آلات تستنبط حلولاً ونظم ذكاء صناعي لمدن المستقبل

برامج وتصاميم للنقل فائق السرعة وطابعات تجسيمية لإنتاج أعضاء بديلة

تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
TT

آلات تستنبط حلولاً ونظم ذكاء صناعي لمدن المستقبل

تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة

يمر العالم بثورة صناعية حديثة تتمثل في استخدام أحدث التقنيات لتسريع العمل وخفض الزمن اللازم لتنفيذ المشاريع الصناعية والسكنية والصحية والترفيهية ونظم النقل بشكل كبير. وتعتمد هذه التقنيات في جوهرها على القدرات الهائلة للحوسبة السحابية والذكاء الصناعي وتقنيات تعلم الآلات واستنباط الحلول المناسبة لكل حالة، وبالاحتياجات المناسبة لكل مشروع. ويستعرض مؤتمر «جامعة أوتوديسك» Autodesk University تلك التقنيات، وهو ملتقى لأكثر من 10 آلاف زائر وخبير يحضرون ويشاركون في جلسات تعليمية في هذه القطاعات. وحضرت «الشرق الأوسط» المؤتمر في مدينة لاس فيغاس الأميركية في الفترة الممتدة بين 14 و16 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
تقنيات حديثة
تركز تقنيات التصاميم الجديدة على العالم التقني بشكل كبير، خصوصاً تقنية إنترنت الأشياء الصناعية Industrial Internet of Things IIoT. وتحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع «ثيو أغيلوبولوس»، مدير قطاع صناعة البنية التحتية واستراتيجيات الأعمال في شركة «أوتوديسك»، حيث قال إن المدن الجديدة في العالم، ومن بينها مدينة «نيوم» في السعودية، مثال على التقدم التقني في البنية التحتية، وإنه بالإمكان التخطيط بكفاءة عالية لتلك المدن في مجالات رفع كفاءة العمل للمباني والشركات والمصانع والطرق والشبكات الكهربائية، وحتى مستشعرات إنترنت الأشياء لقياس العلامات المختلفة وتحليل بياناتها، مثل حركة المرور ونسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء ونسب الرطوبة والضغط الجوي وكثافة الحركة على الجسور، وغيرها. ويمكن بعد ذلك تبني استراتيجيات مختلفة اعتماداً على تحليل البيانات الناجمة. كما يجب التركيز على وصل المدن من خلال المراكز الرئيسية العالمية Hub التي تقوم العديد من الشركات بتطويرها، مثل مشروع قطار Hyperloop الذي تصل سرعته إلى 1200 كيلومتر في الساعة (أسرع من شبكات نقل القطارات والطائرات)، والذي يتوقع أن يربط المدن الرئيسية حول العالم لتسريع نقل الركاب والبضائع في المستقبل القريب. وأضاف أنه يمكن للدول الأفريقية الاستفادة من تقنيات التصاميم الصناعية الحديثة لتطوير بنية تحتية صلبة ومستدامة في ظل التحديات الجغرافية والمناخية والاقتصادية.
واستعرضت «أوتوديسك» كيفية تسخير تقنيات الذكاء الصناعي في قطاع رسومات الترفيه (مثل الأفلام السينمائية والألعاب الإلكترونية)، بحيث يستطيع الذكاء الصناعي التعرف على مصادر الضوء وكيفية مروره عبر الأجسام شبه الشفافة وأثر خروجه منها وأثر انعكاسه عن الأسطح المختلفة، وفي أقل من ثانية واحدة مقارنة بحاجة برامج الرسومات الاحترافية إلى عدة ثوانٍ لتحليل كل صورة، وبمعدل 24 صورة في الثانية، لتفتح هذه التقنية أبواب تسريع الأعمال بأضعاف كبيرة، وبالتالي الحصول على جودة رسومات أعلى في قطاع الترفيه التصويري.
وكشفت الشركة كذلك أنه يمكن لأي شركة من أي حجم استخدام منصتها الجديدة «فورج» Forge في شتي قطاعات الصناعات والبناء لتسهيل العمليات، وهي تعتبر نقلة ثورية للمهندسين، ذلك أنها تستخدم تقنيات الحوسبة السحابية الهائلة لتسريع العمل وخفض النفقات ومعالجة البيانات الضخمة بكل سلاسة. كما يمكن للمطورين استخدام خدمة «دروبوكس» السحابية لمشاركة ملفات DWG الخاصة بالتصاميم الهندسية، ومعاينتها دون تحميلها على أجهزتهم، علماً بأن معدل رفع ملفات DWG يبلغ حالياً 2100 تصميم في كل دقيقة، مع وجود أكثر من مليار ونصف المليار ملف على الخدمة، الأمر الذي يدل على التبني الواسع لتقنيات مشاركة الملفات والعمل الجماعي عليها مع فرق من مختلف المدن حول العالم. وتهدف هذه العملية إلى تسريع زمن تطوير المشاريع وخفض التكاليف المرتبطة على الشركات المطورة وعلى أصحاب المنازل والمصانع والمستخدمين، وهي تعتبر محوراً بالغ الأهمية للثورة الصناعية الجديدة في القرن الـ21.
طباعة تجسيمية
وبالنسبة إلى الأطراف الصناعية، فهناك برامج متخصصة في هذا القطاع (مثل Autodesk Forge وAutodesk Fusion 360) تستخدم أدوات تقيس أبعاد الذراع السليمة للمستخدم وتطبع الذراع الأخرى آلياً خلال 6 ساعات فقط، مع إمكانية مطابقة لون الذراع الجديدة للون بشرة المستخدم. ومن شأن هذه التقنية تقديم نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد للطبيب لمعاينتها والتأكد منها قبل البدء بالطباعة، مع إمكانية تخصيصها وتعديلها وفقاً للرغبة، وبجودة عالية جداً. هذه العملية بالغة الأهمية لمن يحتاجون إلى أطراف صناعية بتكلفة منخفضة، خصوصاً الأطفال الذين يحتاجون إلى عدة أطراف تتماشى مع فترة نموهم وتغير أبعاد الأطراف السليمة. وأكدت الشركة أن هناك مجموعات غير حكومية متخصصة تستخدم هذه التقنية لتقديم المساعدة في سوريا والعراق والدول التي تعاني من الحروب. ويستطيع ما نسبته أقل من 5 في المائة ممن يحتاجون إلى أطراف صناعية الوصول إلى مراكز طبية لتقديم المعونة لهم، مع ارتفاع تكلفة صناعة الأطراف التي تستغرق وقتاً كبيراً لإعدادها.
ومن جهتها كشفت شركة «إتش بي» HP عن تطويرها أول طابعة تجسيمية 3D Printer في العالم تستطيع الطباعة على المعادن المختلفة، والتي ستُطلق خلال عام 2018، وذلك لنقل الطباعة ثلاثية الأبعاد من مرحلة الطباعة البلاستيكية إلى المعدنية، الأمر الذي من شأنه فتح آفاق جديدة وكبيرة لطباعة القطع البديلة للآلات والصناعة المنزلية لرواد الأعمال والشركات الصغيرة.
مدن ومجتمعات المستقبل
واستعرض جيف كوالسكي، مدير التقنيات في الشركة، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قدرة تقنية التصاميم التوليدية (Generative Design) على تطوير قطاع التصاميم بشكل ثوري، بحيث يمكن تقديم مشكلة ما للتقنية التي تعتمد على مبدأ تعلم الآلات (Machine Learning) لإيجاد حل مناسب. ويمكن بهذه الطريقة طلب إيجاد تصميم ما لمنتج أو مصنع أو مبنى، ليوجِد النظام أعداداً كبيرة من التصاميم المختلفة التي تلبي الاحتياجات، وتقدم تصاميم تركز على الجودة وأخرى على السرعة وأخرى على خفض التكاليف، وبسرعة كبيرة جداً مقارنةً بتصميمها من قبل البشر. وأكد آندرو أناغنوست، الرئيس التنفيذي للشركة، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن هذه التقنيات ستستبدل الأعمال التقليدية للبشر، ولكنها لن تجعلهم يجلسون في المنازل، بل ستفسح لهم مجال التركيز على أمور أخرى تحتاج إلى قدراتهم التحليلية وتسخير خبراتهم في المكان الصحيح عوضاً عن أداء الأعمال الروتينية، مع خفض نسبة الخطأ البشري بشكل كبير. كما أكد أننا بحاجة إلى بناء 1000 مبنى يومياً لمدة 33 عاماً مقبلة لملاقاة الطلب المتزايد لسكان الكوكب الذين سيصل عددهم إلى 10 مليارات بحلول عام 2050. وهذا الأمر غير ممكن في ظل تقنيات البناء الحالية. واستعرضت إحدى الشركات الأوروبية قدرتها على تسريع زمن تصاميم المباني وتنفيذها من أشهر إلى 3 أيام فقط، وذلك بالاستفادة من تقنية التصاميم التوليدية المتقدمة. وتستطيع هذه الشركة صناعة أجزاء متعددة من الوحدات السكنية بشكل مختلف بعضها عن بعض حتى لا تكون المنازل متشابهة، ويكفي تركيب بعضها مع بعض للحصول على المنزل بسرعة كبيرة، مع إمكانية توسعة المنزل في وقت لاحق دون هدم أي جدار، وذلك بإضافة المزيد من الوحدات، وبالتالي خفض نفايات البناء التي تصل إلى 300 مليون طن سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية وحدها.
مدينة المريخ
كما استعرضت شركة «أوتودسيك» نموذج مدينة خيالية على كوكب المريخ يستطيع البشر العيش فيها في الظروف الصعبة للكوكب، حيث طلبت من المصممين حول العالم تقديم مقترحاتهم لحل بعض مشكلات الحياة على المريخ، لتختار الشركة مجموعة من التصاميم وتضع حلولهم داخل لعبة واقع افتراضي ستطلقها العام المقبل بهدف تعريف الناس على آفاق السكن في الكواكب المختلفة في المستقبل. وحاضرت مجموعة متنوعة من المصممين حول آفاق تقنيات التصميم الحديثة في خدمة المجتمع، ومن بينها مسؤولة في سجن نسائي في الولايات المتحدة الأميركية طوّرت برنامج تعليم للسجينات لتعليمهن تقنيات التصاميم الحديثة بهدف إعادة تأهيلهن وعدم عودتهن إلى السجن بعد الخروج منه. واستطاعت مجموعة كبيرة من المشاركات افتتاح أعمالهن الخاصة بعد الخروج من السجن في ظل النظرة السلبية نحو كونهن سجينات سابقات وصعوبة الحصول على وظائف في الشركات بسبب ذلك.
كما استعرضت مجموعة من طلبة الجامعات مشروعاً يقومون فيه بالجلوس مع كبرى شركات صناعة المنتجات وتطوير تصاميم تناسب احتياجات تلك الشركات بالتعاقد مع طلاب لديهم مهارات في التصميم الصناعي الحديث، وتطوير تصاميم تلك المنتجات والتعرف على ضرورات قطاع العمل قبل التخرج. واستطاعت هذه المجموعة التعاقد مع شركة «أديداس» لتطوير تصاميم أحذية رياضية عصرية بجودة عالية، لتقوم الشركة الرياضية بتبني تلك التصاميم في منتجاتها.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.