«اشترِ الآن!»... وثائقي «نتفليكس» الجديد يكشف دهاليز مؤامرة التسوق

يعرض حيل الشركات العالمية وأثر الهدر البيئي في تدمير كوكب الأرض

الصورة المصاحبة لبوستر الفيلم الوثائقي (نتفليكس)
الصورة المصاحبة لبوستر الفيلم الوثائقي (نتفليكس)
TT

«اشترِ الآن!»... وثائقي «نتفليكس» الجديد يكشف دهاليز مؤامرة التسوق

الصورة المصاحبة لبوستر الفيلم الوثائقي (نتفليكس)
الصورة المصاحبة لبوستر الفيلم الوثائقي (نتفليكس)

تُغري عبارة «اشترِ الآن» ملايين المستهلكين من حول العالم، لتبضع الكثير من السلع الاستهلاكية التي غالباً لا يحتاجون إليها، خصوصاً في فترة نهاية العام؛ حيث تنشط العروض الترويجية، وتزداد حملتا «الجمعة البيضاء» و«الجمعة السوداء» وغيرهما، وهي حيل يكشف دهاليزها الفيلم الوثائقي الجديد الذي أصدرته «نتفليكس» قبل أيام، تحت عنوان: «الشراء الآن: مؤامرة التسوق».

يأتي هذا الفيلم من تأليف وإخراج المرشحة لجائزة «إيمي» للأفلام الوثائقية، نيك ستيسي، لتنبيه المستهلك إلى الأكاذيب التي تم بيعها له وصارت تُكلفه الكثير، كما يكشف الستار عن حيل كبرى العلامات التجارية وأساليبها الذكية في اصطياد المستهلك وتحفيز رغبته الدائمة في الشراء، في عمليات تلاعب نفسي وعاطفي تضمن استمرار ضخ مزيد من الأموال لهذه الشركات العالمية.

خبراء الشركات العالمية يكشفون في الوثائقي كيف روّضت العلامات التجارية مستهلكيها (نتفليكس)

تلاعب نفسي

تقول المصممة السابقة في «أمازون»، مارين كوستا، التي ساعدت في تطوير الموقع: «إنك تتعرّض للخداع بنسبة 100 في المائة، وهذا علم مركب ومُتعمد، بهدف إقناعك بشراء المنتجات». وأشارت، خلال مشاركتها في الفيلم، إلى أن المسوقين يستخدمون الاختبارات والبيانات لتحديد كل التفاصيل، بما في ذلك الألوان، التي ستدر أكبر قدر من المال، من خلال تحفيز المستهلك على ضغط «اشترِ الآن»، وخيارات الشحن المجاني وغير ذلك.

بينما يكشف بول بولمان الذي أدار «يونيليفر»، وهي إحدى أبرز الشركات متعددة الجنسيات في العالم، وتُعد من أكبر منتجي السلع المنزلية، مثل مواد التنظيف وغيرها، عن أن شركته تصل لنحو ملياري مستهلك يومياً، مضيفاً: «لا أظن أن المستهلك هو الجاني في هذه الحالة، لأنه يتم تشجيعه على ذلك باستمرار». ويؤكد أنه حين تُرمى هذه المنتجات فإن ذلك لا يعني التخلص منها، فلا يوجد مكان للتخلص منها بشكل نهائي، بل ينتهي بها الأمر في مكان آخر على كوكب الأرض، مما يُنذر بمزيد من العواقب الوخيمة. ويتابع: «بعد 10 أعوام من إدارة (يونيليفر)، شعرت بأنني أستطيع إحداث تأثير أكبر في العالم بترك عالم الشركات».

من ناحيته، بيّن المدير التنفيذي لشركة «فريم وورك» المتخصصة في التقنية نيراف باتيل، الذي انضم إلى شركة «أبل» في عام 2009، أن النجاح الباهر الذي حقّقته «أبل» عبر إصداراتها المتعددة لجهاز «الآيفون» هو أمر أغرى معظم الشركات الإلكترونية الاستهلاكية التي اعتمدت هذا المسلك. وأضاف: «إذا كنت تصنع حواسيب محمولة، أو هواتف ذكية يملكها كل المستهلكين بالفعل، فسيعتمد نموذج عملك على أنهم بحاجة إلى استبدال ما لديهم». وتابع: «هناك قرابة 13 مليون هاتف يتم التخلص منها يومياً، وذلك رغم كونها بالغة التطور وباهظة الثمن».

يقدم الوثائقي صورة تخيلية لأطنان النفايات المتكدسة في المدن جرّاء هوس الشراء (نتفليكس)

هدر بيئي

وخلال اللقطات المتعددة المعروضة في هذا الوثائقي الصادم يمكن للمشاهد أن يرى بنفسه أكواماً من النفايات المتكدسة، كما أن الفيلم يقدّم أرقاماً جديرة بالاهتمام والتمعن، منها أن حجم النفايات البلاستيكية على مستوى العالم تصل إلى نحو 400 مليون طن كل عام، إلى جانب 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنوياً، وفي عام 2022 تجاوز حجم النفايات الكهربائية والإلكترونية حدود 62 مليون طن؛ مما يعني أن الإسراف في الشراء يشكّل أيضاً خطورة بالغة على الكوكب، ويتسبّب في تراكم النفايات على المدى الطويل.

ملصقات كاذبة

في مشاركة لها في الفيلم تقول المهندسة الكيميائية، جان ديل: «بناء على رأيي الذي بنيته من زيارة آلاف المتاجر، ومحاولة إيجاد مصانع تعيد تدوير الأشياء، تبيّن لي أن أغلب ملصقات قابلية إعادة التدوير على العبوات البلاستيكية كاذبة». وتضيف: «عملت في أشهر العلامات التجارية التي تصنع الأحذية والملابس والألعاب، وهذه الشركات تحرص فعلاً على جعل مصانعها تعمل دون إلحاق الضرر بالبيئة، إلا أنه بمجرد أن يصنعوا المنتج ويضعوه على رف المتجر، فإنهم يتبرؤون منه»، مشيرة إلى أن الغالبية العظمى من البلاستيك هي مواد غير قابلة لإعادة التدوير.

ويختتم الفيلم الوثائقي الذي يمتد لنحو 90 دقيقة، فصوله بتوجيه نصيحة إلى المستهلكين أن يكونوا أكثر وعياً، ويتجنبوا الوقوع في فخ إدمان التسوق أو اقتناء منتجات لا يحتاجون إليها، مع تأكيد أن المعلومات الواردة فيه لن تروق لمُلاك الشركات العالمية وتهدد بتضخم ثرواتهم التي تستند إلى هوس الشراء بالدرجة الأولى.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

تحليل إخباري عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

يسرّع الذكاء الاصطناعي القرارات العسكرية، لكنه يثير مخاوف من أخطاء وسوء تقدير قد يقودان إلى تصعيد غير مقصود بين الدول المتنافسة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الخليج الوزراء في صورة جماعية عقب الاجتماع في مدينة نيويورك الاثنين (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على أهمية الارتقاء بالعلاقات مع فرنسا وتوسيع مجالاتها

شدَّدت دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها الداعي لضمان أمن الممرات المائية وحرية الملاحة الدولية، وضرورة الالتزام بعودة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
عالم الاعمال حفل «جوائز روبلوكس للابتكار 2026» (الشرق الأوسط)

«روبلوكس» تختتم مؤتمر مطوريها بتكريم صناع الألعاب والمحتوى

اختتمت «روبلوكس» مؤتمرها السنوي للمطورين 2026 في سان خوسيه بتكريم أبرز مطوريها وصناع المحتوى ضمن «جوائز روبلوكس للابتكار».

«الشرق الأوسط» (‎سان خوسيه (كاليفورنيا))
تحليل إخباري دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل؛ فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية...

أنطوان الحاج
آسيا ضحيتا الهجوم تلميذان و7 أشخاص على الأقل يتلقون العلاج في المستشفى (أ.ب - أرشيفية)

مقتل 3 طلاب على الأقل بإطلاق نار داخل مدرسة في جنوب الفلبين

قال مسؤولون في الفلبين إن ثلاثة طلاب لقوا حتفهم جراء إطلاق نار بمدرسة في ​جنوب البلاد، اليوم الجمعة، من بينهم مرتكب الهجوم البالغ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
TT

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)

ابتداءً من 13 أكتوبر (تشرين الأول) وحتى 18 منه، تنطلق في فرنسا تظاهرة ثقافية وفنية ضمن النسخة السادسة من «مهرجان الفيلم اللبناني». ويُعرض خلال هذه المدّة أكثر من 40 فيلماً لبنانياً، معظمها أفلام قصيرة، فيما يشارك في مسابقته الرسمية 30 فيلماً، بينها 16 شريطاً نفّذها طلاب معاهد متخصّصة في دراسة الإخراج. وتتنافس الأفلام ضمن فئتَي «أفضل فيلم» و«أفضل فيلم للطلاب». وفي نسخته السادسة، استُحدثت جائزة الجمهور التي تتيح له التصويت على الأفلام يومَي 17 و18 أكتوبر.

أما لجنة التحكيم، فتتألّف برئاسة المخرجة زينة صفير، وعضوية المخرجة ماري روز أسطا، والموسيقي بشّار مار خليفة، إضافةً إلى غايا فورير وفرانشيسكا فاندرستاي، اللتين تعملان في مجال الإنتاج وإدارة الأفلام السينمائية.

وتحلّ نادين لبكي ضيفة شرف على المهرجان، إلى جانب ضيوف آخرين، بينهم الفنانة ماريلين نعمان، وثريا بغدادي، ونيكولا خوري وغيرهم.

وتشير رئيسة المهرجان سارة حجار إلى أنّ فكرة هذا الحدث وُلدت قبل 6 سنوات، عندما لاحظت أنّ السينما اللبنانية لم تكن حاضرة في فرنسا بالشكل الكافي. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «مع كلّ هذه الأعداد الكبيرة من اللبنانيين المقيمين والطلاب، افتقدنا حضور السينما اللبنانية في فرنسا. وبما أنني سبق أن عملت في تنظيم مهرجانات من هذا النوع، قرّرت آخذ المبادرة لإقامة مهرجان للأفلام اللبنانية في فرنسا. فقد غادرتُ لبنان منذ عام 2001 مع أسرتي، وعرّفتني السينما اللبنانية على تاريخه الحديث، وهو ما حضّني على مدّ هذا الجسر الثقافي بين لبنان المغترب وجذوره الأصيلة. فنحن، جيل بداية التسعينات، لا نملك فكرة واضحة عمّا جرى في بلادنا».

المخرجة نادين لبكي ضيفة شرف المهرجان (الجهة المنظّمة)

هكذا انطلق المهرجان، وبدأ القيّمون عليه التعاون مع مراكز لبنانية، مثل «نادي السينما»، لترميم بعض الأفلام اللبنانية وعرضها لاحقاً. وتضيف حجار: «السينما تُسهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية بشكل عام».

واستطاعت تطوير المهرجان عاماً بعد عام، حتى بات يحظى باهتمام كبير لدى الجالية اللبنانية في فرنسا. وتُعلّق: «هذه الفكرة وُلدت من شدّة حبي للفنّ ولبنان. وشعرتُ بأنني من خلالها سأستحق الحفاظ على جنسيتي اللبنانية، مع أنني أملك الفرنسية أيضاً».

ومن الأفلام المشاركة في المهرجان «السترة الواقية» لسليم صعب، و«جنوب لبنان» لعباس فاضل، و«بين الحروب» لسارة سراج، و«يوم الغضب» لرانيا رافعي. فيما تُعرض أفلام أخرى معروفة، بينها «ثريا حبيبتي» لنيكولا خوري، و«أولاد الحرب» لجوسلين صعب، و«الملجأ» لرفيق حجار. كما تُعرض أفلام نادين لبكي «كفرناحوم» و«هلأ لوين؟» و«كاراميل».

ويفتتح المهرجان فعالياته بفيلم لنديم تابت بعنوان «في هذه العتمة أراك».

وتشير حجار إلى أن غالبية الأفلام المشاركة تتناول قصصاً عن الوطن والهجرة والغضب والحرب واللامساواة وغيرها. وتتابع: «نروي لبنان من خلال حكايات هذه الأفلام».

وتُقام العروض في صالة «إليزيه لينكولن»، على أن يُقام عرض الافتتاح في «معهد العالم العربي» في باريس. وتُعدّ صالة «إليزيه لينكولن» من أقدم الصالات السينمائية في باريس، وتقع على مقربة من شارع الشانزليزيه الشهير. وقد أُنشئت عام 1969، وجُدّدت مؤخراً لتواكب التطور في المشهد السينمائي.

وتعلّق حجار: «إنها من بين أجمل عشر صالات سينما في العالم، وتضمّ أهم التقنيات المتعلقة بالصوت والصورة. والعام الماضي، أُعيد افتتاحها بالتزامن مع مهرجان الفيلم اللبناني، واختير اللون الأخضر لديكوراتها وجدرانها تيمّناً بلون أرز لبنان».

ينطلق «مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا في 13 أكتوبر المقبل (الجهة المنظّمة)

وعن الفرق بين النسخ الأولى من المهرجان ونسخته المقبلة في أكتوبر، تقول سارة حجار: «بات يشهد إقبالاً أوسع من محبّي السينما، كما يشهد انفتاحاً على أفلام لبنانية متنوّعة الموضوعات، توثّق هذه العلاقة الوطيدة بين المهرجان والوطن الأم لبنان. فالإنتاجات التي نقدّمها تعكس واقعنا اللبناني. ونحن بصدد تحضير نسخة مماثلة ننطلق بها من ميلانو، بعدما قدّمناها في مايو (أيار) الماضي في روما».

وتُعرض 16 فيلماً طويلاً وقصيراً خارج المسابقة، بينها أفلام يشاهدها الجمهور للمرة الأولى، وأخرى مرمّمة. وتلي بعض هذه العروض جلسات حوارية مع خبراء ومخرجين في عالم السينما.

ويُقام حفل الافتتاح بمشاركة موسيقى أيا الديكا وجون سامي وهادي ذكور، في 13 أكتوبر في معهد العالم العربي بباريس. كما يشهد المهرجان، بالتوازي مع عروضه، صفوفاً وورشات عمل خاصة بالعمل السينمائي، مع زينة صفير وجو حداد ونادين لبكي.

ويختتم المهرجان فعالياته في 18 أكتوبر بتوزيع الجوائز على الفائزين في سينما «إليزيه لينكولن»، يليه حفل موسيقي مع الـ«دي جي» جو حداد.


«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
TT

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

في المسرح، قد تمنح الحكاية العرض مدخله، لكنّ قيمته تتحدَّد بما تستطيع الكتابة استخراجه من احتمالاتها الإنسانية، وبالكيفية التي تتجسَّد بها هذه الاحتمالات على الخشبة. في «يلّا Unmatch»، كتابة ريّسا البرجي وإخراجها، المعروضة في «المونو»، تتآلف مقوّمات العمل ضمن رؤية تمتلك تماسكها الدرامي وحساسيّتها النفسية، وتُحسِن الموازنة بين المتعة المسرحية والكثافة الشعورية، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

تبدأ الحكاية من زوجين شابّين جمعتهما تطبيقات المواعدة، ويعودان إلى البدايات لاستحضار ما تَعاقب على علاقتهما من انجذاب وتوقّعات وتحوّلات. وإنما الاستعادة تحمل وظيفة تتخطَّى استحضار الوقائع الماضية. فما مرّ في بدايات العلاقة من دون أن يستوقف الشخصيتَيْن، تتجلّى أبعاده مع تطوّر الحكاية، وتتّضح صلته بما انتهت إليه حياتهما المشتركة.

بذلك يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً، وتُشكّل العودة إلى البدايات وسيلة لفَهْم ما تراكَم بين شخصين اعتقدا ذات يوم أنّ اختيارهما المتبادل كافٍ لطمأنتهما.

للعلاقات عُمر آخر تحت الجِلد (الشرق الأوسط)

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي. فالأسرة تترك أثرها في الطريقة التي نطلب بها الحبّ، وفي مقدار ما نحتمله من غياب أو رفض، وفي أشكال الطمأنينة التي ننتظرها من الآخر. وقد تتحوّل العلاقة من حيث لا ينتبه طرفاها إلى محاولة متبادَلة لمعالجة حرمان سابق، فيما يظلّ كلّ منهما عاجزاً عن تسمية ما ينقصه. وتبلغ مفارقة الارتباط ذروتها في وحدة قد يعيشها الإنسان إلى جوار مَن يحبّ، تحت سقف واحد، وفي حياة اعتقد أنها ستمنحه ما افتقده طويلاً.

يتأكد تماسك النصّ من قدرته على استيعاب هذه التعقيدات ضمن كتابة تحتفظ بخفّتها الإيقاعية وامتلائها الدلالي. للكوميديا وظيفة تتّصل بطبيعة الشخصيات وآليات دفاعها النفسي. فالإنسان كثيراً ما يسخر ممّا يعجز عن مواجهته، ويُحوّل حيرته إلى نكتة، ويستعين بالضحك لتأجيل اعتراف يخشاه. وحين تنقلب النبرة، يكون الانفعال قد تهيّأ داخل المشهد واكتسب مشروعيته من مسار الشخصيات. الدموع والضحكات تنتميان إلى نسيج نفسي واحد، وتتبادلان كَشْف ما يتعذّر التعبير عنه صراحةً.

للضحك جذورٌ في أماكن موجعة (الشرق الأوسط)

وتُظهِر المعالجة الإخراجية وعياً بإدارة هذه التقلّبات، وبالحفاظ على إيقاع يسمح للمشهد بأن يستوفي احتمالاته قبل الانتقال إلى سواه. ويمنح توظيف الاستعادة العرضَ حركةً داخلية مستمرّة، فيما تواكب إضاءة علي بليبل التشكيل البصري للحالات الدرامية، في إطار اشتغال مسرحي تتحدَّد قيمته بتكامُل عناصره.

تُسهم جنى أبي غصن، المُنتجة أيضاً، وعامر فياض في إكساب العمل جانباً أساسياً من كثافته. يتنقّلان بين الشخصيات من خلال تبدّلات تتّصل بتكوين كلّ منها، ويُظهِران وعياً بأنّ التحوّل التمثيلي يتطلَّب إعادة تشكيل الحضور الجسدي والنفسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير النبرة أو الهيئة.

وتتبدَّى دقّة اشتغالهما خصوصاً في التعبير الوجهي، حين تتعاقب على الملامح مشاعر متنافرة، ويُصبح الوجه حاملاً لِما تكتمه الشخصية أو تحاول إنكاره. تتشكّل الحالات الانفعالية عبر مستويات متزامنة، فقد يقول الصوت شيئاً فيما تفضح العينان شيئاً آخر، وقد تختزن ابتسامة مقداراً من الخيبة يعجز الحوار عن استنفاده. وتحضر ناتاشا رزق ضمن التكوين التمثيلي للعرض.

في «يلّا Unmatch»، نتابع تجربة مسرحية منضبطة في أدواتها، تتيح للجمهور أن يجد صلاته الخاصة بما يُعرَض أمامه، من دون أن تُملي عليه استجابة بعينها. وتبقى أهميتها في قدرتها على تحويل حكاية عاطفية معاصرة إلى تفكير في الإنسان الذي يبحث عن الحبّ مُحمَّلاً بما لم يتصالح معه بعد في نفسه، ويكتشف أنّ مشاركة الحياة مع آخر قد تُعمّق وحدته بقدر ما تمنحه الأمل في الخلاص منها.


«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».