«حصلت على فرصة ثانية»... راكب قوارب ابتلعه الحوت ثم لفظه يصف تجربته (فيديو)

راكب الكاياك أدريان سيمانكاس (أ.ب)
راكب الكاياك أدريان سيمانكاس (أ.ب)
TT

«حصلت على فرصة ثانية»... راكب قوارب ابتلعه الحوت ثم لفظه يصف تجربته (فيديو)

راكب الكاياك أدريان سيمانكاس (أ.ب)
راكب الكاياك أدريان سيمانكاس (أ.ب)

قال راكب الكاياك أدريان سيمانكاس الذي ابتلعه حوت ثم لفظه حياً: إنه أمضى ثانية ليدرك أنه داخل فم شيء. وقال: «لقد أمضيت ثانية أدرك فيها أنني كنت داخل فم شيء ما، ربما أكلني، ربما كان حوتاً قاتلاً أو وحشاً بحرياً».

وتابع سيمانكاس (24 عاماً) لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أنه سرعان ما أدرك أنه تم ابتلاعه بسبب المادة المخاطية.

كان سيمانكاس يمارس رياضة التجديف قبالة بونتا أريناس بمنطقة باتاغونيا في جنوب تشيلي في الثامن من فبراير (شباط) عندما خرج الحوت الأحدب من الماء وابتلعه هو وقارب الكاياك الأصفر الخاص به، ولفظه الحوت من دون أن يصاب بأذى، في حادثة مذهلة صوّرها والد الشاب وانتشرت على نطاق واسع.

وقال أدريان: إنه بدأ يفكر في كيفية بقائه على قيد الحياة داخل الحوت الأحدب. وكان راكب الكاياك الفنزويلي يتجول عبر مضيق ماجلان، قبالة ساحل باتاغونيا في تشيلي، مع والده عندما شعر بشيء «ضربني من الخلف، واقترب مني وأغرقني».

وأضاف: «أغمضت عيني، وعندما فتحتهما مرة أخرى، أدركت أنني داخل فم الحوت». ويتذكر: «شعرت بقوام لزج يلامس وجهي»، مضيفاً أن كل ما كان يراه كان أزرق داكناً وأبيض. وقال: «تساءلت عما يمكنني فعله إذا ابتلعني، حيث لم أعد قادراً على المقاومة لإيقافه. كان علي أن أفكر فيما يجب أن أفعله بعد ذلك». ولكن في غضون ثوانٍ، بدأ أدريان يشعر وكأنه يرتفع نحو السطح.

وتابع أدريان: «كنت خائفاً بعض الشيء من قدرتي على حبس أنفاسي لأنني لم أكن أعرف مدى عمقي، وشعرت وكأنني استغرقت وقتاً طويلاً للخروج. صعدت لمدة ثانيتين، وفي النهاية وصلت إلى السطح وأدركت أنه لم يأكلني».

في قارب كاياك قريب، كان والد أدريان دال سيمانكاس يراقب الأمر في حالة من عدم التصديق. وكان الأب وابنه قد عبرا للتو خليج إيغل -على طول الساحل من بونتا أريناس، أقصى مدينة في جنوب تشيلي- عندما سمع صوت اصطدام خلفه. وقال الأب البالغ من العمر 49 عاماً: «عندما استدرت، لم أر أدريان. كنت قلقاً، ثم رأيت شيئاً، جسداً، فسرته على الفور بأنه على الأرجح حوت بسبب حجمه».

كان دال قد ثبت كاميرا في الجزء الخلفي من قارب الكاياك الخاص به لتسجيل الأمواج المرتفعة -والتي التقطت تجربة ابنه. وعند مشاهدة مقطع الفيديو، صُدم أدريان- الذي انتقل مع والده إلى تشيلي من فنزويلا قبل سبع سنوات بحثاً عن نوعية حياة أفضل- عندما رأى مدى ضخامة الحوت. وقال: «لم أرَ اللحظة التي ظهر فيها الظهر، وكانت الزعنفة واضحة، لم أره، سمعته. هذا جعلني أشعر بالتوتر. لكن لاحقاً، مع الفيديو، أدركت أنه ظهر أمامي بالفعل بحجم ضخم لدرجة أنه ربما لو رأيته لكان قد أفزعني أكثر».

لماذا لفظه الحوت بعد ابتلاعه؟

بالنسبة لأدريان، لم تكن التجربة مجرد نجاة -لكنه قال: إنه شعر بأنه حصل على «فرصة ثانية» عندما لفظه الحوت. وأضاف أن التجربة «الفريدة» في أحد أكثر الأماكن تطرفاً على وجه الأرض «دعتني للتفكير فيما كان بإمكاني فعله بشكل أفضل حتى تلك النقطة، وفي الطرق التي يمكنني من خلالها الاستفادة من التجربة وتقديرها أيضاً».

ولكن هناك سبب بسيط لتمكنه من الهروب من الحوت بهذه السرعة، وفقاً لخبير في الحياة البرية، إذ قال عالم البيئة البرازيلي روشيد جاكوبسون سيبا لـ«بي بي سي»: إن الحيتان الحدباء لها حناجر ضيقة «بحجم أنبوب منزلي تقريباً» مصممة لابتلاع الأسماك الصغيرة والروبيان. وقال: «لا يمكنها جسدياً ابتلاع الأشياء الكبيرة مثل الزوارق أو الإطارات أو حتى الأسماك الكبيرة مثل التونة». وتابع: «في النهاية، بصق الحوت الكاياك لأنه كان من المستحيل بلعه جسدياً».

وأشار سيبا إلى أن الحوت الأحدب ربما ابتلع أدريان عن طريق الخطأ. وتابع: «من المرجح أن الحوت كان يتغذى على مجموعة من الأسماك عندما جرف الكاياك عن غير قصد مع وجبته. وعندما تطفو الحيتان على السطح بسرعة كبيرة أثناء التغذية فقد تصطدم أو تبتلع عن طريق الخطأ أشياء في طريقها».

وحذر من أن اللقاء كان بمثابة «تذكير مهم» لتجنب استخدام ألواح التجديف أو ألواح التزلج أو غيرها من السفن الصامتة في المناطق التي تسبح فيها الحيتان عادة. وأضاف أن القوارب المستخدمة لمشاهدة الحيتان والبحث يجب أن تبقي محركاتها قيد التشغيل دائماً، حيث تساعد الضوضاء الحيتان على اكتشاف وجودها.


مقالات ذات صلة

قناديل البحر تجبر محطة نووية فرنسية على إغلاق 3 مفاعلات

يوميات الشرق لقطة تُظهر قناديل البحر على شاطئ بالقرب من محطة غرافلين للطاقة النووية في شمال فرنسا (أ.ف.ب)

قناديل البحر تجبر محطة نووية فرنسية على إغلاق 3 مفاعلات

أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية «إي دي إف» أنَّ محطةً نوويةً في شمال البلاد أوقفت 3 مفاعلات بعدما تسبَّب سربٌ من قناديل البحر في انسداد مضخات تُستخدَم لتبريدها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق حيتان الأوركا القاتلة (آنسبيلاش)

رصد أسلوب صيد نادر لحيتان الأوركا

رصد فريق من الباحثين سلوك صيد نادر، لم يُوصف من قبل، لحيتان الأوركا في خليج كاليفورنيا، حيث جرى تصوير حيتان قاتلة وهي تصطدم بواحدة من أثقل الأسماك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)

فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

يُعدّ قمل البحر العملاق من نوع «باثينوميد» أحد أنواع القشريات متساوية الأرجل التي تعيش في أعماق البحار، وتشتهر بقدرتها على البقاء أكثر من 5 سنوات دون طعام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

شمس عملاقة تشرق داخل قاعة سوق بريطانية

الشمس أقرب هذه المرّة مما تسمح به السماء (الصندوق الوطني)
الشمس أقرب هذه المرّة مما تسمح به السماء (الصندوق الوطني)
TT

شمس عملاقة تشرق داخل قاعة سوق بريطانية

الشمس أقرب هذه المرّة مما تسمح به السماء (الصندوق الوطني)
الشمس أقرب هذه المرّة مما تسمح به السماء (الصندوق الوطني)

من المقرّر عرض عمل فنّي ضخم يُجسّد الشمس، للفنان لوك جيرام، في قاعة سوق غول بشرق يوركشاير، من 25 سبتمبر (أيلول) الحالي حتى 5 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويحمل العمل اسم «هيليوس»، تيمّناً بالإله اليوناني القديم الذي يرمز إلى الشمس، وقد شُيّد باستخدام أكثر من 400 ألف صورة عالية الدقة لسطح الشمس، إلى جانب بيانات رصدية من وكالة «ناسا».

وفي هذا الصدد، نقلت «بي بي سي» عن عضو مجلس إدارة إيست رايدنغ في يوركشاير، المعني بشؤون الثقافة والترفيه والسياحة، المستشار نيك كولتيش، قوله: «يسعدنا كثيراً جلب (هيليوس) إلى قاعة سوق غول، ضمن برنامج فعاليات (غول 200) المقرّرة إقامته احتفالاً بمرور 200 عام على تأسيس البلدة».

وأضاف: «لا أعتقد أنّ هناك مكاناً أنسب من قاعة السوق، التي جرى تجديدها حديثاً، إذ سيصبح هذا العمل الفنّي ذو الشهرة الدولية نقطة جذب رائعة».

وتابع: «لقد جذب (هيليوس) حشوداً كبيرة خلال جولته في المملكة المتحدة، ومن المؤكد أنه سيجلب سيلاً من الزوار إلى وسط البلدة خلال زيارته لغول».

ويبلغ قُطر العمل الفنّي 19 قدماً (6 أمتار)، وهو مضاء من الداخل. وقد أُتيحت استضافته بفضل تمويل من مجلس الفنون في إنجلترا.

وعملت مجموعة «غول 2026 للاحتفال بالذكرى المئوية الثانية»، المؤلّفة من مجلس شرق رايدنغ في يوركشاير وشركاء من المجتمع المحلّي، على إعداد برنامج فعاليات تحت شعار «حول الشمس» خلال مدّة عرض «هيليوس».

ويتضمّن البرنامج قبّة قابلة للنفخ في «جنكشن غول»، تتيح للزوار استكشاف النظام الشمسي، بالإضافة إلى حفل موسيقي يجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والأصوات الإلكترونية، مع الاستعانة بتسجيلات من «ناسا».


«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)

أعلنت مؤسّسة «بينالي الدرعية» إطلاق مجموعة جديدة من البرامج الثقافية في حيّ جاكس، ضمن أجندة شهرية تبدأ في سبتمبر (أيلول) 2026، وتضم ما بين 6 و8 فعاليات شهرياً. وتتزامن البرامج مع فعاليات رئيسية يستضيفها الحيّ، من بينها «قمة الإبداع»، ومعرض الكتب الفنية «بيبر باك (PaperBack)»، ومؤتمر «إكس بي لمستقبل الموسيقى»، مما يتيح للجمهور المشاركة في الحركة الثقافية والإبداعية الأوسع بالحيّ، ويوفّر فرصاً مستمرة للتعلم والاستكشاف.

مساحة تتعلّم فيها الفكرة كيف تصبح تجربة (بينالي الدرعية)

وتشكّل البرامج الثقافية جزءاً أساسياً من عمل مؤسّسة «بينالي الدرعية»، إذ تمتدّ إلى ما بعد دورات البينالي، لتوفر على مدار العام مساحات للتعلُّم والحوار والمشاركة في القطاع الثقافي. وفي هذا الإطار، يضم البرنامج ورشات عمل، وجلسات حوارية، وعروض أفلام، وبرامج أدائية، تجمع الفنانين والباحثين والممارسين والجمهور، وتسهّل الاطلاع على مختلف المجالات الثقافية، إلى جانب توفير فرص لتطوير مهارات إبداعية عملية والتعرّف على آفاق جديدة.

ويشهد سبتمبر عودة سلسلة «سوالف ثقافية» الشهرية، التي تستضيف ضيوفاً من مختلف المجالات لمشاركة موضوعات من اختيارهم مع الجمهور، ضمن أجواء تفاعلية يحتضنها مبنى البرامج الثقافية الدائم الذي أطلقته المؤسّسة مطلع العام الحالي. كما تضم الفعاليات مجموعة من ورشات العمل، من بينها ورشة للفنانة ياسمينا هلال في 18 سبتمبر، تتناول أساسيات اللحام وصناعة إطارات الصور يدوياً، تليها في 19 منه ورشة للأطفال عن تقنية نقل الألوان لصور البولارويد.

الأفكار أيضاً تحتاج إلى مكان تلتقي فيه (بينالي الدرعية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تتزامن الفعاليات مع «قمة الإبداع» التي تقام في حيّ جاكس بين 3 و5 منه. وضمن البرنامج، تشارك مديرة «المتحف السعودي للفن المعاصر (ساموكا)»، نورا المعشوق، والمدير السابق لقسم «فنون ما بعد الحرب والفن المعاصر» في دار «كريستيز»، غراهام ساذرن، في جلسة ضمن سلسلة حوارات «كيف التقينا»، التي تستكشف قصص اللقاءات الأولى بين شخصيات بارزة في مجالَي الفنّ والثقافة، وما نشأ عنها من تعاون وصداقات أسهمت في تشكيل مسيرتهم.

الفكرة التي تُشارَك تجد حياةً أخرى (بينالي الدرعية)

ومن المقرّر إطلاق كتاب «طُرق: نكهات ومسارات» في 21 أكتوبر المقبل، الذي يوثّق الدورة الأولى من مبادرة «مساحة البحث» التابعة للبرامج الثقافية، التي أقيمت بالعنوان نفسه خلال «بينالي الفنون الإسلامية 2025» في جدة، وجمعت عدداً من المبدعين في عالم فنون الطهي والطعام. ويصاحب إطلاق الكتاب تجربة تفاعلية من إعداد الشيف نهلة الطبّاع والفنان متعدد المواهب أوغسطين باريديس، يُعيدان من خلالها تقديم أبرز ما تضمنته «مساحة البحث».

أما في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فتتصدَّر أعمال النشر والطباعة فعاليات البرامج الثقافية، بالتزامن مع عودة معرض الكتب الفنية «بيبر باك (PaperBack)» في دورته الثالثة، بين 5 و7 منه. وقبيل افتتاح المعرض، يقدّم مشروع النشر التجريبي واستوديو البحث البصري «فسر الماء بالماء» دورة مكثّفة في الطباعة بتقنية الريزوغراف، تمتدّ من 1 إلى 4 منه. ومع انطلاق المعرض، تقام مجموعة من ورشات العمل والجلسات الحوارية التي تتناول أساليب النشر البديل، بالإضافة إلى إطلاقات حصرية لعدد من الكتب، من بينها إصدار جديد يحتفي بمدينة جدة.

موعد تتبادل فيه الفنون مقاعدها (بينالي الدرعية)

وإلى جانب ذلك، تقدم المؤسّسة، بالتعاون مع «معهد دراسات ما بعد الطبيعة»، ورشتَي عمل ومحاضرة عامة تستكشف العلاقة بين الإنسان والتقنية والبيئة، من خلال مفهوم الماورائيات والصوت والكتابة. ويُختتم الشهر مع مؤتمر «إكس بي لمستقبل الموسيقى» في «بيست هاوس»، وسيكون بإمكان الزوار حضور عدد من العروض الأدائية وجلسات الاستماع وورشات العمل الموسيقية.

الثقافة تكبر كلما خرجت من إطارها (بينالي الدرعية)

وبهذه المناسبة، صرّحت مديرة إدارة البرامج الثقافية في مؤسّسة «بينالي الدرعية»، سيبل فاسكيز: «نسعى من خلال البرامج الثقافية إلى توفير مساحة مستمرّة للتعلم والمشاركة على مدار العام، فلا يقتصر تفاعل الجمهور مع الفنّ والثقافة على المعارض والبيناليات. وتشكّل هذه البرامج جزءاً أساسياً من الحركة الثقافية الأوسع في حيّ جاكس، وتعكس التزام المؤسّسة تهيئة بيئة إبداعية تجمع بين التعلُّم والممارسة والإنتاج والتعاون على مدار العام».


الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
TT

الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)

في الميكروباص المتّجه من دمشق شمالاً، خمسة رجال ينظرون من النوافذ إلى البعيد. داخل الآليّة الصغيرة التي تُقلّهم، يتّسع بهم المكان ويُبهِرُهم ضوء النهار، فهُم اليوم أحرار. أمس فقط كانوا من نزلاء صيدنايا، أسوأ المعتقلات سُمعةً وأدناها إنسانيةً عبر التاريخ؛ السجن الذي حلموا فيه بلفتةٍ نحو السماء وكانوا كلّما لمحوا عصفوراً قالوا له: «نيّالك».

من الصعب أن تعود الضحية إلى المكان الذي شَهِد على عذاباتها، لكن هذا ما قرّر أن يفعله المعتقلون الخمسة السابقون. والعودة ليست عادية، فهي تدور وسط الدموع وذكرياتٍ دامية، تحت عين الكاميرا في فيلم وثائقي بعنوان «الجانب الآخَر من الشمس».

نال الفيلم الجزء الأكبر من الدعم من صندوق البحر الأحمر (صور المخرج)

يوم تجرّأت دمشق على الوقوف في وجه حاكمها مطلع 2011، مشى توفيق صابوني في المظاهرات رافعاً هاتفه وموثّقاً الاحتجاجات. الشاب الحالم بأن يصبح صانع أفلام، كان يكتفي حينها بدراسة الحقوق لأنّ الظروف لم تسمح بتحقيق الحلم. سرعان ما وجد في توثيق الحَراك السوري شغفه وقضيته، إلّا أنّ النقلة كانت سريعةً إلى ما وراء القضبان.

في سجن صيدنايا، المعروف بأنه ينافس كل سجون العالم وحشيّةً، جُرّد صابوني من كل شيء. لم يبقَ معه سوى عينَيه وذاكرته لتسجيل ما يرى، ووعدٍ لنفسِه بأن ينقل الصورة إلى العالم إذا ما خرج حياً.

حصد الفيلم 3 جوائز في مهرجان عمّان السينمائي (صور المخرج)

«في 8 ديسمبر (كانون الأول) بشّار الأسد هرب وأبواب السجون اللي ضلّت مسكّرة أكتر من 53 سنة فتحت. رجعتْ صوّر بالمكان اللي انحبست فيه لأني كنت عم صوّر». بهذه الكلمات يفتتح توفيق صابوني فيلمَه، بينما يداه تركّبان مجسّماً لسجن صيدنايا بزنازينه المعتمة، ومَهاجعه الرطبة، وغرفِ التحقيق المضرّجة جدرانها بالدماء، ومَراوح الهواء الصدئة التي كانت صلة الوصل الوحيدة بين المساجين والعالم.

بعد خروجه من المعتقل في 2012، عزمَ صابوني على مغادرة سوريا. سافر إلى بلجيكا حيث استقرّ ونال شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي. «عام 2022 كان قد اكتمل نص الفيلم عن تجربتي في صيدنايا وبدأ البحث عن التمويل»، يخبر المخرج السوري «الشرق الأوسط». «كان من المفترض أن يجري التصوير في استوديو في بروكسيل. ثم فجأةً سقط نظام الأسد نهاية 2024 وأسقط معه الرؤية التي كنّا قد وضعناها للفيلم».

وبما أنّ أبواب السجون فُتحت مع رحيل الأسد، بات من الحتميّ الانتقال إلى دمشق وسلوك درب صيدنايا مرةً جديدة، لتوثيق الشهادات من قلب المكان الذي ما زال مسكوناً برائحة المعتقلين الضحايا، وفق تعبير صابوني.

بعد أربعة أشهر على سقوط النظام، فُتحت أبواب صيدنايا أمام خمسة من معتقليه السابقين، وصابوني واحدٌ منهم. يكفي أن يروا المبنى – الشبَح، حتى ينهار بعضُهم باكياً مستذكراً شقيقاً أو صديقاً قضى هنا تحت التعذيب والتجويع والإهمال.

على ضوء الهواتف، يدخلون إلى زنازينَ أمضوا فيها أياماً وليالي ظنّوها لن تنتهي. «هنا مشيت فوق بركة دم»، «في هذا الحمّام الضيّق كانوا يكدّسوننا عراة فوق بعضنا»، «هنا رُميت جثة رفيقنا أرضاً بعد أن مات وهو يصارع السلّ»... تكُرّ المَشاهد أمام عيون المعتقلين السابقين.

في دهاليز سجن صيدنايا وبين مهاجعه التي تحولت إلى غرف تعذيب (صور المخرج)

في صيدنايا وسائر المعتقلات السورية، لطالما تكرّرت عبارةٌ على ألسِنة السجّانين والجلّادين؛ «رح ودّيك ورا الشمس». سمعَها صابوني خلال إحدى جلسات التحقيق، بل الضرب. من هنا جاء عنوان الفيلم، «الجانب الآخر من الشمس»، وهو جانبٌ لا يعرفه إلّا مَن عبروا في صيدنايا وقذفهم التعذيب والظلم والتجويع إلى أقصى الألم والمهانة والذلّ، فما عادوا يبصرون سوى الظلام.

مستعيناً بدميةٍ بحجم إنسان، يجسّد الوثائقي الحال التي يصل إليها السجين بعد قضائه أسابيع في صيدنايا. هي أشبَه بجثّةٍ متحرّكة، يشي لونها الترابي وعظامها النافرة ونظراتُها الفارغة بالموت الذي أصابَ روحها. «هذه الشخصية هي البطل الفعلي للفيلم»، يقول صابوني. تتكاثر تلك الدمية لتصبح كل المساجين الذين عبروا: «هي تحية للمعتقلين المغيّبين ولأرواح من قضى منهم خلال نصف قرنٍ من عمر السجن»، يضيف المخرج.

الدمية التي تجسّد السجين هي البطل الحقيقي للفيلم (صور المخرج)

بعفويّةٍ تامة ومن دون إعدادٍ تمثيليّ، يستعيد المعتقلون السابقون أفظع ما رأوا واختبروا في صيدنايا. «هنا قُتل سجين أمام عيون الجميع لمجرّد أن يعلّم السجّان رئيسَ المهجع كيف يُخرج جثّة منه»، «وفي هذا المكان اقتلع السجّان عين أحد رفاقنا فقط لأنه تجرّأ على النظر إليه»، «في هذا الحمّام كان يُرمى الطعام عمداً فنبقى أياماً على معدة فارغة». يروي المعتقلون السابقون والدموع تسبقُ كلامهم، كيف أنّ ذويهم ما عادوا قادرين على التعرّف إلى ملامحهم لفَرط ما خسروا من وزنٍ بسبب التجويع.

ثمّ يتّخذون وضعيّة القرفصاء برؤوسٍ تكاد تلامس الأرض، ويهرعون في طابورٍ سريع إلى الحمّام حيث الاستحمام لدقيقةٍ واحدة، بالمياه الباردة شتاءً والساخنة صيفاً.

بعفويّة تامة ومن دون إعداد تمثيليّ يستعيد المعتقلون أفظع ما اختبروا في صيدنايا (صور المخرج)

رغم وحشيّة ما قاست شخصيات الوثائقي وما عاينت عينا المخرج، فإنّ صابوني لم يغلق الزنازين بالكامل في وجه الإنسانيّة. أفردَ مساحةً للحب، والخيال، والمقاومة. هذه هي المفاتيح التي استندَ إليها كي يشقّ طاقةَ ضوء فلا يتحوّل فيلمه إلى مرثيّة. وتأتي الموسيقى التصويرية من تأليف سامي أبو لوح لتُكمّل اللغة السينمائية الإنسانيّة التي اعتمدها المخرج. أمّا وحدة الحال والألفة الناشئة بين معتقلي صيدنايا فيُترجمُها رفاق صابوني بإحساسٍ عالٍ، عندما يسترجعون مشاهد كاحتضان بعضهم للتخفيف من وطأة البرد، أو كتخزين قِطَع صغيرة من الحلاوة من أجل تَقاسُمِها في لحظات الجوع الحالك.

من عرض الفيلم الوثائقي في مهرجان عمّان السينمائي (الشرق الأوسط)

من المستبعد أن يُشاهد سجّانو صيدنايا فيلم «الجانب الآخر من الشمس»، وهو حتماً لن يصل إلى بشّار الأسد في منفاه، لكنّ صابوني يريدُ عمله التوثيقيّ للناس أوّلاً، أي لضحايا النظام السابق. «لا تتحقّق العدالة من خلال فيلم، بل عندما ترى الأمّ التي عُذّب ابنُها في صيدنايا، الجلّاد وهو يُعاقَب خلف القضبان».

ينظر صابوني إلى فيلمه على أنه وثيقة مُساعِدة في تحقيق العدالة، وشهادة للتاريخ. أما الأهم بالنسبة إلى المخرج الصاعد والمعتقل السابق، أن يكون «الجانب الآخر من الشمس» فعلَ مقاومة ضدّ النسيان؛ لأننا شعوبٌ اعتادت أن تنسى آثار السياط على أجسادها والندوب في أرواحها.