الحرب على الجامعات تُغيّر علاقة الدولة بإنتاج المعرفة في أميركا

شهادات لأساتذة خائفين... ولوائح كلمات ممنوعة من الصرف

طالبان بالكوفية الفلسطينية خلال «حفل تخرّج الشعب» الذي أُقيم تكريماً لمحمود خليل ومَن مُنعوا من المشاركة في حفل تخرجهم في جامعة كولومبيا 18 مايو الجاري (رويترز)
طالبان بالكوفية الفلسطينية خلال «حفل تخرّج الشعب» الذي أُقيم تكريماً لمحمود خليل ومَن مُنعوا من المشاركة في حفل تخرجهم في جامعة كولومبيا 18 مايو الجاري (رويترز)
TT

الحرب على الجامعات تُغيّر علاقة الدولة بإنتاج المعرفة في أميركا

طالبان بالكوفية الفلسطينية خلال «حفل تخرّج الشعب» الذي أُقيم تكريماً لمحمود خليل ومَن مُنعوا من المشاركة في حفل تخرجهم في جامعة كولومبيا 18 مايو الجاري (رويترز)
طالبان بالكوفية الفلسطينية خلال «حفل تخرّج الشعب» الذي أُقيم تكريماً لمحمود خليل ومَن مُنعوا من المشاركة في حفل تخرجهم في جامعة كولومبيا 18 مايو الجاري (رويترز)

عدتُ إلى الولايات المتحدة في زيارة بعد انقطاع دام نحو العامين. قبل السفر، أرسلت لي صديقة أميركية وثيقة وضعتها الجمعيّة الأميركية لمحامي الاغتراب حول كيفية التعامل مع ما سمته «الواقع الجديد» عند نقاط الدخول إلى البلاد، الذي صار يشمل، كما ظهر في حالات تمّ تناقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قيام ضباط الهجرة والجوازات بتفتيش الأجهزة الإلكترونية للمسافرين. أما التدبير الأول الذي نصح به المحامون فكان استخدام أجهزة إلكترونية مخصَّصة للسفر تكون المعلومات الشخصية فيها قليلة. وتفسّر الوثيقة أنّ حاملي جوازات السفر الأميركية يمكن منعهم من الدخول إذا رفضوا مشاركة أجهزتهم وكلمات سرّها، بينما يحق للمواطنين رفض الإجابة عن الأسئلة، ولكن قد يؤدي ذلك إلى التأخير في إجراءات الدخول. تساءلتُ لدى وصولي إلى مطار شيكاغو عمّا يمكن أن يسألني عنه ضابط الهجرة، ورحت أستعد للإجابة، وكنتُ قد حصلت على الجنسية الأميركية منذ بضعة أعوام، ولكنه لم يسألني شيئاً.

الخوف في اليوميات

اكتشفت أن القلق الذي انتابني لدقائق معدودة في المطار يسود يوميات أصدقائي وزملائي السابقين الذين التقيتهم خلال زيارتي. حتى إنّ زميلةً أميركيةً (غير مجنّسة) أسرّت لي أنها في الآونة الأخيرة صارت تستفيق في منتصف الليل يؤرقها مستقبل الجامعة (نورثويسترن) ومستقبل عملها. فقد باشرت إدارة الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته بالتطبيق العملي لشعار رفعه نائبه جي دي فانس في 2021 هو «الجامعات هي العدو». وكان من أوّل الإجراءات التي اتخذتها تهديد جامعة كولومبيا في نيويورك بسحب التمويل الفيدرالي الذي تتلقاه والبالغ 400 مليون دولار.

طالبة أميركية مسلمة تضبط حجابها قبل الصعود إلى منصّة حفل التخرج من جامعة نيويورك في 15 مايو الجاري (رويترز)

هنا تلاقت اهتمامات الإدارة مع السيطرة على الجامعات، ومناهضة الحركات المناهضة لإسرائيل، واستهداف المغتربين كلها دفعة واحدة. إذ تمحورت معظم مطالبها حول ضبط حركات التظاهر الطلابية في حرم الجامعات، ومعاقبة المتظاهرين، خصوصاً المغتربين منهم، ووضع قسم «الدراسات الشرق أوسطية والأفريقية والجنوب آسيوية» في جامعة كولومبيا تحت «الوصاية الأكاديمية»، أي أنْ يخسر القسم استقلاليته وتراقبه الحكومة مباشرةً، في خطوة غير مسبوقة. وعملياً، انصاعت الجامعة لهذه المطالب.

كان من أبرز الاعتقالات التي نفذتها الإدارة الأميركية الجديدة إلقاء القبض على زعيم الحركة الاحتجاجية في كولومبيا، الطالب الفلسطيني محمود خليل، وهو لا يزال مهدَّداً بالترحيل مع أنه يحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة.

ولم يكن اعتقال خليل في حد ذاته هو ما أخاف الكثيرين فحسب، بل ما أثار الذعر خاصّة كانت الطريقة التي اعتُقل بها. فقد جرى ذلك في مدخل البناية التي يعيش فيها، ومن دون تحذير أو تفسير وأمام زوجته الحامل، ومن عملاء رفضوا تعريف أنفسهم أو الجهة التي يمثلونها، ومن ثمّ اختفاؤه لأشهر في مركز اعتقال في مدينة في ولاية لويزيانا البعيدة عن مكان سكنه. وهي طريقة وصفها خليل بأنها أشبه ما تكون بالخطف.

تهديد وسحب أوراق

وخلال زيارتي تلقيت إيميلاً من طالب دكتوراه في إحدى الجامعات الخاصة في نيويورك (لن أحددها للحفاظ على هويته)، وهو كان ناشطاً في الحركة الداعمة لفلسطين في جامعته، يخبرني فيه أنه يفكر بمغادرة البلاد لاستكمال أطروحته خارج الولايات المتحدة، على الرغم من أنّه سوف يخسر بذلك تأشيرة الدراسة والمنحة المالية التي تقدمها الجامعة. وقال الطالب في رسالته، وهو من جنسية عربية: «لا أخرج من بيتي خوفاً من أن يعتقلوني في الطريق. أخاف من كل طَرْقٍ على الباب». تلك أيضاً عبارة قالها لي أستاذ جامعي آخر يحمل جنسيتين، إحداهما أوروبية، ولعب دور المفاوض بين المتظاهرين الطلاب والإدارة في جامعة أخرى، موضحاً أنه يخاف أن يخرج من بيته مع ولده الصغير حين تكون زوجته مسافرة في حال اعترضه موظفو الأمن لاعتقاله ولم يعرفوا ماذا يفعلون بالولد فيسلّمونه لجهات حكومية.

طالبة تحمل علماً فلسطينياً خلال تدريبات حفل التخرج بجامعة يال في ولاية كونيتيكت 19 مايو الجاري (رويترز)

وقالت أستاذة أخرى من جنسية عربية كانت داعمة للحركات الطلابيّة في جامعتها إنّ محاميها يحذّرونها باستمرار من أنّ نشاطها السياسي هذا قد يؤثّر على فرصتها لنيل الجنسية الأميركية التي تقدّمت لها منذ فترة. فقد ورد اسمها في الوثائق التي حضّرها الكونغرس حول المظاهرات والتي أدرجها تحت تهمة «معاداة السامية». وتنتظر الأستاذة الجامعية الآن المقابلة التي تسبق الحصول على الجنسيّة بكثير من التوّجس والقلق.

تذكير بـ«تيانانمين»

وليس المغتربون من أصل عربي هم وحدهم الخائفون. فإحدى طالبات الدكتوراه الصينيات التي تدرّس مساقاً أكاديمياً عن «الحركة النسويّة المعادية للاستعمار في الصين» قالت إنها حذفت من مقررها بعض المواد التي قد تعد «راديكالية»، خوفاً من أن يؤثر ذلك على فرصتها في تجديد تأشيرتها الدراسية.

طالبة أخرى كورية تخاف من أن تتحدث بلغتها الأم خارج المنزل خوفاً من أن يظنّ الطلاب اليمينيون في الجامعة التي تقع في ولاية ويسكونسون المحافظة أنّها صينية فيتنمّرون عليها. وأخبرتني هي نفسها عن صديقة أخرى تعرضت لإلغاء التأشيرة التي تسمح لها بالعمل بعد استكمال الدراسة بسبب مخالفة سير.

طالبة آسيوية تحتفل بتخرجها في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا 19 مايو الجاري (أ.ب)

وفي جامعة إنديانا، وهي ولاية محافظة أيضاً، يتم التحقيق مع أستاذ يهودي بتهمة انتهاك «التنوّع الفكري» بسبب انتقاده دولة إسرائيل في أحد الصفوف. وقد نقلت زميلة، وهي من جنسية أوروبية وتقيم منذ سنوات في أميركا وتعمل في جامعة نورثويسترن، وهي جامعة خاصة، أن الإدارة طلبت من الأساتذة والطّلاب عدم استخدام بريدهم الإلكتروني التابع للجامعة للحديث عن «موضوعات سياسية»، لأن هذه الإيميلات قد تكون عرضة للكشف القضائي إذا قررت الحكومة الأميركية أن تحقق مع أي منهم. وهي نقلت أنّ كل ما يرسل، من رسائل قصيرة أو طويلة، عبر شبكة «eduroam» للإنترنت، وهي متاحة في كل المؤسسات التربوية، هو عرضة للتدقيق القضائي. وتقول الأستاذة التي تشارف على الستين من عمرها: «كنت أعيش في بكين بعد تيانانمين، والحالة الآن تستذكر الحالة التي كانت عليه الصين وقتها».

كلمات ممنوعة

من أهداف ترمب فيما يتعلّق بالجامعات إلغاء البرامج المتعلّقة بالتنوّع والإنصاف والشمول. فقد حجبت الإدارة الأميركية الكثير من المنح التي كانت تقدمها من خلال برامجها التربويّة. وتنص الميزانية التي قدّمها الرئيس الأميركي أخيراً على تقليص الدعم لـ«مؤسسة العلوم الوطنية» (NSF) فيما يخص «المناخ، والطاقة النظيفة، والعلوم الاجتماعية والاقتصادية»، وكل ما يصنّف تحت خانة الـ«WOKE» أي ذات حساسية مجتمعية أو توجه تقدمي.

مظاهرة بمدينة نيويورك دعماً للجامعات والتعليم حملت اسم «مسيرة الحق في التعلم» (أ.ف.ب)

وقامت الإدارة الأميركية مباشرةً بعد فوز ترمب بإدراج تعميم بكلمات من قاموس الـ«woke» مثل: التمييز، والتنوّع، والعرق، والانحياز، والأقليّات، والأزمة المناخيّة، واللاعدالة، والقمع المؤسسي، والنسوية، والنساء، والضحية، والتروما، والهويّة وغيرها، وطلبت حذفها من المواقع والمراسلات الرسمية. وأحصت صحيفة «نيويورك تايمز» أكثر من 500 كلمة حُذفت أو مُنع استخدامها فعلياً في المواقع الإلكترونية الرسمية لأنها لا تعكس توجه الإدارة الحالية في السياسات العامة. وطال التعديل المصطلحات في أحيان كثيرة، إذ حذفت أو تغيرت، لكن أيضاً في أحيان أخرى لحذف الفكرة والمضمون من ورائها أيضاً.

وهذا ما اضطر زميلاً آخر لأن يغيّر لقب منصبه في الجامعة من «أستاذ العدالة البيئية» إلى «أستاذ السياسة البيئية». أمّا مديرة «مركز النساء والجنسانية» في جامعة نورثويسترن فهي لم تعد تعرف إذا كان المركز ووظيفتها فيه باقيين حتى السنة المقبلة، أم سيتعين عليها البحث عن عمل، إن وجدت. وفي جامعة ويسكونسون، وهي جامعة رسميّة، اشترط محافظ الولاية على قسم العلوم السياسية توظيف أستاذ محافظ. وفي جامعة أوهايو تم إدخال مساق أكاديمي إلزامي تحت عنوان ما سمّته إدارة الجامعة «الحوار المدني».

الأمل المعلّق على «هارفارد»

استرجع الأكاديميون بعضاً من الأمل عندما رفضت جامعة هارفارد مطالب الإدارة الأميركية التي هددتها، مثلما هددت جامعة كولومبيا، بسحب تمويلها الفيدرالي. وكان الخوف أنه إذا انصاعت «هارفارد» وهي أغنى جامعة أميركية، فلن تحاول أي جامعة أخرى مقاومة السيطرة الحكومية.

وانتقلت الإدارة الأميركية إلى التهديد برفع الضريبة التي تجبيها على المخصصات التابعة لـ«هارفارد» والجامعات من مثيلاتها، أي الجامعات الغنية والخاصة التي تعد نخبوية. وقد عرض عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية تكساس رفع هذه الضريبة من مستواها الحالي، والبالغ تقريباً 1.5 في لمائة، إلى 21 في المائة. كذلك يهدّد ترمب بالتوقف عن اعتبار الجامعات مؤسسات لا تبغي الربح، مما يعني أنّ كل الأموال التي تصرفها الجامعات لتحقيق أهدافها التربوية ستصبح عرضة للضرائب.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث عن احتجاجات الطلاب في الجامعات الأميركية قبيل دخوله قاعة محكمة مانهاتن العام الماضي (رويترز)

نقض الاستقلالية الأكاديمية

هذا التغيير في تعريف الجامعات هو بمثابة تغيير لشكل علاقة الدولة بإنتاج المعرفة الذي جرى الاتفاق عليه في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وقتها كان السؤال: كيف ستقوم الدولة بدعم الإنتاج العلمي؟ وبعد النقاش السياسي والفلسفي حول هذا السؤال كان القرار ألّا يكون ذلك بالتدخل المباشر في هذا الإنتاج، بل بأن تدعم الدولة الجامعات لتكون هي المكان الذي يصير فيه إنتاج المعرفة والفكر. وكان من أساسيات هذا الاتفاق مبدأ استقلالية الجامعات وحريتها الداخلية. فهذا التدبير في مجمله عرضة لتحوّل جذري الآن.

وسيكون عرضةً للتحوّل أيضاً، نتيجةَ هذا التغيير، ليس مصائر الأفراد فحسب وإنما مكانة الولايات المتحدة بصفتها البلد الرائد في الإنتاج العلمي حول العالم. وهذا تحديداً ما أرّق زميلتي الأميركية ومنعها من النوم ومثلها عشرات، لا بل مئات الأكاديميين القلقين.


مقالات ذات صلة

روبيو: السعودية شريك استراتيجي مهم... ومن المنطقي إبرام اتفاق نووي معها

الولايات المتحدة​ تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الصحافة على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (رويترز)

روبيو: السعودية شريك استراتيجي مهم... ومن المنطقي إبرام اتفاق نووي معها

أكد ماركو روبيو أن السعودية تُعدُّ «شريكاً استراتيجياً مهماً» للولايات المتحدة، وأشار إلى أن إبرام اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية معها أمر منطقي.

«الشرق الأوسط» (مانيلا )
الولايات المتحدة​ ضباط إنفاذ القانون يقومون بتفتيش موقع يُزعم أن مشتبهين مكسيكيين ونيجيريين استخدموه كمختبر سري لتصنيع الميثامفيتامين في ولاية أوجون نيجيريا (رويترز)

ترمب يشيد بجهود نيجيريا في مكافحة العنف ضد المسيحيين

كتب ترمب «إنه لشرف حقيقي أن أقف إلى جانبكم في الحرب ضد الإرهابيين ولجعل جمهورية نيجيريا الاتحادية أكثر قوة وازدهارا».

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
الولايات المتحدة​ كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث مع الصحافيين خلال إحاطة في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 16 يوليو 2026 (أ.ب)

مئات الصحافيين يحثّون «مراسلي البيت الأبيض» على التصدي لهجوم إدارة ترمب ضد الإعلام

دعا مئات الصحافيين السابقين، أو المتقاعدين، و8 منظمات معنية بحرية الصحافة، «رابطة مراسلي البيت الأبيض» إلى التصدي لهجمات إدارة الرئيس الأميركي ترمب ضد الإعلام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية العسكرية بينما ينقل فريق من الجيش نعش الرقيب أول مايكل إيمانويل سوينتون في قاعدة دوفر الجوية بولاية ديلاوير يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

ترمب يتعهد بمحاسبة إيران عن كل جندي أميركي يُقتل

تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تدفع إيران ثمناً مضاعفاً عن مقتل أي جندي أميركي، قائلاً إن كل مرة تقتل طهران عسكرياً أميركياً «ستدفع مقابل ذلك مرات كثيرة».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني متحدثاً عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

ممداني «لا يرحب» بنتنياهو في نيويورك… ولا يستطيع اعتقاله

دعا رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني السلطات الفيدرالية إلى اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهمة «الإبادة» ضد الفلسطينيين في غزة.

علي بردى (واشنطن)