«توافق هانغتشو».. ثمرة قمة العشرين الصينية

تعهدات باقتصاد عالمي مفتوح ونصيب للكل في ثمار النمو والتنمية

«توافق هانغتشو».. ثمرة قمة العشرين الصينية
TT

«توافق هانغتشو».. ثمرة قمة العشرين الصينية

«توافق هانغتشو».. ثمرة قمة العشرين الصينية

تبنى زعماء قمة مجموعة العشرين بيانا ختاميا مهما، في نهاية قمتهم الحادية عشرة في مدينة هانغتشو الصينية الاثنين الماضي، حيث تعهدوا بالعمل على تعزيز خطة النمو الخاصة بالمجموعة واتباع مفاهيم وسياسات النمو المبتكرة، وبناء اقتصاد عالمي مفتوح وضمان أن تعود ثمرة النمو الاقتصادي بالنفع على كل الدول والشعوب.
ووفقا للبيان الكامل الذي نشر مؤخرا من الصين، بوصفها الرئيس الحالي للمجموعة، اعتمد زعماء القمة حزمة من السياسات والإجراءات لتحقيق نمو قوي ومستدام ومتوازن وشامل، أطلق عليها اسم «توافق هانغتشو»، وهي الحزمة التي تستند إلى أربعة أركان أساسية، هي الرؤية والتكامل والانفتاح والشمولية.
وتعهد قادة دول المجموعة بالعمل على تنفيذ «رؤيتهم» بإيجاد قوى جديدة لدفع النمو وفتح آفاق جديدة للتنمية، وتحويل اقتصاداتهم إلى أساليب أكثر ابتكارا واستدامة، لتعكس بشكل أفضل المصالح المشتركة لكل الأجيال الحاضرة والقادمة.
وأكدوا فيما يتعلق بمحور «التكامل» أنهم سيسعون لصياغة مفاهيم وسياسات مبتكرة للنمو تعتمد على التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والهيكلية، وتعزيز الترابط بين السياسات الاقتصادية والعمالية والتوظيفية والاجتماعية، فضلا عن ضمان أن تكون إصلاحات جانب العرض مرتبطة مع جانب الطلب والاحتياجات الفعلية للسوق، وأن تكون السياسات على المدى القصير مرتبطة بسياسات المدى المتوسط إلى الطويل، وأن يكون النمو الاقتصادي مرتبطا بالتنمية الاجتماعية وحماية البيئة.
وبالنسبة لـ«الانفتاح»، أكد القادة أنهم سيعملون جاهدين لبناء اقتصاد عالمي مفتوح ورفض الحمائية وتعزيز التجارة والاستثمار الدولي، عبر مواصلة تعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف، وضمان أن تكون هناك فرص واسعة النطاق للتوسع في النمو في ظل اقتصاد يتسم بالعالمية. أما فيما يتعلق بـ«الشمولية»، فأكدوا حرصهم على العمل على أن يخدم النمو الاقتصادي احتياجات الجميع، وأن تعود فوائده على كل البلدان والشعوب، وبخاصة النساء والشباب والفئات المحرومة، كما تعهدوا بالسعي لخلق مزيد من فرص العمل الجيدة، ومعالجة عدم المساواة والقضاء على الفقر بشكل شامل للجميع.
خطة لـ«النمو المبتكر»
وتضمن البيان الختامي، الذي تكون من 48 بندا، تعهدا من زعماء قمة مجموعة العشرين بتنسيق السياسات واستخدام جميع الأدوات النقدية والمالية والهيكلية اللازمة - سواء بشكل فردي أو جماعي - لتحقيق النمو، حيث أشاروا إلى أنه يجب على السياسات النقدية أن تواصل دعم الأنشطة الاقتصادية وتضمن استقرار الأسعار، كما أكدوا وجوب أن تكون هناك مرونة في السياسات النقدية، وأن يتم توجيه السياسات الضريبية والإنفاق العام لصالح النمو، وشددوا على الالتزام بتجنب أي تخفيضات تنافسية لقيمة العملات، وعلى ضرورة التواصل والشفافية فيما يتعلق بتبني أي سياسات متعلقة بالهيكلة أو الاقتصاد الكلي، وأشاروا كذلك إلى الحاجة لفعل مزيد لتنفيذ استراتيجيات النمو، معلنين إطلاق «خطة عمل هانغتشو»، مع التعهد بالعمل على تقليص الاختلالات المفرطة وتشجيع مزيد من شمولية التوزيع والحد من عدم المساواة في سعيهم لتحقيق النمو الاقتصادي.
وأعلنوا قيام فريق عمل مجموعة العشرين الذي سيعمل بدعم من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على الدفع بتنفيذ الأجندة الخاصة بخطة النمو المبتكر، والتي تعتمد في جزء كبير منها على نقل وتبادل المعرفة والتكنولوجيا والخبرات وشحذ المهارات البشرية من خلال التدريب وزيادة الاستثمارات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وتشجيع مزيد من التعاون في المجالات المتعلقة بالقياسات والمعايير وحماية الملكية الفكرية، وبناء هياكل صناعية جديدة، وسد الفجوة الرقمية والاستثمار بشكل أكبر في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
النظام المالي والضريبي
أكد زعماء المجموعة على أن بناء «نظام مالي منفتح ومرن» أمر ضروري لدعم النمو والتنمية المستدامين، مشيرين إلى أنهم سيواصلون العمل على تحقيق هذا من خلال التنفيذ الكامل لأجندة الإصلاحات المالية المتفق عليها.
كما أكدوا على مواصلة التعاون في القطاع الضريبي بهدف الوصول إلى إقامة نظام ضريبي دولي حديث ومنصف يساهم في دعم النمو، مشيرين في هذا الصدد إلى أهمية تبادل المعلومات الضريبية ومساعدة الدول النامية على بناء قدراتها في هذا المجال، وتبني سياسات تدفع بالنمو وبالثقة بين المجتمع الضريبي والإدارة الضريبية.
وشددوا على أن الشفافية المالية والتطبيق الفعال لمعايير الشفافية بالنسبة للجميع، ضروريان لحماية نزاهة النظام المالي الدولي والوقوف في وجه الفساد والتهرب الضريبي وتمويل الإرهاب وغسل الأموال.
فكر الأسواق
وأكد القادة التزامهم ببناء أسواق طاقة تعمل بكفاءة وانفتاح وتنافسية وفعالية واستقرار وشفافية، مؤكدين على أهمية مواصلة الاستثمار في مشروعات الطاقة وتحسين مشروعات الربط الإقليمي، وبخاصة فيما يتعلق بمشروعات الطاقة المستدامة، وذلك لضمان أمن الطاقة في المستقبل، ولمنع ارتفاع الأسعار بطريقة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي.
وفي الجزء الخاص بالتجارة والاستثمار الدوليين، أكد زعماء مجموعة العشرين على أن تحقيق النمو الاقتصادي القوي يجب أن يدعمه وجود نمو قوي ومستدام وشامل للتجارة والاستثمار، معربين عن قلقهم من البطء الملحوظ في النمو في كلا المجالين على الصعيد العالمي، وشددوا على التزامهم بالعمل على تعزيز الاقتصاد العالمي المفتوح من خلال تسهيل التجارة والاستثمار وتحرير التجارة.
وأشاروا إلى إدراكهم التام لأهمية التنوع الاقتصادي ورفع مستوى الصناعة في البلدان النامية، كما أعربوا عن تأييدهم لنتائج اجتماعات وزراء التجارة لدول المجموعة التي عقدت في شنغهاي في 9 و10 يوليو (تموز) الماضي، وعن ترحيبهم بإنشاء فريق العمل للتجارة والاستثمار الخاص بالمجموعة، مؤكدين تمسكهم بتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار فيما بينهم.
وأكدوا معارضتهم للحمائية التجارية والاستثمارية بكل صورها، كما صدقوا على «استراتيجية مجموعة العشرين لنمو التجارة العالمية»، وأشاروا في هذا الصدد إلى أنه، وبموجب «اتفاقية تيسير التجارة»، فإن المجموعة ستضرب المثل للآخرين فيما يخص خفض التكاليف التجارية والعمل على اتساق سياساتها الاستثمارية وتعزيز تجارة الخدمات ودعم التمويل التجاري، والدفع بتنمية التجارة الإلكترونية والقضايا المتعلقة بالتجارة والتنمية.
أما عن التنمية، فأكد القادة في البيان أنه لكي يكون النمو قويا ومستداما ومتوازنا فإنه يحب أن يكون شاملا، وتعهدوا بأن يعملوا كي تستفيد جميع الشعوب من ثمار النمو، وأن يتم تعظيم إمكانات النمو في البلدان النامية والبلدان ذات الدخل المنخفض، موضحين أنهم كانوا حريصين على أن تكون قضية «التنمية المستدامة» ضمن الموضوعات التي تتصدر جدول أعمال المجموعة.
وصدّق الزعماء على الاستراتيجيات وخطط العمل والمبادرات التي صدرت عن وزراء العمل والتوظيف التابعين لدول المجموعة، بهدف تعزيز أجندة النمو والتنمية، عن طريق اتخاذ خطوات فعالة للتعامل مع التغيرات في نوعية المهارات المطلوبة في سوق العمل ودعم ريادة الأعمال وبرامج التوظيف، وضمان أن يحصل الجميع على العمل اللائق والمحترم، وتعزيز لوائح سلامة أماكن العمل ودعم نظم الضمان الاجتماعي.
كما صدّقوا على المبادئ الخاصة بالسياسات المستدامة للأجور، وأكدوا التزامهم بـ«خطة عمل مجموعة العشرين لريادة الأعمال» ومبادرة مجموعة العشرين لـ«تعزيز جودة التدريب المهني».
التحديات
وتطرق البيان الختامي للقمة الحادية عشرة لمجموعة العشرين، إلى كثير من التحديات المهمة التي تؤثر على الاقتصاد العالمي، والتي من ضمنها خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة المخاوف بالنسبة للاقتصاد الدولي، حيث أكد قادة المجموعة على قدرة بلادهم على التعامل مع هذا الوضع الجديد وما يترتب عليه من نتائج مالية واقتصادية، معربين عن أملهم في أن يروا في المستقبل المملكة المتحدة تعمل شريكا وثيق الصلة بالاتحاد الأوروبي.
وأكد القادة على التزامهم بمسيرة التنمية المستدامة وبتقديم الدعم المطلوب واتخاذ ما يلزم من إجراءات للتعامل مع قضية التغير المناخي، معربين عن أملهم في أن تدخل اتفاقية باريس حول التغير المناخي حيز التنفيذ قبل نهاية العام الحالي، وتعهدوا بالسعي لمساعدة الدول النامية على الوفاء بالتزاماتها تجاه اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، عن طريق دعم جهودهم الخاصة بالتخفيف من والتكيف مع التغير المناخي.
وتناول البيان كذلك التحدي الكبير الذي يمثله التهجير القسري لأعداد هائلة وغير مسبوقة من المواطنين منذ الحرب العالمية الثانية، بسبب الحروب والعنف في مناطق مختلفة من العالم، حيث طالب الزعماء جميع دول العالم بزيادة المعونات الإنسانية للاجئين والسعي لإيجاد حلول دائمة لمشكلتهم ومساندة الدول المضيفة لهم.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.