إعمار سوريا المدمّرة برعاية «التطوير العقاري» المجهول

أصحاب ملكيات تحت «المرسوم 66»... ومجمعات فاخرة للأثرياء الجدد

دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
TT

إعمار سوريا المدمّرة برعاية «التطوير العقاري» المجهول

دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)

على طريق المتحلق الجنوبي في العاصمة السورية دمشق، تلوّح نجاح حسن الحي للسيارات الخاصة العابرة، علّ أحدها يقلّها إلى مفرق مدينتها داريا، التي لا تزال أجزاء واسعة منها مدمرة كلياً أو جزئياً بسبب الحرب. ما إن استقرت في السيارة حتى بدأت تتحدث عن معاناتها مع النزوح، وعجزها عن ترميم منزلها المتضرر من القصف في حي الشاميات في داريا.

تقول السيدة إنها تُضطر إلى التنقل بين ابنتيها، لعدم قدرتها على دفع بدل إيجار غرفة في أحياء محيط العاصمة.

من جانبي الطريق الذي يفصل شطري المدينة تظهر مفارقة واضحة؛ ففي الجهة الجنوبية يمتد دمار داريا أفقياً، في حين ترتفع في الجهة الشمالية أبنية حي المزة وأبراج مشروع «ماروتا سيتي» الذي استأنفت السلطات السورية العمل على إنجازه وكان قد بدأ منذ أيام النظام السابق.

تشير نجاح، التي فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، إلى الأبراج بحسرة: «بناء منازل للمهجرين والنازحين، أهم من أبراج الأثرياء الذين لم يخسروا منازلهم ومصادر رزقهم».

وبالفعل، تتجاور في دمشق صورتان تبدوان وكأنهما تنتميان إلى بلدين مختلفين. على اللوحات الإعلانية ترتفع لافتات مجمعات سكنية حديثة وشقق فاخرة تسوق باعتبارها عنواناً لحياة جديدة، مع وعود بالرفاهية والاستثمار ومستقبل أكثر ازدهاراً، وعلى بُعد أمتار قليلة فقط، تمتد أحياء لا تزال تحمل آثار سنوات الحرب، بمساحات مدمرة ومناطق كاملة لم تصلها بعد مشاريع الترميم والبنى التحتية الأساسية.

يثير هذا التناقض بين الخطاب البصري الذي تروّجه مشاريع التطوير العقاري، والواقع الذي يعيشه جزء كبير من السوريين، أسئلة تتجاوز الهندسة والعمران، لتبحث في انتقائية هذه المشاريع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي ومن المستفيد منها وما إذا كانت تعكس احتياجات السكان الفعلية.

فبعد فترة من سقوط نظام بشار الأسد، تصاعد حديث عن المشاريع والاستثمارات، وتوسمت الأسر السورية خيراً في أن تكون أولوية الحكم الجديد معالجة أزمة السكن الحادة بخطة فعلية لإعادة الإعمار والخلاص من مرارة النزوح والتشرد وبدلات الإيجار.

لكن التفاؤل سرعان ما خفت مع ظهور استراتيجية حكومية قائمة على جذب شركات استثمارية عقارية أجنبية ومحلية، توجهت إلى تشييد مجمعات سكنية جديدة ضخمة لا يقوى على شراء شقة فيها إلا أصحاب رؤوس الأموال، في حين تُركت العائلات المدمرة منازلها تواجه مصيرها بنفسها.

مبانٍ حديثة أُعيد العمل فيها ضمن مجمعات خاصة على تخوم العاصمة السورية دمشق (الشرق الأوسط)

«يعفور 963»... شقة الـ300 ألف دولار

من بين مشاريع عقارية يروج لها منذ مدة «يعفور 963»، غربي دمشق على طريق دمشق-بيروت، أطلقته مجموعة الاستثمار لما وراء البحر «إنفست جروب أوفرسيز» التي تتخذ من دبي مقراً لها.

يمتد المشروع، وفق منصة «المصدر العقاري»، على مساحة تقارب 144 ألف متر مربع، ويضم 13 مبنى تتوزع بين 12 مبنى سكنياً ونادٍ اجتماعي، فيما تم تخصيص أكثر من 75 في المائة من المساحة الإجمالية للمسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة والمرافق.

لم يتم إعلان القيمة الاستثمارية الإجمالية للمشروع، إلا أن المنصة ذكرت أنه يضم 1280 وحدة سكنية تشمل شققاً من غرفتين وثلاث وأربع غرف نوم إضافة إلى نمط شقق الـ«بنتهاوس».

أما أسعار الشقق في المشروع الذي يضم مجموعة واسعة من المرافق والخدمات، فتبدأ بـ300 ألف دولار لشقة من غرفتي نوم. وتلك مساحة لا تخدم متوسط الأسرة السورية فيما ثمنها يفوق قدرتها بكثير.

وفي بلد لا يتجاوز الراتب الشهري لأغلبية الموظفين 150 دولاراً، في حين تكلف احتياجات أصغر عائلة نحو 500 دولار شهرياً، يبدو مبلغ 300 ألف دولار رقماً فلكياً.

لذا، مع فقدان الأمل بإعادة إعمار حكومية قريبة أو مشاريع استثمارية مدعومة لإعادة بناء المناطق المدمرة، وجدت العائلات نفسها مجبرة على العودة إلى العيش وسط الدمار، بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة على نفقتها الخاصة، من خلال حوالات مالية غير منتظمة من الخارج.

جانب من مشروع «مزّة 56» في دمشق (الشرق الأوسط)

شراكات مشبوهة في جوبر

يتداول أهالي ومسؤولو جوبر، وهي ضاحية تاريخية واقتصادية تقع شمال شرق العاصمة دمشق، عن عروض استثمارية مجهولة تلعب الحكومة فيها دور الوسيط، وليس الضامن.

يقول أيمن الدسوقي، الباحث الأول في «مركز عمران للدراسات الاستراتيجية»، الذي أجرى أخيراً جولة ميدانية في المناطق المدمرة، إن إحدى الشركات بدأت تعرض على سكان حي جوبر في ريف دمشق تسويات تتعلق بأملاكهم، بحيث يحصل أصحاب العقارات المسجلة بـ«الطابو» على 50 في المائة فقط من قيمة ملكياتهم، في حين يُعرض على مالكي الأراضي الزراعية 35 في المائة من قيمة أراضيهم. ويشير الدسوقي إلى أن هذه الآلية تثير مخاوف من انتقال ملكية السكان أو انتقاص حقوقهم العقارية عبر مشاريع إعادة الإعمار، في نموذج يرى البعض أنه يعيد تجميع ملكيات السكان وتعويضهم بجزء من قيمتها.

يُشاع على نطاق واسع أن رجال أعمال على صلات بالنظام السابق يقفون ورا الشركات او لهم فيها حصص كبيرة، بالتالي فإن الأمر الذي كان مثار جدل لدى أهالي جوبر بأن خلافهم مع عرض الشركة يتجاوز التفاصيل القانونية والفنية، لتمتد إلى الأشخاص بعينهم.

شوارع لا تزال مهدمة ومنازل تحت الركام في حي جوبر الدمشقي (الشرق الأوسط)

وإلى ذلك، يقول الدسوقي إن ارتفاع سعر بيع المتر المربع الواحد الذي خلصت إليه الشركة بعد دراستها للسوق، بلغ نحو 1000 دولار، ما يفوق القدرة الشرائية لسكان جوبر، وغالبيتهم من النازحين.

ويُرجع الدسوقي ارتفاع السعر إلى الصيغة التي تُطرح لمشاريع التطوير العقاري في المناطق المدمرة، تتحمل فيها الشركات الاستثمارية إعادة الخدمات الأساسية، لتعويض غياب الحكومة، لكن على حساب رفع قيمة المتر المربع من الوحدات السكنية، والاستحواذ على الأراضي عبر مشاركة حصص ملاكها.

الدولة وسيط للمستثمرين

تحاول الحكومة أن تكون وسيطاً يقنع المستثمر بإعادة بناء المناطق المدمرة تحت ضغط قاعدة مجتمعية عانت سنوات الحرب وثمة ضرورة لتعويضها، بالتزامن مع إعلانها عن «مشروع إغلاق المخيمات»؛ لذلك تفضّل خيار المستثمرين للبناء في مناطق نظيفة. لكن هذا المسار الذي يبدو اضطرارياً يوجه المشاريع نحو ذوي الدخل المرتفع، على حساب قطاع واسع من أصحاب الحقوق وهم من أصحاب الدخل المحدود.

وقال الدسوقي إن هذه الصيغة لا تفضي إلى تحقيق «الاستقرار المجتمعي»، موضحاً أن «الحكومة تستهدف فعلاً إعادة إعمار المناطق المدمرة، وربما تشجع عليها لكنها لا تملك صلاحية إلزام المستثمرين بالعمل فيها، فهم يقدمون عروضاً تتوافق مع مصالحهم الاقتصادية».

سكان عادوا إلى بيوتهم المهدّمة في حي التضامن بدمشق (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الجهات الحكومية المعنية، ومنها المحافظة ووزارة الإسكان ووزارة التنمية المحلية، تجري محاولات لإقناع سكان المناطق المدمرة بقبول العروض المقدمة من الشركات الاستثمارية لأنها قد تكون أفضل الممكن.

وحسب الدسوقي، ثمة تفسير آخر لإحجام الدولة عن الدخول في عملية إعادة إعمار المناطق المدمرة، هو افتراض أن دورها يقتصر على تنظيم الأمور وإصدار القوانين والتشريعات واستقطاب العروض دون أن تكون مسؤولة عن تنفيذ إعادة الإعمار نفسها، ولا عن توفير خدمات أساسية، وهي مسؤوليات يمكن أن يتحملها القطاع الخاص بشقيه الداخلي أو الخارجي.

مع ذلك تنشأ مدن فارهة تستهدف طبقة جديدة في المجتمع السوري. يصفهم الدسوقي بـ«طبقة حديثي النعمة»، التي أقامت خلال سنوات الحرب مشاريع عقارية ضخمة في بعض مناطق الشمال السوري، وراكمت من ورائها ثروات كبيرة، وتقدر نسبتها من 1 إلى 3 في المائة من المجتمع، إلى جانب المغتربين السوريين الموجودين في الخارج، والجالية السورية الكبيرة في أوروبا التي اندمجت بالاقتصاد الأوروبي، إضافة إلى أصحاب الرأسمال الأجنبي الذي يبحث عن موطئ قدم في سوريا.

ومثل هذه المشاريع العملاقة تلبي احتياج شريحة محدودة، ويتحقق الاكتفاء لها ببناء 100 ألف وحدة سكنية، ولكن في المقابل تبقى، وفق الدسوقي، مشكلة السكن لـ3 ملايين نازح داخلي و5 ملايين لاجئ قائمة من دون حل.

استئناف العمل في المجمعات السكنية الفاخرة في دمشق (الشرق الأوسط)

«ماروتا سيتي» و«المرسوم 66»

محاولات الشركات الجديدة التي تنخرط أخيراً في سوق التطوير العقاري لمناطق مدمرة ليس جديداً في سوريا. نظام الأسد كان قد أصدر «المرسوم 66» السيئ الصيت عام 2012 بزعم «تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي».

منذ الإطاحة بالنظام السابق، عاد الجدل إلى هذا المرسوم السيئ الصيت، ولا سيما عند الحديث عن المنطقتين التنظيميتين اللتين استُحدثتا بموجبه؛ الأولى هي منطقة جنوب شرق المزة (مزة-كفرسوسة)، التي عُرفت لاحقاً باسمها الجديد «ماروتا سيتي»، وتشمل ما يُعرف شعبياً ببساتين المزة وأجزاء من كفرسوسة. أما الأخرى فهي منطقة جنوبي المتحلق الجنوبي، التي عُرفت لاحقاً باسم «باسيليا سيتي».

اليوم، يؤكد أصحاب الملكيات الأساسيون في هاتين المنطقتين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، وحقوقيين سوريين ومنظمات حقوقية دولية، أن هدف النظام السابق من «المرسوم 66» هو انتزاع ملكيات الأهالي وتهجيرهم، وإحداث تغيير ديمغرافي فيهما.

وحسب تقارير دولية تعود إلى عام 2018، فإن «(المرسوم 66) يعاقب النازحين ويعوق التحقيق في جرائم الحرب»، كما أن حكومة النظام السابق «استخدمت المرسوم لمصادرة الممتلكات وتشريد السكان».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت في يونيو (حزيران) 2020، عقوبات على محافظ دمشق السابق عادل العلبي لدوره في الإشراف على شركة «الشام القابضة»، ومشروع تطوير العقارات في «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، واصفة المشروع بأنه «أكبر استثمار عقاري في سوريا بملايين الدولارات، يهدف إلى تغيير ديمغرافية المكان إلى ديمغرافية غنية وموالية سياسياً لنظام الحكم».

ملكية الأراضي الزراعية معرّضة للخطر والتجزئة ضمن خطط الاستملاك الجديدة (الشرق الأوسط)

وفي عام 2024، ومع سقوط النظام، يأمل أصحاب الملكيات الأساسيون للأراضي في مشروعي «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، أن تقوم السلطات السورية بإلغاء «المرسوم 66» أو تعديله بحيث تنصف المالكين الأساسيين بعد الحيف والظلم الذي طالهم من قبل النظام المخلوع، غير أن محافظة دمشق واصلت العمل فيه، مما أثار حفيظة الأهالي وارتفعت أصواتهم المطالبة بإنصافهم ونظموا تظاهرات في هذا الشأن.

بشير بعلبكي أحد المالكين الأساسيين في منطقة «بساتين المزة»، يتحدث إلى «الشرق الأوسط» قائلاً إن «المحافظة في عهد النظام البائد أعطت المالكين فقط 17 في المائة من أراضيهم، وهذا قمة الإجحاف».

يضيف بعلبكي: «السكن البديل كان مجانياً وبالمنطقة نفسها، وقد أخلت المحافظة بهذا البند من حيث المكان والتعويض، وقد تم تعويض المالكين ببدل إيجار سنوي زهيد لا يغطي حصتهم من الملكية».

وبعد التحرير، عدلت المحافظة بدل الإيجار إلى 35 ضعفاً، لكنه وفق بعلبكي «لا يزال غير متناسب مع سوق الإيجار والعقار خصوصاً مع التضخم الهائل. كما وعدت المحافظة بتوفير سكن بديل في المنطقة المجاورة ولكن من دون إكساء وبسعر مجهول حتى اليوم».

سكان يعودون إلى منازلهم المدمرة ويحاولون ترميم ما تيسّر تفادياً للإيجارات الباهظة (الشرق الأوسط)

ضرب «حواضن الثورة»... بالقانون

معتصم السيوفي، مدير مؤسسة «اليوم التالي» التي أنجزت دراسة حول حقوق الملكية ومشاريع التطوير العقاري، يوضح أن المشكلة في «المرسوم 66» و«القانون رقم 10» لعام 2018، أنهما «صدرا في ظرف غير طبيعي خلال سنوات الثورة، وقد استخدمهما النظام لمواجهة المناطق التي انتفضت عليه، وكانت تلك حواضن للثورة عبر تغيير هويتها وطابعها الديمغرافي».

ويلفت السيوفي لـ«الشرق الأوسط» إلى «تعسف كبير» بحق أصحاب الملكيات؛ إذ لم تكن حينها لدى أعداد كبيرة من المالكين الأساسيين إمكانية لإثبات ملكياتهم بسبب الظروف القائمة، كما حصل عدد كبير من حالات البيع بالإكراه، مشيراً إلى أن شخصيات بارزة من أركان النظام السابق، من بينهم أسماء الأسد ورجلا الأعمال سامر الفوز وحسام القاطرجي، يمتلكون حصصاً كبيرة في أبراج «ماروتا سيتي»، وقد وُضعت هذه الحصص تحت إدارة «الصندوق السيادي».

ويشرح السيوفي ما يصفه بآلية الاحتيال بالقول: «إذا كانت لديك اليوم قطعة أرض زراعية في دمشق تساوي ألف دولار، فإن قيمتها ترتفع إلى عشرة آلاف أو حتى مائة ألف دولار عندما تُصنّف أرضاً معدّة للبناء. لكن في (المرسوم 66) حُدّدت قيمة معينة للأراضي، ومنح المالك مقابلها أسهماً في المشروع الجديد، فيما أصبحت أسعار العقارات ضمن المخطط التنظيمي مرتفعة جداً، إلى درجة أن قيمة الأسهم التي حصل عليها المالكون لا تكفي لشراء غرفة، بل حتى حمام، في شقة ضمن أحد الأبراج، في وقت تُباع فيه الشقة الواحدة بنحو مليون ونصف المليون دولار. وهذا، برأيي، شكل من أشكال الاحتيال على الملكية أو سلبها بطريقة غير مباشرة، وما زال قائماً».

مبانٍ شاهقة وشقق فاخرة بانتظار سكان متمكنين اقتصادياً (الشرق الأوسط)

ويشير السيوفي إلى أن محافظة دمشق، خلال حقبة النظام السابق، استحوذت على حصة كبيرة من المقاسم السكنية والتجارية ضمن المشروع، ثم طرحتها للاستثمار عبر شركة «شام القابضة»، بحجة تمويل مشاريع البنية التحتية، معتبراً أن ذلك يثير كثيراً من علامات الاستفهام، معتبراً «الحل المنطقي» يبدأ بوقف تنفيذ «المرسوم 66» عند الحدود التي نُفذ فيها حتى الآن، ثم تعديله بما يضمن تعويضاً عادلاً للمالكين من حصة المحافظة.

مخيم اليرموك... نكبة مزدوجة

في مخيم اليرموك جنوب دمشق، الذي كان يُوصف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» قبل أن يتحول إلى أحد أبرز نماذج الدمار السوري، تتزايد اليوم مؤشرات على عودة العائلات النازحة، مع حركة نسبية في السوق المحلية، رغم استمرار الدمار وتردي الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات.

في الشارع الرئيسي وعدد من الأزقة، تبرز أبنية أُعيد بناؤها على الهيكل (العظم). تعيش فيها عائلات في غرفة واحدة جرى إكساؤها مع مطبخ وحمام بالحد الأدنى من التجهيزات، فيما رمّم آخرون شققهم رغم مخاطر انهيار المباني المتضررة بشدة.

يسار العمر عاد إلى منزله في المخيم قبل نحو عام ونصف العام. تحدث الرجل الستيني لـ«الشرق الأوسط» وهو جالس على كرسي على رصيف الشارع. ألقى باللوم على الحكومة ووكالة «الأونروا»: «للأسف لم نر أحداً».

يوضح الرجل أنه في ظل الارتفاع الخيالي لبدلات إيجار الشقق ووصولها إلى أكثر من 400 دولار في محيط المخيم، أُجبرت العائلات النازحة على العودة إلى منازلها بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة.

ويقول: «المهم الخلاص من جشع المؤجرين، قمنا بتركيب باب رئيس للشقة وستائر وبطانيات على أبواب الغرف الداخلية والنوافذ، والبعض يأكل خبزاً وبصلاً لتوفير تكاليف الترميم».

وعن المجمعات والمشاريع الجديدة، قال إن «هذه الشقق والخدمات ليست لنا، وحتى في المناطق العشوائية بات تملُّك شقة صغيرة بالنسبة للغالبية العظمى من السكان حلماً مستحيل تحقيقه في ظل الأسعار الحالية».

البناء والترميم بجهود ذاتية وغياب تام لأي خطة حكومية (الشرق الأوسط)

غياب حكومي تام

يتحدث الدسوقي عن مبادرات محلية شعبية لترميم المنازل في مدينة دير الزور وبعض المشاريع لمنظمات معنية لإعادة تأهيل بعض الأسواق، «لكن الغائب في كل تلك المناطق المدمرة التي قمت بزيارتها سواء كانت في حي جوبر بدمشق أو ريفي حلب وإدلب الشرقيين، هو غياب الحكومة عن ملف إعادة الإعمار».

سبب الغياب، حسب الدسوقي، يتعلق بعدم امتلاك الحكومة تكلفة عملية إعادة الإعمار المرتفعة جداً، التي يتم الحصول عليها من الدولة أو القطاع الخاص أو القروض، وبالنسبة للدولة فإنها «خارج هذا الملف، لأن لديها مشكلات وتحديات كبيرة، ولم تستعد عافيتها بعد على صعيد الخزينة والإيرادات المالية، وبالتالي الدخول بهذا الملف قد يستنزفها وهو وأكبر منها».

لكن السؤال في ظل هذا الوضع، لماذا لم تتجه الدولة إلى القروض الخارجية، خصوصاً أن إعادة الإعمار لم تجر في دول عديدة إلا وكان فيها تمويل على هيئة قروض من الخارج؟

يعتقد الدسوقي أن عزوف الحكومة عن الدخول بموضوع القروض مرده «الحكم الشرعي» للقروض وفوائدها، إلى جانب ما يتعلق بالسيادة، ولذلك اتجهت لجذب رؤوس الأموال عن طريق القطاع الخاص، عبر فتح باب الاستثمار لإعادة إعمار المدن المدمرة بالاتفاق مع السكان.

لكن ما يحصل، برأي الدسوقي، أن الدولة لا تقوم بدورها بصفتها ضامناً للحقوق والملكيات، بل تظهر أشبه بوسيط كما سبق الذكر؛ إذ إنها عندما تطرح على الأهالي مسألة وجود عرض لشركة عقارية لإعادة إعمار منطقتهم، تكتفي بطرح العرض والقول لهم: هل يناسبكم أم لا؟ في حين الحكومة يجب أن تقول بوضوح إن كان هذا العرض يناسب ويراعي حقوق الملكيات أم لا.

أحد أحياء دمشق الأقل تضرراً خلال الحرب (الشرق الأوسط)

حلول ممكنة على الطريقة التركية

يرى الدسوقي أن من بين الحلول البديلة أن تقوم الدولة بمقايضة شركات التطوير العقاري، بإعطائها قطعة أرض نظيفة تعود ملكيتها لها للاستثمار فيها، مقابل إعمار حيٍّ مدمَّرٍ مثلاً، لافتاً إلى أن الحكومة بحاجة إلى إنجاز ملموس يقلّل الفجوة مع أهالي هذه المناطق قبل أن تتسع أكثر، وذلك من خلال تقديم إعفاءات وإغراءات إلى المستثمرين للاستثمار في المناطق المدمرة.

ويلفت الدسوقي إلى أن الحكومة لديها ميزة أنها كثيرة الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ويمكن أن يستفيدوا منها، خصوصاً الشركات التركية التي لها علاقة بالشراكة بين القطاع الخاص والقطاع المشترك لبناء مساكن قريبة لسعر التكلفة، ومنها شركة المطور العقاري التركي الحكومي «التوكي» التي تعمر وتبيع بسعر التكلفة وبأقساط ميسرة.

مبنى أُعيد بناؤه وقد بدا ختم محافظة دمشق على أبواب المحال التجارية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «من غير المستبعد أن نشهد تحوّلاً في بنية (الصندوق السيادي) السوري عبر إحداث (ذراع عقارية) قابضة تابعة له على نمط (التوكي)، والبدء بتأمين مساكن بسعر التكلفة للمواطنين وبأقساط، وذلك بعد إكمال عملية التسويات مع رجال الأعمال السابقين الذين كانوا مرتبطين بالنظام السابق»، موضحاً أنه يمكن أن يتم اللجوء إلى هذا الخيار المرتبط بمسألتين وهما حوكمة «الصندوق» حتى تكون هناك آلية مستقرة، وكمية المال كي يستطيع الدخول في هذا المشروع، ولكن من غير المتوقع أن يكتمل ذلك قبل سنة أو سنتين.

يُذكر أن «الصندوق السيادي»، أنشئ بمرسوم رئاسي في يونيو 2025، وشارك خلال الفترة الماضية في العديد من المنتديات الاستثمارية، وبدأت تتكشف خيوط بأنه يدير أصولاً تم الاستحواذ عليها نتيجة تسويات قامت بها «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» مع رجال أعمال ارتبطوا مع النظام السابق وبعض رموزه الاقتصادية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

وزير الطاقة السوري: عودة مناطق شرق وشمال سوريا ونمو المدن الصناعية ضاعفا الطلب على المحروقات

المشرق العربي وزير الطاقة السوري محمد البشير يقدّم إحاطة في مجلس الشعب حول واقع قطاع الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات (حساب الوزارة)

وزير الطاقة السوري: عودة مناطق شرق وشمال سوريا ونمو المدن الصناعية ضاعفا الطلب على المحروقات

قال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، إن الطلب على المحروقات ارتفع في سوريا من 150 ألف برميل يومياً عام 2025 إلى 300 ألف العام الحالي.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل أعضاء في مجلس الأمن برئاسة سفير سلوفينيا لدى الأمم المتحدة صموئيل زبوغار بدمشق (سانا)

الشرع إلى نيويورك غداً... وواشنطن ترفع القيود عن مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري

استبقت الولايات المتحدة وصول الشرع للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة السنوية، ورفعت القيود المتعلقة بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري عن سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)

سوريا: توقيف ضابط سابق برتبة لواء اتهم بقيادة هجمات ضد «المعارضة»

أعلنت السلطات السورية، السبت، توقيف ضابط كبير سابق في جيش خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، مشيرة إلى أنه قاد عمليات ضد مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

يقدر عدد المخازن التي انفجرت منذ سقوط النظام بأكثر من 15 (11 مخزناً خلال عام واحد) تتوزع ما بين مواقع عسكرية رسمية ومخازن تجميع عشوائية...

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي كدو ونائبه ديدار عبد المطلب ميرو وعدد من أعضاء اللجنة المركزية بعد انتهاء المؤتمر الوحدوي (الشرق الأوسط)

بعد حل «قسد»... اندماج حزبين كرديين في حزب جديد

جدد الحزب «التزامه بالعمل السياسي السلمي والديمقراطي، والدفاع عن الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في سوريا، والمساهمة في بناء سوريا ديمقراطية تعددية».

موفق محمد (دمشق)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.