«مؤتمر الناشرين» لم يعالج ارتفاع أسعار الكتب والناشرون يراهنون على «شغف القراءة»

أقيم ضمن فعاليات «معرض الرياض الدولي للكتاب»

يوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني (الشرق الأوسط)
يوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر الناشرين» لم يعالج ارتفاع أسعار الكتب والناشرون يراهنون على «شغف القراءة»

يوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني (الشرق الأوسط)
يوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني (الشرق الأوسط)

بينما يشتكي زوار «معرض الرياض الدولي للكتاب» من ارتفاع أسعار الكتب، عاماً بعد عام؛ لم يعالج المشاركون في «مؤتمر الناشرين الدولي» هذا الهمّ الذي يرزح تحته الجمهور الثقافي، وعدوا أن «حرفة بيع الكتب تحتاج إلى روح»، وأكد بعض المتحدثين أن الناشرين يراهنون على ما سماه «شغف القراءة، والوازع لاقتنائها» من قبل الجمهور.

ويشتكي الزوار في «معرض الرياض» كما في غيره من معارض الكتب من المبالغة في أسعار مبيعات الكتب، مقارنة بسعر البيع في البلاد المصدرة لهذه الكتب رغم التسهيلات التي يتلقاها الناشرون من إدارات المعارض في الخليج، ويقول مثقفون إن الناشرين يعدون الكتاب «بضاعة رابحة»، معتمدين على القوة الشرائية للجمهور المستهدف.

ولم يخف ناشرون شاركوا في «مؤتمر الناشرين» الذي أنهى أعماله أول من أمس، أن المعارض صناعة تعتمد على الجمهور الذي تغص به قاعات وأجنحة المعرض، وقال أحدهم إن «المعارض صناعة جماهيرية».

ويوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني، حيث حفل «معرض الرياض» بكثير من دور النشر الرقمية، ومبادرات تحويل المحتوى الثقافي إلى النشر الإلكتروني.

ناقش «مؤتمر الناشرين الدولي» جملةً من الموضوعات لنقل التجارب الاحترافية للشركات الناشئة (الشرق الأوسط)

الأهم في «مؤتمر الناشرين» بحث حلول ابتكارية لتطوير البرمجيات التي تدعم وصول القراء من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتطوير صناعة النشر باعتماد أعلى معايير الجودة وأفضل الممارسات العالمية.

بيع الكتب لا يزال مزدهراً

وفي لقاء ضمن جلسات «مؤتمر الناشرين الدولي»، بعنوان «بيع الكتب: دروس وأسرار من داخل متاجر الكتب»، تحدث كل من الكاتبة ومالكة «بووك تووك» كاترينا ملكاتي، ومدير «دار الشروق للنشر» المصرية أحمد بدير، والرئيس التنفيذي لدار «هاشيت أنطوان» إميل تيان، وحاورتهم الناشرة سلوى منصور.

وأرجعت ملكاتي، معدلات بيع الكتب إلى عدد السكان، مع ضرورة توافر عامل الشغف للقراءة: «حتى تحظى المبيعات بالارتفاع، ولا غنى في ذلك عن الاستعانة بالسوشيال ميديا، شريطة تقديم الكتب بشكل لائق، وحتى نصل إلى هذا الهدف يجب ابتكار الأدوات التي تسهم في زيادة الإقبال على الكتاب».

من جهته، قال أحمد بدير: «من واجبات الناشر إتاحة الكتب بنوعيها الورقي والإلكتروني، والسعي لتحقيق استدامة الأعمال»، وقال: «نحن في (دار الشروق) نحاول التعامل مع منصات البيع التي تملك الحماية والنظام المحاسبي، خاصة في ظل مشاكل النشر والافتقاد لآلية نشر عربية».

وأضاف أن حرفة بيع الكتب تحتاج إلى روح تجدها في إقامة المعارض المتخصصة، لا سيما وأنها ما زالت تتمتع بالجاذبية لدى الجمهور، وقال: «تأثيرها على المبيعات لا يزال ملموساً وحاضراً، وكما هو معروف فإن المعارض صناعة جماهيرية، وكل دولة تتباهى بناشريها وقرائها».

ويرى إميل تيان عدم تأثر مبيعات أنواع معينة من الكتب الورقية مقارنة بنظيرتها الإلكترونية مثل كتب الأطفال، قائلاً: «بينما التأثير يبدو ظاهرا في مبيعات كتب الرحلات والأسفار والروايات والقواميس الذي أظهرته شبكات العالم الافتراضي في قالب مبسط وواضح»، وأضاف «إجمالاً نحن نراهن على من لديهم شغف القراءة، والوازع لاقتنائها».

الابتكار الرقمي

وتناولت ندوة «الابتكار في الوصول» حلول البرمجيات التي تدعم قراءة الأشخاص ذوي القدرات المختلفة، وكيفية إيصال الكتب إليهم، تحدث فيها كل من مستشار هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة نورة الجبالي، والرئيس التنفيذي لمنصة «بينتيش» مايكل جونسون، ومدير عام النشر في «هيئة الأدب والنشر والترجمة» الدكتور عبد اللطيف الواصل، والخبير في مقارنة أفضل التجارب الكتب الرقمية مهنا المهنا، وأدارها الناشر إبراهيم آل سنان.

وقال عبد اللطيف الواصل: «منذ تأسيس (هيئة الأدب والنشر والترجمة) وهي معنية بذوي الإعاقة، والعمل على مشروعهم كما نصت معاهدة مراكش التي وقعتها المملكة العربية السعودية مع دول عدة، وتسهيل الوصول للمنتج إليهم بشقيه الورقي والإلكتروني»، لافتاً إلى جهود «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، «في تحويل جميع النصوص المطبوعة إلى رقمية».

يوفر ارتفاع الأسعار فرصة ذهبية لنمو سوق النشر الإلكتروني (الشرق الأوسط)

وذكر أن هناك مبادرتين تتبعان التحول الرقمي، وهما «مبادرة النشر» و«مبادرة الكتاب للجميع»، والغرض هو الوصول لجميع الفئات المستهدفة خصوصاً ذوي الإعاقة، مستدركاً: «ليس شرطاً التحول الرقمي للانضمام للمبادرة، فالتقنية مهمة، ولكن في المسرعات نشجع كل الأفكار ولا نستثني التقنية، ولكننا نبحث من خلالها التطوير والخروج عن السائد».

ودعا الواصل الناشرين إلى الاهتمام بذوي الإعاقة، وقال: «يجب تهيئة دور النشر لهم، وتوفير كل ما متطلباتهم»، وأضاف «هناك مشاريع تعمل عليها الهيئة لجعل المحتوى متاحاً لهذه الفئة، ودور النشر شريكنا في ذلك».

من جانبها، استهلت نورة الجبالي حديثها حول الابتكار الرقمي ومساهمته في سهولة الوصول لذوي الإعاقة، والتحديات التي واجهته، وقالت: «إمكانية الوصول تحتاج إلى معرفة المجتمع لاحتياجات ذوي الإعاقة، وكل ما يتعلق بهم، وفرص وصولهم إلى المحتوى مثل إقامة معارض الكتب».

وأضافت أن نسبة الإقبال من ذوي الإعاقة على الكتب لافتة، «ففيها ما يناسب احتياجاتهم والاهتمام بهم، وسط دعم حكومي وبرامج مسؤولية اجتماعية، وجهود متواصلة لتكييف ما يناسبهم ومحاولة الوصول إلى الاستدامة»، مؤكدة «لا خيار لنا عن التقنية».

وسلط مهنا المهنا، الضوء على الصيغ الرقمية، قائلاً: «الصعوبة التي تواجهها هي الوسيط الناقل إلى اللغة السمعية والبصرية لذوي الإعاقة، فالصيغ الرقمية صالحة للجميع، وتعتمد في قوتها على الوسيط الناقل لها».

وتطرق حديثه حول الأجهزة والتطبيقات المساعدة لذوي الإعاقة، مضيفاً «توجد برامج حديثة تحيل أي محتوى إلى لغة إلكترونية وصالحة لهم وخاصة البصرية».

وعرّف جونسون الحضور على منصة «بينتيش»، قائلاً: «اسمها بوكشير ومستخدمة في أنحاء العالم، وتحتوي على أكثر من مليون منشور ولكن تنقصها اللغة العربية، فيما تضم فريق عمل مجتهدا لتوفير الدعم التقني والكتب لمليون شخص من ذوي الإعاقة».

وأضاف «هناك قوانين تُلزم دو النشر بتوفير ونشر منتجات لذوي الإعاقة، وتهيئة كل ما من شأنه تسهيل الوصول إلى الكتب».

وكانت الندوة الحوارية الأولى ضمن أعمال «مؤتمر الناشرين»، حملت عنوان «الاستدامة في مواجهة الأوقات الحرجة» والتي ناقش الناشرون والخبراء من خلالها أبرز المواضيع المتعلقة بالتحديات الاقتصادية والإجراءات المتخذة لضمان استدامة صناعة النشر في المستقبل.

في حين تطرقت الندوة الحوارية الثانية «ريادة الأعمال والمشاريع الناشئة في قطاع النشر» إلى معلومات وإحصاءات عن ارتفاع أعداد رواد الأعمال، وكيف يُسهم في زيادة أعداد الشركات الناشئة في مجال النشر.

وتطرقت البروفيسورة هيزل كينون من خلال العرض الذي حمل عنوان: «الاتجاهات العالمية في مبيعات الكتب» إلى أوضاع الأسواق العالمية في مجال الكتب والنشر والفرص المساهمة في انتشارها.

وكانت «جمعية النشر السعودية»، وتحت رعاية «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، قد أطلقت «مؤتمر الناشرين الدولي»، خلال البرنامج الثقافي بـ«معرض الرياض للكتاب 2023»، وسط مشاركة نخبة من المتحدثين السعوديين والعالميين، والمتخصصين، وقادة صناعة النشر، والناشرين الأفراد، والمؤلفين، وصنَّاع المحتوى.

وناقش «مؤتمر الناشرين الدولي» جملةً من الموضوعات؛ لنقل التجارب الاحترافية للشركات الناشئة، وتعزيز فرص الناشرين المحليين في دخول مجال تداول الحقوق والنشر، وتمكين بيع وتداول الحقوق ونقل التجارب، وتصدير الثقافة السعودية للعالمية، وتطوير صناعة النشر باعتماد أعلى معايير الجودة وأفضل الممارسات العالمية، كما تضمن البرنامج عدداً من الجلسات الحوارية تتناول المبيعات والتسويق، وكيفية الوصول للجمهور المستهدف، وجلساتٍ أخرى تتطرق لحفظ الحقوق وتأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الملكية الفكرية، بالإضافة إلى موضوعاتٍ متنوعة في مجال ريادة الأعمال ونموها في عالم النشر والمكتبات.

وأقام المؤتمر منصة لتداول الحقوق في المعرض، سواء حقوق النسخ الورقية أو الإلكترونية للكتاب، لمختلف اللغات وتصنيفات الكتب، بمشاركة دُوْر نشر لناشرين سعوديين وعرب وعالميين، وستُخصّص المنصة للقاءات الفردية بين الحضور والمتحدثين والمهتمين؛ لإقامة الأعمال والتواصل بينهم وتداول الحقوق بصناعة النشر.


مقالات ذات صلة

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

يوميات الشرق عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

في حي مشيرب؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)

معرض «ألم يحن الوقت؟» يعبر بنا الخيال العلمي

هل خطرت لك يوماً أفكار عن نهاية العالم؟ وهل تحوّلت تلك التصوّرات إلى أسئلة ملحَّة؟ عن هذه الهواجس تنطلق رانيا ستيفان في معرضها «ألم يحن الوقت؟».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الرسم على الماء تقنية فنية قديمة يستعيدها محمد عبلة (الشرق الأوسط)

«الرسم على الماء»... لوحات تُلاعب الطبيعة والحكايات الشعبية

تحت عنوان «الرسم على الماء»، يستعيد الفنان محمد عبلة فناً مصرياً من عصر الورّاقين والكتبة الذين ظهروا في فترة تاريخية قديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق في «طي الخيام» قافلة حديثة تعبر وادي حنيفة بالرياض (مؤسسة بينالي الدرعية) p-circle 02:52

مواكب وحوارات تعبر العالم لتصل للرياض في «الحل والترحال»

تركز الرؤية الفنية على موضوع التنقلات والهجرات، حيث مثّلت القوافل والرحلات أساس التواصل البشري بين الجزيرة العربية والعالم قديماً وحديثاً.

عبير مشخص (الرياض)
يوميات الشرق نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

يطرح العمل تجربة بصرية وروحانية تربط الإنسان بالطبيعة والكون في مشهدية مفتوحة على التأمل

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».