراج عنه.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن هذه الانتهاكات تدفع مزيداً من الكفاءات الطبية إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين أو التوقف عن ممارسة المهنة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات.

تهديد حياة المرضى

بالتوازي مع استهداف الكوادر الطبية، يواجه آلاف المرضى في محافظة إب أزمة حادة نتيجة انقطاع أدوية السكري، وفي مقدمتها الإنسولين، منذ نحو ثلاثة أشهر.

وأكدت مصادر صحية أن أكثر من خمسة آلاف مريض حُرموا من العلاج المجاني الذي يعتمدون عليه بصورة أساسية، بعد نفاد المخزون الدوائي وغياب أي حلول لإعادة توفيره.

وأوضحت المصادر أن الأزمة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة مع تعثر وصول الإمدادات الطبية، محذرة من أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويضاعف احتمالات تعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

مرضى يتجمعون في مكان ضيق داخل مستشفى بمدينة الحديدة (رويترز)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالتسبب في تعطيل وصول الأدوية إلى مستحقيها، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف أسباب الأزمة ويضمن وصول العلاج بعيداً عن أي تدخلات.

ويقول أحد المرضى في مدينة إب إنه اضطر إلى شراء الإنسولين من الصيدليات التجارية بأسعار تفوق قدرته المالية، في حين يقضي أحياناً أياماً من دون جرعات منتظمة بسبب عدم توفر الدواء.

أما والدة طفل مصاب بالسكري في مديرية العدين، فتؤكد أنها اضطرت إلى الاستدانة مراراً لتأمين العلاج، مشيرة إلى أن استمرار الانقطاع يعرض حياة ابنها للخطر، بينما بدأ مرضى آخرون في تقليل الجرعات المتاحة لديهم لتوفيرها لأطول فترة ممكنة، رغم ما يحمله ذلك من مضاعفات صحية خطيرة.

ويحذّر مختصون من أن استمرار انقطاع أدوية الأمراض المزمنة لا يهدد المرضى فحسب، بل يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويضاعف الضغط على المستشفيات التي تعاني أصلاً ضعف الإمكانات.

مشكلة بيئية

في العاصمة المختطفة صنعاء، يواجه آلاف السكان في حي السنينة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بعد استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والحارات لأكثر من أسبوعين، وسط غياب أي تدخل لمعالجة المشكلة.

ويؤكد سكان أن المياه الراكدة تسببت في انتشار الروائح الكريهة والحشرات وإعاقة حركة المواطنين، كما ألحقت أضراراً بالمنازل والمحال التجارية، وأثارت مخاوف من تلوث مياه الشرب.

وقال عدد من الأهالي إنهم لاحظوا تغير لون المياه الواصلة إلى منازلهم وانبعاث روائح منها؛ ما دفعهم إلى التوقف عن استخدامها للشرب والطهي والاعتماد على شراء مياه صالحة للاستهلاك، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حي في صنعاء تغمره المياه الملوثة بسبب انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

ويحذّر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تجمع المياه العادمة يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة، إلى جانب الأمراض الجلدية والتنفسية.

وأكد مصدر طبي في أحد المراكز الصحية بالحي أن المرفق شهد خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بالإسهالات المائية والأمراض الجلدية والحميات، إضافة إلى حالات يشتبه بإصابتها بالكوليرا والتيفوئيد والملاريا، مرجعاً ذلك إلى التلوث البيئي الناتج من طفح مياه الصرف الصحي.

ويتهم سكان الحي سلطات الجماعة الحوثية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، رغم استمرارها لأكثر من أسبوعين، ويقولون إن الجماعة تواصل تحصيل الرسوم والجبايات تحت مسميات «النظافة» و«تحسين المدينة» و«الصرف الصحي»، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية.