«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

(«الشرق الأوسط») تنشر تفاصيل محاولات التنظيم المتطرف لاستمالة القبائل

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

راهن تنظيم داعش في ليبيا على قيادات وسطى تنتمي إلى مدن مصرية مجاورة للحدود، من أجل وضع أقدامه على الصحراء الغربية لنهر النيل، لكن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن لعدة أسباب من بينها فشل التنظيم في استمالة القبائل الحدودية المصرية، رغم التحاق عدد من أبنائها بـ«داعش» في درنة وسرت وبنغازي. ويسود شعور بـ«العار» بين قبائل الصحراء المصرية التي يُقتل لها أبناء يحاربون مع «داعش» داخل ليبيا، لدرجة رفضها إقامة سرادق عزاء أو تسلم جثث القتلى.
ووفقا لمعلومات من مصادر أمنية ليبية ومصرية، فإن عدد القيادات الوسطى المعروفة من أبناء المنطقة الغربية بمصر يبلغ نحو 16 رجلا، تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و30 سنة، إضافة لمئات آخرين من المقاتلين من أصول تعود للمنطقة نفسها. ومن أشهر من ينشطون في درنة قيادي يدعى جويدة شريف، وأسرته من مدينة براني التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن الحدود الليبية، وهذا الرجل في العقد الثالث من العمر.
وتضيف المصادر أن تنظيم داعش ليبيا بزعمائه من الليبيين والمصريين والأجانب، حاول التركيز على كل من ينتمي للمدن المصرية المجاورة ليبيا، لمد نشاطه إلى داخل مصر عبر حدودها الغربية، لكنه وجد عقبات كثيرة منها رفض القبائل المصرية لفكر «داعش»، ويقظة الجيش المصري والسلطات الأمنية على الحدود مع ليبيا.
ويقدر عدد زعماء «داعش» ليبيا من المصريين الكبار بنحو تسعة، وهم من محافظات حضرية منها القاهرة والإسكندرية والغربية، وليست لديهم خبرة كبيرة بالصحراء. وكان بعضهم يعمل في الخدمة النظامية بمصر قبل تقاعده وسفره لليبيا، منذ عام 2013. ويشرف هؤلاء على عمليات التدريب والتوجيه لتنشيط العناصر الداعشية التي تعود أصولها إلى مدن مرسى مطروح والضبعة وبراني ورأس الحكمة، للدفع بهم لعبور الصحراء والإعلان عن وجود التنظيم في غرب مصر.
وبحسب المصادر الأمنية فقد اضطر هؤلاء الزعماء لترك معاقل التنظيم في درنة وسرت على شواطئ ليبيا، واللجوء لمواقع صحراوية في الجنوب يسهل منها العبور إلى داخل الحدود المصرية الوعرة، حيث يوجد بين عناصر التنظيم في ليبيا، إضافة لأبناء القبائل الحدودية، مصريون آخرون من محافظات الصعيد (جنوب) والدلتا (شمال)، لكن الامتداد القبلي ووحدة اللهجة البدوية والخبرة في الدروب الصحراوية على جانبي الحدود المصرية الليبية، جعل الحظوة في أوساط دواعش ليبيا، لأبناء محافظة مطروح حتى لو لم يكونوا من أبناء القبائل.
وتسبب قتل الجيش الليبي للقيادي الداعشي المصري أبو خالد المطروحي، في أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي، في تهور زعماء من الدواعش المصريين، وقيامهم بأكبر عملية لإعادة الانتشار والتمركز، بالانسحاب إلى الجنوب. وأدت هذه العملية لاستحداث ظاهرة جديدة يطلق عليها أحد مساعدي الفريق أول خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، اسم «التجمعات الوطنية للمتطرفين».
ويضيف أن هذا يعد تحولا غريبا يوضح الأزمة التي يمر بها التنظيم بعد تضييق الخناق عليه في ليبيا، لأن «فكرة التجمعات الوطنية للدواعش تتعارض مع الفكر الداعشي العابر للحدود»، مشيرا إلى أن الضربات التي وجهها الجيش الليبي لمعاقل التنظيم المتطرف في درنة وسرت وبنغازي، إضافة إلى الضربات المصرية لمن حاولوا التسلل إلى داخل البلاد من حدود ليبيا، جعل المجموعات المصرية تتلاقى في تجمع واحد تمكن من تأسيس موقع للتمركز والتدريب، تبلغ مساحته نحو 12 كيلومترا مربعا، ومجهز عسكريا، ويقع في الصحراء في جنوب بلدة إجدابيا، وتبعهم على هذا النهج عشرات من الموريتانيين الدواعش الذين اتخذوا لهم موقعا آخر في شكل بوابات ومخيمات غرب إجدابيا بنحو مائة كيلومتر، كما أخذت الظاهرة تنتشر بين دواعش ليبيا ذوي الأصول التونسية والجزائرية.
وتقول المصادر الأمنية المصرية إن إحدى بدايات العلاقة بين المتطرفين في ليبيا ومصر كانت من خلال رجل متشدد من محافظة مطروح، وهو مسجون في سجن أبو زعبل في شمال القاهرة في الوقت الحالي، اسمه محمد عبد السميع، وأن ضابطا مفصولا من الجيش المصري ومسجونا معه أيضا، يدعى الرائد طارق أبو العزم، تواصلا من داخل السجن، بعد القبض عليهما في قضيتين مختلفتين، مع تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، عبر وسطاء مصريين من أقارب عبد السميع، في 2013، وهو التنظيم الذي يتمركز في درنة وبنغازي وتحول قادته في 2014 إلى موالاة تنظيم داعش.
وتقترن أسماء الكثير من المتطرفين، سواء في ليبيا حيث «داعش» أو في سيناء حيث تنظيم أنصار بيت المقدس الموالي له، باسم «عزبة السلام» الفقيرة والواقعة جنوب محطة السكة الحديد في مدينة مرسى مطروح. وينتمي محمد عبد السميع وشقيقه شريف (23 عاما)، الذي فر إلى «داعش» ليبيا، لهذه العزبة التي تقع على مرتفع صخري من المدينة السياحية، وتفتقر للتخطيط والتنظيم، وكان الاثنان عل علاقة قوية مع رجل ثالث من عزبة السلام أيضا ظهر فيما بعد في شريط مصور لأنصار بيت المقدس وهو يعلن أنه سيقوم بعملية انتحارية ضد قوات الجيش والشرطة في سيناء.
ويكشف أحد المصادر التي لها علاقة بحلقة المتشددين، أن منفذ عملية سيناء المشار إليها «لم يكن من أبناء قبائل مطروح ولكنه من الوافدين إليها من إحدى المحافظات المصرية الأخرى، وكان متزوجا في عزبة السلام وله أطفال، واليوم بيته خرب». لكن هذه الواقعة وهذا التشابك بين من انتقلوا من مرسى مطروح إلى سيناء أو ليبيا، يوضح إلى أي حد يوجد تواصل بين المتطرفين عبر المناطق الملتهبة في البلدين.
وفي الشهور الأخيرة رصدت أجهزة الأمن المصرية محاولات لما أصبح يعرف بـ«ولاية سيناء» المكونة أساسا من تنظيمات متطرفة، من بينها «أنصار بيت المقدس» لتنفيذ عمليات في الصحراء الغربية. واشتبكت القوات المصرية الأسبوع الماضي مع عناصر «إرهابية» مسلحة في تلك المنطقة. وتضيف المصادر أن غالبية المتطرفين الذين فروا من محافظة مطروح قاموا بذلك في أعقاب فض السلطات المصرية لاعتصام أنصار الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في القاهرة، والمعروف باسم اعتصام «رابعة العدوية».
ولجأ الكثير من المتشددين المطاردِين من السلطات، من أبناء محافظات الصعيد والدلتا لمطروح أيضا، ومنها توجهوا إلى ليبيا عن طريق متطرفين آخرين من أبناء المحافظة، من بينهم رجل يدعى عبد الله يبلغ من العمر نحو 24 عاما من عزبة السلام أيضا. ويشرف منزل أسرة عبد الله على شارع المحطة عند «مزلقان المغاربة» وهي منطقة يكثر فيها الموظفون الصغار والعمال المهاجرون من المحافظات الأخرى.
ويقول أحد أصدقائه إن عبد الله سافر إلى ليبيا منذ نحو سنة، بعد أن قام بتكفير والده. وأصبح «داعشيا»، ويعتقد أنه شارك في ذبح المصريين المسيحيين الـ21 في سرت مطلع هذا العام. ووفقا لمصادر متعددة ممن لهم علاقة بمتابعة التنظيم المتطرف، فإن عبد الله ما زال على قيد الحياة، وتوجه مع مجموعات المصريين الدواعش للتمركز في المعسكر الجديد جنوب إجدابيا، في إطار توجهات التنظيم لدخول مصر من الغرب.
وتضيف المصادر أن عبد الله «نحيل الجسد وطويل القامة، ويميل لونه إلى الاصفرار، وهو ملتح، لكنه كان حليقا وكان يدخن السجائر قبل سفره لليبيا. وهو مطلوب في مصر، مع داعشي آخر من مطروح أيضا يدعى محمود، في قضية بشأن تعليق ملصقات للتنظيم المتطرف على أسوار الساحة الشعبية وعلى مدخل مدينة مرسى مطروح في بداية عام 2014. ومنذ ذلك الوقت فر هو وزميله إلى ليبيا».
وتعود أصول والد عبد الله إلى مدينة أبو حمص الواقعة إلى الشرق قليلا من محافظة الإسكندرية، وهاجر إلى مرسى مطروح في مطلع ثمانينات القرن الماضي، للعمل معلما في المدارس لمادة الرياضيات. والوالد كان داعية أيضا ويخطب على منابر المساجد، وحكم عليه أخيرا بالسجن على يد القضاء لإدانته في الاشتراك في حرق مبان حكومية في 2013.
وتقول مصادر أخرى مقربة من أسرته إن عبد الله، المحترف في برامج الحواسب الآلية، وخريج جامعة الأزهر (متخصص في أصول الدين) كان على خلاف مع نهج والده الديني ثم قاطعه تماما وجاهر بتكفيره وانضم بعدها إلى «داعش» في ليبيا، ويعد من أبرز القيادات الوسطى في التنظيم المتطرف ممن يحاولون الدخول إلى مصر وتنفيذ عمليات داخلها.
وفي رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» أكد أحد أقاربه أن «عبد الله متزوج وزوجته في مرسى مطروح، ووالده لا يعلم عنه شيئا، لأن العلاقة بينهما مقطوعة، وهو يقوم في بعض الأحيان بالاتصال من ليبيا بشقيقيه اللذين ينصحانه بالكف عن الطريق الذي يسير فيه. إنه يسيء لنا ولا نريده».
محمود، زميل عبد الله في قضية تعليق الملصقات في مرسى مطروح، والذي فر معه إلى «داعش» ليبيا، ينتمي إلى أسرة من أصول قبلية في المدينة نفسها، وبالتحديد في منطقة «السواني» في ضاحية «علم الروم» في شرق المدينة، ويبلغ من العمر 26 سنة تقريبا، وهو خريج المعهد الفني (تعليم متوسط)، وتمكن «داعش» ليبيا من الدفع به إلى دخول مصر عدة مرات متسللا عبر الحدود «في مهام استكشافية»، كما يقول مصدر أمني في مرسى مطروح، مشيرا إلى أن محمود من الشخصيات الداعشية التي لديها القدرة على التخفي والتسلل عبر الدروب الصعبة، حيث اقتفت السلطات آثاره أكثر من مرة للقبض عليه حين دخل المدينة خلسة في الصيف.
ويقول أحد أصدقائه السابقين إن محمود «قصير القامة، وأشقر، ونحيف، وقام قبل سفره لليبيا بتكفير أسرته، وهي أسرة معروف أن لها علاقات تعاون جيدة، منذ زمن طويل، مع السلطات الأمنية على الحدود المصرية الليبية». وبحسب معلومات من مصادر كانت على علاقة بتتبع تحركات المصريين الدواعش بين جانبي الحدود، فإن تنظيم داعش ليبيا خطط، عن طريق عبد الله ومحمود، لاستهداف موقعين في مرسى مطروح في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014.. الموقع الأول هو مركز النيل للإعلام، والثاني هو مسجد التنعيم القريبان من شاطئ البحر.
وكانت قيادات دينية من محافظات مصرية تنظم ندوة لرفض فكر «داعش» في مركز النيل الذي يقع خلف مبنى ديوان محافظة مطروح المحصن والمحاط بالمدرعات والأسلاك الشائكة. وكان خط سير نفس القيادات الدينية يتضمن أداء الصلاة في مسجد التنعيم المجاور. كان من بين هذه القيادات مشايخ الدعوة السلفية، الدكتور ياسر برهامي، والشيخ شريف الهواري والشيخ شريف طه. وتسببت الإجراءات الأمنية الصارمة في عدم تمكن «داعش» من تنفيذ العملية.
ويقول مصدر كان على علاقة بعناصر «داعشية» تعود أصولها للمدينة نفسها إن خطة الاستهداف الفاشلة جرت أثناء وجود محمود في مرسى مطروح، وكان الهدف منها «الإعلان عن وجود داعش داخل الصحراء الغربية».
كما سعى «داعش»، وبحسب معلومات أمنية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، لتأسيس مركز لها قرب واحة سيوة التي تقع في عمق الصحراء جنوب مدينة مرسى مطروح بنحو 300 كيلومتر، وإلى الشرق من واحة جغبوب الليبية بنحو 60 كيلومترا. وتعد هذه المنطقة الحدودية من المناطق الهشة أمنيا، وشن فيها الطيران المصري في الأيام القليلة الماضية هجمات على قوافل للمتطرفين.
كما نفذت العناصر المتشددة في هذه المنطقة، منذ صيف العام الماضي، عمليات خاطفة على طريق الواحات جنوب سيوة، وعلى الطريق الساحلي الإسكندرية - مطروح، منها قتل 16 من قوات الجيش، وتصفية ثلاثة من رجال الشرطة، وقتل اثنين من الأجانب العاملين في البترول، أحدهما أميركي والثاني كرواتي، وذبح مصري من أبناء الصحراء لاتهامه بالتعاون مع السلطات الأمنية. ويسود اعتقاد وسط المحققين المصريين أن النشاط المتطرف الذي يظهر بين حين وآخر في الصحراء الغربية، ما زال مصدره الأساسي دواعش فارين من عمليات الجيش في سيناء.
ويقول المتحدث العسكري المصري، العميد محمد سمير، على صفحة الجيش على «فيسبوك»، بشأن العملية التي قامت بها القوات المسلحة والشرطة المدنية ضد المتطرفين في الصحراء الغربية قبل عيد الأضحى بثلاثة أيام، إنه جرى استهداف بؤرة إرهابية ومنعها من تنفيذ مخططاتها للتسلل وارتكاب عمليات إرهابية وإجرامية ضد الأهداف الحيوية والمصالح الأجنبية داخل نطاق محافظات الجمهورية خلال العيد، وأن الحملة أسفرت عن قتل عشرة من العناصر الإرهابية، وتدمير ثلاث سيارات دفع رباعي مسلحة ومخزن يحتوي على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وبرميلين من المواد الناسفة.
المعلومات الخاصة بطمع «داعش» ليبيا في سيوة والمناطق الغربية، أكدها أيضا أحد شيوخ محافظة مطروح ممن كان يحتفظ بعلاقات مع عناصر من «داعش» في سجن أبو زعبل أثناء فترة اعتقاله، مشيرا إلى أن دواعش ليبيا حاولوا الاستعانة بعناصر تنتمي للتنظيم ومن أبناء الصحراء الغربية، للبحث عن سماسرة مصريين للاتفاق معهم بغرض تسويق النفط الليبي وبيعه في السوق السوداء.
ويضيف هذا الشيخ الذي التقى أيضا خلال اعتقاله في أبو زعبل مع محمد عبد السميع، والرائد أبو العزم، أن محمود، ابن منطقة علم الروم، كان من بين من أرسلهم «داعش» لاستطلاع الأوضاع في سيوة وفي مرسى مطروح ومحاولة فتح أبواب جديدة للتواصل مع متطرفي سيناء، إضافة للبحث عن سماسرة لبيع النفط الليبي الخام وسط رجال أعمال من محافظات مطروح والقاهرة والفيوم. وتزامنت تحركات «داعش» ليبيا في الصحراء الغربية والتي جرى وأدها سريعا، مع بيان أصدره دواعش سيناء بأنهم بصدد مد تواجدهم إلى مناطق غرب البلاد.
إلا أن الشيخ نفسه يضيف قائلا إن هناك ملاحظة مهمة اكتشفها من خلال فترة تواصله مع عناصر «داعش» المصريين، وهي أنه لا يوجد لديهم إدراك لطبيعة الأوضاع الجديدة التي أصبحت عليها مصر، وما زال لديهم اعتقاد بأن البلاد في حالة فوضى أمنية كما كان الحال حين فروا من البلاد إلى ليبيا عقب عزل مرسي.
ويزيد قائلا إن الصحراء الغربية لا توجد فيها حاضنة شعبية للدواعش، ولهذا فإن من يقتل من أبناء القبائل أثناء حرب «داعش» مع الجيش الليبي، لا تقيم له قبيلته مراسم العزاء بل ترفض تسلم جثمانه من الجانب الليبي، كما أنها لا تخطر السلطات المصرية عن الواقعة، ولا تقوم حتى باستخراج شهادة وفاة له، مشيرا إلى أن الكثير من القبائل التي يلتحق أحد أبنائها بداعش، تشعر بـ«العار»، خاصة أن بعض القبائل لديها امتداد في ليبيا، وبعض أبنائها يحملون الجنسية الليبية ويحاربون الدواعش مع الجيش الوطني الليبي. وفي كثير من الأحيان يرفع أبناء القبيلة الواحدة السلاح في وجه بعضهم بعضا، كما يحدث في درنة.
وحين وصلت «الشرق الأوسط» إلى منزل الداعشي أبو خالد، لم يكن والده موجودا، وخرج مجموعة من أشقائه الأطفال لاستطلاع الأمر، بينما أجابت إحدى سيدات الدار من خلف الباب قائلة إنه لا يوجد لديها أبناء في ليبيا وإن علينا أن ننصرف من هنا. وقبل التحاقه بداعش ليبيا، كان أبو خالد، الذي يبلغ من العمر نحو 25 عاما، يعمل في محافظة مطروح مع شركات مقاولات على معدات حفر (سائق لوادر وأوناش)، وهو غير متزوج، ويبدو، وفقا لأقاربه، أن الأمور المالية لم تكن تسير معه على ما يرام، على الأقل فيما يتعلق بتحقيق الأحلام البسيطة مثل الزواج وتأسيس أسرة جديدة.
وتقول شهادات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أقارب لأبو خالد، إنه حاول قبل مقتله تجنيد أبناء عمومته، عن طريق التحدث معهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، لكن محاولاته باءت بالفشل. ويبدو أن أبو خالد كان يعتقد أنه سيتمكن من حشد مئات الشباب، وأنه سيأتي يوم لكي يفتتح المدينة لـ«داعش». ويقول ابن عم له إنه كان مصابا بالإحباط ونفاد الصبر في آخر مرة تحدث فيها معه. ويضيف: سألته.. لماذا نتقاتل؟ لا يوجد مبرر للقتل. كل شيء إلا القتل.
نفاد الصبر من أي فرصة لتحقيق نجاحات ذات شأن داخل ليبيا، والفشل في العبور إلى مصر، أصاب الكثير من القيادات الوسطى والزعامات الكبيرة لـ«داعش» بالارتباك. ويقول مصدر عسكري ليبي: يتحركون بجرأة. هذا جنون. يمكن قصفهم بالطيران بكل سهولة في وديان درنة وإجدابيا والهلال النفطي، لكن ليست لدينا قدرة معتبرة على ذلك بسبب ضعف إمكانات الجيش.
جويدة شريف الداعشي ابن مدينة براني، المقيم في درنة، له شقيق قيادي في مجلس شورى الثوار، في نفس المدينة، اسمه فتح الله، ومن المعروف أن «داعش» ومجلس الشورى يتقاتلان بضراوة منذ أشهر على بسط النفوذ في المدينة. وتقول أحدث المعلومات الواردة من درنة إن أحد الشقيقين، فتح الله، جرى اغتياله من مجموعة الشقيق الآخر، حيث تتكتم أسرته في براني، مثل أسرة أبو خالد، وغالبية أسر المتطرفين المصريين الذين يقاتلون في ليبيا، على الموضوع برمته.
ويقول أحد أقارب فتح الله في مدينة براني إنه «اغتيل منذ أسبوع في درنة على يد الدواعش الذين ينتمي إليهم شقيقه جويدة. كل منهما كان ضد الآخر. ولهم شقيق ثالث اسمه عوض وهو تاجر ترك درنة بسبب الاقتتال الدائر فيها، ولا علاقة له بالتنظيمات المتطرفة». ويضيف أن الدواعش المصريين في درنة كانوا يشعرون بهزيمة التنظيم في المدينة، ولهذا كانوا يردون بنيران كثيفة ويدمرون كل شيء، ثم بدأوا يفرون إلى باقي الدواعش المصريين في الجنوب.
ولم تنصب أسرة فتح الله في براني سرادق العزاء. وهكذا فعلت أسرة أبو خالد التي رفضت أصلا تسلم جثمان ابنها بعد مقتله على يد الجيش الليبي في منطقة هراوة قرب سرت. ويوجد منزل أسرة أبو خالد في قرية صحراوية صغيرة اسمها «كشوك عميرة» وهي تتكون من عشرات المنازل المبعثرة، وتقع إلى الشرق من مدينة مرسى مطروح بنحو 55 كيلومترا، وفيها مسجد يحمل نفس اسم القرية، كان يتردد عليه أبو خالد قبل اعتناقه للفكر المتطرف وسفره في يونيو (حزيران) الماضي للالتحاق بالدواعش في ليبيا.
وفي مقابلة مع ابن عم للقيادي أبو خالد، أكد مقتله في المعركة الكبيرة التي وقعت بين الجيش والدواعش في سرت الشهر الماضي.. «في البداية كان هجوم الجيش على سرت، وبعدها تقدم داعش إلى هرواة، وكان أبو خالد في المقدمة. الهدف كان مباغتة الجيش، وتخفيف الضغط على المقاتلين الآخرين الذين كانوا متحصنين داخل مطار القرضابية في سرت».
لكن أبو خالد قتل، وتسلم الجيش الليبي جثمانه، وطلب من والده، ويدعى عبد المالك، ثم من عمه، واسمه عبد الله، القدوم من مصر إلى ليبيا لتسلم جثته، لكن ابن عمه يقول إن الأسرة شعرت بالعار وحاولت إخفاء الأمر عن القبائل الأخرى، وخافت من المساءلة من جانب السلطات في ليبيا أو في مصر، ورفضت تسلم الجثة التي جرى دفنها بمعرفة الجيش الليبي هناك.



الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)

تواجه المنظومة التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية موجة جديدة من الانتقادات مع العام الدراسي الذي بدأته الجماعة صيفاً؛ إذ تتهم الجماعة بحصر توزيع المستلزمات المدرسية والإعانات النقدية على أتباعها وأسر قتلاها ومفقوديها في الجبهات، وإلزام المدارس الأهلية بتقديم إعفاءات دراسية للفئات نفسها.

جاء ذلك في وقت يتواصل فيه الجدل حول نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة، وسط تشكيك تربوي في معدلات النجاح المرتفعة، ومخاوف من انعكاسات تلك السياسات على العدالة التعليمية ومستقبل التعليم في اليمن.

وتأتي هذه التطورات بينما تعيش ملايين الأسر اليمنية أوضاعاً اقتصادية متدهورة، جعلت توفير الحد الأدنى من متطلبات الدراسة، من رسوم وحقائب وكتب وزي مدرسي، عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية.

مستلزمات مدرسية يخصصها الحوثيون لمصلحة أبناء عناصرهم (فيسبوك)

وبحسب مصادر تربوية، تولت ما تسمى «هيئة الزكاة» التابعة للحوثيين توزيع الحقائب المدرسية والمعونات النقدية عبر مشرفين تابعين للجماعة، وفق آلية قالت المصادر إنها منحت الأولوية لأسر المقاتلين وأتباع الجماعة، بينما استبعدت آلاف الأسر الفقيرة التي تعجز عن توفير مستلزمات الدراسة لأبنائها.

وأثار هذا الأسلوب في التوزيع حالة استياء واسعة بين أولياء الأمور والناشطين التربويين، الذين رأوا أن المساعدات التعليمية ينبغي أن تستند إلى معايير الاحتياج الإنساني، لا إلى الاعتبارات السياسية أو الانتماءات التنظيمية.

عدم المساواة

يقول إبراهيم، وهو ولي أمر في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أبناءه الثلاثة لم يحصلوا على أي دعم مدرسي رغم تسجيلهم ضمن قوائم المحتاجين، بينما شاهد توزيع الحقائب والزي المدرسي على أسر مرتبطة بالجماعة.

وأضاف أن أسرته تعاني ظروفاً معيشية صعبة، إلا أن احتياجاتها لم تؤخذ في الحسبان، معتبراً أن المبادرات الخيرية لو أشرفت بنفسها على توزيع تلك المساعدات لوصل جزء منها إلى أطفاله.

وأبدى أولياء أمور آخرون في ريف صنعاء شكاوى مماثلة، مؤكدين أن تكلفة تجهيز الأبناء للعام الدراسي تجاوزت قدراتهم المالية، في وقت اقتصرت فيه المساعدات على فئات محددة، الأمر الذي عمق شعورهم بعدم المساواة.

وفي موازاة ذلك، تحدثت مصادر إغاثية عن قيام الجهات الحوثية المختصة بالأعمال الإنسانية و«هيئة الزكاة» خلال الفترة الماضية بمصادرة كميات من الحقائب المدرسية والدفاتر والأقلام والزي المدرسي ومبالغ نقدية، كانت مخصصة من مبادرات خيرية لدعم الطلاب الفقراء مع بداية العام الدراسي.

اتهامات لجماعة الحوثي بإجبار مدارس على تجنيد الطلاب (إعلام حوثي)

كما فرضت الجماعة، وفق مصادر تربوية، على المدارس الأهلية إعفاء أبناء أتباعها وأسر قتلاها وأسر أسراها في الجبهات من الرسوم الدراسية لهذا العام، دون تقديم أي تعويضات لتلك المدارس.

وأكدت مديرة إحدى المدارس الأهلية في ضواحي صنعاء، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن إدارتها اضطرت لتنفيذ تلك التوجيهات خشية التعرض لإجراءات عقابية، مشيرة إلى أن الإعفاءات لم تشمل بقية الطلاب من الأسر الأشد فقراً، رغم احتياجهم الماس للدعم.

ويرى تربويون أن تحميل المدارس الخاصة أعباءً مالية إضافية دون تعويض يهدد استقرارها المالي، ويضعف قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

نتائج الثانوية تثير التساؤلات

بالتزامن مع الجدل حول توزيع المساعدات، أثارت نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة الحوثية نقاشاً واسعاً في الأوساط التعليمية، بعد تسجيل نسب نجاح مرتفعة ومعدلات تجاوزت 99 في المائة لعدد من الطلاب، رغم ما يشهده القطاع التعليمي من تراجع خلال سنوات الحرب.

وأعلنت وزارة التربية في حكومة الانقلاب الحوثي غير المعترف بها أن نسبة النجاح بلغت 88.12 في المائة، من أصل أكثر من 210 آلاف طالب وطالبة تقدموا للاختبارات، وهو ما عده مختصون رقماً يثير التساؤلات في ظل واقع المدارس التي تعاني نقص المعلمين، وانقطاع الرواتب، وضعف الإمكانات، وتراجع مستوى العملية التعليمية.

الحوثيون حولوا الغش إلى عادة تُمارس بشكل طبيعي (إكس)

ويعتقد تربويون أن الظروف التي يعيشها قطاع التعليم تجعل من الصعب تفسير هذا الارتفاع الكبير في نسب النجاح دون تقديم بيانات توضح آليات التصحيح والتقييم، بما يعزز الثقة في النتائج، ويبدد الشكوك التي رافقتها.

كما أبدى عدد من المعلمين استغرابهم من المعدلات المرتفعة، مؤكدين أن مستوى التحصيل العلمي الذي لمسوه خلال العام الدراسي لا يتوافق مع النتائج المعلنة، خصوصاً في ظل الغياب المتكرر للطلاب، وضعف انتظام العملية التعليمية.

اتهامات بالغش

تذهب مصادر تربوية يمنية إلى أن ارتفاع معدلات النجاح في مناطق سيطرة الحوثيين لا يعكس تحسناً في مستوى التعليم، بل يرتبط - وفق روايتها - بانتشار حالات غش جماعي في بعض المراكز الامتحانية، إلى جانب تداول إجابات نموذجية قبل الامتحانات وفي أثناء انعقادها، وهو ما تعده سبباً رئيسياً في ارتفاع النتائج.

كما اتهم ناشطون تربويون الجماعة بإسقاط نحو 25 ألف طالب من الذكور في الثانوية العامة هذا العام، معتبرين أن ذلك يأتي ضمن سياسات تهدف إلى ممارسة ضغوط على الطلاب وإغرائهم بالالتحاق في صفوفها مقابل الحصول على فرص النجاح، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تعليق من سلطات الجماعة.

طلاب في صنعاء يؤدون امتحانات الثانوية العامة (أ.ف.ب)

ويروي عدد من المعلمين أنهم رصدوا تجاوزات داخل بعض المراكز الامتحانية، بينها ضعف الرقابة والسماح بتقديم مساعدات لبعض الطلاب في أثناء أداء الاختبارات، وهو ما يرون أنه يضعف مصداقية العملية الامتحانية، ويؤثر في عدالة التقييم.

وفي إحدى الحالات، قال طالب من صنعاء إنه فوجئ بحصوله على معدل 72 في المائة، رغم تغيبه عن الدراسة معظم أيام العام الدراسي بسبب اضطراره إلى العمل لمساعدة أسرته، مؤكداً أنه لم يحضر سوى فترة الامتحانات النهائية، الأمر الذي دفعه إلى التشكيك في آلية احتساب النتائج.

وفي المقابل، أعرب عدد من الطلاب المتفوقين عن استيائهم من النتائج المعلنة، مطالبين بمزيد من الشفافية في إجراءات التصحيح وإعلان الدرجات، بما يضمن الحفاظ على حقوق الطلاب، ويعزز الثقة بشهادة الثانوية العامة.


جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، إن السلطات العسكرية أبلغت أن الناقلة صعد على متنها «أفراد غير مصرّح لهم» جنوب مدينة المكلا في اليمن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري، إنه يُعتقد أن قراصنة صوماليين صعدوا على متن الناقلة التي لم يكن على متنها فريق أمني مسلّح.


العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
TT

العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)

وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي رسائل متزامنة إلى الداخل اليمني والمجتمع الدولي، أكد فيها أنَّ الدولة في بلاده ماضية في حماية سيادتها ومصالح مواطنيها، مع التمسُّك بخيار السلام وعدم الانجرار إلى توسيع دائرة المواجهة، متهماً الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، باستغلال معاناة اليمنيين وافتعال الأزمات للهروب من استحقاقات التسوية السياسية وتقويض التهدئة القائمة منذ عام 2022.

وجاءت تصريحات العليمي في أعقاب التصعيد الأخير المرتبط بمحاولة إدخال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء خارج موافقة الحكومة الشرعية، وهي الأزمة التي أعادت التوتر إلى واجهة المشهد اليمني، وسط مخاوف من سعي الحوثيين إلى فرض وقائع جديدة بدعم إيراني، ونقل الصراع إلى مستويات أوسع، بما يهدِّد مسار التهدئة الذي رعته الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني، في تغريدات على منصة «إكس»، أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين «يمثلون روح الجمهورية»، مشدداً على أن الدولة لن تتخلى عنهم، وستواصل العمل لتخفيف معاناتهم واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام العادل، رغم ما وصفه بـ«إصرار الجماعة على تحويل معاناة المواطنين إلى ورقة سياسية تخدم أجندتها الخاصة».

وأشار إلى أن الحكومة قدمت خلال السنوات الماضية مبادرات متكررة لتخفيف معاناة اليمنيين وفتح مسارات السلام، إلا أن الحوثيين اختاروا في كل مرة التصعيد بدلاً من الانخراط في الحلول، عادّاً أن هذا السلوك يعكس نمطاً ثابتاً في إدارة الجماعة للأزمة اليمنية.

اتهامات بتقويض التهدئة

تأتي تصريحات العليمي في وقت تشهد فيه الأزمة اليمنية تصعيداً متدرجاً، يرى مراقبون أنه يستهدف تقويض حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ إعلان الهدنة الأممية في أبريل (نيسان) 2022، والتي، رغم انتهاء مدتها الرسمية، فإنَّ آثارها استمرَّت عبر تراجع العمليات العسكرية الواسعة، واستمرار الجهود الدولية للدفع نحو تسوية سياسية.

ويرى رئيس مجلس الحكم اليمني أن الجماعة الحوثية لم تتعامل مع التهدئة بوصفها فرصة لإنهاء الحرب، وإنما استغلتها لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، ثم عادت إلى سياسة خلق الأزمات كلما اقتربت من استحقاقات السلام، أو واجهت ضغوطاً داخلية وخارجية.

العليمي أكد تمسُّك الدولة بالسلام مع حماية السيادة اليمنية (سبأ)

وفي هذا السياق، شدَّد العليمي على أنَّ الحكومة لم تكن يوماً سبباً في تعطيل الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء، نافياً الاتهامات الحوثية بهذا الشأن، ومؤكداً أن السلطات الشرعية قدمت بدائل قانونية لتشغيل المطار عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، بما يكفل حقَّ جميع اليمنيين في السفر دون تمييز.

واتهم الحوثيين باحتجاز طائرات الشركة الوطنية، والاستيلاء على أموالها، والإضرار بمقدراتها، عادّاً أن الجماعة تسعى إلى استخدام المطار أداةً لفرض أمر واقع سياسي، وليس بوصفه مرفقاً عاماً يخدم المواطنين.

كما أعلن بوضوح أن الحكومة لن تسمح مستقبلاً بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية في أي مطار يمني خارج موافقة الدولة الشرعية، في تأكيد على تمسكها بممارسة صلاحياتها السيادية وفق القانون الدولي.

رسائل للداخل... وتحذير من إيران

في موازاة رسائله السياسية، وجَّه العليمي نداءً مباشراً إلى القبائل اليمنية وإلى الأسر في مختلف المحافظات، دعاهم فيه إلى عدم السماح للحوثيين باستقطاب أبنائهم والزج بهم فيما وصفها بـ«الحروب العبثية» التي لا تخدم مستقبل اليمن، مؤكداً أن الجمهورية قامت لحماية كرامة جميع اليمنيين، وأن الانحياز لمشروع الدولة هو الطريق إلى الأمن والاستقرار وسيادة القانون.

وأكد أن الدولة ستواصل، عبر مؤسساتها وقواتها المسلحة، أداء واجبها الدستوري في حماية السيادة الوطنية وصون مصالح المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نهج مسؤول يجنِّب البلاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع تخدم أهداف الأطراف الداعمة للحوثيين.

لقاء العليمي مع القائم بأعمال السفير الأميركي تناول التصعيد الحوثي (سبأ)

وخلال استقباله القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن، جوناثان بيتشا، أشاد العليمي بالشراكة مع الولايات المتحدة ودورها في دعم أمن اليمن ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية، كما ثمن موقف المجتمع الدولي خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، التي أدانت الانتهاكات الإيرانية لسيادة اليمن، وحملت طهران مسؤولية دعم الحوثيين، في مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216.

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تعامل الحكومة مع التطورات الأخيرة انطلق من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بصفتها عضواً في الأمم المتحدة، مؤكداً أن قرار ضبط النفس وعدم توسيع المواجهة لم يكن تراجعاً عن السيادة، بل إنه تعبير عن مسؤولية الدولة وحرصها على حماية المدنيين، ومنع انزلاق البلاد إلى صراع يخدم الأجندة الإيرانية.

وقال إن الفارق واضح بين دولة تلتزم بالقانون الدولي وتحاول تجنب تعريض المدنيين للخطر، وبين جماعة مسلحة لا تتردد في استخدام السكان دروعاً بشرية، وتوظيف المؤسسات المدنية لخدمة أهدافها العسكرية والسياسية.

وفي تقييمه لمسار الأزمة، عدَّ العليمي أن قراءة سلوك الحوثيين خلال السنوات الماضية تكشف اعتمادهم سياسةً ثابتةً تقوم على الهروب من استحقاقات السلام عبر افتعال أزمات خارجية، وتحويل الأنظار عن جوهر القضية اليمنية، بما يسمح لهم بابتزاز المجتمعَين الإقليمي والدولي، وفرض وقائع جديدة بالقوة.

وأكد أنَّ هذا النهج لن يغيِّر حقيقة الصراع، ولن يحجب أي سلام مستدام يبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والالتزام بالمرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، مجدداً تأكيده أنَّ يد الدولة ستظل ممدودة لكل مسعى صادق يفضي إلى سلام عادل ينهي الحرب ويصون كرامة اليمنيين، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنَّ حماية السيادة الوطنية ستظل مسؤوليةً لا يمكن التهاون فيها.