مراجعات علمية لعلاقة تناول القهوة بارتفاع ضغط الدم

فوائد جديدة لمشروب شعبي شائع

مراجعات علمية لعلاقة تناول القهوة بارتفاع ضغط الدم
TT

مراجعات علمية لعلاقة تناول القهوة بارتفاع ضغط الدم

مراجعات علمية لعلاقة تناول القهوة بارتفاع ضغط الدم

ضمن عدد فبراير (شباط) من «مجلة ارتفاع ضغط الدم البشري»، (Journal of Human Hypertension)، عرض باحثون من الولايات المتحدة والصين مراجعة عملية لتحليل نتائج الدراسات الطبية التي تناولت العلاقة بين تناول القهوة وارتفاع ضغط الدم. وتأتي نتائج هذه الدراسة العلمية لتأكيد أن الاعتدال في شرب القهوة عامل إيجابي مساعد في عدم التسبب بمرض ارتفاع ضغط الدم، وهو ما يُضاف إلى جملة الفوائد الصحية لشرب القهوة التي تتبين تباعاً من نتائج الدراسات الطبية التي تم إجراؤها خلال العقد الماضي.
وقال الباحثون من جامعة جورجيا بالولايات المتحدة وجامعة تشنغتشو في الصين في مقدمة الدراسة، إنه لا تزال ثمة بعض النقاشات حول ارتباط استهلاك القهوة مع احتمالات خطورة الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وهو ما دفع الباحثين إلى إجراء هذه المراجعة التحليلية لنتائج الدراسات السابقة التي بحثت في هذا الموضوع. وقال الباحثون: «لم نجد أي دليل حول علاقة تناول القهوة بنشوء الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم، ووجدنا أن احتمالات خطورة إصابة الشخص بمرض ارتفاع ضغط الدم تنخفض بنسبة اثنين في المائة مع كل كوب من القهوة يتم تناوله خلال اليوم، وهذا الانخفاض زاد مع زيادة تناول أكواب القهوة من كوبين إلى 4 إلى 6 إلى 8، وذلك بالمقارنة مع الأشخاص الذين لا يتناولون القهوة».

القهوة وضغط الدم

وخلص الباحثون إلى القول: «توفر لنا هذه المراجعة العلمية التحليلية أدلة كمية على أن استهلاك القهوة يرتبط عكسياً مع خطر الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم بطريقة الجرعة والاستجابة «Dose–Response Manner».
وتأتي نتائج هذه الدراسة متناغمة مع نتائج دراسة الباحثين من كلية الطب بجامعة كولورادو التي تم عرضها ضمن فعاليات مؤتمر «رابطة القلب الأميركية»، (American Heart Association)، الذي عُقد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بكاليفورنيا، والتي لاحظ الباحثون فيها أن الأشخاص الذين يشربون القهوة تقل لديهم احتمالات الإصابة بضعف فشل القلب (Heart Failure) بنسبة 8 في المائة، وتقل لديهم احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية (Stroke) بنسبة 7 في المائة، وذلك بالمقارنة مع الأشخاص الذين لا يشربون القهوة.
كما لاحظت دراسات طبية أخرى، مثل دراسة الباحثين من جامعة هارفارد، والمنشورة ضمن عدد نوفمبر 2015 من «مجلة الدورة الدموية»، (Journal Circulation)، لسان «رابطة القلب الأميركية»، أن شرب القهوة بشكل يومي، وبكمية أقل من 5 أكواب في اليوم، وسواء كانت القهوة طبيعية أو منزوعة الكافيين، يُقلل من احتمالات الوفاة بسبب أمراض القلب، وأيضاً يُقلل من احتمالات الوفاة بسبب مرض السكري والأمراض العصبية لدى غير المدخنين، ولذا أكد الباحثون أن شرب القهوة يُمكن اعتباره جزءاً من مكونات التغذية الصحية المتوازنة. وشمل الباحثون في مراجعتهم العلمية هذه أكثر من 210 آلاف شخص تمت متابعته لنحو 30 عاماً.
وكان الباحثون من جامعة هارفارد قد نشروا دراسة مراجعة لتناول القهوة وتأثيراتها طويلة الأمد على صحة القلب، وذلك ضمن عدد فبراير (شباط) 2014 من «مجلة الدورة الدموية»، وقالوا في مقدمتها: «منذ عام 2000، تم بشكل متكرر دراسة العلاقة بين شرب القهوة وأمراض الشرايين والقلب المزمنة، مثل السكتة الدماغية وفشل القلب والوفيات بسبب أمراض القلب. ووجدنا في دراستنا هذه أن الاستهلاك المعتدل للقهوة يرتبط عكسياً وبشكل كبير مع خطورة احتمالات الإصابة بالأمراض القلبية وأمراض الأوعية الدموية، وأن تحقيق أدنى احتمال لخطورة الإصابة بالأمراض القلبية والوعائية يكون بتناول كمية معتدلة من القهوة، أي ما بين 3 و5 أكواب، في اليوم. والاستهلاك الثقيل للقهوة لم تكن له علاقة بارتفاع خطورة الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية».

بين الفائدة والضرر

والقهوة من أكثر المشروبات المستهلكة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، وبالتالي فإن إجراء البحوث والدراسات الطبية حول مدى ارتباط تناولها بمخاطر احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة، له آثار مهمة على الصحة. ودراسة العلاقة بين استهلاك مشروب البن وخطر الإصابة بأمراض القلب التاجية تمت لأول مرة في ستينات القرن الماضي، وذلك بالنظر إلى انتشار شرب القهوة وارتفاع الإصابات بأمراض القلب التاجية. وبالمراجعة التاريخية لتسلسل الاهتمام الطبي بعلاقة شرب القوة بأمراض القلب، نجد أنه كانت هناك بعض الدراسات قديمة وقصيرة المدى قد لاحظت أن تناول الكافيين يزيد بشكل مؤقت من عدم انتظام ضربات القلب ويزيد من نشاط مركبات الرينين في الدم وتركيزات مواد الكاتيكولامين، ما قد يعني ارتفاع احتمالات الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم.
كما لاحظت دراسات أخرى أن ثمة علاقة بين طريقة تحضير مشروب القهوة ونسبة الكولسترول في الدم، وتحديداً بين طريقة مزج مطحون البن مع الماء المغلي، كما في طريقة إعداد القهوة التركية والفنلندية، وطريقة ترشيح الماء عبر مطحون البن، كما في الطريقة الفرنسية والأميركية أو طريقة «إسبريسو» الإيطالية، وهو الأمر الثاني الذي أثار احتمالات وجود علاقة سلبية بين شرب القهوة والإصابة بأمراض القلب. ولكن مع مرور الوقت، خصوصا الدراسات الطبية التي تم إجراؤها بعد عام 2000، أظهرت نتائج كثير من الدراسات تلك أن ثمة علاقة إيجابية مفيدة صحياً لتناول مشروب القهوة مع حالات مرضية عدة في الجسم.
ويشير الدكتور دونالد هنسرود، استشاري الطب الوقائي والتغذية وطبيب أمراض الغدد الصماء في «مايو كلينك» بالولايات المتحدة، إلى أن الدراسات الحديثة لم تثبت أن ثمة علاقة بين شرب القهوة وارتفاع خطورة احتمالات الإصابة بأمراض القلب أو السرطان. وقال: «في الحقيقة وجدت بعض الدراسات الطبية أن تناول القهوة بشكل معتدل يُقلل من الوفيات، خصوصا الوفيات بسبب أمراض القلب». وأضاف: «لماذا هناك تغير واضح في التفكير الطبي حول القهوة؟ الجواب هو أن الدراسات الحديثة أظهرت أن شرب القهوة له فوائد صحية، مثل الوقاية من الإصابة بمرض باركنسون العصبي ومرض السكري وأمراض الكبد وسرطان الكبد، وأيضاً تحسين الوظائف الدماغية الإدراكية وخفض احتمالات الإصابة بالاكتئاب، ومع ذلك يرتبط تناول القهوة غير المرشحة، مثل المغلية بالبن، بارتفاع طفيف في مستويات الكولسترول». وشدد على أن فوائد القهوة تلك هي عند تناول القهوة وليس السكر الذي يُضيفه البعض إليها، وبكميات عالية.
وتذكر المصادر الطبية أن تناول كمية أقل من 400 مليغرام من الكافيين في اليوم الواحد هو أمر آمن لغالبية الناس، أي الذين ليس لديهم حساسية من الكافيين تتسبب لهم بالخفقان واضطراب نبض القلب وتتسبب لهم بالأرق. وكمية 400 ملليغرام من الكافيين توجد في 4 أكواب من القهوة، بحجم نحو 250 مليلتر للكوب. ورغم أن الكافيين آمن للتناول للبالغين، إلا أن الأمر ليس كذلك لدى الأطفال أو الحوامل.

* تحميص القهوة... تأثيرات مختلفة على مكونات حبوب البن

> حبوب القهوة ثمار لأشجار برية في الأصل، ورغم وجود 25 نوعاً من أشجار البن، فإن نوع «روبيستا» والنوع العربي هما الأكثر شيوعاً في إنتاج القهوة عالمياً. وحبوب البن من النوع العربي أقل احتواءً على الكافيين.
وحبوب القهوة تحتوي على أكثر من 1200 مركب كيميائي؛ قابلة للتفاعل بعضها مع بعض، بفعل ارتفاع تعرضها لدرجات الحرارة العالية، وخلال عملية التحميص (Roasting Process) يحدث عدد من التغيرات الكيميائية والفيزيائية داخل حبوب البن الخضراء الجافة. وبشيء من التوضيح، تعمل الحرارة على إحداث مرحلتين من التحلل الحراري في مكونات حبوب البن، ومن ثم تظهر النكهة المميزة لحبوب القهوة المحمصة بناء على تغير لونها وطعمها ورائحتها وكثافتها ودرجة حموضتها ومحتواها من الكافيين وسهولة استفادة الجسم من المركبات الكيميائية الموجودة فيها كالمواد المضادة للأكسدة.
وكلما زادت درجة تحميص حبوب القهوة، قلّت كمية الكافيين فيها، ولذا، فإن القهوة العربية التي يتم إعدادها من مطحون حبوب البن التي تعرضت لدرجة متوسطة من التحميص، تحتوي كمية كافيين أعلى من مشروب القهوة الذي يُعد من حبوب البن غامقة اللون والتي تم تحميصها بشكل أكبر. كما أن حموضة القهوة تنخفض كلما زادت درجة التحميص.
وهناك نوعان من التفاعلات فيما بين السكريات النشوية والبروتينات ضمن مكونات حبوب البن. التفاعل الأول هو تفاعل «الكاراميل»، (Caramelization Reaction) بين السكريات النشوية والسكريات النشوية الأخرى ضمن مكونات حبوب البن. وهناك تفاعل «ميللارد»، (Maillard Reaction) فيما بين السكريات النشوية والبروتينات بفعل الحرارة، وهو الذي يُحرر المواد المضادة للأكسدة ويُضفي على حبوب البن نكهة مميزة. ولذا فإن زيادة تحميص القهوة يُحرر المواد المضادة للأكسدة بشكل أكبر، ويجعل من السهل على الأمعاء امتصاصها، وبالتالي استفادة الجسم منها.

* استشارية في الأمراض الباطنية


مقالات ذات صلة

«التهاب الفقار اللاصق»... إشارات مبكرة وتشخيص متأخر

صحتك «التهاب الفقار اللاصق»... إشارات مبكرة وتشخيص متأخر

«التهاب الفقار اللاصق»... إشارات مبكرة وتشخيص متأخر

ليس كل ألمٍ في الظهر مجرد إجهادٍ عابر، ولا كل تيبّسٍ صباحي نتيجة قلة حركة، أو نوم غير مريح؛ فخلف هذه الأعراض البسيطة قد يختبئ مرضٌ مزمن يتسلل ببطء

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك الالتهاب... خطر كامن يرتبط بأمراض القلب

الالتهاب... خطر كامن يرتبط بأمراض القلب

أفاد بيان علمي أصدرته «الكلية الأميركية لأمراض القلب» (American College of Cardiology) عام 2025، بأن الأدلة التي تربط الالتهاب بأمراض القلب

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك  يلعب النظام الغذائي دوراً مهماً في دعم صحة المفاصل حيث يمكن لبعض الأطعمة المساهمة بتقليل الالتهاب وتحسين وظيفة الغضاريف (بيكسباي)

ما أفضل الأطعمة الطبيعية لدعم مرونة المفاصل؟

تُعدّ مرونة المفاصل عنصراً أساسياً للحفاظ على الحركة اليومية والوقاية من الألم والتيبّس خصوصاً مع التقدّم في العمر أو عند ممارسة نشاط بدني مكثّف

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تناول كميات كبيرة من الألياف دفعة واحدة قد يسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي (بيكسلز)

أفضل وقت لتناول الألياف لتحسين الهضم

قال موقع «توداي» إن الألياف تعدّ مهمة للصحة، لكن معظم الناس لا يحصلون على الكمية الكافية منها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يرتبط تناول نظام غذائي غني بالبروتين بعدد من الفوائد الصحية (بيكسباي)

ما قاعدة «اختر 4» البسيطة لتناول 100 غرام بروتين يومياً؟

تتيح قاعدة «اختر 4» تناول 100 غرام بروتين يومياً بسهولة عبر 4 وجبات متوازنة دون حسابات معقدة، ما يدعم الصحة والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حليب الأم يحقق «التوازن البكتيري»

حليب الأم يحقق «التوازن البكتيري»
TT

حليب الأم يحقق «التوازن البكتيري»

حليب الأم يحقق «التوازن البكتيري»

على الرغم من وجود آلاف الدراسات التي توضح الفوائد المتعددة للرضاعة الطبيعية فإن هذه الفوائد تبدو غير منتهية، حيث أظهرت دراسة حديثة أعدّها فريق بحثي من عدة جامعات أوروبية مثل جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة وجامعة فيينا في النمسا، أن السكريات الموجودة بشكل حصري في لبن الأم تساعد في الحفاظ على التوازن البكتيري في أمعاء الرضع.

تعزيز «التعايش البكتيري»

هناك نوعية معينة من البكتيريا يمكن عدّها «متعايشة»، بمعنى أنها تعيش بشكل طبيعي في الأمعاء. وهي لا تتسبب في الأغلب بأي مشكلات صحية ما دامت أعدادها منخفضة، بل يمكن أن تكون لها فوائد في بعض الأحيان. ولكن في ظروف معينة، يمكن أن تسبب مشكلات صحية متعددة في الجهاز الهضمي.

ومن جهة أخرى هناك نوعية أخرى «مفيدة» تساعد في عملية الهضم وتقوّي المناعة وتُعد جزءاً أساسياً من ميكروبيوم الأمعاء الصحي.

وأوضح الباحثون أن هذه الدراسة التي نُشرت في مجلة «نتشر كوميونيكيشنز» (Nature Communications) في النصف الثاني من شهر أبريل (نيسان) من العام الحالي، تُعد الأولى من نوعها التي توضح الكيفية التي يحافظ بها الرضع الذين يرضعون رضاعة طبيعية على توازن وتعايش مفيد بين البكتيريا المتعايشة (E.coli) والبكتيريا المفيدة (Bifidobacterium) في الأمعاء، مما يضمن عدم حدوث مشكلات صحية من البكتيريا المحايدة وتحولها إلى الشكل المرضي.

واستخدم الباحثون تقنية التسلسل العميق للحمض النووي لتحليل عينات براز أُخذت من 41 رضيعاً سليماً وأمهاتهم أيضاً في هولندا، وذلك لتحديد الأنواع المختلفة للميكروبات الموجودة في أمعاء الرضع وكيفية تفاعل بعضها مع بعض، وأيضاً تفاعلها مع مصادر الغذاء الأخرى التي تصل إلى الأمعاء لتُمتص.

ودرس الفريق البحثي الكيفية التي يتم من خلالها التعاون بين أنواع البكتيريا المختلفة للحفاظ على بيئة صحية في أمعاء الرضع، حيث تكسّر البكتيريا المفيدة السكريات المعقّدة الموجودة في لبن الأم وتحوّلها إلى سكريات بسيطة، تتغذّى عليها البكتيريا المتعايشة، وفي المقابل تنتج «البكتيريا المتعايشة» حمض السيستين (cysteine) الأميني، وهو ضروري لتكوين البروتين اللازم لنمو «البكتيريا المفيدة»، وهكذا.

وأكد العلماء أن هذا التبادل الغذائي بين البكتيريا المتعايشة والمفيدة يساعد في الحفاظ على مستويات منخفضة ومستقرة من البكتيريا المتعايشة، تضمن عدم تزايد أعدادها وحدوث خلل في التوازن الميكروبي يهدد صحة الرضيع؛ لأن العدوى بهذا النوع من البكتيريا تتسبب في حدوث نزلة معوية شديدة، ومن أهم أعراضها وجود إسهال يمكن في بعض الأحيان أن يكون مصحوباً بدماء، وارتفاع في درجة الحرارة.

نمو ميكروبيوم الأمعاء

بالإضافة إلى تحجيم دور البكتيريا المتعايشة، يعمل التبادل الغذائي أيضاً على توفير بيئة غنية بالبكتيريا المفيدة في المراحل المبكرة من الحياة، وهو أمر ضروري لنمو الرضع بشكل صحي، وينعكس بالإيجاب على أجهزتهم الهضمية، ويساعد على تقوية الجهاز المناعي أيضاً.

ويسلط هذا التبادل الغذائي بين أنواع البكتيريا المختلفة الضوء على إمكانية تحويل البكتيريا المتعايشة إلى أخرى مفيدة، من خلال الحرص على الرضاعة الطبيعية، لأنه تبعاً للنتائج، يمكن أن تسهم البكتيريا المتعايشة في نمو ميكروبيوم الأمعاء ونضج الجهاز المناعي، بدلاً من كونها مجرد وجود ضار كما كان يُعتقد في الأغلب.

أوضح الباحثون أن الرضاعة الطبيعية هي الآلية التي تحدث من خلالها هذه العلاقة التكافلية التي يدعم فيها كل نوعية من البكتيريا الأخرى.

وبالتالي تلفت الرضاعة النظر إلى أن كلتيهما قد تكون ضرورية للتعايش الصحي، خصوصاً أن هذا الأمر يُعد أمراً بالغ الأهمية في المراحل المبكرة من الحياة، لأن البكتيريا المفيدة لها دور محوري في نمو الرضع، وفي المقابل تعمل البكتيريا المتعايشة على تهيئة بيئة منخفضة الأكسجين في الأمعاء، وهو أمر مفيد للبكتيريا النافعة الأخرى.

درس الفريق البحثي أيضاً الكيفية التي تنتقل بها سلالات البكتيريا المختلفة إلى أجسام الرضع، حيث كشف التسلسل الجيني عن وجود العديد من سلالات البكتيريا المفيدة المشتركة بين الأمهات والرضع، تنتقل من الأم إلى الجنين في البداية داخل الرحم، ثم بعد ذلك في أثناء عملية الرضاعة.

وتقوم هذه البكتيريا بوظائف مهمة جداً في الحفاظ على الجهاز الهضمي سليماً، كما تقوي المناعة.

كما وجدت الدراسة أن سلالات البكتيريا المتعايشة في الأغلب تأتي من خارج الأسرة، لكنها تستمر في جسم الرضيع مع مرور الوقت، وقال الباحثون إن تحديد مصدر سلالات البكتيريا المفيدة والبكتيريا المتعايشة يُعد أمراً بالغ الأهمية.

وأكد الباحثون أن فهم الكيفية التي يحصل بها الطفل على مستعمرات البكتيريا في جسمه، سواء المفيدة أو المتعايشة، والعمل على زيادة أعداد البكتيريا المفيدة وتقليل أعداد البكتيريا المتعايشة، يساعد في الحفاظ على صحة الرضيع.

ويمكن زيادة أعداد البكتيريا المفيدة، ومن ثم تقليل أعداد المتعايشة بشكل غير مباشر من خلال التحكم في غذاء الأم التي تقوم بالرضاعة الطبيعية، والحرص على أن تتناول أغذية غنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي. وأوضحت الدراسة أن هذه النتائج سوف تساعد الباحثين حول العالم في تغيير الطريقة التي يفكرون بها في الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي للرضع، بحيث يحرصون على خلق توازن ميكروبي بين البكتيريا المفيدة والمتعايشة.

وبناءً على هذه النتائج يمكن تطوير علاجات جديدة تحتوي على البكتيريا المتعايشة والمفيدة، مثل المكملات الغذائية الخاصة بالرضع أو الألبان الصناعية بالنسبة للذين لا يرضعون رضاعة طبيعية، بدلاً من الاستبعاد الكامل للبكتيريا المتعايشة.

* استشاري طب الأطفال


أداة جديدة لتحديد من يحتاج إلى حقن إنقاص الوزن حتى قبل الإصابة بالسمنة

من أدوية السمنة الشائعة «ويجوفي» و«زيب باوند» (رويترز)
من أدوية السمنة الشائعة «ويجوفي» و«زيب باوند» (رويترز)
TT

أداة جديدة لتحديد من يحتاج إلى حقن إنقاص الوزن حتى قبل الإصابة بالسمنة

من أدوية السمنة الشائعة «ويجوفي» و«زيب باوند» (رويترز)
من أدوية السمنة الشائعة «ويجوفي» و«زيب باوند» (رويترز)

ظهرت أداة علمية جديدة صمّمت للتنبؤ بالأشخاص الذين يواجهون خطراً كبيراً للإصابة بمضاعفات خطيرة مرتبطة بالسمنة.

ويشير العلماء القائمون على هذه الأداة إلى أنها يمكن أن تكمل عمل «مؤشر كتلة الجسم» التقليدي، وتقدم طريقة أكثر دقة لتحديد الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بأمراض مثل السرطان وداء السكري من النوع الثاني. ويمكن أن يؤدي هذا الاستشراف إلى مراقبة مبكرة، وتدخلات استباقية، بما في ذلك حقن إنقاص الوزن، وفي النهاية إلى تحسين صحة كثيرين.

وتعاون أكاديميون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة، لإنشاء هذه الأداة للتنبؤ بالمخاطر، بهدف مساعدة الأطباء في وضع استراتيجيات تحديد أولويات لمن هم الأكثر استفادة من تدخلات إنقاص الوزن، وفقاً لموقع «إندبندنت».

استخدمت بيانات واسعة من 200 ألف شخص في منتصف العمر شاركوا في دراسات البنك الحيوي البريطاني لتطوير الأداة. وحلّل الباحثون أكثر من ألفين من العوامل الصحية، تتراوح بين قياسات بسيطة مثل العمر والجنس، وصولاً إلى مؤشرات حيوية دموية معقدة.

فحص الباحثون معلومات أشخاص تبلغ درجة مؤشر كتلة الجسم (BMI) لديهم 27 أو أكثر، ما يعني أنهم يصنفون ضمن فئة زيادة الوزن، وليس المصابين بالسمنة.

رجل يعاني من السمنة (رويترز)

وقالوا إنهم أرادوا إدراج هؤلاء الأشخاص في الدراسة لأن بعضاً ممن يعانون من زيادة الوزن قد تكون لديهم دهون زائدة في الجسم يمكن أن تؤدي إلى «مضاعفات استقلابية دراماتيكية».

استُخدمت بيانات هؤلاء المشاركين لوضع نموذج، وتحسينه بدقة، والتحقق من صحة النتائج.

وحدّد بحثهم، الذي نُشر في مجلة «نيتشر ميديسن»، 20 مقياساً صحياً يمكن استخدامها للتنبؤ بـ18 من المضاعفات المختلفة المرتبطة بالسمنة.

وتبين أن الأداة التي طوّروها، والتي سُميت «أوبسكور»، تؤدي أداءً جيداً في التنبؤ بجميع هذه النتائج الـ18، وتم اختبارها مقابل بيانات من دراسات أخرى.

وهي تصنف الأشخاص إلى مجموعات منخفضة وعالية الخطورة. وقال الباحثون إنهم أرادوا فحص درجات مؤشر كتلة الجسم لأولئك الموجودين في المجموعة الأعلى خطورة.

وأوضح الطبيب كامل ديمركان من جامعة كوين ماري في لندن: «لقد لاحظنا بالفعل أن نسبة كبيرة من الأفراد كانوا يعانون من زيادة الوزن بدلاً من السمنة».

وتابع: «هؤلاء يشكلون مجموعة من الأفراد الذين قد يتم تجاهلهم إذا نظرنا إلى مؤشر كتلة الجسم فقط دون غيره من عوامل الخطر».

قال المؤلف المشارك في تطوير الأداة نيك وارهام، المدير المشارك لمعهد العلوم الأيضية بجامعة كامبريدج: «لأول مرة في مسيرتي السريرية، لدينا بالفعل علاجات فعّالة للسمنة، ولكننا نعمل في سياق هيئة الصحة البريطانية التي تمتلك موارد محدودة، لذا نحن بحاجة إلى آليات دقيقة وعادلة لتخصيص تلك الموارد».

وأضاف: «بالنسبة لعلاجات مثل سيماغلوتايد، فإن عتبة الوصفة الطبية تعتمد بشكل أساسي على مؤشر كتلة الجسم».

وتابع: «أما بالنسبة لتيرزيباتايد، فالأمر مختلف بالفعل، لأنه يعتمد على مؤشر كتلة الجسم، بالإضافة إلى أدلة على وجود مشاكل صحية مرتبطة بالوزن».

ورأى أن تطوير الأداة هو «خطوة في رحلة نعتقد أننا بحاجة إلى المضي قدماً فيها بشأن كيفية تطوير عملية اتخاذ القرار بشأن علاجات إنقاص الوزن».

وقالت المؤلفة الرئيسية، البروفيسور كلوديا لانغنبرغ، مديرة معهد أبحاث الجامعة للرعاية الصحية الدقيقة في جامعة كوين ماري بلندن: «مع تأثير السمنة على نسبة متزايدة من سكان العالم، أصبحت الوقاية من مضاعفاتها الصحية طويلة الأجل تحدياً كبيراً لأنظمة الرعاية الصحية».

واختتمت: «يظهر عملنا كيف يمكن استخدام البيانات الصحية واسعة النطاق لتطوير أطر تعتمد على البيانات وتحدد الأفراد الأكثر عرضة لخطر تطوير المضاعفات، وقد تساعد في دعم مزيد من النهج القائمة على تقييم المخاطر لإدارة السمنة».


«التهاب الفقار اللاصق»... إشارات مبكرة وتشخيص متأخر

شعار اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق 2026
شعار اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق 2026
TT

«التهاب الفقار اللاصق»... إشارات مبكرة وتشخيص متأخر

شعار اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق 2026
شعار اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق 2026

ليس كل ألمٍ في الظهر مجرد إجهادٍ عابر، ولا كل تيبّسٍ صباحي نتيجة قلة حركة، أو نوم غير مريح؛ فخلف هذه الأعراض البسيطة قد يختبئ مرضٌ مزمن يتسلل ببطء، ويترك أثره على العمود الفقري عاماً بعد عام، حتى يقيّد الحركة، ويغيّر ملامح الجسد.

وقبيل حلول اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق World Ankylosing Spondylitis Day، الذي يُصادف، يوم غدٍ، السبت الأول من شهر مايو (أيار) من كل عام، تتجدد الدعوة للتوقف عند هذا المرض الذي يبدأ بصمت... لكنه قد يغيّر مسار الحياة. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نسبة انتشاره تتراوح بين 0.1 و0.5 في المائة، مع اختلافات جغرافية ملحوظة، ما يجعله من الأمراض المزمنة غير النادرة، لكنه في الوقت ذاته من أكثرها عرضة للتأخر في التشخيص.

شعار اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق 2026

وفي هذا السياق، يقود الاتحاد الدولي لالتهاب المفاصل الفقارية المحورية Axial Spondyloarthritis International Federation جهوداً توعوية عالمية للحد من فجوة التشخيص التي قد تمتد في المتوسط إلى ما بين 5 و10 سنوات، وهي فترة كفيلة بإحداث تغيرات هيكلية في العمود الفقري قد تصبح غير قابلة للعكس إذا لم يُكتشف المرض في مراحله المبكرة.

التهاب الفقار اللاصق

يُعدّ التهاب الفقار اللاصق (Ankylosing Spondylitis) أحد أمراض الالتهاب المزمن التي تصيب العمود الفقري والمفاصل العجزية الحرقفية (Sacroiliac joints)، وينتمي إلى طيف أوسع يُعرف باسم التهاب المفاصل الفقارية المحورية (Axial Spondyloarthritis - AxSpA)، مسبباً آلاماً مزمنة، وشديدة، وعدم الراحة. وفي الحالات الأكثر تقدماً، يمكن أن يؤدي هذا الالتهاب إلى التصلب (ankylosis)، وهو تكوين عظام جديدة في العمود الفقري، ما يؤدي إلى اندماج أجزاء من العمود الفقري في وضع ثابت، وغير متحرك.

يبدأ المرض عادةً بالتهاب في الأنسجة الرابطة، قبل أن يتطور، في نسبة من المرضى، إلى التحام الفقرات (Spinal fusion)، وهي حالة تؤدي إلى فقدان المرونة الحركية تدريجياً، وقد تُفضي إلى ما يُعرف بـ«العمود الفقري الخيزراني» (Bamboo spine)، وهو وصف شعاعي كلاسيكي موثق في الأدبيات الطبية (Nature Reviews Rheumatology, 2022).

يمكن أن يسبب التهاب الفقار اللاصق أيضاً التهاباً وألماً وتيبساً في مناطق أخرى من الجسم مثل الكتفين، والوركين، والأضلاع، والكعبين، والمفاصل الصغيرة في اليدين والقدمين. في بعض الأحيان يمكن أن تتأثر العينان (تُعرف هذه الحالة باسم التهاب القزحية أو التهاب العنبية)، وفي حالات نادرة يمكن أن تتأثر الرئتان، والقلب.

ومن الحقائق المهمة عن المرض أنه:

-يبدأ في سن مبكرة: بين 17 و45 عاماً في الغالب، ما يجعله مرضاً يؤثر على الفئة الأكثر إنتاجية.

-قد يؤثر على العين: التهاب القزحية (Uveitis) يحدث لدى ما يقارب ثلث المرضى.

-الرجال أكثر عرضة: بنسبة تصل إلى 2:1 مقارنة بالنساء.

-قد يغيّر القوام: نتيجة التحدّب (Kyphosis) في الحالات المتقدمة.

-التدخين عامل مُفاقِم: يرتبط بزيادة شدة المرض، وتراجع الاستجابة للعلاج.

منشأ المرض وأعراضه

• منشأ المرض. ينشأ المرض نتيجة خلل معقد في الجهاز المناعي (Autoimmune/Autoinflammatory process)، حيث تتداخل العوامل الوراثية والبيئية في تحفيز الالتهاب المزمن. ويُعد الجينHLA-B27 أحد أبرز عوامل الاستعداد الوراثي، إذ يوجد لدى 85-90 في المائة من المرضى، رغم أن حامليه لا يصابون جميعاً بالمرض.

ووفقاً لتقرير نشر في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية (New England Journal of Medicine, 2021) فإن السيتوكينات الالتهابية، مثل TNF-α و IL-17، تلعب دوراً محورياً في استمرار العملية الالتهابية، وهو ما شكّل الأساس لتطوير العلاجات البيولوجية الحديثة.

ومن الملاحظ أن المرض يبدأ غالباً قبل سن 40، ويصيب الرجال بمعدل يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف النساء، ويرتبط بعوامل بيئية، مثل التدخين الذي يزيد من شدة النشاط الالتهابي.

• الأعراض والعلامات السريرية. تبدأ الأعراض بشكل تدريجي وخادع، وغالباً ما يتم الخلط بينها وبين آلام الظهر الميكانيكية. ومن أبرزها:

- ألم مزمن في أسفل الظهر يستمر لأكثر من 3 أشهر.

- تيبّس صباحي يتجاوز 30 دقيقة.

- تحسن الألم مع الحركة، وتفاقمه مع الراحة.

- ألم في المفاصل العجزية الحرقفية.

- محدودية حركة العمود الفقري.

كما تظهر أعراض خارج المفاصل في نحو 25–40 في المائة من المرضى، أبرزها التهاب القزحية (Uveitis)الذي قد يكون أول مؤشر للمرض في بعض الحالات، وفقاً للكلية الأميركية للروماتيزم.

وفي المراحل المتقدمة، قد يؤدي المرض إلى انحناء العمود الفقري (Kyphosis)، وانخفاض سعة الرئة نتيجة تيبّس القفص الصدري.

• مضاعفات إضافية. يتطور المرض خارج حدود العمود الفقري، إذ لا يقتصر تأثير التهاب الفقار اللاصق على العمود الفقري فحسب، بل قد يمتد ليشمل أجهزة متعددة في الجسم، خاصة في الحالات غير المسيطر عليها. ويُعدّ التهاب مواقع ارتباط الأوتار بالعظام (Enthesitis) من السمات المميزة للمرض، حيث يظهر في مناطق مختلفة، مثل الحوض، والعمود الفقري، والكعب، وقد يؤدي إلى ألم موضعي مزمن يؤثر بشكل مباشر على الحركة، والقدرة الوظيفية.

ومع مرور الوقت، قد تؤدي عمليات الالتهاب المتكررة إلى تليّف الأنسجة، وتكوّن عظام جديدة غير طبيعية، ما يفضي في الحالات المتقدمة إلى التحام الفقرات (Ankylosis)، وهي حالة تُفقد العمود الفقري مرونته، وتزيد من خطر الكسور نتيجة صلابته، وضعف بنيته. كما قد ينجم عن ذلك انحناء أمامي في القوام، ويؤثر على التوازن، والحركة اليومية.

ولا تتوقف المضاعفات عند الجهاز الحركي، إذ قد تشمل:

- المفاصل الطرفية: خاصة في مفصلي الورك والكتف، حيث يُصاب نحو ثلث المرضى بدرجات متفاوتة من الالتهاب، وقد يرتبط ذلك بمسار مرضي أكثر شدة.

- القفص الصدري: نتيجة التهاب المفاصل الضلعية، ما يؤدي إلى انخفاض مرونة الصدر، وصعوبة في التمدد التنفسي.

- العظام: حيث يزيد خطر الإصابة بهشاشة العظام (Osteoporosis) بسبب الالتهاب المزمن، وتأثيره على كثافة العظم، وهو ما يضاعف احتمالية الكسور الفقرية.

- الفك: إذ قد يُصاب نحو 15 في المائة من المرضى بالتهاب المفصل الفكي، مما يعيق فتح الفم بشكل طبيعي.

وفي حالات نادرة، قد تظهر مضاعفات عصبية خطيرة، مثل متلازمة ذيل الفرس (Cauda Equina Syndrome)، والتي قد تؤثر على التحكم في البول، أو الأمعاء، إضافة إلى اضطرابات عصبية في الأطراف. كما قد تمتد التأثيرات إلى الرئتين، نتيجة نقص حركة جدار الصدر، أو حدوث تليّف رئوي في بعض الحالات المزمنة.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن التهاب الفقار اللاصق ليس مرضاً موضعياً محدود التأثير، بل هو حالة التهابية جهازية تتطلب متابعة مستمرة، وتدخلاً مبكراً، للحد من تطور المضاعفات، والحفاظ على جودة الحياة.

التشخيص والعلاج

• التشخيص. يمثل التشخيص المبكر حجر الأساس في الحد من تطور المرض، إلا أن التحدي يكمن في تشابه الأعراض مع حالات أكثر شيوعاً. ويعتمد التشخيص على:

- التقييم السريري.

- تحليل HLA - B27.

- مؤشرات الالتهاب (CRP، ESR).

- التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الذي يستطيع كشف الالتهاب في مراحله المبكرة قبل ظهور التغيرات الشعاعية.

وقد ساهمت معايير الجمعية الدولية لتقييم التهاب الفقار (ASAS) في تحسين دقة التشخيص المبكر، وزمنه، خاصة في الحالات غير الشعاعية التي تمثل نسبة معتبرة من المرضى في المراحل المبكرة. وقد أسهمت هذه المعايير في تحسين دقة التشخيص المبكر، خاصة في الحالات غير الشعاعية.

•العلاج. حالياً لا يوجد علاج معروف لالتهاب الفقار اللاصق (AS)، ولكن هناك علاجات وأدوية متاحة لتقليل الأعراض، وإدارة الألم. وتظهر الدراسات الحديثة أن الأدوية البيولوجية الأحدث يمكن أن تبطئ تطور المرض لدى بعض الأشخاص. ويُلاحظ أن الأشخاص المختلفين يستجيبون لأدوية مختلفة بمستويات متفاوتة من الفعالية. وبالتالي قد يستغرق الأمر وقتاً للعثور على المسار العلاجي الأكثر فعالية.

ورغم عدم وجود علاج شافٍ، فإن التقدم العلاجي غيّر بشكل جذري من مسار المرض.

- العلاج الدوائي، ويشمل: مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs)، والعلاجات البيولوجية (Biologics)التي أظهرت تحسناً ملحوظاً في النشاط المرضي، ووظيفة الحركة وفق المؤشرات المعتمدة للجمعية الدولية لتقييم التهاب الفقار (ASAS).

- العلاج غير الدوائي، ويشمل: العلاج الطبيعي المنتظم، وتمارين التمدد، والحفاظ على الوضعية الصحيحة، وتشير الإرشادات إلى أن المرضى الذين يلتزمون ببرامج العلاج المتكاملة يتمتعون بنتائج أفضل على المدى الطويل.

أهمية اليوم العالمي للتوعية

تكمن أهمية اليوم العالمي لالتهاب الفقار اللاصق في تسليط الضوء على مشكلة التشخيص المتأخر التي لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات العالمية. فكل سنة تأخير في التشخيص تزيد من احتمالية حدوث: تلف دائم في المفاصل، وفقدان الوظيفة الحركية، وتدهور جودة الحياة. كما تسهم هذه المناسبة في رفع الوعي المجتمعي، ودعم المرضى نفسياً، وتعزيز الوصول إلى الرعاية المتخصصة.

في نهاية المطاف، لا يتمثل التحدي في التهاب الفقار اللاصق في شدته فحسب، بل في طبيعته الصامتة. فهو يبدأ بألم بسيط قد يُهمَل، لكنه قد ينتهي بمسار طويل من القيود الجسدية إذا لم يُكتشف في الوقت المناسب.

غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل؛ فالتقدم العلمي في فهم المرض، وتطور العلاجات البيولوجية، أسهما في تحويله من حالة مُقعدة إلى مرض يمكن التعايش معه بفاعلية، خاصة مع التشخيص المبكر... فبين ألم البداية وأمل المعرفة، تبقى الحقيقة الأهم، وهي: أن الوعي ليس مجرد خطوة أولى، بل هو، في كثير من الأحيان، الفارق بين مسارين مختلفين تماماً للحياة.

*استشاري طب المجتمع