مصر: انتشال 4 قطع أثرية غارقة من «ميناء أبو قير» في الإسكندرية

للمرة الأولى منذ عام 2009

بعض القطع المنتشلة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)
بعض القطع المنتشلة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

مصر: انتشال 4 قطع أثرية غارقة من «ميناء أبو قير» في الإسكندرية

بعض القطع المنتشلة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)
بعض القطع المنتشلة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

لأول مرة منذ 16 عاماً تعلن مصر عن انتشال قطع أثرية من تراثها المغمور تحت المياه؛ إذ استخرجت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، 4 قطع أثرية من مياه البحر المتوسط عند منطقة ميناء أبو قير بالإسكندرية، أمام كاميرات وسائل الإعلام، في إطار إحياء اليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار محمد إسماعيل خالد، في مؤتمر صحافي، إن «أغلب التماثيل التي تم العثور عليها في المنطقة فقدت رأساً أو قدماً أو أجزاء أخرى منها، وهو ما قد يكون ناتجاً عن تعرض المدينة لزلزال أو حدث طبيعي أدى إلى تكسيرها وغمرها بالمياه».

وأوضح أن «العمل بدأ في الأرض المجاورة لميناء أبو قير منذ عام 2023 حيث تم العثور على آثار، وامتدت الحفائر إلى البحر حيث تم العثور على بقايا مدينة»، لافتاً إلى أنه «سيتم الإعلان عن قطع أخرى قريباً، بينها سفينة مغمورة تحت المياه».

انتشال قطع أثرية مغمورة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وفي منتصف عام 2021 أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن اكتشاف بقايا سفينة حربية، حطمها زلزال مدمر في القرن الثاني قبل الميلاد لتغرق تحت سطح البحر، في منطقة خليج أبو قير بالإسكندرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك ضمن أعمال الحفائر بمدينة «هيراكليون» الغارقة.

وأكدت أعمال المسح والدراسة بالموقع أنه يمثل مدينة متكاملة المرافق تضم مباني ومعابد وصهاريج مياه وأحواضاً لتربية الأسماك، تعود للعصر الروماني. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن الموقع قد يكون امتداداً لمدينة «كانوب» الغارقة التي تم العثور على الجانب الشرقي منها.

وخلال الحفائر تم الكشف عن أرصفة موانٍ وأحواض زراعة سمكية، وبقايا تماثيل أثرية وعملات معدنية. وانتشل الغطاسون، الخميس، ثلاثة تماثيل غير مكتملة، بينها تمثال من «الكوارتز» على شكل «أبو الهول» منقوش عليه خرطوش «رمسيس الثاني»، وتمثال ملكي من الجرانيت مكسور الرقبة والركبتين لشخص غير معروف، ولكن يمكن تأريخه بأواخر العصر البطلمي، وهو في نفس حجم التمثال الذي تم انتشاله قبل 25 عاماً والمعروض حالياً في «المتحف الكبير».

وأخرج الغطاسون أيضاً تمثالاً غير مكتمل من الرخام الأبيض لرجل روماني من النبلاء، إضافة إلى «رحايا أولينثوس»، وهي الأولى من نوعها التي يتم اكتشافها في مصر.

جزء من تمثال يعود للعصور القديمة في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وكانت آخر عملية انتشال آثار غارقة في مصر عام 2009، حيث انتشلت هيئة الآثار آنذاك برج البوابة الضخمة الخاصة بمعبد «إيزيس»، من الميناء الشرقي المجاور لـ«قلعة قايتباي» بالإسكندرية، والذي يبلغ ارتفاعه مترين وربع المتر، ويزن 9 أطنان.

وتحمي اتفاقية «اليونيسكو» الموقعة عام 2001 التراث المغمور في المياه، وتحث على عدم انتشال الآثار وتركها في مكانها. وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار إن «مصر لم تخرج آثاراً من المياه منذ 25 عاماً إلا للضرورة أو خوفاً عليها».

تماثيل أيقونية متنوعة في معرض للآثار الغارقة بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

وتشهد منطقة «ميناء أبو قير» أعمال توسعة وتطوير في إطار تطوير مدينة الإسكندرية وجعلها مدينة سياحية. والمنطقة التي عُثر فيها على الآثار كانت معروفة منذ ثلاثينات القرن الماضي، لكن كان من الصعب القيام بحفائر أو انتشال الآثار في ظل الإمكانات التي كانت متاحة وقتها.

وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، أشار في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى فكرة إنشاء متحف للآثار الغارقة تحت الماء، وقال: «الفكرة لا تزال قيد الدراسة»، لكنه لم يعد بتنفيذها، ولا سيما أن «هناك عقبات عدة أمامها لا تتعلق فقط بالتكلفة، بل بمدى الرؤية تحت الماء والتغيرات المناخية»، على حد تعبيره.

جهود انتشال الآثار الغارقة مستمرة (الشرق الأوسط)

ويأتي انتشال القطع الأثرية في إطار إحياء اليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه؛ إذ نظمت وزارة السياحة والآثار مجموعة من الفعاليات يومَي 20 و21 أغسطس (آب) الجاري بعدد من المتاحف والمواقع الأثرية بمحافظة الإسكندرية.

وفي هذا الإطار افتتح وزير السياحة والآثار المصري، مساء الأربعاء، معرضاً مؤقتاً بمتحف الإسكندرية القومي بعنوان «أسرار المدينة الغارقة»، ويضم المعرض 86 قطعة من مكتشفات مدينتَي «كانوب» و«هيراكليون» بخليج أبو قير شرق مدينة الإسكندرية، وهي «تعكس جوانب من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية في العصرين البطلمي والروماني».

الآثار الغارقة تم الاحتفاء بها في معرض بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

ومدينة «هيراكليون» هي واحدة من المدن القديمة، وكانت من أكبر مواني مصر على مدى عدة قرون قبل تأسيس مدينة الإسكندرية بواسطة الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، وظلت المدينة مفقودة لسنوات طويلة تحت سطح البحر بعد أن أغرقتها الزلازل وموجات المد التي تسببت في هشاشة الأرض وانهيار مساحة تصل إلى 110 كيلومترات مربعة من الأرض، لتغرق مدينة «هيراكليون» ومعها مدينة «كانوب» تحت سطح البحر.

إحدى القطع المنتشلة أخيراً بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

وأعيد اكتشاف المدينتين بواسطة بعثة المعهد الأوروبي للآثار الغارقة (IEASM) بالتعاون مع الإدارة المركزية للآثار الغارقة بوزارة السياحة والآثار، في الفترة ما بين 1999 و2001.

كما افتتحت أيضاً مكتبة بالمتحف تضم كتباً متخصصة في الآثار الغارقة، ومجموعة من 1100 كتاب متنوعة التخصصات؛ ما بين آثار مصرية قديمة ويونانية ورومانية وقبطية وإسلامية والعصر الحديث، والأدلة المتحفية، وكتب متخصصة في علوم الترميم والصيانة، ومجموعة متنوعة من الكتب في موضوعات ثقافية واجتماعية، وكتب للأطفال، كما تتميز المكتبة بآليات الإتاحة لغير المبصرين.

وقال فتحي إن «المعرض يمثل ثمرة تعاون بين المجلس الأعلى للآثار والبعثات الأجنبية العاملة في مصر؛ إذ تستضيف البلاد أكثر من 300 بعثة أثرية تعمل في مجال الحفائر»، مشيراً إلى أن «مدينة الإسكندرية هي واحدة من أجمل مدن العالم بما تحمله من مزيج فريد بين التاريخ والحداثة، وأنها تستحق مكانة أكبر على خريطة السياحة العالمية». وأضاف أن «الوزارة ستعمل خلال الفترة المقبلة على إدماج مدينة الإسكندرية ضمن برامج الرحلات السياحية وربطها بالساحل الشمالي الذي يشهد إقبالاً متزايداً، بما يعزز من تدفق الحركة السياحية».

بعض القطع المنتشلة يشير إلى تعرض المدينة القديمة لزلزال (الشرق الأوسط)

ولفت إلى «النمو الملحوظ الذي يشهده قطاع السياحة في مصر؛ إذ تجاوز عدد السياح 15.8 مليون سائح خلال العام الماضي». وقال إن «مصر تتمتع بتنوع سياحي فريد في المنتجات السياحية».

وعدّ محافظ الإسكندرية الفريق أحمد خالد، افتتاح المعرض «حدثاً حضارياً فريداً يبرز الدور التاريخي العريق للإسكندرية كجسر للتواصل بين الشرق والغرب، وعاصمة للثقافة والحوار على شاطئ البحر المتوسط»، مؤكداً أن الإسكندرية ماضية نحو أن تكون متحفاً مفتوحاً يعرض وجه مصر الحضاري، ويعزز مكانتها السياحية عالمياً.


مقالات ذات صلة

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

حطام قرب أعمدة رومانية في موقع مقبرة البص الأثري في صور المسجل في منظمة اليونسكو (رويترز) p-circle

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

اقتلع تاج من أعلى عمود ‌أثري في موقع مدرج على قائمة منظمة «يونسكو» بمدينة صور الساحلية في لبنان، ودمر موقع ديني في بلدة جنوبية أخرى.

«الشرق الأوسط» (صور - بيروت)
المشرق العربي أعمدة وبقايا أثرية بقرية سبسطية القديمة قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة 4 يونيو 2026 (رويترز)

فلسطينيون ينددون بمساعي إسرائيل للسيطرة على مواقع أثرية في الضفة الغربية

أثار مشروع قانون إسرائيلي يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة المدنية على مواقع أثرية في الضفة الغربية انتقادات من الفلسطينيين وجماعات حقوقية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
ثقافة وفنون نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

«قديم من أيام الإنجليز»؛ عبارة يمكن سماعها على ألسنة المصريين، للإشارة إلى مبانٍ ومنشآت تعود إلى زمن الاحتلال البريطاني لمصر (1882- 1956م).

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

عثرت البعثة الأثرية المصرية على مقبرتَين تعودان إلى العصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
TT

توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)

يعود المخرج البريطاني توني كاي إلى واحدة من أكثر التجارب اضطراباً وتأثيراً في مسيرته المهنية من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «همبتي دمبتي إكس» (Humpty Dumpty X)، الذي يستعيد فيه كواليس صناعة فيلمه الشهير «التاريخ الأميركي إكس» الذي عُرض عام 1998، ولكن من منظور شخصي وإنساني مختلف تماماً.

الفيلم الوثائقي البريطاني - الأميركي الممتد لـ75 دقيقة، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، لا يكتفي بسرد تفاصيل الخلافات التي أحاطت بصناعة العمل في أواخر التسعينات، بل يتحول إلى رحلة داخل عقل المخرج نفسه، إذ يعيد النظر في سنوات الطموح والغضب والصدام مع هوليوود، محاولاً فهم ما جرى له كمخرج شاب كان يسعى بكل قوة للحفاظ على صوته الفني داخل منظومة سينمائية ضخمة ومعقدة.

أصبح المخرج البريطاني يمارس هواية الرسم منذ سنوات (الشركة المنتجة)

ومن خلال لقطات أرشيفية ومواد صوّرها بنفسه على مدار سنوات، يقدم «كاي» صورة شديدة الصراحة عن نفسه، بما فيها لحظات الانفعال والارتباك والهشاشة، في محاولة لفهم الماضي وإعادة بناء الذات من جديد.

ويُعد «التاريخ الأميركي إكس» من أبرز أفلام الدراما والجريمة في التسعينات، وهو من كتابة ديفيد ماكينا، ورُشح بطله إدوارد نورتون لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في الفيلم، الذي دارت أحداثه حول «ديريك فينيارد»، الشاب المنتمي لجماعات النازيين الجدد في لوس أنجليس، الذي يخرج من السجن بعد سنوات ليحاول إنقاذ شقيقه الأصغر من السقوط في دوامة الكراهية والعنف التي دمرت حياته، متطرقاً لقضايا العنصرية والتطرف والهوية داخل المجتمع الأميركي.

ويقول المخرج البريطاني توني كاي لـ«الشرق الأوسط»، في حوار عبر تطبيق «زووم»، إن فيلمه الوثائقي جاء بعد رحلة طويلة من التفكير ومحاولة فهم ما حدث له أثناء صناعة «التاريخ الأميركي إكس»، مؤكداً أن «مرور نحو 3 عقود منحه القدرة على رؤية التجربة بشكل أكثر نضجاً وهدوءاً».

وأضاف أن «الفيلم بالنسبة له يشبه لوحة فنية متعددة الطبقات، ظل يعمل عليها سنوات طويلة»، موضحاً أن «ما بدأ كصراع حول فيلم، تحول مع الوقت إلى تأمل أوسع في الطموح والذاكرة والنجاة والثمن النفسي للإبداع».

وأشار كاي إلى أن «التاريخ الأميركي إكس» كان أول أفلامه السينمائية، ووقتها كان مخرجاً شاباً مليئاً بالحماس والطموح، ويحاول حماية صوته الفني داخل منظومة هوليوودية ضخمة وسريعة ومعقدة، لافتاً إلى أن «التجربة لم تعد بالنسبة له مجرد معركة قديمة، بل أصبحت درساً إنسانياً وفنياً عن معنى الإبداع والهوية والقدرة على الاستمرار، وهو ما يلمسه من الأجيال الجديدة التي ما زالت حتى اليوم تتحدث معه عن تأثير الفيلم عليها، وهو ما يعتبره أكبر إنجاز حققه العمل».

قدم الفيلم رؤية حملت نظرة مختلفة من المخرج البريطاني (إدارة المهرجان)

وأكد أنه كان يجلس يوماً داخل طائرة ويفكر في مسؤوليته تجاه «التاريخ الأميركي إكس»، ورغبته في صناعة فيلم يمكنه تغيير عقلية شخص واحد على الأقل، وإقناعه بأن الكراهية والغضب لا يقودان إلى أي مكان، مشيراً إلى أن «الفيلم تحول مع مرور الوقت إلى مادة تُدرّس في الجامعات، وهذا الأمر جعله يدرك كيف تغير معنى العمل عبر السنوات، لا سيما بعدما شاهده جيل جديد بطريقة مختلفة تماماً عن وقت عرضه الأول».

وشدد كاي على أن «فيلمه الوثائقي الجديد ليس مجرد محاولة لاستعادة الماضي، بل محاولة لفهمه وتحويله إلى تجربة مفيدة للآخرين، خصوصاً صناع الأفلام الشباب، لافتاً إلى أن إعادة مشاهدة اللقطات القديمة كانت بالنسبة له مزيجاً من التأمل والمواجهة والنجاة النفسية، لأن الزمن غيّر طريقته في رؤية نفسه، واستطاع أخيراً أن يرى الصورة كاملة، ليس فقط ما كان يحدث حوله، بل أيضاً ما كان يحدث داخله».

المخرج البريطاني توني كاي قبل حلق لحيته (الشركة المنتجة للفيلم)

ووصف المخرج البريطاني بعض اللحظات بأنها كانت صعبة ومؤلمة لكونها كشفت له نسخة أصغر سناً من نفسه، مليئة بالطموح والانفعال والرغبة المستمرة في إثبات الذات، لكنه شعر أن الهروب من تلك المشاهد سيكون نوعاً من الكذب، لافتاً إلى أن الفيلم كان يجب أن يكون صادقاً بالكامل، خصوصاً إذا كان سيحمل أي قيمة حقيقية للأجيال الجديدة من المخرجين والفنانين.

وأوضح كاي أن أكثر ما تغيّر داخله مع مرور الوقت هو نظرته إلى تلك الفوضى القديمة، مؤكداً أنه توقف عن رؤية اللقطات كدليل على الصراع فقط، وبدأ يراها كجزء من حكاية إنسانية أكبر عن الإبداع، والضغط النفسي، والخوف، والرغبة في التمسك بالرؤية الفنية داخل نظام أكبر بكثير من الفرد نفسه.

وأشار إلى أن «الفوضى نفسها كانت جزءاً أساسياً من الفيلم، دون أن يحاول تقديم نفسه بصورة أكثر تماسكاً أو بطولة قد تُفقد العمل قيمته الحقيقية، لأن الفن الحقيقي لا يولد من اليقين، بل من الشك والخوف والهشاشة والرغبة المستمرة في خلق شيء له معنى، موضحاً أن إبقاء الكسور والجروح ظاهرة داخل الفيلم جعله أكثر صدقاً واكتمالاً».

واختار المخرج شخصية «همبتي دمبتي» - التي ترمز في الثقافة الإنجليزية للسقوط والانكسار - لتكون اسم الفيلم، مستعيداً من خلالها الخلافات التي حدثت بينه وبين شركة الإنتاج خلال خوض أولى تجاربه السينمائية.

لكن كاي يؤكد أن اختيار الاسم في الفيلم ليس عن السقوط أو التدمير، بل عن إعادة البناء والتعلم من الأخطاء، ومحاولة مساعدة الفنانين الشباب حتى لا يفقدوا أنفسهم بالطريقة نفسها، مشيراً إلى أن تجربته الوثائقية تجاوزت فكرة الحديث عن «التاريخ الأميركي إكس»، ليصبح فيلماً عن الفن نفسه، وعن الثمن النفسي والعاطفي والروحي للإبداع.

وأضاف أن «العمل يتناول فكرة التضحية، وما الذي يمكن أن يقدمه الفنان مقابل حلمه أو رؤيته الفنية»، مؤكداً أن «الشغف بالإبداع قد يكون ملهماً وقاسياً في الوقت نفسه».

وأشار كاي إلى أن تجربته مع «التاريخ الأميركي إكس» غيّرت فهمه لفكرة التعاون الفني، موضحاً أنه «كان ينظر للأمر بشكل بسيط في البداية، قبل أن يكتشف أن كل شخص داخل أي فيلم يحمل ضغوطه، وخوفه، وطموحه الخاص، وأن أهم ما تعلمه هو أن التعاون لا يتعلق بالانتصار الشخصي، بل بإيجاد إيقاع جماعي يحمي العمل ويحمي المشاركين فيه».


أغنية فريق «هارموني عربي» لدعم «الفراعنة» تثير جدلاً في مصر

من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
TT

أغنية فريق «هارموني عربي» لدعم «الفراعنة» تثير جدلاً في مصر

من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)

أثارت أغنية لفريق «هارموني عربي» لدعم المنتخب المصري في كأس العالم 2026 جدلاً في مصر، بعدما أثنت في كلماتها على عدد من لاعبي الفريق وحملت انتقاداً للاعب المنتخب ونادي «مانشستر سيتي» الإنجليزي عمر مرموش، بينما شجعت الأغنية عدداً من زملائه من بينهم محمد صلاح ومصطفى شوبير.

الفريق الذي اعتاد تقديم أغانيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الغناء الجماعي لأعمال مختلف الفنانين وتقديمها بشكل موسيقى مختلف، أعاد استخدام إعلان ترويجي لوصول المنتخب لكأس العام عام 2018 مع تغيير الكلمات والإبقاء على الألحان التي استخدمت في أغنية «جدو علي» التي قدمها الفنان المصري محمد ثروت.

ومع الإشادة برؤية مدرب المنتخب المصري حسام حسن والتأكيد على أن القرار الأخير له والإشادة بعدد من اللاعبين، استخدم الفريق تقنية الأبيض والأسود مع الغناء بحزن عند الحديث عن عمر مرموش الذي واجه انتقادات لأدائه خلال الأيام الماضية.

وغيّرت الفرقة من أسماء اللاعبين الذين تضمنهم الإعلان السابق ليكون بأسماء اللاعبين في المونديال الحالي، فيما انقسمت الآراء بالتعليقات حول الأغنية والانتقادات التي طالت مرموش فيها، تحدث آخرون عن إعجابهم بالأداء والفكرة.

ردود الفعل المتباينة على الأغنية التي تضمنتها الأغنية دفعتها لتحقيق مئات الآلاف من المشاهدات بوقت قصير عبر الحساب الرسمي للفرقة على «فيسبوك»، بجانب تداولها عبر عدة صفحات على نطاق واسع داخل مصر.

وقال قائد فرقة «كورال هارموني» محمود وحيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الفكرة جاءت ارتباطاً بالتفاعل والاهتمام الجماهيري بكأس العالم في المقام الأول ولم يكن المقصود منها التقليل أو الانتقاص من شأن أي لاعب، بل على العكس جرى تقديم الأغنية بشكل ساخر».

شجعت الأغنية بعض اللاعبين في المنتخب (اتحاد الكرة)

وأضاف وحيد أن «اختيار أسماء اللاعبين لم يكن مقصوداً منه تجاهل الآخرين الذين لم يتم ذكرهم أو التقليل من شأن عمر مرموش الذي تعرض للانتقاد بالأغنية، باعتبار أن هذا الرأي ذكره عدد من المحللين المختصين بكرة القدم، وتم ذكره على الشاشات في البرامج المختلفة».

لكن الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد اعتبر أن «ما قدم حمل إساءة للاعب المصري ولم يكن من اللائق تقديمها في هذا التوقيت مع وصول المنتخب المصري لدور الـ32 في المونديال ووجود التفاف شعبي لتشجيعه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الطريقة التي جرى بها ذكر اسم مرموش في الأغنية والأداء التصويري المصاحب قدمه بشكل سيء».

كما عَدّ توقيت طرح الأغنية «غير موفق»، وفق رأيه، في ظل الاحتفالات الشعبية التي صاحبت تأهل المنتخب وصيفاً لمجموعته بفارق الأهداف فقط، مؤكداً أن الحفاظ على الروح المعنوية للاعبين أمر كان يجب مراعاته، لأهميته مع اعتبار ما جرى تقديمه لم يكن سخرية بقدر ما حمل إساءة للاعب في المنتخب حتى لو لم يكن موفقاً في آخر مبارياته.

وهنا يشير قائد الفرقة إلى تفهمه الانتقادات والآراء المختلفة معهم في الأغنية، لافتاً إلى أنهم اعتادوا على «وجود تباين في الآراء حول ما يقدمونه فنياً باعتبار أن الأذواق تختلف وما يعجب شخصاً قد لا يعجب شخصاً آخر، مع تأكيد الحرص على دعم وتشجيع المنتخب المصري»، وفق قوله.

وأكد أن الانتقادات هذه المرة والتفاعل مع الأغنية كانا أكبر من أي تجربة سابقة قدموها عبر حساباتهم بمواقع التواصل، لكن في الوقت نفسه لم يجعلهم هذا الأمر يفكرون في حذف الأغنية؛ لقناعتهم بالفكرة التي قدموها.


إلهام علي: السينما تاريخ لا يُمحى... ولا أؤمن بـ«الفنانة الأولى»

تبدي إلهام علي استعدادها للعمل في السينما بلا مقابل في حال جودة العمل (MBC Talent)
تبدي إلهام علي استعدادها للعمل في السينما بلا مقابل في حال جودة العمل (MBC Talent)
TT

إلهام علي: السينما تاريخ لا يُمحى... ولا أؤمن بـ«الفنانة الأولى»

تبدي إلهام علي استعدادها للعمل في السينما بلا مقابل في حال جودة العمل (MBC Talent)
تبدي إلهام علي استعدادها للعمل في السينما بلا مقابل في حال جودة العمل (MBC Talent)

رغم حضورها اللافت في الدراما التلفزيونية، لا تزال الممثلة السعودية إلهام علي بعيدة نسبياً عن السينما، إذ تقتصر مشاركاتها على عدد قليل من الأفلام مقارنة بالمسلسلات التي تتصدر بطولتها. وفي ردها على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، أرجعت ذلك إلى ما يتردد عن ارتفاع أجرها، قبل أن تؤكد أن معيارها الحقيقي هو جودة العمل وقوة النص، قائلة: «ما يهمني هو العمل الجيد، وسأعمل عليه حتى وإن كان بلا مقابل».

تؤمن إلهام بأن السينما تمثل «تاريخاً لا يُمحى» مقارنة بأعمال التلفزيون التي يتجاوزها الجمهور سريعاً، وذلك خلال إجابتها في الجلسة الحوارية التي استضافها مهرجان أفلام السعودية في مركز إثراء بمدينة الظهران، مشيرة إلى أن ارتياد السينما ليس أمراً سهلاً؛ فحين يدفع الجمهور ثمن التذكرة ويتكبد عناء الحضور، فإن توقعاته تكون مختلفة تماماً عن مشاهدة مسلسل في بيته. وأضافت مؤكدة على خصوصية الفن السابع: «الجمهور يريد قصة سينمائية، وليس نقل قصص التلفزيون إلى السينما».

وحتى الآن، في رصيد إلهام علي نحو 9 تجارب ما بين الأفلام الروائية والقصيرة، من أهمها «المسافة صفر» و«بلوغ»، قبل أن تسجل أحدث إطلالاتها السينمائية في 2023 عبر فيلمي «تشيللو» و«السجين»، لتبقى السينما مساحة أقل حضوراً في مسيرتها مقارنة بالدراما التلفزيونية.

الممثلة السعودية إلهام علي خلال حديثها في مهرجان أفلام السعودية (المهرجان)

رحلة صناعة الشخصية

خلال حديثها، استحضرت إلهام عدداً من أعمالها الدرامية البارزة، مستشهدة بمسلسلات مثل «اختطاف» و«سندس» و«خريف القلب» و«شارع الأعشى»، التي شكلت محطات مهمة في مسيرتها، واستندت إليها في شرح فلسفتها في اختيار الأدوار وصناعة الشخصية.

ورغم اعترافها بأنها لا تفضل تقديم أجزاء جديدة من المسلسلات، فإنها أبدت حماستها لتقديم الجزء الثالث من «سندس»، مرجعة ذلك إلى شح الأعمال الموجهة إلى العائلة والطفل. ومن اللافت ما قالته خلال الجلسة الحوارية من أنها تتعامل مع كل عمل كما لو كان الأخير في مسيرتها، انطلاقاً من حرصها على تقديم أقصى ما لديها في كل تجربة.

وبتفاصيل أعمق حول صناعة الشخصية، كشفت إلهام عن أنها لا تتعامل مع الأدوار التي تقدمها بوصفها نصوصاً جامدة، بل تحرص على تفكيك الشخصية والبحث عن منطقها الدرامي، مؤكدة أنها تطرح على الكاتب أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها قد تكشف ثغرات في بنية الشخصية. وأضافت: «أنا مغرمة بالتفاصيل؛ لأن الشخصيات متاحة للجميع، لكن التفاصيل هي التي تصنع الفارق».

واستشهدت بشخصية «المخطوفة» في مسلسل «اختطاف»، موضحة أنها كُتبت في السيناريو بصورة مختلفة عما ظهر على الشاشة. وأضافت أن سلسلة من الأسئلة التي ناقشتها مع الكاتبة أماني السليمي قادت إلى تطوير الشخصية، إذ أدرك الطرفان أن الجمهور قد يطرح التساؤلات نفسها، مؤكدة أن هذه المشاركة والتشاور يمثلان جزءاً أساسياً من صناعة العمل الدرامي.

إلهام علي تلتقي بجمهورها على السجادة الحمراء (المهرجان)

فنانة السعودية الأولى

ولطالما كان لقب «فنانة السعودية الأولى» محل جدل بين الجمهور، الذين وضعوا الأمر وكأنه أشبه بمنافسة بين الممثلات اللاتي يتصدرن المشهد من الجيل نفسه، وعلى رأسهن إلهام علي، التي علقت لـ«الشرق الأوسط» على ذلك بهدوء، قائلة «لا أؤمن بوجود الأول في مجالنا، إنما كلنا أوائل ونسعى لأن نكون الأفضل».

وتطرقت إلى التحديات التي تواجه الممثلات والممثلين اليوم، وذلك خلال الجلسة الحوارية التي جاء بعنوان «المنصات والدراما الجديدة: تحولات الأداء وحدود الحرية». مبينة أن المنصات باتت تعتمد بصورة متزايدة على لغة الأرقام، سواء في المشاهدات أو مبيعات التذاكر، معتبرة أن هذه اللغة قد تبدو ظالمة للبعض، لكنها تظل مهمة في الوقت نفسه. كما شاركت رؤيتها حول علاقة الفنان بالجمهور، وتطور صناعة الدراما والسينما في زمن المنصات الرقمية.

تجربة أدبية غير مكتملة

وربما لأول مرة تتحدث إلهام عن جانب آخر من اهتماماتها الإبداعية، متناولة روايتها الوحيدة «بالعين المجردة»، التي أصدرتها عام 2016، وقالت إنها تتردد في الحديث عنها رغم اعتزازها بها. وأوضحت أن رغبتها في كسر الصورة النمطية التي تصف الفنان بأنه «سطحي وغير مطلع» وهو ما دفعها للكتابة.

وبأسلوب ساخر تطرقت إلى تواضع مبيعات الرواية قائلة: «الحمد لله أنها نجحت بين أهلي الذين اقتنوها وأحبوها»، وفي ختام حديثها كشفت إلهام أنها تفكر مستقبلاً في التفرغ للكتابة باعتبارها شغفها الثاني، مضيفة: «إذا اكتفيت يوماً ما من التمثيل، فقد أدخل عالم الكتابة».