مصادر أمنية لـ {الشرق الأوسط}: قوات من أميركا وإنجلترا وروسيا وصلت إلى ليبيا

مستشار رئيس البرلمان الليبي: النواب المؤيدون لحكومة السراج أقل من النصاب الدستوري

رجال إطفاء يحاولون إخماد النيران التي اندلعت بعد استهداف أربعة خزانات نفط في راس لانوف أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يحاولون إخماد النيران التي اندلعت بعد استهداف أربعة خزانات نفط في راس لانوف أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

مصادر أمنية لـ {الشرق الأوسط}: قوات من أميركا وإنجلترا وروسيا وصلت إلى ليبيا

رجال إطفاء يحاولون إخماد النيران التي اندلعت بعد استهداف أربعة خزانات نفط في راس لانوف أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يحاولون إخماد النيران التي اندلعت بعد استهداف أربعة خزانات نفط في راس لانوف أول من أمس (أ.ف.ب)

في وقت كشفت فيه مصادر أمنية ليبية عن وصول عشرات العسكريين الأميركيين والإنجليز والروس، إلى داخل البلاد، بما فيها مناطق تقع في غرب طرابلس، قال مستشار رئيس برلمان ليبيا عيسى عبد المجيد، لـ«الشرق الأوسط»، إنه توجد ضغوط دولية كبيرة لتمكين الحكومة التي اقترحتها الأمم المتحدة في حوار الصخيرات قبل شهر، برئاسة فايز السراج، لكنه أكد أن أكثر من ثلث النواب وقعوا على عريضة برفض الحكومة في حال تقدمت لنيل الثقة من البرلمان خلال الأيام المقبلة، وهو ما يعني أن «النواب المؤيدين لحكومة السراج أقل من النصاب الدستوري».
ولم يخفِ عبد المجيد ضبابية الموقف الذي تمر به بلاده في ظل هجمات من تنظيم داعش وعدم وضوح الرؤية أمام بعض القادة العسكريين في الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر. وقال إن الأوضاع، بشكل عام، سيئة، والضحية الشعب الليبي، مشيرا إلى أن المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان، يفضل أن يكون الحوار والتوافق ليبيا - ليبيا، وأن تواصله مع المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) في طرابلس، ما زال مستمرا.. «نحن لا نتعامل مع السراج كرئيس حكومة، إلا بعد أن يكسب الثقة من البرلمان»، و«هذا الشرط، لن يتحقق، لعدم وجود النصاب الدستوري حتى الآن».
ووفقًا لمصادر أمنية ليبية، فقد وصلت إلى البلاد طلائع من قوات أميركية وإنجليزية وروسية، قوامها عشرات من الجنود والضباط، وهبطت القسم الأكبر منها في قاعدة جمال عبد الناصر العسكرية الواقعة إلى الجنوب من بلدة طبرق التي يعقد فيها البرلمان جلساته، فيما دخلت مجموعة أميركية صغيرة في غرب طرابلس. وبينما قال شهود عيان في القاعدة الجوية إن عدد مَن وصولوا طيلة الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بلغ نحو 500، أوضح مسؤول عسكري ليبي طلب عدم ذكر اسمه أن عدد هؤلاء لا يتعدى بضعة عشرات، و«جاءوا في مهام استطلاعية ولتقديم استشارات للجيش الوطني»، مشيرًا في الوقت نفسه إلى ظهور مجموعة أقل من عسكريين أميركيين في منطقة تقع في غرب العاصمة.
وأضاف أن قياديًا متشددًا يدعى محمد المدهوني، يدير ميليشيا من بلدة صبراتة التي يسيطر عليها المتطرفون، التقى مع عنصر من الاستخبارات الأميركية وبحث الطرفان موضوعات تتعلق بـ«ترتيبات أمنية مستقبلية» في العاصمة. وقال المصدر إن عنصر الاستخبارات الأميركي معروف لدى عدة أجهزة أمنية عربية بأنه معني بشؤون منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وكان من بين المبعوثين لمتابعة المفاوضات حول قضية سد النهضة بين كل من السودان وإثيوبيا ومصر. ورفض المصدر ذكر اسم العنصر الاستخباراتي، لكنه أضاف موضحًا أن الرجل يعمل ضمن فريق أميركي انطلاقًا من موقعين؛ الأول في منطقة بدر غرب طرابلس، والثاني في منطقة جنزور، داخل نطاق العاصمة، وأن المقابلة التي جرت بينه وبين المدهوني، كانت في منطقة عين زارة التي تهيمن عليها ميليشيات المدهوني نفسه.
وتسعى الدول الغربية وعدد من دول الجوار الليبي إلى الإسراع في تنصيب حكومة السراج التي جرى اقتراح مجلسها الرئاسي من قبل الأمم المتحدة، الشهر الماضي، وسط مصاعب كبيرة على الأرض، إذ تنتشر في البلاد التي تعمها الفوضى عشرات الميليشيات المسلحة التي تعمل كجيوش صغيرة منفصلة، وتمتلك قدرات على التمويل المالي والحشد العسكري والعمل الاستخباراتي المحلي والعابر للحدود أيضًا. وتواجه الحكومة المقترحة رفضًا من غالبية الجماعات السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها.
وقال مصدر عسكري في شرق البلاد لـ«الشرق الأوسط» إن الجنود الذين وصلوا إلى قاعدة جمال عبد الناصر، قد يلتحق بهم مجموعة من الجنود الفرنسيين خلال الأيام المقبلة، وإن الهدف هو مساعدة السلطات الليبية الشرعية على مواجهة خطر «داعش» من خلال أعمال التدريب وجمع المعلومات، لكنه أوضح أن مركز قيادة الجيش الذي يقوده الفريق أول حفتر، ويتخذ من المنطقة الشرقية مركزًا لغرفة عملياته، ليست له علاقة بأي نشاط أميركي في غرب طرابلس، مشيرًا إلى أن الجيش يصنف المدهوني باعتباره من قيادات المتطرفين.
ومنذ التحقيقات التي باشرها ضباط في «إف بي آي»، عقب تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في سبتمبر (أيلول) 2012، اعتقلت القوات الأميركية مطلوبين اثنين على الأقل، بعمليات خاطفة عبر الإنزال الجوي في طرابلس وبنغازي. كما وجهت ضربات لمواقع «داعش» وتنظيم القاعدة في كل من درنة على البحر المتوسط وفي صحراء جنوب إجدابيا. ولم تظهر تفاصيل عن وجود لنشاط للأميركيين على الأرض في داخل ليبيا، إلا في مطلع الشهر الماضي، وبشكل محدود، وذلك من خلال عملية إنزال فاشلة لعشرين عميلاً أميركيًا جرت في مهبط طائرات في قاعدة الوطية في غرب طرابلس. واضطر هؤلاء للمغادرة من حيث أتوا بعد تدخل كتيبة أبو بكر الصديق التي يقودها العقيد العجمي العتيري، وتعمل بالتنسيق مع الجيش الوطني. وهذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها النقاب عن نشاط لعسكريين أميركيين في منطقة شرق البلاد وفي غرب طرابلس، إضافة إلى العسكريين الإنجليز والروس.
ومن جانبه عبَّر عبد المجيد عن استيائه من الحالة التي وصلت إليها البلاد، خصوصًا «إصرار المجتمع الدولي على فرض حكومة السراج على الليبيين». وقال: «الهدف من حكومة السراج هو رغبة المجتمع الدولي في فك الأموال الليبية المجمدة في الخارج، والاستفادة منها»، مشيرا إلى أن هذا الأموال تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
وينظر بعض الليبيين إلى الهجمات الأخيرة التي قام بها تنظيم داعش ضد المنشآت النفطية في شرق ليبيا، على أنها جزء من الضغوط التي تمارس ضد الليبيين من أجل التعجيل بتمكين حكومة السراج. كما ظهرت تفسيرات مماثلة عقب قيام المجلس البلدي في مدينة البيضاء، التي تعقد فيها جلسات الحكومة الحالية برئاسة عبد الله الثاني، بطرد الحكومة من المدينة.
وقال عبد المجيد إن ما قام به تنظيم داعش في الأيام الماضية «يأتي للضغط على الليبيين من أجل إنجاح حكومة السراج، أولا.. وثانيًا للضغط على القوات التي تحمي المنشآت النفطية». وأضاف أن «الأمر الأكيد هو الضغط على الليبيين والإيحاء لهم بأن مواجهة داعش تأتي من الدول الأجنبية، لكن الكل هنا يدرك أن دخول القوات الأجنبية سيؤدي إلى احتلال تلك القوات لحقول البترول. الشعب الليبي يعي هذه المؤامرات الغربية».
وتابع مستشار رئيس البرلمان الليبي أن «البرلمان يتعامل مع السراج كنائب فيه، وليس كرئيس للحكومة، حتى الآن. لا بد أن يأتي السراج لمجلس النواب، ويحصل على ثقة المجلس. وبعد تصويت البرلمان عليه، يقوم بتشكيل حكومته. حتى الآن هو يقوم من الخارج بعقد لقاءات وزيارات للدول ولقاء مع مسؤولين أجانب بصفته رئيس حكومة. هذا ليس من حقه».
وعن فرص حصول حكومة السراج على ثقة البرلمان قال عبد المجيد: «الآن، يوجد أكثر من 60 نائبًا وقعوا ضد هذه الحكومة، أي بعدم إعطاء الثقة لها. لكي يكسب الثقة لا بد أن يصوت له 120 نائبًا بالموافقة، على الأقل، بينما لو وقع 50 ضد الحكومة فلن تكسب الثقة»، مشيرًا إلى أن موقف رئيس البرلمان «مع الحوار، ولكنه ضد حكومة الوصاية».
وعن تفسيره لما قام به المجلس البلدي في البيضاء من طرد لحكومة الثني من المدينة، قال: «أنا مندهش من هذا الأمر، ولا أعرف كيف يحدث، لأن الثني رئيس وزراء ومنصبه أعلى من باقي المناصب المحلية. هو رئيس وزراء ومسؤول عن الحكم المحلي. ولا أعتقد أن سكان البيضاء أو أهل البيضاء لديهم عداء مع حكومة الثني». وأعرب عن اعتقاده في أن يكون ما قام به المجلس البلدي في البيضاء جزء من الضغط على الليبيين من أجل تمكين حكومة السراج وجعلها كأمر واقع.
وعما إذا كان الجيش في المنطقة الشرقية قد تأثر بالإعلان عن حكومة السراج، قال إن المنطقة الشرقية هي الأساس في ليبيا. «إذا لم تؤيد هذه المنطقة حكومة السراج فإن نجاحها سيكون مستحيلاً، لأن تاريخ ليبيا يقول إن كل تغيير سياسي يتم انطلاقًا من المنطقة الشرقية»، مشيرًا إلى أن الإطاحة بنظام القذافي تمت من المنطقة الشرقية.. «القذافي تولى السلطة في ليبيا عام 1969 انطلاقًا من المنطقة الشرقية أيضًا، عن طريق بنغازي. تأسيس ليبيا وجيش ليبيا بعد الاستقلال في بداية خمسينات القرن الماضي كان من بنغازي». وقال إن الفريق أول حفتر يصر على أن المؤسسة العسكرية لن تتدخل في السياسة. لكن حكومة السراج المقترحة «تمثل خطرًا على الجيش.. وحفتر في موقف محرج».



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.