بعد نحو 16 عاماً، يصل الممثل السعودي عبد المجيد الكناني إلى أول أفلامه الروائية الطويلة؛ هو الذي بدأت علاقته بالتمثيل عام 2010 عبر الأفلام القصيرة، وقبلها المسرح. ثم أخذته البرامج وصناعة المحتوى إلى مسار آخر، صنع حضوره الجماهيري وكرَّس صورته في تقديم المحتوى الفنّي الساخر، ليعود اليوم إلى الممثل داخله من خلال الفيلم السعودي «عكس سير»، مدركاً أنّ العودة بعد غياب طويل تحمل اختبارها الخاص، وأنّ الوقوف أمام الكاميرا يتطلَّب استعادة لياقة ظلت بعيدة عن التمرين سنوات.
في الفيلم، الذي انطلق عرضه في الصالات السعودية أخيراً، يؤدّي الكناني شخصية «ناجي»، الرجل الذي تدفعه سلسلة من القرارات الخاطئة إلى مغامرة تجمع الجريمة والأكشن والكوميديا. وإنما تجربته خلف الكاميرا تحمل رحلة أخرى موازية؛ رحلة ممثل بدأ في زمن كانت فيه الأفلام القصيرة نافذة رئيسية للمشتغلين بصناعة الأفلام السعودية، ثم وجد نفسه في عالم البرامج، قبل أن يعود إلى نقطة البداية في صناعة سينمائية مختلفة تماماً.
الأفلام القصيرة بوابة البدايات
يستعيد الكناني تلك المرحلة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنّ المسرح والأفلام القصيرة شكّلا المساحة المتاحة أمام الممثلين وصنّاع الأفلام والمهتمين بالفنّ، في ظلّ صعوبة الوصول إلى شاشة التلفزيون ومحدودية العروض المسرحية. ومع صعود النشر عبر الإنترنت، وجدت بعض تلك الأفلام طريقها إلى الجمهور، ثم اتّجه صنّاعها إلى المحتوى المرئي عبر «يوتيوب»، المنصة التي تتيح لهم الوصول بإمكانات إنتاجية بسيطة.
وأخذته البرامج إلى سنوات طويلة من العمل، حتى اتّسعت المسافة بينه وبين التمثيل. ويتحدّث الكناني بصراحة عن تلك المرحلة التي يراها «منطقة راحة»، إذ وجد في تقديم البرامج مهمّة أسهل، إلى حد ما، من الجهد الذي يتطلّبه بناء شخصية درامية. ومع ذلك، جاءت العودة بالطريقة التي تمناها؛ من خلال فيلم أحبَّه، وكواليس شَعَرَ فيها بالألفة، وفريق وجد برفقته متعة التجربة.
يتناول الكناني تجربته الجديدة بقدر واضح من الشفافية. وعند سؤاله عن قدرة الممثل على الاحتفاظ بلياقته الفنية طوال سنوات الغياب، يقرّ بتأثير المسافة الزمنية في أدائه، مشيراً إلى أنّ ذلك ظهر خلال تصوير «عكس سير». فالتمثيل، في نظره، ممارسة تحتاج إلى استمرارية، والعودة إليه بعد سنوات تضع الممثل أمام تحدّي استحضار أدواته واستعادة علاقته بالكاميرا والشخصية.
ويمنح الكناني زملاءه، لا سيما المخرج عبد العزيز الشلاحي، جانباً مهماً من الفضل في تجاوز ذلك التحدّي، إذ ساعده وجود فريق محترف على تقليص أثر الغياب وخَلْق بيئة تتيح له استعادة إيقاعه تدريجياً. ويؤكد أنه بذل جهده للوصول إلى الشخصية بالصورة المناسبة، تاركاً للجمهور الحُكم على نتيجة هذه العودة.

«لقيمات»... صورة صنعتها مرحلة
من بين المحطات التي صنعت حضور الكناني الجماهيري، يبرز برنامج «لقيمات»، الذي قدَّم عبره قراءة ساخرة للأعمال التلفزيونية، وتحوّل بمرور الوقت إلى جزء أساسي من صورته لدى الجمهور. وصحيح أنّ نجاح البرنامج منحه انتشاراً واسعاً، فإنه في الوقت عينه أسهم في تأخير خطوات أخرى في مسيرته، ورفع حجم التحدّي الشخصي أمام انتقاله إلى تجارب فنّية جديدة.
وينظر الكناني إلى «لقيمات» على أنه «برنامج مرحلة»، ارتبط بالحاجة الثقافية والفنية في زمنه، إذ كان المحتوى الذي يقدّمه، وفق رؤيته، مناسباً للحظة التي ظهر فيها. وحين شَعَرَ بتحوّل المرحلة، اختار إيقافه رغم استمرار مشاهدته وانتشاره. فالظهور بالنسبة إليه ارتبط دائماً بجدوى المحتوى وصلته بالزمن الذي يُقدَّم فيه، أكثر من ارتباطه بفكرة الحضور المستمر أمام الجمهور.
من الهامش إلى صناعة منظَّمة... وجيل «يوتيوب»
وبين بداياته في الأفلام القصيرة وعودته اليوم عبر فيلم روائي طويل، يرى الكناني أنّ كفّة المقارنة تميل بوضوح إلى المرحلة الراهنة؛ فقد اكتسبت الفنون اعترافاً رسمياً وتنظيماً مؤسّسياً، وظهرت هيئات متخصّصة تتولّى تنظيم العمل الفني وتسهيل تفاصيله، في حين اتّسعت الفرص أمام المهتمّين والعاملين في مختلف قطاعات الصناعة.
هذا التحوّل، وفق رؤيته، يخلق بيئة أكثر خصوبة للمواهب، ويمنح السينما السعودية قدرة أكبر على التطوّر والاستمرار. كما يأمل الكناني أن تثمر الجهود المبذولة نتائج إيجابية في المحصلة النهائية، خصوصاً مع اتّساع دائرة الإنتاج وتعدُّد المسارات المتاحة أمام الممثلين والكتّاب والمخرجين وصنّاع المحتوى.
ينتمي الكناني زمنياً إلى جيل صنع حضوره عبر «يوتيوب»، وهو الجيل الذي انتقل عدد من أسمائه، في السنوات الأخيرة، إلى الأفلام والمسلسلات. ومع الجدل المتكرّر حول تحوّل صنّاع المحتوى إلى الوجوه الجديدة للسينما، يفضّل الكناني النظر إلى جودة التجربة والنتيجة التي تصل إلى الجمهور، بعيداً عن وضع المبدعين في تصنيفات ثابتة.
ويقول: «لا أميل كثيراً إلى التصنيفات، بل إلى النتائج»، مضيفاً أنّ «يوتيوب» يبقى منصة من بين منصات عدّة، وأنّ الموهبة الجيّدة قادرة على الوصول إلى السينما السعودية، أياً كان المكان الذي بدأت منه: «الساحة تتّسع للجميع، وترغب في مزيد يُشكّل إضافة إيجابية، فبلدنا كبير وقصصنا كثيرة».

نصّ أعاده إلى التمثيل
بدا «عكس سير» مشروعاً جاذباً للكناني منذ البداية، خصوصاً مع وجود الكاتب مفرج المجفل والمخرج عبد العزيز الشلاحي، اللذين يملكان رصيداً من التجارب الناجحة. ويرى أنّ العمل معهما يشكّل فرصة يرغب أي ممثل في خوضها، إلى جانب مشاركة مجموعة من الممثلين الذين يقدّر تجاربهم، منهم عبد العزيز الشهري ومؤيد النفيعي.
أما العامل الحاسم فكان النصّ. منذ القراءة الأولى، وجد الكناني أمامه حكاية جيدة وممتعة، تحمل ما يكفي من العناصر التي تحفّز الممثل على التمسّك بالمشاركة. وبعد انطلاق الفيلم في الصالات، استقبل ردود الفعل الأولى وأرقام المبيعات بشعور من الرضا؛ إذ حقّق «عكس سير» خلال أسبوعه الأول إيرادات بلغت 3.5 مليون ريال، عبر بيع نحو 72 ألف تذكرة، محتلاً المركز الرابع في شباك التذاكر السعودي، في بداية منحت فريق العمل مؤشراً إيجابياً على استقبال الجمهور للتجربة.
وتبقى شخصية «ناجي» في الفيلم الرهان الأقرب إلى الكناني في هذه العودة. ويختم حديثه بعبارة تختصر علاقته بها والجهد الذي بذله فيها: «اجتهدتُ وحاولتُ تقديمها من القلب، وآملُ أن تدخل القلوب».




