فلسطين نجمة افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي

الأميرة ريم علي لـ«الشرق الأوسط»: لا احتفال هذه السنة بل احتفاء بقصصنا العربية في وجه التضليل

الممثلتان الأردنيتان تارا عبود وسارة يوسف في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
الممثلتان الأردنيتان تارا عبود وسارة يوسف في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
TT

فلسطين نجمة افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي

الممثلتان الأردنيتان تارا عبود وسارة يوسف في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
الممثلتان الأردنيتان تارا عبود وسارة يوسف في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)

بغياب السجّادة الحمراء ونغمات الموسيقى، دخل ضيوف «مهرجان عمّان السينمائي الدولي - أول فيلم» ونجومه إلى صرح «مركز الحسين الثقافي» في العاصمة الأردنيّة. لا تُخفي إدارة المهرجان أنّ التردّد هذا العام كان سيّد الموقف؛ لم يكن من السهل التفكير في تنظيم المهرجان، وغزّة تئنّ على مرمى حجر.

«ندرك أن اللحظة صعبة في المنطقة العربية، تحديداً على أهل فلسطين وغزة، لكن كان من الضروريّ أن نشعر بأننا نفعل شيئاً من أجلهم ونقول لهم إننا معهم. تمسَّكنا بالمهرجان وتَحرّرنا من السجّادة الحمراء»، هكذا تختصر رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي لـ«الشرق الأوسط» قرار إطلاق النسخة الخامسة منه. وبناءً على ذلك، أُطلق على هذه الدورة شعار «احكيلي»، لأن «لا وقت أهم من هذا الوقت لرواية حكاياتنا العربية، فيما نشهد على تشويهها وتضليل السرديّة»، على ما تقول ريم علي. وتضيف: «هذه السنة، نحن لا نقيم احتفالاً بل نحتفي بسَرد القصص التي تعكس هويتنا».

تحت شعار «احكيلي» انطلق مهرجان عمّان السينمائي ويستمر 10 أيام (الشرق الأوسط)

السوسنة السوداء

تُرافق عنوانَ المهرجان العريض رموزٌ تعكس هوية المنطقة كالمطرّزات الفلسطينية والأردنية، أما الرمز الثابت فهو السوسنة السوداء. تلك الزهرة الوطنية الأردنية النادرة، التي تنبت وسط ظروف مناخية قاسية حتى أنها قد تنمو على أطراف البادية، اتّخذت منها جوائز المهرجان شعاراً. على سعفة «السوسنة السوداء» ومجموعة من الجوائز المالية، تتنافس هذا العام عشرات الأفلام من المنطقة العربية. أما الفئات المكرّمة فهي أفضل فيلم روائي طويل، وأفضل فيلم وثائقي طويل، وأفضل وثائقي قصير، يتمّ اختيارها من قبل لجان تحكيم متخصصة مكوّنة من مخرجين ومنتجين وممثلين وسائر العاملين في صناعة السينما. وللجمهور كذلك كلمته، فهو يمنح الجائزة الرابعة لأفضل فيلم غير عربي.

رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي وزوجها الأمير علي بن الحسين وولداهما (إدارة المهرجان)

القاسم المشترك بين الأفلام الـ52 الحاضرة في المهرجان، أنها تشكّل تجارب سينمائية أولى لصنّاعها، إذ يُخَصَص المهرجان لعرضٍ أوّل للأفلام بالنسبة إلى مخرجيها، وكتّابها، أو ممثّليها الرئيسيين. تشدّد مديرة المهرجان ندى دوماني، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على تلك الخصوصيّة. تشبّه هذا الحدث الثقافي بـ«الصوت الجديد الذي يحتفي بالسينما العربية وبالإنجازات الأولى لصنّاع الأفلام».

دعونا نروي حكاياتنا

على هذا الأساس، وانطلاقاً كذلك من توجيه التحية إلى فلسطين، جرى اختيار فيلمَي سهرة الافتتاح. الأوّل قصير بعنوان «لا» جرى تصويره تحت القصف في غزة، أما الثاني فوثائقي طويل بعنوان «باي باي طبريّا» من إخراج لينا سويلم وبطولة الممثلة الفلسطينية المخضرمة هيام عباس.

تخلّى المهرجان هذا العام عن السجادة الحمراء والموسيقى احتراماً للأوضاع في غزة (الشرق الأوسط)

بعد اللقاءات والتقاط الصور التذكارية وتبادل الأحاديث بين مدعوّي المهرجان، انتقل الجميع إلى قاعة المسرح حيث اعتلت الأميرة ريم علي الخشبة لتعلن الافتتاح قائلةً: «دعونا نروي حكاياتنا للعالم، لأنّ رواية حكاياتنا تذكّرنا بإنسانيتنا في وجه من يشوّهونها». وفي حضور زوجها الأمير علي بن الحسين، توجّهت ريم علي بالشكر للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني «المحبّ والداعم للسينما مما أسهم ازدهاراً لها في الأردن».

«لا» من غزة

أُطفئت أنوار القاعة إيذاناً لأبطال غزة بالإطلالة عبر الشاشة الكبيرة. الفيلم قصير وهو من إخراج هنا عليوة. كما يشير عنوانه، فهو يقول «لا» لكل من يمنع الحياة عن الغزيين. تسير المخرجة بين الركام في القطاع، تبحث عن حكايات سعيدة ترويها من قلب الدمار والموت. تجد ضالّتها في مجموعة من الشبّان والأطفال الذين يقاومون هدير الطيران ودويّ القذائف بالغناء. توثّق ضحكاتهم وإيقاعاتهم التي يتحايلون فيها على الحزن.

المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي مقدّماً مشروع «من المسافة صفر» (الشرق الأوسط)

«الوثائقي» جزء من مشروع «من المسافة صفر»، وهو سلسلة من الأفلام القصيرة التي جرى تصويرها تحت القصف في غزة، وهي تواكب يوميات الناس ومعاناتهم من دون تمثيل ولا تجميل. قاد المشروع المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، الذي أكد أنه لا صوت يعلو فوق حكايات الغزيين في هذه اللحظة الأليمة. أما ريم علي، فقد وصفت المشروع بأنه «قمّة الشجاعة»، ولاقتها ندى دوماني بالقول إنه «تأكيد على أن السينما حياة».

باي باي طبريّا

يصعد فريق فيلم الافتتاح إلى الخشبة. هم ليسوا فريقاً إنما عائلة؛ المخرجة لينا سويلم مع والدتها الممثلة الفلسطينية هيام عباس وشقيقاتها الثلاث. هي لحظة مؤثّرة، بما أنّ سيّدات العائلة أتين ليروين حكاية أربعة أجيال من النساء اللواتي تناقلن شعلة الحب وتمسّكن بالجذور، من قرية دير حنا في الجليل، وصولاً إلى باريس وهوليوود.

الممثلة الفلسطينية هيام عباس مع شقيقتيها وابنتها المخرجة لينا سويلم (إدارة المهرجان)

هيام عباس المعروفة بشخصيتها الصلبة لا تقاوم دموعها. للمرة الأولى، هي تشارك الجمهور قصتها الشخصية ولا تؤدّي قصص الآخرين. تُعرّف الحضور باكيةً على شقيقاتها الآتيات خصيصاً من فلسطين ليشاهدن الفيلم الذي مثّلن فيه، للمرة الأولى. تعبّر الشقيقات عن فخرهنّ بهيام التي صارت نجمةً عالمية، هي التي طارت محمّلةً بأحلامها من قرية فلسطينية صغيرة قبل 4 عقود.

بين الدموع والضحكات وسَردٍ لحكاية شعب من خلال حكاية عائلة، يدور الفيلم دورته لينتهي بتصفيق الجمهور المتأثّر.

مديرة المهرجان ندى دوماني والممثل التونسي ظافر العابدين (إدارة المهرجان)

المحتوى قبل الاحتفال

يؤكّد اختيار وثائقي «باي باي طبريّا» على الأولوية التي وضعها مهرجان عمّان السينمائي الدولي نصب عينَيه؛ «المحتوى ثم المحتوى». تقول ندى دوماني: «لا نركّز على الاحتفاليّة بقَدر ما نركّز على المحتوى»، وتضيف مديرة المهرجان: «لا يعنينا أن نكبر بسرعة بقدر ما يهمنا أن تكون خطواتنا مدروسة». هذه الانتقائية تنعكس على تفاصيل المهرجان كافةً، من اختيار الأفلام والمشاركين، وليس انتهاءً بتخصيص مساحة واسعة للمواهب الناشئة.

تعبّر الأميرة ريم علي عن فخرها بهؤلاء الشبّان والشابات الذين انطلقوا من قلب المهرجان، وتضيف: «قد لا تسمح لنا ميزانيتنا بمنافسة المهرجانات الأخرى، لكن هذا طريقنا. أسس زوجي الهيئة الملكية للأفلام قبل 21 سنة، وكان لا بد أن نكمّل مهمتها من خلال مهرجانٍ يركّز على الشباب والشابات ويمنحهم فرصة التطور. نشجّعهم على صناعة أفلامهم الأولى، وهذا يعود بالثراء على السينما العربية بشكل عام والأردنية بشكل خاص».


مقالات ذات صلة

«الجواهرجي» يجمع محمد هنيدي ومنى زكي للمرة الثانية سينمائياً

يوميات الشرق هنيدي ومنى زكي في الفيلم (الشركة المنتجة)

«الجواهرجي» يجمع محمد هنيدي ومنى زكي للمرة الثانية سينمائياً

يجمع فيلم «الجواهرجي» الفنان محمد هنيدي والفنانة منى زكي للمرة الثانية سينمائياً، بعد مرور نحو 28 عاماً على مشاركتهما معاً في بطولة فيلم سينمائي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)

نواف الحوشان وتراجيديا العزاء... سينما قصيرة برؤية جديدة

في صباح اليوم الأول للعزاء، يعود أب إلى منزل غادره قبل سنوات حاملاً سؤالاً واحداً عن سبب وفاة ابنه. بهذه الحكاية يفتتح المخرج السعودي نواف الحوشان فيلمه القصير.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)

أدوار لا تنسى للممثل الراحل سام نيل

كان الممثل سام نيل -الذي توفي يوم الاثنين عن عمر ناهز 78 عاماً- ممثلاً غزير الإنتاج، إذ شارك في أكثر من 150 فيلماً وعملاً تلفزيونياً على مدار خمسة عقود. وُلد…

يوميات الشرق اختار المخرج بطله الشاب منذ وقت مبكر (الشركة المنتجة)

مروان الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «قبل الظهر» يناقش أزمات المراهقين

قال المخرج المصري مروان الشافعي إن فيلمه الروائي القصير «قبل الظهر»، انطلق من رغبة شخصية في تقديم فيلم كان يتمنى أن يشاهده عندما كان مراهقاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد إمام وشيكو خلال حضور عرض فيلم «صقر وكناريا» (حساب شيكو على فيسبوك)

مصر: تضارب في إيرادات الأفلام يجدد الجدل حول الصدارة

جدد التضارب في إيرادات الأفلام بالسينما المصرية الجدل حول الصدارة والفيلم الأعلى إيراداً بشباك التذاكر مع توقف بعض دور العرض عن إرسال الإيرادات اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة )

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)
TT

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)

أعلن الملياردير الأميركي وارن بافيت، اليوم الأربعاء، أن قراره استبعاد مؤسسة بيل غيتس من تبرعاته الخيرية يعود أساساً إلى قناعته بأن أبناءه الثلاثة أصبحوا جاهزين لتولي مسؤولية كيفية توزيع ثروته بالكامل، وليس بسبب علاقة بيل غيتس بالمدان في قضايا الاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

وأضاف المستثمر البالغ من العمر 95 عاماً، في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، أن علاقة غيتس بإبستين «مقززة»، لكن أشار إلى أن تصرفات غيتس لا تختلف كثيراً عن الأخطاء التي ارتكبها هو نفسه على مر السنين في توظيف الشخص الخطأ أو في اختيار الأصدقاء.

بيل غيتس ووارن بافيت (أرشيفية - أ.ب)

وأوضح بافيت: «لا أحد ينجح بنسبة 100 في المائة عندما يتعلق الأمر باختيار الأشخاص».

وذكر أن غيتس لم يتفاجأ بالقرار الذي أعلنه أمس الثلاثاء بالتبرع بما تبقى من أسهمه في شركة «بيركشاير هاثاواي» والتي تقدر قيمتها بنحو 140 مليار دولار لمؤسسات تابعة لعائلته وأبنائه الثلاثة: هوارد، وسوزي، وبيتر.

وكان غيتس أعلن أنه التقى إبستين فقط لاعتقاده بأن ذلك قد يساعده في جمع التبرعات للأعمال الخيرية، وأنه لم يكن على علم بالجرائم التي كان إبستين يرتكبها في ذلك الوقت.

وسبق أن أعلن بافيت في عام 2024 أنه يعتزم وقف التبرعات لمؤسسة غيتس بعد وفاته، على أن يتولى أبناؤه الثلاثة مسؤولية تحديد كيفية توزيع ما تبقى من ثروته.


8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
TT

8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)

يجد الإنسان نفسه في كثير من الأحيان عالقاً داخل دائرة من الأفكار المتكررة، التي قد تؤدي إلى الإصابة بالإرهاق الذهني والقلق المستمريْن، حيث تسيطر المخاوف والاحتمالات السلبية على عقل الشخص وتوجه طريقة تفكيره.

وتُعرف هذه الحالة بفرط التفكير، وقد تؤثر على التركيز، والمزاج، وحتى جودة النوم والحياة اليومية بشكل عام، ونتخيل التفكير المفرط عادة كعقلٍ مُفرط النشاط مليء بأسوأ السيناريوهات. وقد يكون الأمر كذلك بالفعل. ولكن في كثير من الأحيان، يتخفى التفكير المفرط وراء قناعٍ أكثر وداً. وغالباً ما يظهر بمظهر الحذر والمسؤولية، وكأنه محاولة لاتخاذ القرار «الصحيح»، وفق الدكتور جيفري بيرنشتاين، المختص في علم النفس ومؤلف لسبعة كتب شهيرة في هذا المجال.

يقول بيرنشتاين في مقال له نشر، الثلاثاء، على موقع «سيكولوجي توداي»، فكّر في كم من هذه الأفكار يبدو مألوفاً لديك؟

وينصح بأن نقرأ هذه الأفكار، وأن نحاول معرفة كم من هذه الأفكار تُسيطر عليك وتؤثر عليك للدرجة التي تجعلها قد تُفوّت عليك فرصاً قيّمة قد لا تعوض مرة أخرى. يستعرض بيرنشتاين بعضاً من هذه الأفكار التي تتردد داخل عقولنا في صورة عبارات أو أسئلة أثيرة من نوع:

«ماذا لو فشلت؟»، «أنا لست مستعداً»، «ماذا لو حكم عليّ الناس؟»، «أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة»، «ماذا لو خيّبتُ آمالهم؟»، «ماذا لو ندمتُ على هذا القرار؟»، «ماذا لو كان هناك خيار أفضل؟»، وأخيراً: «هل يجب أن أفكر في هذا الأمر لفترة أطول؟».

فخ الأمان الزائف

يقول بيرنشتاين: «لا تفهم كلامي على أنه دعوة للاندفاع في الحياة بتهور. كلا، أنا لا أقول إن أياً من الأفكار المذكورة أعلاه (سيئة). فلكل منها قيمة في السياق المناسب. ولكن تكمن المشكلة عندما تصبح هذه الأفكار مسارات تفكير تلقائية بدلاً من كونها مجرد أفكار عابرة».

ويوضح أن الكثيرين يعتقدون، دون وعي، أنهم إذا فكروا ملياً، أو استعدوا جيداً، أو حللوا بدقة كافية، فسوف يتخلصون من الشك. لكننا نعلم جميعاً أن الحياة لا تقدم ضمانات.

ويتابع: «لا يمكن لأي قدر من التفكير أن يضمن نتيجة مثالية، أو موافقة الجميع، أو اتخاذ قرارات خالية من الأخطاء. في الواقع، بناءً على خبرتي التي تمتد لخمسة وثلاثين عاماً بصفتي أخصائياً نفسياً، رأيت من خلال عيون عملائي أن البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات، وضياع الفرص، والبقاء عالقاً لفترة طويلة بعد فوات الأوان للمضي قدماً».

ثمن التفكير المفرط

ويطالب بيرنشتاين بالرجوع إلى قائمة الأفكار التي قدمها، وأن نتذكر جيداً «أن لكل فكرة متكررة من أفكار التفكير المفرط ثمنٌ خفي»، مشدداً على أن للأمر عواقب عاطفية وسلوكية وخيمة نتيجة للأفكار المتضاربة، وموضحاً أن عبارة «ماذا لو فشلت؟» قد تمنعك من المحاولة. وعبارة «ماذا لو حكم عليّ الناس؟» تُبقيك صامتاً. وعبارة «ماذا لو خيبت أمل أحدهم؟» قد تُوقعك في فخ إرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، ستسرق هذه الأفكار حياتك إن سمحت لها بذلك.

ولكنه يستطرد بأن الخبر السار في الأمر هو أن إحدى الاستراتيجيات المفيدة هنا، هي تعلم ملاحظة الأفكار بدلاً من الانقياد لها تلقائياً. لذا، بدلاً من الجدال مع فكرة ثقيلة وسلبية ومُثقلة بالقلق، حاول تصنيفها.

ويضيف: يمكنك أن تقول: «ها هي فكرة (ماذا لو فشلت؟)» أو «ها هي فكرة (أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة)». هذا يخلق مسافة ثمينة بينك وبين هذه الأنواع من الأفكار، مشدداً على أن الأهم من ذلك، أن تتوقف عن التعامل مع كل فكرة كأنها أمرٍ مُلزم، وتبدأ في النظر إليها كأنها نشاط ذهني قد يستحق أو لا يستحق انتباهك الكامل.


ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
TT

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي شعار مثير للجدل يدعو النساء إلى التوقف عن التضحية الدائمة بأنفسهن، مستخدماً عبارة صادمة مفادها: «توقفي عن إرضاء الآخرين... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» أو «كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي».

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة أن الإفراط في إرضاء الآخرين يسبب ضغوطاً نفسية مزمنة قد تؤثر سلباً في الجسم على المدى الطويل. وذهب بعض المستخدمين إلى حد الادعاء بأن السعي الدائم إلى إرضاء الآخرين هو السبب الرئيس وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة علمية معروفة، وهي أن نحو 80 في المائة من المصابين بأمراض المناعة الذاتية من النساء، وهي ظاهرة لا تزال تحيّر العلماء منذ سنوات، وفق تقرير نشره موقع «أفريداي هيلث».

وفي المقابل، تشجع بعض النساء على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن الشخصية، وعدم الشعور بالذنب عند الدفاع عن حقوقهن، أو رفض ما يرهقهن، بل إن بعضهن يربطن بين هذا التغيير وتحسن بعض المشكلات الصحية، مثل الإكزيما.

لكن الأطباء يؤكدون أن العلاقة بين التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية أكثر تعقيداً بكثير مما تروج له هذه المنشورات.

لماذا انتشرت هذه الفكرة؟

يصعب تحديد مصدر هذا الاتجاه، لكنه يعكس استياء كثير من النساء من الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى التحلي باللطف الدائم، وتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن الشخصية، مهما كان الثمن النفسي، أو الجسدي.

وتوضح الدكتورة راشيل غابلمان، اختصاصية علم النفس السريري في مركز ويكسنر الطبي التابع لجامعة أوهايو، أن كثيراً من الفتيات ينشأن على رسائل اجتماعية تشجعهن على الهدوء، والطاعة، والسعي إلى نيل رضا الآخرين.

وتضيف أن هذه التربية تجعل كثيراً من النساء، مع مرور الوقت، أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهة، أو المطالبة بما يحتجنه فعلاً.

الميل إلى إرضاء الآخرين يرافق النساء حتى مرحلة البلوغ

وتشير أبحاث إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى محاولة إرضاء الآخرين.

ويقول الدكتور آرون برينن، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة فاندربيلت، إن الشخص الذي يعتاد إهمال احتياجاته الخاصة من أجل الآخرين غالباً ما يعيش مستويات مرتفعة من التوتر.

ويضيف أن الجسم يتأثر بالضغوط النفسية والصدمات مع مرور الوقت، إذ تتراكم آثارها تدريجياً.

ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، فقد حاول البعض الربط بين هاتين الظاهرتين.

هل تدعم الدراسات هذه الفرضية؟

استشهد بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدراسات علمية لدعم وجهة نظرهم.

ففي إحدى الدراسات المنشورة عام 2021، شمل البحث 290 امرأة، وقيّم مدى ميلهن إلى كبت مشاعرهن، أو تجنب التعبير عن الغضب، ثم قارن ذلك بعدد من المؤشرات الصحية.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي اعتدن كبت مشاعرهن كن أكثر عرضة للإصابة بتصلب الشرايين السباتية، وهو مرض لا يُعد من أمراض المناعة الذاتية التقليدية، لكنه يتشابه معها في بعض الجوانب.

كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2018 أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر كانوا أكثر عرضة لاحقاً لتشخيصهم بأحد أمراض المناعة الذاتية، ما يشير إلى وجود علاقة محتملة بين التوتر وهذه الأمراض.

«العلاقة ليست بهذه البساطة»

رغم هذه النتائج، يؤكد الأطباء أن القول بأن الميل إلى إرضاء الآخرين يسبب أمراض المناعة الذاتية يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه.

ويقول الدكتور ستانلي شوارتز، رئيس قسم الحساسية والمناعة والروماتيزم بجامعة بافالو، إن التوتر يؤثر بالفعل في الجهاز المناعي، لكن أمراض المناعة الذاتية تنتج عادة عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، وعوامل أخرى لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وتحذر الدكتورة غابلمان من أن هذا النوع من الرسائل قد يدفع النساء إلى الشعور بالذنب، وكأنهن مسؤولات عن إصابتهن بالمرض، مؤكدة أن ذلك غير صحيح علمياً.

كما يعترض الدكتور برينن على استخدام أوصاف مهينة للنساء اللواتي يعبرن عن آرائهن، أو يدافعن عن حقوقهن، لأن ذلك يكرس صوراً نمطية قديمة.

ما الذي يصيب هذا الاتجاه؟

رغم المبالغات، يرى الخبراء أن الرسالة الأساسية التي يدعو إليها هذا الاتجاه تحمل جانباً صحيحاً.

فالتضحية المفرطة بالنفس ليست صحية، سواء من الناحية النفسية، أو الجسدية.

ويؤكد الدكتور برينن أهمية وضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير بوضوح عما يستطيع الشخص القيام به، وما لا يستطيع تحمله.

وينصح بمراجعة الذات بانتظام، والتساؤل عما إذا كان الشخص يشعر بالاستياء لأنه يوافق باستمرار على تلبية طلبات الآخرين على حساب احتياجاته.

الخلاصة

يرتبط التوتر المزمن بالفعل بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن الأطباء يؤكدون أنه ليس العامل الوحيد، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الميل إلى إرضاء الآخرين هو السبب المباشر لهذه الأمراض.

ويشدد الخبراء على أن الدفاع عن الاحتياجات الشخصية، ووضع حدود صحية لا يعنيان التصرف بعدوانية، أو قسوة، بل يمثلان جزءاً أساسياً من العناية بالنفس، والحفاظ على الصحة النفسية، والجسدية.