رئيسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لـ«الشرق الأوسط»: عدالة متأخرة أفضل من منقوصة

القاضية هردليشكوفا قالت إنها المرة الأولى التي تقدم أدلة اتصالات بهذا التعقيد

القاضية التشيكية هردليشكوفا رئيسة المحكمة
القاضية التشيكية هردليشكوفا رئيسة المحكمة
TT

رئيسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لـ«الشرق الأوسط»: عدالة متأخرة أفضل من منقوصة

القاضية التشيكية هردليشكوفا رئيسة المحكمة
القاضية التشيكية هردليشكوفا رئيسة المحكمة

في بلدة لايدسندام، القريبة من لاهاي، يستوقفك مبنى محاط بجدول مائي شبيه بالجداول التي كانت تحيط بقلاع القرون الوسطى في أوروبا. في هذا المبنى، تدور منذ تسع سنوات عملية معقدة صعبة الفهم، على المتابعين العاديين، لكنها تنم عن دقة شديدة ومتابعة لتفاصيل التفاصيل في قضية اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري و21 من رفاقه.
ففي الرابع عشر من فبراير (شباط) الجاري، تكمل قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه عامها الـ13 من دون أن يصدر فيها حكم يبلسم جراح من أصيب، ويداوي أحزان أهل وأصحاب من قتل ظهيرة ذلك اليوم بتفجير هائل، هز بيروت وقضى على ما كانت تشهده من استقرار هش.
وفي الأول من مارس (آذار) المقبل، تكون المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تنظر في قضية الاغتيال وما تفرع منها، قد أتمت عامها التاسع، وهي فترة كانت كافية فقط لتقديم المدعي العام قضيته وعرضها على غرفة الدرجة الأولى التي عليها أن تستمع بدءا من الـ20 من الشهر الجاري لفريق الدفاع في المحكمة ليصار بعدها إلى إصدار الحكم في القضية، على أن ترفع إلى غرفة الاستئناف في مرحلة لاحقة إذا ما استأنف الدفاع – أو الادعاء – قرار الغرفة. أما في حال القبض على أي من المتهمين في أي مرحلة، فالمحاكمات ستبدأ من جديد، كون المحاكمات الحالية هي محاكمات غيابية.
هذه الأرقام تحبط العديد من اللبنانيين، فكيف إذا ما أضيفت إليها أرقام الموازنة السنوية البالغة 60 مليار يورو تقريبا، يدفع لبنان سنويا منها 49 في المائة، لكن من يتابع تفاصيل عمل المحكمة، يدرك أن ثمة حاجة ملحة لعمل دقيق يخرج بتفاصيل واضحة عن جريمة الاغتيال التي غيرت وجه لبنان إلى الأبد. ولهذا يصر كل المعنيين بالملف على التأكيد على أنه خير للعدالة أن تأتي متأخرة من أن تأتي منقوصة، فيذهب كل الجهد الذي وضع فيها أدراج الرياح. المحاكمة بدأت في يناير (كانون الثاني) 2014. ثم توقفت لأنه تم إدخال متهم جديد على المحاكمة، ثم بدأت فعليا في يونيو (حزيران) 2014. هناك ما يفوق 300 شاهد للمدعي العام، تقنيين بمعظمهم وهناك شهود للضحايا وشهود للدفاع أي نحو 450 شاهدا.
يضم هيكل المحكمة الوظيفي 415 موظفا، 64 منهم في بيروت، وواحد في نيويورك، والباقون في مبنى المحكمة في هولندا. يتألفون من 65 جنسية يشكل اللبنانيون منهم 16.4 في المائة، وهي بمثابة أمم متحدة مصغرة حيث توجد فيها كل أقسام الأمم المتحدة على حجم أصغر.
المحكمة، فتحت مؤخرا أبوابها لـ«الشرق الأوسط» وسهلت لها دوائرها زيارة كافة أقسامها واستمعت من المسؤولين عنها لشروحات عن عملهم، وجوانب مخفية منها لا تظهر للرأي العام الذي لا يعرف عنها سوى ما تبثه محطات التلفزة من جلسات علنية لم تقدم أي تفاصيل مثيرة حول جريمة الاغتيال ودوافعها وظروفها وخفاياها، لنخرج بهذا التقرير الموسع.

تعترف رئيسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، القاضية التشيكية إيفانا هردليشكوفا، بأن العدالة قد تكون «بطيئة» من وجهة نظر الناس العاديين، لكنها ترى ضرورة تحقيق «توازن بين الإنصاف والسرعة».
وتقول القاضية هردليشكوفا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنها شخصياً ملتزمة ومهتمة للغاية بالمحكمة، فهي تؤمن «بالعدالة بشكل عام، وبالعدالة الجنائية الدولية بشكل خاص». ولدت هردليشكوفا في أوروبا الشرقية، تحت الحكم الشيوعي، ولهذا «تدرك أهمية العدالة، وخطورة غياب العدالة، ومعنى ذلك». وقد درست القانون، وكذلك القانون الإسلامي. وقبل أن تتعلم العربية، درست الروسية والألمانية وأيضاً الفرنسية، إضافة إلى التشيكية التي هي لغتها الأم. وانطلاقاً من هذا، تقول إنها ترى «كيف يمكن لهذا التنوع أن يُغني العمل القانوني»، مؤكدة أن «هناك التزاماً من قبل جميع العاملين في هذه المحكمة، على اختلاف ثقافاتهم القانونية، بإنجاح هذه المحكمة».
> أين أصبحت المحاكمة في قضية الرئيس الحريري ورفاقه؟
- بدايةً، دعني أُذكّر أن المدعي العام هو من يقوم بالتحقيقات. وعندما تكتمل لديه أدلة كافية، يمكنه عندها أن يقدم إلى قاضي الإجراءات التمهيدية قراراً اتهامياً، وهذا ما حصل في عام 2011، إذ أودع المدعي العام قرار الاتهام أمام قاضي الإجراءات التمهيدية الذي صدق عليه، وبدأ بالمرحلة التمهيدية تحضيراً للمحاكمة. ثم بدأت المحاكمة أمام غرفة الدرجة الأولى في يناير (كانون الثاني) 2014. وربما لاحظتم أن المتضررين أيضاً كانت لديهم فترة أسبوعين لعرض قضيتهم. وبعد الادعاء، يمكن لفرق الدفاع تقديم قضية خاصة بها إذا ما رغبت بذلك.
> هل انتم راضون عن مسار العملية بأكملها أم أن هناك عراقيل وصعوبات تواجهكم؟
- العدالة في كل أنحاء العالم، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، تواجه تحديات كثيرة، لكن الأهم بنظري هو أن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان يعتبر رسالة بحد ذاتها، ويعني أن جريمة الإرهاب لا يمكن أن تمر دون عقاب. العملية طويلة لكن لا شك أننا سنحقق غاياتنا في النهاية.
> كثير من اللبنانيين يشكون من أنها تأخذ وقتاً أكثر من اللازم، بمعنى أن مسألة المحاكمات طويلة لدرجة أنه لم يعد مهماً بعدها ما هو الحكم الذي سيصدر!
- كل المحاكم الدولية، وحتى الوطنية، لا تسير فيها العدالة بالسرعة التي نحتاج. وفي حالة محكمتنا هذه، القضية معقدة للغاية، والأدلة على درجة عالية من التقنية، كما أننا نعمل بثلاث لغات رسمية. وإذا كنتم تتابعون المحاكمة، ستلاحظون أن الفرقاء والقضاة يأخذون كامل وقتهم في شرح هذه الأدلة، ليتمكن الجميع من فهمها. كما أن لدينا حقوق الدفاع، ويجب أن تكون ممثلة بشكل كامل، فهذه المسألة مهمة. وعلى الرغم من أن المتهمين ليسوا معنا، فإنهم يتمثلون من قبل محامين يحمون مصالحهم، ويقدمون أدلة خاصة بهم. ومن الضروري جداً أن نحقق توازناً بين الإنصاف والسرعة. ومهمتنا تقضي بأن نحقق العدالة، ونقوم بمحاكمة عادلة، ولكن يجب أن تكون سريعة ومنصفة أيضاً.
> هل هناك مهلة زمنية معينة؟
- الأمر يتعلق بعوامل مختلفة من الصعب أن نقول بثقة متى يمكن أن تنتهي العملية، لكننا أحرزنا كثيراً من التقدم.
> هناك كثير من الاتهامات للمحكمة بأنها مسيسة، وتعمل وفق أجندة سياسية دولية.. بماذا تعلقون؟
- لدى تأسيس أي محكمة، يجب أن تتوافر الإرادة السياسية لكي تنشأ هذه المحكمة، ولكن بعد أن أنشئت المحكمة الخاصة بلبنان، لم يعد هناك دور للسياسة، فالمحكمة هي هيئة قضائية مستقلة تقوم بعملها، ولهذا السبب نحن موجودون هنا، وليس في بيروت.
> هل هناك ضغوط سياسية أو محاولات تدخل سياسية لبنانية أو غير لبنانية بهذه المسألة؟
- يمكنني أن أؤكد لك أن العمل القضائي للمحكمة هو عمل قضائي مستقل، من دون أي تدخلات سياسية.
> كيف يمكن أن تحدث المحاكمات الغيابية، وفي الوقت نفسه تضمن حقوق المتهمين الذين رفضوا الاعتراف بالمحكمة، والتجاوب معها؟
- المحكمة الخاصة بلبنان هي المحكمة الأولى منذ محاكمة نورنبرغ، التي سمحت بإجراء المحاكمات الغيابية. وكان هناك تردد كبير لدى المجتمع القانوني الدولي في إجراء المحاكمات الغيابية، بهدف ضمان حقوق المتهمين أمام المحكمة. ولكن إذا ما نظرنا إلى المحاكمات الغيابية، نلاحظ أنها تختلف تماماً عما حصل منذ 20 سنة، فهناك شروط صارمة جداً يجب أن تستوفى لتقرر الشروع بمحاكمات غيابية، والغرفة هي التي تنظر إلى هذه الشروط، وتقرر إذا ما استوفيت، الشروع بهذه المحاكمات الغيابية. كما أود أن أذكر أن معظم الدول التي تعتمد القانون المدني تسمح بإجراء محاكمات غيابية، وحتى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في قرارات صادرة عام 2006، وأخيراً عام 2011، حددت عدداً من الشروط الصارمة التي يسمح بظلها بإجراء محاكمات غيابية، والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان يستوفي كل هذه الشروط وينص عليها. وبرأيي، إن دور العدالة الجنائية الدولية لا يقضي فقط بمعاقبة مرتكبي الجرائم، بل هناك دور مهم لإحقاق العدالة للمتضررين، فهل يعني غياب المتهمين أن المتضررين يجب ألا يحظوا بهذه العدالة؟ صحيح، أنه من الأفضل أن يكون المتهم موجوداً في قاعة المحكمة، لكن إذا كان الخيار بين عدم إجراء المحاكمة وإجراء محاكمة غيابية مع معايير عالية وضمانات عادلة لحقوق المتهمين، فأعتقد أن هذا الخيار أفضل، والخيار الأفضل أن تستمر العدالة ويتم إحقاقها. ومن الناحية القانونية، فهذا المبدأ مهم، وما يجري هنا ليس عدالة خلف أبواب مغلقة، بل العملية شفافة للغاية، وتتسم بدرجة عالية جداً من الضمانات والشفافية.
محاكمة أفراد لا جهات
> في حالة الإدانة، هل ستصدر الأحكام بحق المتهمين الأربعة فقط، أم ستطال الجهة التي ينتمون إليها، أو التي دفعتهم للقيام بذلك؟
- في القانون الجنائي، القرار يصدر بحق المتهم الذي يحاكم خلال المحاكمة، فمتى صدر القرار سيصدر بحق هؤلاء المتهمين، وليس هناك أي جهة أو طرف آخر متهم من قبل المدعي العام في قضية عياش وآخرين.
> ألا يتعارض هذا مع مبدأ إحقاق العدالة؟ بمعنى أن المنفذ هو الذي يعاقب بينما من جعله يقوم بهذا العمل يبقى بعيداً عن المنال!
- كما تعلم، فإن المدعي العام هو المسؤول عن التحقيقات، وهو الذي يقرر بناء على الأدلة التي يجمعها من يتهم. ومن ثم، يدقق القضاة في الأدلة المقدمة من الطرفين، وهذه الأدلة هي نتيجة التحقيقات التي أجراها المدعي العام.
> الأدلة الموجودة التي يتم التعامل معها صعبة الفهم على الناس العاديين، لكن هل أقنعتكم هذه الأدلة؟ وهل هي كافية لمحاكمة فعلية؟
- أنا أترأس غرفة الاستئناف أمام هذه المحكمة، وبالتالي قضاة غرفة الاستئناف سيتمكنون من تفحّص هذه الأدلة، إذا ما أحيلت القضية إليهم في حال الاستئناف. أما القضية الآن، فهي لا تزال أمام غرفة الدرجة الأولى، وقضاة الدرجة الأولى هم الذين يقيّمون هذه الأدلة بناء على خبرتهم المهنية.
والمبدأ في المحاكمة هو قيام المدعي العام بعرض أدلة، ومن ثم تقوم جهة الدفاع بعرض الأدلة الخاصة بها، ومن ثم يقوم القضاة بإصدار قرارهم بالاستناد إلى هذه الأدلة المقدمة. وهذه الأدلة صعبة للغاية، وهذه المحكمة سباقة من عدة نواحي، إذ إنها المرة الأولى التي تقدم بها أدلة اتصالات بهذا التعقيد والحجم أمام محكمة دولية.

المحكمة في أرقام
> يضم هيكل المحكمة الوظيفي 415 موظفاً، 64 منهم في بيروت، وواحد في نيويورك، والباقون في مبنى المحكمة في هولندا، ويتألفون من 65 جنسية، يشكل اللبنانيون 16.4 في المائة منهم.
> موازنة المحكمة نحو 60 مليار دولار سنوياً، يدفع لبنان 49 في المائة منها.
> بعد لبنان، الولايات المتحدة الأميركية هي المساهم الأكبر، يليها الاتحاد الأوروبي، ففرنسا وبريطانيا وألمانيا.
> 28 دولة قدمت مساهماتها خلال السنوات التي تلت إنشاء المحكمة التي لا تأخذ الأموال إلا من دول (لا أفراد ولا منظمات غير ربحية) وفقاً لقرار من مجلس الأمن.
> قسم اللغات هو أكبر الأقسام.

الموازنة... هاجس سنوي مصدره لبنان
> شكلت موازنة المحكمة مادة دسمة في السجال الداخلي اللبناني، ففريق «8 آذار»، الذي يضم «حزب الله» وحلفاءه، فتح معركة تمويل المحكمة في كل ربيع منذ تأسيس المحكمة، وكان يعرقل انسيابية وصول التمويل اللبناني عبر الحكومة، لكن التمويل كان يصل في كل مرة بطريقة مختلفة: فمرة يدفعها مصرف لبنان، ومرة أخرى المصارف، ومرة ثالثة يتم تحويلها بأمر من رئيس الحكومة دون مرورها بمجلس الوزراء.
وهاجس التمويل موجود في المحكمة، رغم عدم التصريح المباشر به.
ويشرح رئيس قلم المحكمة، داريل مونديس، لـ«الشرق الأوسط»، آلية التمويل التي تبدأ بإعداد الموازنة داخل المحكمة بعد تحليل الاحتياجات، لنصل إلى موازنة واقعية مع احتساب المخاطر. وترفع الموازنة إلى لجنة الإدارة التي تضم لبنان بشكل أساسي ودول أخرى (9 دول والاتحاد الأوروبي).
وعن المصاعب التي تواجه المحكمة في كل عام لتأمين التمويل اللبناني، يقول داريل: «هناك تقارير إعلامية كثيرة حول كيفية الحصول على التمويل، ومن أين يأتي، لكن هذا لا يكون أبداً موضوع نقاش مع المسؤولين اللبنانيين. كل ما أذكره هو ضرورة حصولنا على مساهمة لبنان، أما كيف تأتي هذه المساهمة، فهذا شأن لبناني داخلي».
ويشرح: «أعضاء اللجنة هم مساهمون دائمون، باستثناء دولة أو دولتين، ونحن نتوقع كل عام مثلاً 10 ملايين دولار أميركي من الولايات المتحدة، و5 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي. ولهذا نحتاج عادة ما بين 8 إلى 12 مليون يورو سنوياً لتغطية الفارق».
هل من خطة طوارئ؟
يقول: «ناقشنا الموضوع، ودرسنا إمكانية ألا يدفع لبنان حصته أو يتأخر في الدفع، لكن من الواضح أن لبنان يتوجب عليه قانوناً أن يدفع حصته، كما هو واضح في قرار مجلس الأمن المتعلق بإنشاء المحكمة. أفهم أن الأمر يشكل تحدياً كل سنة للسلطات اللبنانية، وإذا ما أحسسنا بإمكانية حصول مشكل في التمويل، نلجأ إلى اعتماد سياسة تقشف، كما نقوم بمناقشة الأمر مع الدول الممثلة في لجنة الإدارة، أو نبحث عن دول محتملة للتمويل».



جهاز سري في النرويج يعيد إحياء لغز «متلازمة هافانا»

مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
TT

جهاز سري في النرويج يعيد إحياء لغز «متلازمة هافانا»

مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)

في تطور يضيف مزيداً من الغموض إلى ملف «متلازمة هافانا»، كشفت معلومات عن تجربة سرية أجراها عالم حكومي في النرويج، قام خلالها ببناء جهاز قادر على بث نبضات قوية من طاقة الميكروويف.

وفي محاولة لإثبات أن هذه الأجهزة غير ضارة بالبشر، أقدم الباحث عام 2024 على اختبار الجهاز على نفسه. إلا أنه عانى لاحقاً من أعراض عصبية مشابهة لتلك المرتبطة بـ«متلازمة هافانا»، المرض الغامض الذي أصاب مئات الجواسيس والدبلوماسيين الأميركيين حول العالم.

هذه الرواية غير المألوفة، التي نقلها أربعة أشخاص مطلعين على الأحداث، تمثل أحدث حلقة في مسعى استمر عقداً من الزمن لفهم أسباب «متلازمة هافانا». ويعاني المصابون بهذه الحالة من آثار طويلة الأمد تشمل صعوبات إدراكية، ودواراً، وغثياناً. وتُطلق الحكومة الأميركية على هذه الحالات اسم «الحوادث الصحية الشاذة»، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

ولم يُكشف سابقاً عن تفاصيل هذا الاختبار السري في النرويج. وأفاد شخصان مطلعان بأن الحكومة النرويجية أبلغت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) بنتائج التجربة، ما دفع مسؤولين من البنتاغون والبيت الأبيض إلى زيارة النرويج مرتين على الأقل خلال عام 2024.

ويؤكد المطلعون أن هذه التجربة لا تُثبت أن إصابات الدماغ الحادة ناجمة عن خصم أجنبي يمتلك سلاحاً سرياً شبيهاً بالنموذج الأولي الذي جرى اختباره في النرويج.

وأشار أحدهم إلى أن الأعراض التي عانى منها الباحث النرويجي، الذي لم تُكشف هويته بسبب حساسية الموضوع، لم تكن مطابقة لتلك المرتبطة بإصابة دماغية حادة «تقليدية». وقد تحدث جميع المصادر شريطة عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لطبيعة القضية الحساسة.

مع ذلك، عززت هذه التطورات موقف مَن يرون أن «أجهزة الطاقة النبضية»، وهي آلات تطلق حزماً قوية من الطاقة الكهرومغناطيسية، مثل الموجات الدقيقة، في دفعات قصيرة، يمكن أن تؤثر في بيولوجيا الإنسان، وأن خصوم الولايات المتحدة قد يعملون على تطوير مثل هذه التقنيات.

وقال بول فريدريش، الجراح العسكري المتقاعد والجنرال في سلاح الجو الذي أشرف على التهديدات البيولوجية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض خلال إدارة الرئيس جو بايدن: «أعتقد أن هناك أدلة قوية تدعونا للقلق بشأن القدرة على بناء سلاح طاقة موجهة يمكن أن يُسبب مخاطر متنوعة على البشر».

لكنه امتنع عن التعليق تحديداً على التجربة النرويجية.

تولت إدارة ترمب السلطة متعهدة بمتابعة قضية «الحوادث الصحية الشاذة» بجدية، إلا أن التقدم في هذا الملف ظل محدوداً. ومن المتوقع أن يركز التقرير الذي أمرت به مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، بصورة أساسية على كيفية تعامل إدارة بايدن مع القضية، غير أن نشر التقرير تأخر، وفقاً لمصادر مطلعة.

تغيير في التقييمات

وفي تطور منفصل كُشف عنه خلال الأسابيع الأخيرة، اشترت الحكومة الأميركية سراً، في نهاية ولاية إدارة بايدن، جهازاً أجنبي الصنع يُصدر موجات راديوية نابضة، ويعتقد بعض الخبراء أن له صلة محتملة بـ«الحوادث الصحية الشاذة»، حسب مصدرين مطلعين.

ويخضع هذا الجهاز حالياً لاختبارات لدى وزارة الدفاع الأميركية. ويحتوي على بعض المكونات روسية الصنع، غير أن الحكومة الأميركية لم تحدد بشكل قاطع الجهة المصنعة له، وفقاً لأحد المصادر.

وأوضح أحد المطلعين أن الجهاز الذي طوّره العالم في النرويج لا يتطابق مع الجهاز الذي حصلت عليه الحكومة الأميركية سراً. وأضاف أن النموذج النرويجي بُني استناداً إلى «معلومات سرية»، ما يوحي بأنه اعتمد على مخططات أو مواد أخرى مسروقة من حكومة أجنبية.

وفي الفترة نفسها تقريباً التي علمت فيها الولايات المتحدة بوجود جهازي الطاقة النبضية، عدّلت وكالتان استخباريتان أميركيتان تقييمهما السابق، وخلصتا إلى أن بعض الحوادث قد تكون من فعل خصم أجنبي. وصدر هذا التعديل في تقييم استخباراتي أميركي مُحدّث في يناير (كانون الثاني) 2025، خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية إدارة بايدن.

وجاء في التقييم أن «تقارير جديدة» دفعت الوكالتين إلى «تغيير تقييماتهما بشأن ما إذا كانت جهة أجنبية تمتلك قدرة على إحداث آثار بيولوجية تتوافق مع بعض الأعراض المُبلغ عنها».

وأفاد عدد من المطلعين أن إحدى الوكالتين هي وكالة الأمن القومي المسؤولة عن اعتراض وفك تشفير الاتصالات الإلكترونية الأجنبية. أما الأخرى، فهي، حسب شخصين من هؤلاء، المركز الوطني للاستخبارات الأرضية، وهي وكالة تابعة للجيش الأميركي مقرها شارلوتسفيل، وتختص بتحليل القدرات العلمية والتقنية والعسكرية للخصوم الأجانب.

ورغم ذلك، أكدت غالبية وكالات الاستخبارات الأميركية، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية وأربع وكالات أخرى، أنها لا تزال ترى أن احتمال وقوف خصم أجنبي وراء الهجمات أو تطويره سلاحاً جديداً لهذا الغرض «مستبعد للغاية». وأوضح مسؤولون أميركيون أن اتصالات جرى اعتراضها أظهرت خصوماً للولايات المتحدة يعبرون عن دهشتهم من الحوادث وينفون أي تورط فيها.

وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق على التجربة النرويجية أو على تأثيرها في تحليلها للقضية، كما لم ترد سفارة النرويج في واشنطن على طلب للتعليق.

وقد أشار بعض المسؤولين السابقين والضحايا إلى روسيا باعتبارها المشتبه به الرئيسي، نظراً لعقود من عملها في مجال أجهزة الطاقة الموجهة. وحتى الآن، لم يظهر أي دليل قاطع علناً، فيما نفت موسكو أي تورط لها.

ويبدو أن ظهور هذين الجهازين المعروفين للطاقة الموجهة، إلى جانب أبحاث أخرى، دفع إلى إعادة تقييم بعض الفرضيات المتعلقة بـ«متلازمة هافانا»، التي سُميت نسبةً إلى التفشي الغامض للأعراض عام 2016 بين موظفي السفارة الأميركية في هافانا.

وفي السنوات التالية، أبلغ موظفون أميركيون عن مئات الحالات حول العالم، من بينها الصين ودول أوروبا الشرقية. كما أفاد أحد كبار مساعدي مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، ويليام ج. بيرنز، بأنه عانى أعراضاً مشابهة خلال زيارة إلى الهند عام 2021.

ولا تزال تفاصيل كثيرة تتعلق بالتجربة النرويجية غير واضحة بسبب سريتها البالغة. ورفض المطلعون الكشف عن هوية العالم أو الجهة الحكومية النرويجية التي كان يعمل لديها.

وكانت نتائج التجربة صادمة بشكل خاص، إذ إن الباحث النرويجي كان معروفاً بموقفه الرافض بشدة لفكرة أن أسلحة الطاقة الموجهة قد تُسبب أعراضاً شبيهة بتلك المرتبطة باضطرابات السمع الحادة، حسب المطلعين. غير أنه، في سعيه لإثبات وجهة نظره بشكل قاطع، مستخدماً نفسه بوصفه حقل تجارب بشري، انتهى به الأمر إلى نتيجة معاكسة تماماً.


الديمقراطية... «غلالة رثَّت من الأدواء»

«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
TT

الديمقراطية... «غلالة رثَّت من الأدواء»

«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)

هل الديمقراطية في خطر؟ هل ماتت؟ هل كانت موجودة يوماً؟

لطالما كانت العقول مقتنعة ومشدودة إلى الغرب كمساحة حرية وديمقراطية؛ حيث أنظمة الحكم تعكس آراء الأكثرية ورغباتها، وحيث من يتولى السلطة التنفيذية لا يصل إلا بعد انتخابات برلمانية تُفضي إلى موالاة تحكُم ومعارضة تراقب وتحاسب.

أين الواقع من اليوتوبيا؟

في مينيابوليس، ما بدأ كحراك محلي ضد حملة فيدرالية متشددة على الهجرة، سرعان ما تحوّل إلى احتجاجات واسعة على ما رأى فيه المحتجون تعدياً من السلطة الفيدرالية في واشنطن على الحقوق الدستورية الأساسية، وتجاوزاً لسلطات المدينة والولاية (مينيسوتا)، وانتهاكاً فادحاً لمبادئ الديمقراطية.

دورية من حرس الحدود في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ب)

كتب أستاذا العلوم السياسية الأميركيان المرموقان، ستيف ليفيتسكي ودانييل زيبلات، في مؤلفهما «كيف تموت الديمقراطيات» (2018): «شاهدنا سياسيين يقولون ويفعلون أشياء غير مسبوقة في الولايات المتحدة، ولكنها أشياء نعرف أنها كانت في أماكن أخرى مقدمات لأزمات ديمقراطية... بات السياسيون الأميركيون اليوم يعاملون خصومهم كأعداء، ويُرهبون الصحافة الحرة، ويهددون برفض نتائج الانتخابات. كذلك، يسعون إلى إضعاف الحواجز المؤسسية التي تحمي ديمقراطيتنا، بما في ذلك المحاكم وأجهزة الاستخبارات وهيئات الرقابة الأخلاقية».

ليس هذا سوى نموذج من واقع يقول إن عدداً من الاتجاهات المقلقة يتقاطع بما يعيد تشكيل مشهد حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي على مستوى العالم. فالتطورات الأخيرة في الولايات المتحدة وديمقراطيات غربية أخرى، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في تمويل برامج أساسية لحقوق الإنسان والديمقراطية، والتسييس الفاضح لمؤسسات راسخة واستخدامها كأدوات صراع، تشير إلى تحول خطير. ويتزامن هذا التراجع مع صعود مقلق للآيديولوجيات السلطوية والانغلاقية، وتعزيز متزايد لصلاحيات السلطة التنفيذية، وتقويض متعمّد لشرعية الأقليات والمجتمعات الهشة، إلى جانب تآكل حرية الإعلام واستقلاله. ولا شك في أن هذه الممارسات تدل على عمل مدروس لتفكيك الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المنفتحة والخاضعة للمساءلة.

الجذور والمرامي

لم تولد الديمقراطية بسحر ساحر في لحظة واحدة؛ بل نشأت تدريجياً وبأشكال مختلفة، بينما كانت المجتمعات تبحث عن سبل للتخلص من الاستبداد، ولإشراك الأفراد في صنع القرار الجماعي.

ومعلوم أن مصطلح «الديمقراطية» مركّب من كلمتَي ديموس (الشعب) وكراتوس (الحكم أو القوة) في اللغة اليونانية. وكان مكان الولادة أثينا؛ حيث أرست الديمقراطية الأثينية أفكاراً جوهرية، أبرزها المساواة السياسية بين المواطنين، والنقاش العام، والمساءلة.

بعد الإغريق، انتقلت الراية إلى الرومان، ومع قرابة خمسة قرون من الجمهورية الرومانية التي قامت عام 509 قبل الميلاد عندما أُطيح النظام الملكي وانتهت فعلياً عام 27 قبل الميلاد، أرسيت مبادئ أخرى. ورسّخت هذه التجربة وجود مؤسسات تمثيلية، مثل مجلس الشيوخ والجمعيات الشعبية، ومبدأ حكم القانون لا الأفراد. وقد كان لهذه الأفكار تأثير عميق في تطور النظم الجمهورية والديمقراطية اللاحقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

لسنا هنا في معرض القيام بسرد تاريخي لمسار الديمقراطية؛ بل المقصود القول إن هذه الطريقة في حكم الدول وتسيير شؤون المجتمعات ليست أمراً طارئاً، وبالتالي يجدر السؤال والتساؤل عن أسباب الفشل.

الغرب المتعثِّر

يكفي للدلالة على فشل الديمقراطية عدد الحروب التي خاضها البشر، سواء داخل المجتمعات الواحدة (حروب أهلية)، أو بين الدول. فالمفترض أن روح الديمقراطية في داخل البلاد يجب أن تعمم التفاهم والوئام مع الذات ومع الآخر، أي ضمن حدود الدولة وخارجها.

والحقيقة أن المشكلة ليست ربما في الديمقراطية نفسها؛ بل فيمن ينتهك مبادئها ويحاول التحايل وادّعاء ممارستها، بينما يمعن فيها طعناً وتمزيقاً. وهكذا نرى القوي يأكل الضعيف، والدولة الكبيرة لا تساعد الصغيرة؛ بل تسعى إلى السيطرة عليها ونهب مواردها، كأن العلاقات عبر الحدود لا تقوم إلا على الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية.

وإذا نظرنا إلى الغرب فلا يمكن إلا أن يثير قلقنا واقع أن أقوى دولة في العالم تشهد تقويضاً مقلقاً لـ«الحلم» الذي رافق نشأتها واعتمدته شعاراً. وكل يوم نقرأ ونرى ونسمع أميركيين من أهل الفكر يسألون: هل تتجه الولايات المتحدة نحو الحكم الاستبدادي؟

يرى كثير من الباحثين السياسيين أن ملامح هذا المسار بدأت تظهر في خطوات الرئيس دونالد ترمب، ولا سيما مساعيه لإحكام السيطرة على وزارة العدل وإدارات الأجهزة الحكومية، ونشر عناصر من وكالة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد، إلى جانب إجراءات أخرى، منها على سبيل المثال الضغط السياسي والمالي على الجامعات.

تقول الصحافية والمؤرخة آن آبلباوم: «الولايات المتحدة ليست دولة استبدادية في الوقت الراهن. ولكن ما نشهده هو حزب حاكم يسعى إلى تقويض سيادة القانون أو تقييدها، وإلى خلق وضع نتحول فيه عملياً إلى دولة الحزب الواحد. والمسار الذي يسلكه الحزب الجمهوري في عهد ترمب -أو بالأحرى ليس الحزب الجمهوري بحد ذاته؛ بل حركة «ماغا» بقيادة ترمب- هو مسار مألوف، سبق أن سلكته أحزاب أخرى في ديمقراطيات مختلفة، كما في المجر وتركيا وفنزويلا».

تضيف: «أكرر، نحن لا نتحدث عن الولايات المتحدة كدولة استبدادية؛ بل عن مجموعة في السلطة تدفع باتجاه ذلك، وهدفها هو خلق وضع لا يمكن فيه خسارة الانتخابات».

شرطيون خارج محكمة في هونغ كونغ خلال محاكمة القطب الإعلامي المعارض جيمي لاي الذي صدر حكم بسجنه 20 سنة (د.ب.أ)

وإذا انتقلنا إلى أوروبا التي نهلت مجتمعاتها ودولها من الحضارتين الإغريقية والرومانية، نرى ديمقراطية تكبّلها التقاليد في بريطانيا؛ حيث الخيار بين الأحزاب محدود، وديمقراطية معطِّلة في فرنسا؛ حيث يعجز التيار الوسطي عن إقناع اليمين واليسار بما يقوم به لدفع عجلة البلاد إلى الأمام. ولطالما رأينا «تشظّياً» سياسياً في إيطاليا؛ حيث كانت كثرة الأحزاب تسقط الحكومات الواحدة تلو الأخرى، ليأتي بعدها اليمين المتطرف ويُحكم قبضته على السلطة.

في دول أخرى في طليعتها ألمانيا وعدد من دول المعسكر الشيوعي السابق، نشاهد تقدماً كبيراً للفكر الشعبوي المتطرف الذي يقوم على تضخيم المشكلات (الهجرة مثالاً) من غير أن يقدم حلولاً، بهدف أن يصل إلى السلطة، وإذا لم يصل ينصرف إلى العمل على عرقلة الحكم القائم وبالتالي إرباك المجتمع.

بعيداً عن الغرب

لا يُلقى كل اللوم على الولايات المتحدة، ولكنها في الواجهة لأنها يفترض أن تكون قائدة «العالم الحر». أما خصماها الرئيسيان فهما بعيدان جداً عن الديمقراطية: روسيا وريثة النظام الشيوعي لم تعتمد الديمقراطية إلا شكلياً، أي إنها أنشأت بنية دستورية للجمهورية، في حين أن الواقع يؤكد أن الحكم محصور في يد السلطة التنفيذية، والمنافسة السياسية شبه غائبة، والحريات المدنية مقيّدة، بينما وسائل الإعلام خاضعة لسيطرة الدولة.

أما الصين فهي دولة يقودها حزب واحد، هو الحزب الشيوعي، وتعرّف نفسها على أنها «ديمقراطية شعبية شاملة»، مع التركيز على التشاور بدلاً من التصويت على النمط الغربي. ومعلوم أن الإعلام في الصين مضبوط، وحرية التعبير مقيّدة، والفضاء الإلكتروني كله خاضع لرقابة صارمة. ولنا فيما جرى في هونغ كونغ قبل سنوات قليلة دليل على عدم تقبّل الديمقراطية والمسارعة إلى إلغاء الرأي الآخر وتصنيفه على أنه أداة لمؤامرة خارجية.

كوريا الشمالية وميانمار غنيَّتان عن البحث، والهند التي توصف بأنها «أكبر ديمقراطية في العالم» لأنها تشهد انتخابات وتداولاً للسلطة، تعاني طبقية تُبقي الناس في «الحَجْر» وبالتالي تلغي المساواة، وهي عنصر من أهم عناصر الديمقراطية.

لا ضرورة لإكمال الجولة الجغرافية التي يمكن أن تعيدنا إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، عبر أميركا اللاتينية التي عرفت ديكتاتوريات مخيفة. فالمهم والخلاصة أن الديمقراطية عليلة.

فرز أصوات في داكا عاصمة بنغلاديش خلال الانتخابات البرلمانية (د.ب.أ)

الأزمة والأفق «المسدود»

تواجه الديمقراطية راهناً أزمة ناجمة عن نزعة تفكير قصير الأمد، واستقطاب حاد، وحصر صنع القرار بأيدي «النخب» التي تبدِّي مصالح الأثرياء على حساب الناس العاديين. وفي ظل هذا الخلل نرى عزوفاً واسعاً للناخبين عن الاقتراع، ونشراً مقصوداً للمعلومات المضلِّلة، وصعوداً صاروخياً للشعبوية التي تستغلّ الأزمات وهشاشة الرأي العام، وتوجيهاً للإعلام يحرفه عن دوره في نقل الحقائق والتوعية.

يُعدّ نقص الشفافية والمساءلة من أبرز المشكلات التي تشوب النظام الديمقراطي. كما أن تغيّر القادة والحكومات بوتيرة سريعة ومتكررة يولّد حالة من عدم الاستقرار. يضاف إلى ذلك أن اهتزاز منظومة الضوابط والتوازنات يؤدي إلى هيمنة أحد مكوّنات السلطة على ما عداه، وهو ما قد يقود إلى تفشّي الفوضى والفساد.

كان كتاب لورين جي جي سامونز «ما الخلل في الديمقراطية؟ من الممارسة الأثينية إلى التقديس الأميركي» الصادر عام 2007، جريئاً ومخالفاً للسائد؛ لأنه أكد أن الديمقراطية تؤدي دوراً خطيراً محصّناً ضد النقد والاعتراض. وشرَّح الكاتب المثال الأثيني داعياً القارئ إلى مساءلة التسليم غير النقدي بقيَم ديمقراطية، مثل الحرية والاختيار والتنوّع. يضاف إلى ذلك أن التسليم بحق الأكثرية مضلِّل؛ لأن الأكثرية قد تكون مضلَّلة، وتالياً على خطأ.

يجدر بنا أن نسأل: هل أثمرت العناوين البرّاقة سلاماً واستقراراً ورفاهية على مر القرون؟ قطعاً لا. ومن هنا لا بدّ من ولادة فكر ما في «أثينا» أخرى، لمعالجة الخلل، وقيادة البشر إلى مستقبل مختلف عما يُنبئ به الحاضر البائس.


الكرملين: روسيا الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار لمساعدة الفلسطينيين

المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

الكرملين: روسيا الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار لمساعدة الفلسطينيين

المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)

أكد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الجمعة، أن روسيا لا تزال الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار مساعدات لفلسطين.

وقال بيسكوف للصحافيين: «روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي قررت تخصيص مليار دولار مساعدات لفلسطين. وهذا أمر بالغ الأهمية، ويجب ألا ننسى هذا»، حسب وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.

وأضاف: «لم نحدد موقفنا بعدُ بشأن مجلس السلام، ولا تزال وزارة الخارجية تعالج هذه القضية، بالتعاون مع شركائنا وحلفائنا، وتحاول معالجة هذا الأمر».

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح بأن بلاده مستعدة للمساهمة بمليار دولار من أصولها المجمدة في «مجلس السلام» الذي يتم إنشاؤه بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة إعمار قطاع غزة وحل القضية الفلسطينية.

ووصف ترمب هذا المقترح بأنه فكرة مثيرة للاهتمام.

ووجّهت الإدارة الرئاسية الأميركية دعوات لرؤساء دول من نحو خمسين دولة للمشاركة في «مجلس السلام» بشأن غزة، وأعلنوا تسلمهم دعوة الرئيس الأميركي.

وتضم قائمة المدعوين دولاً من مختلف المناطق، من أستراليا إلى اليابان، بالإضافة إلى روسيا وبيلاروسيا.

ووفقاً لما صرحت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لن يكون لروسيا تمثيل في الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن موقفها منه لا يزال قيد الدراسة.

وشهد منتدى «دافوس» في يناير (كانون الثاني)، مراسم توقيع ميثاق إنشاء «مجلس السلام»، بحضور الرئيس ترمب وعدد من قادة الدول، في خطوة تهدف إلى تعزيز الجهود الدولية لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة.