الموصل تئن تحت قمع «داعش» وغياب الدولة

هاربون من جحيم التنظيم الإرهابي لـ «الشرق الأوسط» : نُقتل لأتفه الأسباب وقياداته مرفهون

عائلات هاربة من الموصل تصل إلى مخيم للنازحين في ناحية ديبكة التابعة لقضاء مخمور جنوب غربي أربيل أمس («الشرق الأوسط»)
عائلات هاربة من الموصل تصل إلى مخيم للنازحين في ناحية ديبكة التابعة لقضاء مخمور جنوب غربي أربيل أمس («الشرق الأوسط»)
TT

الموصل تئن تحت قمع «داعش» وغياب الدولة

عائلات هاربة من الموصل تصل إلى مخيم للنازحين في ناحية ديبكة التابعة لقضاء مخمور جنوب غربي أربيل أمس («الشرق الأوسط»)
عائلات هاربة من الموصل تصل إلى مخيم للنازحين في ناحية ديبكة التابعة لقضاء مخمور جنوب غربي أربيل أمس («الشرق الأوسط»)

بعد قطعهم طريقا مليئا بالمصاعب والمخاطر ومطاردات من قبل مسلحي تنظيم داعش، استطاعت مجموعة من مواطني الموصل الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات البيشمركة في ناحية ديبكة التابعة لقضاء مخمور (60 كيلومترا جنوب غربي أربيل).
محمد اللهيبي، شاب موصلي قضى ليلتين في العراء لحين الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة البيشمركة، التقته «الشرق الأوسط» في المخيم المؤقت في ديبكة وهو منشغل بإتمام المعاملات الأمنية مع مجموعة أخرى من المواطنين الموصليين الذين نجوا بأنفسهم من الأوضاع الصعبة التي تشهدها مدينتهم، حيث يوزعون على مخيمات دائمة في ناحية ديبكة بعد إتمام الإجراءات الأمنية المتمثلة في التدقيق بأسمائهم ومعرفة فيما إذا كانوا منتمين لـ«داعش» أم لا.
يتحدث محمد عن آخر تطورات الوضع في مدينة الموصل التي تركها منذ أيام قليلة، ويمضي بالقول: «نحن في الموصل منقطعون عن العالم منذ نحو عامين. الحياة صعبة جدا وكل شيء ممنوع فيها، اللغة الطاغية على الحياة هي لغة الموت. مسلحو التنظيم يقتلون كل من يخالفهم وكل من يشكون فيه. وكل من لا يحضر إلى المسجد لأداء الصلاة يغرمه التنظيم بمبلغ 75 ألف دينار عراقي ويُجلد، كذلك كل من لا يُطلق لحيته يُعاقب من قبل التنظيم. السجائر والهواتف الجوالة وكذلك أجهزة استقبال القنوات الفضائية (الستالايت) هي الأخرى باتت ممنوعة، وجواسيسه منتشرون في كل مناطق وأحياء المدينة، يراقبون كل صغيرة وكبيرة.. الاعتقالات مستمرة، وينفذ التنظيم يوميا كثيرا من عمليات الإعدام وبطرق مختلفة في أسواق المدينة وساحاتها. كنا نعيش حالة رعب مستمرة في ظل هذه الممارسات». ويمضي محمد بالقول راويًا ما تعرض له جراء بيعه السجائر: «اقتحم مسلحو التنظيم منزلنا في أحد الأيام وقالوا لي إنني أبيع السجائر، لكنني نفيت ذلك، رغم أنني كنت فعلا قد بعت السجائر، وطالبتهم بالدليل، لذا جاءوا بشخص من المنطقة التي أقطنها وشهد ضدي وأنا أعرف هذه الشخص جيدا، وهو من جواسيس التنظيم، فساقوني إلى دائرة الشرطة، أو كما يسمونها (الحسبة)، وأصدروا عقوبة الجلد بحقي، وجلدوني أمام الناس 50 جلدة بأنبوب بلاستيكي غليظ، فتعرضت للأذى، ومن ثم غُرمت بمبلغ 75 ألف دينار، ومنذ ذلك اليوم لم أخرج من المنزل وبقيت فيه لحين الهروب من المدينة».
وعن كيفية الهروب من المدينة، بين محمد بالقول: «مشيت لعدة ساعات متتالية، لكن بحذر لكي لا أقع في كمائن مسلحي التنظيم، حتى وصلت إلى منطقة كانت عبارة عن غابات. اختبأت فيها يومين ثم واصلت السير، وقطعت النهر سباحة حتى وصلت إلى جبهات البيشمركة، وهناك استقبلوني ونقلوني مع عوائل أخرى كانت قد هربت هي الأخرى من الموصل، إلى مخيم مؤقت لإتمام الإجراءات الأمنية، ومن ثم سينقلوننا إلى مخيمات دائمة».
أما المواطن عامر، الذي لم يشأ أن يذكر اسمه الكامل لنا لدواع أمنية مرتبطة بوجود عائلته في الموصل، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «الأوضاع الاقتصادية صعبة جدا، المواد الغذائية قليلة جدا في الأسواق وأسعارها غالية بحيث انتشر الجوع. المواطن لا يستطيع أن يؤمن سوى وجبة طعام واحدة في اليوم. وأصبح التمر والباقلاء هما الغذاءان الرئيسيان في المدينة، والمواد الغذائية تدخل المدينة عن طريق الحدود السورية، كذلك الدواء أصبح قليلا جدا. كثيرون يموتون يوميا جراء نقص الغذاء والدواء، خصوصا كبار السن والأطفال. ومستشفيات المدينة مغلقة بوجه المواطنين لأنها تكتظ بجرحى وقتلى التنظيم».
ويشير عامر: «قادة التنظيم ومسؤولوه يعيشون في رفاهية ويأخذون الإتاوات من أصحاب المحلات التجارية والمواطنين، ويشن مسلحو التنظيم يوميا عدة حملات لاعتقال الشباب والأطفال والزج بهم في المعارك. أما النساء فيوزعهن التنظيم بالقوة على مسلحيه الأجانب، وإن امتنعن عن ذلك توجه لهن تهم الشرف ويُرجمن أمام الناس حتى الموت. لذا نساؤنا يختبئن داخل البيوت لكي لا يراهن مسلحو التنظيم». وكثف التنظيم خلال الأيام الماضية من حملات اعتقال المواطنين ونشر المئات من مسلحيه في كل أرجاء المدينة. واتخذ كثيرا من الإجراءات الدفاعية داخل الموصل تحسبا لأي عملية عسكرية موسعة قد تشنها القوات العراقية لتحريرها، خصوصا بعد الهزائم التي لحقت بـ«داعش» على كل الجبهات أمام قوات البيشمركة الكردية، والعمليات العسكرية التي بدأتها القوات العراقية خلال الأسابيع الماضية لتحرير القرى الواقعة جنوب مدينة الموصل. في غضون ذلك، سلط المراقب السياسي الموصلي هيثم العنزي، لـ«الشرق الأوسط» الضوء على أوضاع الموصل في كل المجالات، وأوضح بالقول: «الأوضاع المعيشية في الموصل سيئة. أسعار المواد الغذائية والوقود أصبحت مرتفعة جدا، مثلا سعر اللتر الواحد من مادة البنزين رديئة النوعية وصل إلى 1500 دينار. ووصل سعر كيس الطحين إلى نحو 60 ألف دينار عراقي، أما كيس الأرز فوصل سعره إلى نحو 70 ألف دينار».
وتابع العنزي: «بعد كل هروب لمسلحي التنظيم من ساحات المعركة يتعرض مواطنو الموصل إلى أقسى أنواع الإساءات والاتهامات من قبلهم، واعتقال أعداد كبيرة من المواطنين واتهامهم بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، وبلغ عدد الأشخاص الذين أعدمهم التنظيم خلال الشهر الماضي وبداية الشهر الحالي نحو 80 شخصا. واستخدم التنظيم عدة أساليب لإعدامهم. بينما نشر التنظيم خلال الأيام الماضية عددا كبيرا من عناصره ومن المؤيدين له في شوارع الموصل، حيث نصبوا كثيرا من نقاط التفتيش في أحياء وشوارع المدينة، لمتابعة أشخاص معينين. وبحسب المعلومات التي وصلت إلينا من داخل المدينة، فإن عناصر التنظيم كانوا يحملون معهم صورا وأسماء أشخاص معينين وأرقام سيارات كانوا يبحثون عنها. اعتقلوا خلال هذه الحملة عددا من المواطنين بتهم مختلفة، وتجاوز عدد المواطنين الذين اعتقلوا في الموصل خلال الشهر الماضي وبداية الشهر الحالي400 مواطن». مشيرا إلى أن التنظيم حفر مجموعة من الخنادق في مداخل المدينة تحسبا للعملية العسكرية المرتقبة لتحريرها، وكذلك حفر خنادق رئيسية حول المدينة، خصوصا من الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية.



مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
TT

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)

استنكر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب في السودان، والتي أودت هجماتها بحياة أكثر من ألف مدني، في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

وباتت حرب الطائرات المسيّرة سمة بارزة، بشكل متزايد، في الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش وقوات «الدعم السريع».

وقال تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة في جنيف: «في السودان، اتسع نطاق الصراع المروّع وتصاعدت وتيرته، وتميَّز ذلك بزيادة حادة في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب».

وأشار إلى أنه «بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2026، وثَّق مكتبنا مقتل أكثر من ألف مدني جرّاء غارات الطائرات المسيّرة». كما أعرب عن أسفه لتفشّي «الاغتصاب والعنف الجنسي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلّفت الحرب، التي دخلت عامها الرابع، عشرات الآلاف من القتلى. ويشير بعض التقديرات إلى تجاوز الحصيلة 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وانتشار المجاعة في بعض المناطق بدارفور وكردفان.


«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
TT

«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)

خلال ثلاث سنوات فقط، تحول جهاز «استخبارات الشرطة» الذي استحدثته الجماعة الحوثية إلى أحد أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً وهيمنة في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات حقوقية متصاعدة بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، فضلاً عن إدارة شبكة من السجون السرية التي يقبع فيها مئات المحتجزين.

ويدير الجهاز علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، الذي جرى تعيينه في منصب وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والاستخبارات، في خطوة ربطها مراقبون بالصراع المتنامي بين أجنحة الجماعة ومراكز النفوذ الأمنية المتنافسة داخلها.

ووفق روايات حقوقيين وناشطين، فقد أُنشئ الجهاز في إطار إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الأمنية الحوثية، وتقليص هيمنة جهاز الأمن والمخابرات الذي يقوده عبد الحكيم الخيواني، في ظل تنافس بين قيادات نافذة داخل الجماعة على إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية.

ومنذ تأسيسه، برز الجهاز لاعباً رئيساً في المشهد الأمني عبر حملات اعتقال طالت مئات المدنيين والناشطين والموظفين، تحت طيف واسع من التهم، بينها الاحتفال بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول)، والتخابر والتجسس لصالح جهات خارجية.

الحوثيون أنشأوا أجهزة أمنية موازية لتعزيز قبضتهم (إعلام محلي)

وطالت هذه الحملات أيضاً عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، حيث أُحيل عديد منهم إلى القضاء الخاضع لسيطرة الجماعة بعد فترات طويلة من الاحتجاز والاستجواب.

ويؤكد ناشطون أن الجهاز بات يمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز أحياناً صلاحيات الأجهزة الأمنية الأخرى، الأمر الذي جعله الذراع الأكثر حضوراً في تنفيذ الاعتقالات والتحقيقات الحساسة.

سجون تحت الأرض وانتهاكات

وحسب إفادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، هناك معتقلان رئيسيان يتبعان هذا الجهاز الحوثي القمعي في العاصمة المختطفة صنعاءح، أحدهما في منطقة حدة بالقرب من السفارة الهندية، والآخر داخل السجن الاحتياطي التابع لإدارة شرطة هبرة شرقي المدينة.

ويُعد معتقل حدة الأكثر شهرة، إذ يتكون من مبنيين متجاورين؛ أبرزهما مبنى يعرف باسم «إصلاحية حدة»، ويضم قبواً واسعاً يحتوي على عشرات الزنازين الانفرادية المعروفة بين السجناء باسم «الضغاطات».

وتشير الشهادات إلى أن هذه الزنازين ضيقة ومظلمة ومجهزة بكاميرات مراقبة تعمل بصورة دائمة، فيما يُحتجز فيها المعتقلون لأشهر طويلة في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، دون معرفة الوقت أو التاريخ أو التواصل مع أسرهم.

مئات المحتجزين يقبعون في سجون الحوثيين منذ سنوات دون محاكمات عادلة (إعلام محلي)

ويؤكد محتجزون سابقون أن بعض المعتقلين لا يُسمح لهم برؤية ضوء الشمس إلا مرة واحدة أسبوعياً، وبعد انتهاء مراحل التحقيق الأولية فقط، قبل نقلهم إلى العنابر الجماعية تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكم.

وتوضح المصادر أن الجهاز يديره هيكل أمني واسع يضم قيادات ومحققين ومشرفين على السجون وفرقاً متخصصة في المداهمات والاعتقالات.

ويبرز ضمن هذا الهيكل عدد من الأسماء النافذة، بينهم مفضل المؤيد مدير مكتب المشرف العام للجهاز، وعبد الله العياني، المعروف باسم «أبو زين»، إلى جانب أحمد عبد الله المكنى «أبو فاطمة» الذي يتولى إدارة قسم التحريات، ويُنظر إليه على أنه من أبرز الشخصيات المؤثرة في قرارات الجهاز وتحركاته الميدانية.

وتقول المصادر إن فرق التحريات التابعة للجهاز تشرف على مداهمة المنازل وتعقب المطلوبين وتنفيذ أوامر الاعتقال، فضلاً عن جمع المعلومات ومتابعة الأنشطة التي ترى الجماعة أنها تشكل تهديداً لها.

إنهاك نفسي ومصدر للتربح

ووفق شهادات حقوقية، لا تبدأ التحقيقات مع المعتقلين فور احتجازهم، بل يُتركون لفترات طويلة داخل الزنازين الانفرادية في ظروف قاسية تهدف إلى إنهاكهم نفسياً وجسدياً قبل بدء الاستجواب.

وعندما تبدأ جلسات التحقيق، لا تقتصر الأسئلة على التهمة الأساسية المنسوبة إلى المعتقل، وإنما تمتد إلى شبكة علاقاته الشخصية والاجتماعية وأقاربه وأصدقائه ومصادر دخله وتحويلاته المالية وسجلات اتصالاته.

ويرى حقوقيون أن هذا الأسلوب يهدف إلى توسيع دائرة الاشتباه والبحث عن معلومات يمكن استخدامها في ملاحقة آخرين أو ممارسة ضغوط إضافية على المحتجزين وأسرهم.

القضاء الخاضع للحوثيين متَّهم بتصديق مزاعم الجماعة حول المعتقلين (إعلام محلي)

ويقول ناشطون إن المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الجماعة، تتولى تثبيت معظم القضايا التي يحيلها الجهاز، مع ندرة الأحكام التي تتعارض مع روايته أو تشكك في إجراءات الاعتقال والتحقيق.

ويستشهد هؤلاء بقضية المواطن مجدي العابد الذي أُحيل إلى المحاكمة بتهمة التخابر والتسبب في قصف دائرة التوجيه المعنوي، رغم تأكيد هيئة الدفاع أنه كان معتقلاً لدى الجهاز قبل وقوع الحادثة بأكثر من شهر، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الأدلة والاتهامات المقدمة ضده.

ولا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى الجهاز على الانتهاكات الأمنية، إذ يتحدث ناشطون عن ممارسات مالية داخل بعض المعتقلات، خصوصاً سجن حدة، حيث تُفرض قيود على إدخال الأطعمة والاحتياجات الأساسية التي ترسلها أسر المعتقلين.

ويقول هؤلاء إن تلك القيود تتيح للبقالات والمتاجر المرتبطة بإدارة السجن احتكار بيع المواد الغذائية والسلع الأساسية للمحتجزين بأسعار مرتفعة، بينما تُصادر بعض المواد التي تجلبها الأسر بحجج أمنية مختلفة.


الحكومة اليمنية تدفع نحو اللامركزية وتعزيز الشراكات الدولية

مؤتمر يمني وطني في عدن للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية (إعلام حكومي)
مؤتمر يمني وطني في عدن للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تدفع نحو اللامركزية وتعزيز الشراكات الدولية

مؤتمر يمني وطني في عدن للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية (إعلام حكومي)
مؤتمر يمني وطني في عدن للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية (إعلام حكومي)

دفعت الحكومة اليمنية بملف اللامركزية الإدارية إلى واجهة أولوياتها الإصلاحية، بالتزامن مع تحركات واسعة مع شركاء دوليين وأمميين لدعم قطاعات الحكم المحلي، والتنمية، والصحة، والاستجابة الإنسانية، في مسعى لربط التعافي الاقتصادي والمؤسسي بتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتحسين الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وجاء ذلك مع افتتاح رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني أعمال المؤتمر الوطني للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية في العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع لقاءات أجرتها وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة مع مسؤولين أمميين، ودوليين، واجتماعات عقدتها وزارة الصحة مع البنك الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة في القاهرة، لمراجعة برامج الدعم الصحي في اليمن.

وقال الزنداني إن المؤتمر الذي يستمر ثلاثة أيام يمثل محطة مهمة لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والسلطات المحلية على أسس أكثر وضوحاً، وفاعلية، مؤكداً أن الهدف ليس رسم حدود جديدة بين الطرفين، وإنما بناء شراكة تكاملية تجعل المواطن محور السياسات الحكومية، ومقياس نجاحها.

وأوضح أن اليمن يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً يتمثل في استكمال استعادة مؤسسات الدولة من جهة، والعمل على بناء إدارة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين من جهة أخرى، بعد سنوات من الحرب التي تسببت في إنهاك مؤسسات الدولة، وإضعاف قدراتها المالية، والإدارية.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وفي تشخيصه للتحديات القائمة، أشار الزنداني إلى أن جانباً من المشكلات التي تواجه الدولة لا يرتبط فقط بمحدودية الموارد، بل بكيفية إدارتها، وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المستويات المختلفة للسلطة.

وأكد أن النموذج الإداري المركزي الذي ساد لعقود طويلة أوجد تعقيدات بيروقراطية جعلت قرارات محلية بسيطة تحتاج إلى إجراءات مطولة، فيما دفعت الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب بعض السلطات المحلية إلى تجاوز القوانين، والضوابط المنظمة للعمل المالي، والإداري.

وشدد الزنداني على أن منح السلطات المحلية مساحة أكبر من المرونة لا يعني إنشاء كيانات مستقلة عن الدولة، أو السماح بتجاوز القانون، وإنما يهدف إلى تسريع تقديم الخدمات، وتحسين الأداء التنموي، ضمن إطار مؤسسي يحافظ على وحدة القرار والسياسات العامة.

وأضاف أن الحكومة تتبنى توجهاً يقوم على الانتقال من إدارة التفاصيل اليومية إلى إدارة السياسات العامة، بما يسمح للسلطات المحلية بالتحرك بصورة أكثر فاعلية، مقابل تعزيز أدوات الرقابة، والمساءلة، وضمان الالتزام بالقانون.

مكافحة الفساد والرقابة

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن قوة السلطات المحلية لا تُقاس بحجم الصلاحيات الممنوحة لها فقط، وإنما بمدى التزامها بالشفافية، والحوكمة الرشيدة، واحترام الأنظمة، والقوانين.

وأوضح أن الحكومة ستتخذ إجراءات صارمة بحق أي تجاوزات، أو مخالفات، سواء على المستوى المركزي، أو المحلي، في إطار توجه يستهدف تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة، وترسيخ معايير النزاهة، والمساءلة.

وفي الملف المالي، شدد الزنداني على أن تحصيل الموارد العامة يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، بحيث تنعكس الإيرادات على شكل مشاريع، وخدمات ملموسة في قطاعات الكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم.

وقال إن المواطنين لم يعودوا يقبلون استمرار تداخل الاختصاصات، أو تبادل المسؤوليات بين الجهات المختلفة على حساب حقوقهم، واحتياجاتهم الأساسية، مؤكداً أن الحكومة ستعمل على ضبط الأوعية الإيرادية، وتحسين كفاءة توظيفها.

من جانبه، أكد وزير الإدارة المحلية بدر باسلمة أن انعقاد المؤتمر يعكس قناعة راسخة لدى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بأن اللامركزية تمثل خياراً وطنياً استراتيجياً لتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتحسين الخدمات.

وأوضح أن التحضيرات للمؤتمر استمرت لفترة طويلة، وشملت مشاورات فنية ومؤسسية واسعة، بهدف الوصول إلى مخرجات عملية تتضمن إصلاحات قانونية وإدارية قابلة للتنفيذ.

السفير الألماني لدى اليمن يشارك في مؤتمر يمني بعدن لتعزيز الحكم المحلي (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن الحكومة تتطلع إلى صياغة آليات أكثر وضوحاً لتوزيع الصلاحيات، والموارد، ومعالجة التداخلات بين الأجهزة المركزية والسلطات المحلية، بما يضمن تعزيز التكامل التنموي، ورفع مستوى الأداء المؤسسي.

وشهدت أعمال المؤتمر مشاركة دولية لافتة، إذ استعرض سفير ألمانيا لدى اليمن توماس شنايدر تجربة بلاده في تطبيق النظام الفيدرالي، موضحاً أن توزيع الصلاحيات والموارد بين الحكومة الاتحادية والولايات أسهم في تعزيز الاستقرار، وتحقيق مستويات مرتفعة من التنمية.

وأكد شنايدر أن النظم اللامركزية لا تتبع نموذجاً واحداً، بل يمكن تكييفها وفق خصوصية كل دولة، واحتياجاتها السياسية، والإدارية، والاقتصادية.

ويناقش المشاركون في المؤتمر ملفات متعددة تشمل إدارة الموارد المحلية، والمشتركة، وتفويض الصلاحيات، وآليات التنسيق بين الوزارات والسلطات المحلية، إضافة إلى سبل تعزيز التنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة.

شراكة مع الأمم المتحدة

وفي سياق متصل، كثفت الحكومة اليمنية مشاوراتها مع المنظمات الأممية بشأن مستقبل العمل الإنساني والتنموي في البلاد.

وبحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة مع مديرة شعبة الاستجابة للأزمات في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إيديم ووسورنو، أولويات التدخل الإنساني والتنموي خلال المرحلة المقبلة.

وأكدت الزوبة أهمية تعزيز حضور الوكالات الأممية في العاصمة المؤقتة عدن، وتبادل المعلومات والبيانات مع المؤسسات الحكومية المختصة، بما يساعد على تحسين التنسيق، ورفع كفاءة المتابعة، والتقييم.

جانب من اجتماعات وزارة التخطيط اليمنية في عدن مع مسؤولين أمميين (إعلام حكومي)

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من نمط الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى برامج تنموية مستدامة تعزز قدرات المؤسسات الوطنية، وتدعم فرص التعافي الاقتصادي، والاجتماعي.

ودعت إلى إشراك الحكومة بصورة أكبر في مناقشة الأولويات الإنسانية، وآليات التمويل، بما يضمن مواءمة التدخلات الدولية مع الاحتياجات الوطنية الفعلية.

وفي لقاء آخر، ناقشت وزيرة التخطيط اليمنية مع المدير القطري الجديد لبرنامج الأغذية العالمي في اليمن الخضر دالوم آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجالات التغذية المدرسية، وتعزيز المشتريات المحلية، وبرامج بناء القدرة على الصمود.

وأكدت أهمية استمرار التنسيق بين البرنامج والحكومة، لضمان تحقيق أكبر أثر ممكن للمساعدات المقدمة للمواطنين، وربط التدخلات الإنسانية بأهداف التنمية طويلة المدى.

بالتوازي مع ذلك، عقدت وزارة الصحة اجتماعاً موسعاً مع البنك الدولي، وشركاء أمميين في القاهرة، لمراجعة سير تنفيذ مشروع الصحة، والتغذية، والمياه، والإصحاح البيئي.

وأكد وزير الصحة اليمني قاسم بحيبح أن الدعم المقدم من البنك الدولي أسهم في الحفاظ على استمرارية العديد من الخدمات الصحية رغم التحديات الاستثنائية التي تواجهها البلاد.

ودعا إلى التركيز خلال المرحلة المقبلة على تحسين جودة الخدمات الصحية، وتعزيز الحوكمة، والإدارة المالية، وبناء القدرات المؤسسية، والبشرية، بما يضمن تعزيز قدرة النظام الصحي على الصمود، والاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وجدد ممثلو البنك الدولي ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف التزامهم بمواصلة دعم القطاع الصحي اليمني، مع التركيز على تطوير الرعاية الصحية الأولية، وتحسين خدمات التغذية، والمياه، والإصحاح البيئي، بوصفها ركائز أساسية لتعزيز الاستقرار المجتمعي، ودعم جهود التعافي في البلاد.