«شاشات الواقع» تفتح جرحَيْن: حمص المُدمَّرة وموتى بلا أرض

وجع السوريين بين خراب المدن وضياع المثوى الأخير

مدن بلا حياة وقبور بلا وطن (من الفيلمَيْن)
مدن بلا حياة وقبور بلا وطن (من الفيلمَيْن)
TT

«شاشات الواقع» تفتح جرحَيْن: حمص المُدمَّرة وموتى بلا أرض

مدن بلا حياة وقبور بلا وطن (من الفيلمَيْن)
مدن بلا حياة وقبور بلا وطن (من الفيلمَيْن)

أطلّ الهَمّ السوري بظلاله القاسية على شاشة مهرجان «شاشات الواقع» في سينما «متروبوليس» البيروتية بدورته العشرين. فيلمان يحملان شهادتَيْن عن الوجع؛ كلّ منهما يفتح جرحاً ويزجّنا في داخله: «ذاكرتي مليئة بالأشباح» لأنس الظواهري، و«إلى أي تراب أعود» لغنا عبود. الأول ينغمس في ركام حمص وذاكرتها المُلطّخة بالدمار، حيث الماضي يُلاحق الحاضر، والمستقبل يبقى معلَّقاً بين الخراب والرجاء. والثاني يتصدّى لمسألة لا تقلّ إيلاماً: رحلة لاجئين سوريين يحملون موتاهم معهم، عاجزين عن إيجاد أرض تحتضنهم حتى بعد الرحيل. فيلمان يوثّقان قسوة الحرب حين تتجاوز حدود القتال لتصير امتحاناً للكرامة والقدرة على التحمُّل.

«ذاكرتي مليئة بالأشباح»: مرثية للصمود المُكلف

في فيلم الظواهري، يتجلّى الوجه المُظلم للصمود. حمص، المدينة التي كانت يوماً صاخبة بالحياة، تظهر بعيون كاميرا باهتة الألوان، رمادية، وجنائزية. تُصغي الجدران المحطّمة إلى شهادات سكانها، فتُسمع الأصوات من دون أن تتحرّك لها الأفواه، كأنّ الكلام يخرج من أعماق مكبوتة لا من الألسنة. شهادات تتبارى في الألم، وكلّ صوت يعلن أنّ جرحه أعمق، وعبء احتماله أثقل من سواه.

يُعيدنا الفيلم إلى ذاكرة الخسارة حين يُقتَل أحبّة وتُهدَم بيوت ويهاجم خوف متعدّد الأشكال الفرد، مُتخفّياً تارةً وصارخاً تارة أخرى. ثمة علاقة ملتبسة بين الناس وشوارع باتت أشبه بمدينة أشباح، والوحدة تفرض حضورها مثل رفيق دائم، بينما يحاول الأطفال اللعب بين الأبنية المُدمّرة، مثل إصرار على استعادة الحياة من قلب الخراب.

بحث عن حياة بين ركام المدينة (من فيلم أنس الظواهري)

إحدى الشهادات تكشف عن مقتل أمّ بدافع السرقة، في جريمة تعكس الوجه الأكثر بشاعة للحرب حين يتحوّل الإنسان إلى ذئب يفتك بإنسان آخر لا لأسباب سياسية أو عسكرية، وإنما من أجل المال. هنا يشتدّ الوجع، فالحرب تقتل في الشوارع، والفوضى تقتل داخل البيوت.

الأشباح شاهدة على الذاكرة (من فيلم أنس الظواهري)

يُقدّم الظواهري بورتريهاً مؤلماً لمدينة وناسها، حيث كلّ محاولة للنجاة تصطدم بثقل الفقد. «الصمود» في الفيلم صراع يومي مع اليأس. إنه اختبار مرير لقدرة الروح على الاحتمال، وتمسّك بخيط حياة يذبل مع الوقت. ما نشهده في حمص يمكن إسقاطه على هيئة صورة رمزية لأي مدينة دمَّرها النزاع، لكنه هنا يأخذ بُعداً مُشبَّعاً بخصوصيته، إذ يصبح شاهداً على الفجوة بين ما يقدر الإنسان على احتماله وما يُجبَر على حمله رغماً عنه.

«إلى أي تراب أعود»: أرق الكرامة والمصير

يتناول فيلم غنا عبود معضلة شائكة تمسّ معنى الكرامة بحدّها الأقصى: كيف يدفن المرء أبناء وطنه في أرض ليست أرضهم، في مواجهة أنظمة سياسية واقتصادية تُضاعف من آلامهم؟ عبر شخصية عناد، السوري الستيني المقيم في لبنان، نتابع رحلة شاقّة للبحث عن قطعة تراب في البقاع اللبناني لدفن الموتى السوريين. إلى جانبه صبحية، ابنة شيخ لبناني من العشائر، حملت هي الأخرى جرحها حين فتحت قبر ابنها لتضع فيه طفلاً سورياً لم يجد مأوى أخيراً.

كيف تُصان الكرامة وسط الخراب؟ (من فيلم غنا عبود)

الفيلم يرسم لوحة تتقاطع فيها الأسئلة الإنسانية مع الحسابات السياسية. في الخلفية، أبناؤه يُخاطرون بحياتهم في البحر بحثاً عن ملاذ آخر، وفي المقدّمة، يقف الأب المُنهَك، يحاول أن يُكرّم موتى لاجئين صاروا بلا وطن ولا أرض. بين صراع الحياة اليومية وصراع ما بعد الموت، يضع الفيلم المُشاهد أمام هذه المفارقة الفادحة: الإنسان مرفوض في حياته كما في مماته.

إنسان مرفوض في الحياة كما في الموت (من فيلم غنا عبود)

وبينما تُوثّق غنا عبود الرحلة، تُتيح للمُشاهد طَرْح أسئلة وجودية عن الكرامة حين يُحرَم الجسد من مثواه الأخير، والمصير حين يتحوّل الوطن إلى رفض دائم. هكذا يتجاوز الفيلم ظاهره الذي يبدو أنه يقتصر على قضية اللاجئين السوريين، ليغدو صوتاً لكلّ إنسان يُحرَم من حقه في الأرض التي تحتضنه؛ في وجوده كما في رحيله.

«شاشات الواقع»: السينما تنطق بوجع الإنسان

هذان الفيلمان وما حملاهما من ألم شديد الكثافة، يوضحان دور مهرجان «شاشات الواقع» في كونه أداة لكشف القهر وإعادة التفكير بقدرة الإنسان على الاحتمال حين لا تنتهي الحرب بانتهاء المعارك، فتواصل حياتها في الخراب الداخلي، وفي العلاقة بالمكان ومواجهة المصير.

سينما تضعنا أمام أسئلة نخشى مواجهتها (الشرق الأوسط)

فقد قاد هذا الفضاء البيروتي المتلقّي نحو وجع لا يمكن إلا أن يهزّه، حتى وإن كان على مسافة منه، كما وضعه أمام أسئلة اعتادت المجتمعات طمسها؛ عن الذاكرة بعد الخراب، وصَوْن الكرامة وسط التشتُّت والتجاذب، وأي معنى للعيش إذا كان الموت نفسه لا يجد مكاناً يليق به؟


مقالات ذات صلة

الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

يوميات الشرق كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)

الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

لم يُرمِّم الفنّ طفولة مايكل، لكنه منحها شكلاً يمكن للجمهور أن يُصفِّق له...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، وإنما تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان).

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد.

مصطفى ياسين (القاهرة)

زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
TT

زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)

انطلق زوجان بريطانيان في عقدهما السادس في رحلة بالدراجة المزدوجة لمسافة نحو 3057 كيلومتراً، سعياً إلى استعادة استقلالهما بعد مغادرة أبنائهما المنزل.

ويهدف كريس ونيكي كلارك للوصول إلى لشبونة في البرتغال، انطلاقاً من منزلهما في سومرست خلال 65 يوماً، حاملين معهما كل ما يحتاجان إليه، بما في ذلك خيمة.

وذكرت «بي بي سي» أنّ هذه الرحلة تُعدّ أحدث مغامرات الزوجين منذ أن أصبح أطفالهما الأربعة بالغين، بعد تجارب سابقة شملت جولات بالدراجات في أنحاء أوروبا.

وألهمت رحلات الزوجين تأليف مذكرات بعنوان «حان وقت تغيير السرعة»، التي توثّق رحلة حياتهما المشتركة، مستعرضةً تجاربهما في الزواج، وما يمرّ به الإنسان في مرحلة منتصف العمر، إلى جانب مغامراتهما على الطرق المفتوحة خلال رحلاتهما بالدراجة.

وتُمثّل هذه الرحلة المغامرة الطويلة السادسة لهما على دراجتهما المزدوجة المحبوبة، التي أطلقا عليها اسم «إديث».

وقال كريس إنّ الكتاب يروي قصة رحلة سابقة انطلقت من منزلهما في أوك هيل، مروراً بالساحل الغربي لفرنسا وصولاً إلى سانتاندير في إسبانيا، في إطار بحثهما عن روح المغامرة.

وأضاف: «يطرح الكتاب سؤالاً يهمّ كثيراً من الآباء الأكبر سناً: بعد أن يصبح أبناؤك مستقلّين، كيف تستعيد استقلالك أنت؟». وتابع: «علينا ببساطة أن نمضي قُدماً ونعيش حياتنا من جديد من دون الأبناء».

وتابع: «الكتاب يتناول الأشخاص الذين نلتقيهم على طول الطريق، وما يخبروننا به عن التقدُّم في العُمر وكيفية تعاملهم مع الحياة. وأعتقد أنّ هذه التجربة كانت مفيدة جداً لعلاقتنا». وأوضح: «اكتشفنا عندما بدأنا تلك الرحلات بالدراجة بمفردنا أننا لا نزال نكنّ إعجاباً كبيراً بعضنا ببعض».

على عجلتين تتّسع الحياة (إنستغرام)

وقد صُمِّمت الدراجة المزدوجة بحيث يتولى كريس القيادة في المقدمة، فيما تجلس نيكي في الخلف.

وقالت نيكي: «كريس يقود دائماً في المقدّمة، لكنني راضية بذلك». وأضافت: «في الواقع يعجبني هذا الوضع؛ يمكنني النظر حولي، وأتولّى النظر في الخرائط، في حين يتولّى هو تحديد الاتجاهات، وهذا شيء رائع».

وأفادت مؤسّسة «تروما ريسيرتش يو كيه» الخيرية الوطنية بأن الآباء الذين يمرّون بمرحلة «العشّ الفارغ» غالباً ما يشعرون بـ«الفقد أو الوحدة أو الارتباك».

وقالت مديرة العمليات في المؤسّسة، سارة فلويد: «من المهم بشكل خاص في هذه المرحلة إدراك أنّ هذا التحول يمكن أن يُشكّل أيضاً فرصة جديدة».

وأضافت: «مع تغيُّر دور الرعاية، تُتاح للآباء مساحة لإعادة اكتشاف اهتماماتهم واستكشاف تحدّيات أو شغف جديد ربما جرى تأجيلها».

وأوضحت أنّ «الانخراط في أنشطة جديدة، سواء كانت السفر، أو ممارسة الهوايات، أو العمل التطوعي، أو تعلُّم مهارات جديدة بالكامل، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في استعادة الإحساس بالهدف والهوية».

ويؤكد الزوجان أنّ هذه الرحلة تمثّل قصة عن «العلاقات طويلة الأمد، وإعادة اكتشاف الذات، وروح الدعابة التي تنشأ حتماً من كونهما مقترنين معاً على دراجة مزدوجة».


لغة جسدك في مقابلة العمل: 4 مفاتيح لترك انطباع قوي

وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
TT

لغة جسدك في مقابلة العمل: 4 مفاتيح لترك انطباع قوي

وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)

لا تقتصر عوامل النجاح في مقابلات العمل على المؤهلات والخبرات المكتوبة في السيرة الذاتية، بل تمتد لتشمل طريقة تواصلك غير اللفظي، وعلى رأسها لغة الجسد. فالإيماءات، ووضعية الجلوس، وتعبيرات الوجه، كلها تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الانطباع الأول، الذي قد يكون عاملاً مؤثراً في قرار التوظيف. وفي هذا السياق، يؤكد خبراء علم النفس أن لغة الجسد قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الكلمات نفسها.

يقول الاختصاصي النفسي بنجامين غرانجر إن وضعية الجسم وتعبيراته وسلوكياته تُعدّ مفاتيح أساسية لترك انطباع أول إيجابي، مشيراً إلى أنه عندما نلتقي بشخص لأول مرة، فإن عقولنا — دون وعي — تركز على ملامحه الجسدية، مثل تعابير الوجه، ووضعية الجسم، ومدى انفتاحه أو انطوائه. ويضيف أن هذه الإشارات غير اللفظية تؤثر بشكل كبير، حتى وإن لم ندرك ذلك، في كيفية تقييمنا للطرف الآخر.

وفيما يلي 4 نصائح أساسية من غرانجر لمساعدتك على تقديم أفضل ما لديك خلال مقابلة العمل، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

1- ابدأ بابتسامة

قد تبدو هذه النصيحة بسيطة، لكنها فعّالة للغاية. فابتسامة صادقة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في بناء علاقة إيجابية مع المُحاور. ويشير غرانجر إلى أن معظم الناس قادرون على التمييز بين الابتسامة الحقيقية والمصطنعة، حتى دون وعي. فالابتسامة الصادقة غالباً ما تترافق مع ظهور تجاعيد خفيفة حول العينين، وهو ما يعكس صدق المشاعر ويعزز الثقة.

2- حافظ على وضعية جسم منفتحة

تُعدّ وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي. ولإعطاء انطباع إيجابي، يُنصح بالجلوس بشكل مستقيم مع إرجاع الكتفين إلى الخلف، وإبقاء اليدين في وضع غير متشابك. تعكس هذه الوضعية الانفتاح والاهتمام، وتُظهر أنك منخرط في الحديث. في المقابل، قد يُفهم تشابك الذراعين أو الساقين على أنه علامة على الانغلاق أو عدم الاهتمام، وربما حتى محاولة إخفاء شيء ما. كما يُفضّل توجيه الجذع والساقين نحو المُحاور بشكل مباشر، لإظهار التركيز والتفاعل.

3- صافح بثقة

تُعدّ المصافحة من أولى لحظات التواصل، وتحمل دلالات مهمة. ويؤكد غرانجر أن طريقة المصافحة يمكن أن تعكس الكثير عن شخصية الفرد.

يوضح أن المصافحة المتوازنة — التي تتم بقبضة معتدلة مع توازي راحتي اليدين — هي الأفضل في بيئة العمل، لأنها تعكس الثقة بالنفس والتعامل على قدم المساواة. أما المصافحة التي تكون فيها يدك أسفل يد الطرف الآخر، فقد توحي بمنحه الأفضلية، في حين أن وضع يدك فوق يده قد يُفهم على أنه محاولة للسيطرة. ورغم أنك لا تستطيع دائماً التحكم في طريقة مصافحة الطرف الآخر، فإن الحفاظ على لغة جسد واثقة — مثل رفع الرأس وإرجاع الكتفين — يظل عنصراً مهماً.

4- كن على طبيعتك

يُشدّد غرانجر على أن أهم نصيحة في مقابلات العمل هي أن تكون على طبيعتك. فكثير من الأشخاص يحاولون التظاهر أو تقديم نسخة غير حقيقية من أنفسهم، معتقدين أن ذلك سيمنحهم فرصة أفضل. لكن لغة الجسد غالباً ما تكشف هذا التصنّع بسرعة، وقد يلتقط المُحاور إشارات تدل على عدم الصدق، حتى دون وعي. لذلك، فإن الدخول إلى المقابلة بثقة وهدوء، مع الحفاظ على سلوك طبيعي وصادق، يُعدّ من أفضل الطرق لترك انطباع إيجابي ودائم.


بعد 60 عاماً... بريطاني يُعيد بلاطاً تاريخياً إلى دير من العصور الوسطى

بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
TT

بعد 60 عاماً... بريطاني يُعيد بلاطاً تاريخياً إلى دير من العصور الوسطى

بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)

بعد نحو 60 عاماً من الاحتفاظ بها داخل علبة حلوى، أعاد بريطاني قطعاً من بلاط أثري تعود إلى العصور الوسطى، كان قد أخذها عندما كان طفلاً في التاسعة خلال زيارة عائلية إلى دير وينلوك في مقاطعة شروبشاير.

ووفق «الغارديان»، كانت القطع الثلاث من البلاط الطيني المزخرف، التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن الـ13 وبدايات القرن الـ14، قد أخذها سيمون وايت تذكاراً خلال زيارة عائلية إلى دير وينلوك أواخر ستينات القرن الماضي.

وعثر وايت، البالغ حالياً 68 عاماً، وهو خبير مساحة مُعتَمد متقاعد، على قطع البلاط الأثري داخل علبة حلوى قديمة خلال انتقاله من منزل إلى آخر، فبادر إلى إبلاغ هيئة «التراث الإنجليزي». وقال للمسؤولين إنه يتذكر أن والده شجَّعه على أخذ تلك القطع، لكنه ظلَّ يشعر بشيء من عدم الارتياح حيال ذلك، وأعرب عن سعادته بالعثور عليها مجدداً.

وقال: «أتذكر ذلك اليوم جيداً، حين كان والدي يقف للحراسة. لا أعلم ماذا كان سيقول لو ضُبطنا. لست متأكداً تماماً مما حدث للبلاط بعد ذلك، لكنه تنقّل معنا عبر منازل عدة وتقلبات عائلية مختلفة، قبل أن أعثر عليه مجدداً في علّيتي في وقت سابق من هذا العام داخل علبة مهترئة».

وبمساعدة مذكرات العائلة، توصَّل وايت إلى أنّ القطع تعود على الأرجح إلى دير وينلوك، فتواصل مع الجهة المسؤولة عن الموقع، وهي هيئة «التراث الإنجليزي».

وقالت مساعدة أمينة المتحف في الهيئة، ماتي كامبريدج، إن خبراء العصور الوسطى خلصوا إلى أن وايت كان محقّاً في ترجيح دير وينلوك مصدراً لتلك القطع. وأوضحت أنّ هذا النوع من البلاط لم يُعرف وجوده في شروبشاير إلا في ثلاثة مواقع: دير هوغموند، ودير بريدجنورث، ودير وينلوك.

وأضافت: «نظراً إلى أنّ دير بريدجنورث لا يحتوي على بلاط في موقعه الأصلي، ولم تُجرَ فيه أي عمليات حفر إلا بعد زيارة وايت، ولأنّ دير هوغموند لا يحتوي إلا على رقعة صغيرة من البلاط، يمكننا ترجيح أنّ هذه القطع تعود إلى دير وينلوك».

المكان لا ينسى حتى لو غاب الناس (شاترستوك)

وكان دير وينلوك موطناً لرهبان كلوني، الذين عُرفوا بولعهم بالزخارف المعمارية المتقنة. وأشارت كامبريدج إلى أنّ هيئة «التراث الإنجليزي» أعربت عن سعادة خاصة لأنّ إحدى القطع تحمل نقش تنين، وهو عنصر لم يكن معروفاً سابقاً في الموقع، قائلةً: «هذا أمر مثير جداً». أما القطعة الأخرى فتُظهر وجهاً يُعتقد أنه لأسد، أو ربما لوجه عابس.

والتقى وايت بكامبريدج في دير وينلوك لإعادة القطع. وقالت: «أراد أن يقوم بما يشبه رحلة حج. لا توجد أيّ ضغائن؛ فقد كان في التاسعة فقط، وقيل له: (هذا جميل، خذه إلى المنزل). نحن ممتنون جداً لوايت لحرصه على إعادة القطع».

وأضافت: «ليس من غير المألوف أن تُؤخذ تذكارات من مبانٍ تاريخية، لكن ما يُميّز هذه الحالة أنّ هذه القطع حُفظت بعناية طوال هذه المدة. واليوم لدينا إجراءات أكثر صرامة لمنع ذلك، لكن إذا كان مثال وايت يوقظ ضمير أي شخص آخر من الماضي، فسنكون سعداء بسماع قصصهم».

ولن تُعاد البلاطات إلى أرضية الدير، بل ستُنقل إلى مخزن الآثار التابع لهيئة «التراث الإنجليزي» لإجراء مزيد من التحليل.

وقال وايت إنه منذ تقاعده أصبح مهتماً بعلم الآثار، مضيفاً: «الجمعية المحلّية التي انضممتُ إليها قد لا تنظر إلى هذا الأمر بعين الرضا، ومن الصواب تماماً أن تعود هذه البلاطات إلى موطنها».