«الحرب نائمة فلا توقظوها»... نصفُ قرنٍ على «نيسان» لبنان

شهادات خاصة من مقاتلين وسياسيين وإعلاميين ومثقفين يسترجعون لـ«الشرق الأوسط» ذكريات بوسطة عين الرمّانة

TT

«الحرب نائمة فلا توقظوها»... نصفُ قرنٍ على «نيسان» لبنان

«بوسطة عين الرمّانة» التي كانت بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع الحرب اللبنانية (أ.ف.ب)
«بوسطة عين الرمّانة» التي كانت بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع الحرب اللبنانية (أ.ف.ب)

انقضى نصف قرنٍ على ما قيل إنها الشرارة الأولى للحرب الأهلية في لبنان، حادثة «بوسطة عين الرمّانة». يحلو للبعض الظن أن القلوب ما عادت ملآنة، فيما يخشى البعض الآخر من أن تكون «الحرب نائمة تحت الوسائد». لكن المؤكّد أن البوسطة التي أُطلق عليها الرصاص في 13 أبريل (نيسان) 1975 استحالت صدأً.

«بوسطة عين الرمّانة» التي كانت بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع الحرب اللبنانية (أ.ف.ب)

ظهيرة ذلك الأحد المشمس، تعرّضت حافلة تقلّ مجموعة من منظّمة التحرير الفلسطينية لإطلاق نار من عناصر حزب الكتائب في منطقة عين الرمّانة ذات الغالبية المسيحية. سقط 27 شخصاً من أصل 30 كانوا يستقلّون الحافلة. وكان قد سبق ذلك وفي اليوم والمكان نفسَيهما، إطلاق نار استهدف مرافقي مؤسس حزب الكتائب بيار الجميّل، مما أدّى إلى مقتل عددٍ منهم. وحُكي أنّ الهدف الأساسيّ كان اغتيال الجميّل نفسه.

حتى اليوم، ما زالت الآراء والمعلومات متضاربة بين الطرفين بشأن خلفيات الحادثة ونتائجها. غير أنّ التاريخ الحديث يعتبرها النقطة المفصليّة التي أطلقت صفّارة الحرب في لبنان، وكل ما تلاها من دويّ وحطام ودماء.

في الذكرى الخمسين لـ«13 نيسان»، تعود «الشرق الأوسط» إلى ذلك اليوم الدامي، فتستضيف مجموعةً ممّن شهدوا عليه. بعضهم وقف على جبهة القتال، ومنهم من حاول إخماد النار، ومنهم مَن وثَّق بعينَيه وذاكرته وندوبِه.

أين كنت في ذلك اليوم، وما كان تمَوضعك السياسيّ؟ وهل تعلَّم اللبنانيون درس الحرب الأهلية؟ سؤالان طرحناهما على ضيوفنا الشهود والآتين من عوالم السياسة، والثقافة، والتعليم، والحقوق، والإعلام.

ياسمين (نانو) جمهوري – مقاتلة سابقة ومسؤولة حالية في حزب الكتائب

تتذكّر ياسمين جمهوري ذلك اليوم بوضوح. «كنّا متّجهين إلى المطار لإيصال والدي الذي كان مسافراً، وفي الطريق لاحظنا انتشاراً عسكرياً فلسطينياً». كانت رئيسة قسم بعبدا الكتائبيّ، والمعروفة بـ«نانو»، في الـ13 آنذاك. رغم سنّها الصغير، كانت قد انتسبت للحزب المسيحيّ، «بما أنّ الانتماء الكتائبي في بيتنا يسري في العروق أباً عن جدّ، وأماً عن جدّة».

ياسمين «نانو» جمهوري بالزيّ العسكري في مطلع الثمانينيات (أرشيف جمهوري)

عادت العائلة من المطار إلى البيت حيث سمعت خبر استهداف «البوسطة» عبر الراديو. تروي جمهوري: «لم أتفاجأ كثيراً لأننا كنا نلاحظ تحركات مريبة في المنطقة. لكن لم أفهم شيئاً كفتاة في الـ13 من عمري». كل ما تعرفه أنها وخلال أيام، حملت البندقية هي وفتيات أخريات ووقفن لحراسة مراكز الحزب، «فيما الشباب يقاتلون على الجبهات».

خضعت «نانو» لتدريبات عسكرية وشاركت في معركة كفرشيما، ثم تمركزت على المدفعيّة في الـ19 من عمرها خلال معركة زحلة. حدث ذلك بالتزامن مع تخصصها في إدارة الأعمال المعلوماتيّة في الجامعة اليسوعية. «كنّا الجبهة المساندة للشباب في منطقة عيون السيمان، نحضّر ملابسهم وطعامهم ونقوم بالحراسة ليلاً». وتضيف جمهوري: «كل ما قمت به كان انطلاقاً من إيماني بلبنان وتجذّري بأرضه. لم أندم يوماً، وإذا اقتضى الأمر فسأحمل السلاح من جديد». لكنها في المقابل تؤكّد أنها من الجيل الذي تعلّم دروس الحرب، «أما بعض القادة السياسيين فلم يفعل».

«ما زلت أبكي كلما ذكرت اسم رفيقي منير الذي استُشهد عندما كنا في الـ14 من العمر» - ياسمين جمهوري

أسعد الشفتري - مسؤول أمني سابق في حزبَي الكتائب والقوات ونائب رئيس جمعية «محاربون من أجل السلام»

في 13 أبريل 1975، كان أسعد الشفتري طالب هندسة في الـ20 من عمره يجلس إلى مائدة الغداء مع أهله في بيتهم في بيروت. «رنّ جرس الهاتف وجاء صوت الرفيق في حزب الكتائب سليم صادر لينبئني بما حصل». توجّه الشفتري فوراً إلى مركز الحزب، وبدأت رحلة تجهيز شبكة التواصل والتنصّت الخاصة بالحزب. يروي مستذكراً: «بعد الحادثة، انطلقت إلى منطقة فرن الشباك المحاذية لعين الرمانة، حيث ركّبت أول جهاز لا سلكي على سطح أحد المباني.»

أسعد الشفتري بالزيّ الحربي وفي لقطة مع الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميّل (أرشيف الشفتري)

كانت تلك من بين أولى المهمات، التي تلاها ما هو أصعب وأكثر تعقيداً، إذ أصبح الشفتري أحد الرؤوس الأمنية في حزب الكتائب، ولاحقاً في القوات اللبنانية. أسأله عن أفظع ما رأى خلال تلك المرحلة فيجيب: «كانت مجموعة من مقاتلي حزب الكتائب متّجهة إلى إحدى مناطق التماس في بيروت. جهّزتهم بالأدوات اللاسلكية للتواصل معنا، ثم لمحت الموت في عيون اثنين منهم. هذان الشابان لم يعودا أبداً من المهمة. شعرت بذنبٍ ما زال يرافقني حتى اللحظة».

يحاول الشفتري محو هذا الذنب «بتأسيس حياة أفضل للأجيال اللاحقة كي لا يخوضوا هذه الحروب»، وفق تعبيره. يبوح بأنه «نادم على ارتكابات كثيرة»، لكنه راضٍ عن واقعه الجديد: «أنا الآن متسامح، ولديّ قناعة بأنّ العنف لا يؤدّي إلى حلول». برأيه، فإنّ «اللبنانيين لم يتعلموا الدرس لأن السلطة لم تؤسس لعدالة انتقالية تأخذنا من الحرب إلى السلام».

يكرّس أسعد الشفتري وقته منذ ربع قرن لإعادة بناء السلام من خلال ورش تدريبية ومحاضرات

زياد صعب - مقاتل سابق في الحزب الشيوعي ورئيس جمعية «محاربون من أجل السلام»

لم يُسمع أزيز رصاص عين الرمانة في منطقة برج حمّود، حيث كان يمضي زياد صعب ظهيرة الأحد على سطح منزله. كان على العنصر الشاب في الحزب الشيوعي أن ينتظر زيارة رفيقٍ له حتى يخبره بما حدث. يروي لـ«الشرق الأوسط»: «كنت في الـ16 ومتعطشاً للقتال. وفور سماعي الخبر سألت متى ننطلق». يتابع صعب: «جمعت الشباب وذهبنا إلى أحد المنازل القريبة، وجهّزنا السلاح المخبأً هناك».

كانت لديه ثقة قائد ميدانيّ، بينما مَن في سنّه جالسون إلى مقاعد الدراسة. «لم تكن هناك مدرسة ثانوية في منطقتنا. ظننّا أن العلم ممنوع علينا، ولم نجد سوى العنف بديلاً عن العلم كوسيلة للتغيير. وعندما فُتحت لنا مدرسة وصرت مسؤولاً عن شؤون الطلاب، كانت الحرب قد اندلعت فانتقل التلاميذ من الصفوف إلى الجبهات».

زياد صعب على الجبهة في منطقة الرميلة (أرشيفه الخاص)

ما زال مشهد «الجثة الأولى» عالقاً في ذاكرته: «حدث ذلك في يونيو (حزيران) 1975. كان صديقاً من عمري... اختفى قبل أيام، وذهبت للبحث عنه في منطقة سن الفيل فوجدته جثة ملقاة أرضاً، بعد أن تعرّضت للتعذيب والتشويه».

يندم على 15 سنة أمضاها محارباً، ويتأسف على لبنانيين تعلموا الدرس لكنهم لا يقومون بأي فعلٍ من أجل التغيير. أما هو فيحاول التعويض من خلال جمعية «محاربون من أجل السلام». أسسها إلى جانب محاربين قدامى من الأحزاب التي كانت متناحرة خلال الحرب. جمع زياد صعب أعداء الجبهات فباتوا رفاق السِلم.

أسس زياد صعب مع عدد من المحاربين القدامى جمعية «محاربون من أجل السلام»

فؤاد السنيورة - الرئيس السابق للحكومة اللبنانية

في 13 أبريل 1975 كان فؤاد السنيورة في بيته في صيدا، ولم يعلم بالحادثة التي وقعت ظهراً سوى في المساء. «كان حدثاً جللاً خصوصاً أنه كان قتلاً متعمداً»، يقول الرئيس السابق للحكومة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»: «لكننا لم نتصور أن تنجرف الأمور بعده إلى ما هو أدهى بكثير».

لطالما كان هوى السنيورة عروبياً، لكنه في تلك الآونة لم يكن منضوياً تحت لواء أي حزب: «كنت قد انسحبت من حركة القوميين العرب في منتصف الستينيات». تفرّغ للأنشطة الثقافية والتدريس. وفي أحد أيام خريف 1975، وفيما كان يقود سيارته برفقة زميله الأستاذ الجامعيّ د. حسن صعب من شارع بلِس إلى منطقة القنطاري، حصل ما لن ينساه مدى العمر.

الرئيس فؤاد السنيورة يتلو الفاتحة على ضريح الرئيس رفيق الحريري (موقعه الرسمي)

يروي السنيورة: «كانت نافذة السيارة مفتوحة فسمعت صوتاً ينادي: وقّف... وقّف. تبيّن أن هناك حاجزاً لمسلّحين من حزب الكتائب. خرج من خلف «الدشمة» شخص ملثّم ومسلّح وقال: «يا دكتور حسن كنت رح قوّسكن لو ما عرفتك... أنت استاذي بالجامعة. الله معكن». تركت تلك الحادثة أثراً كبيراً في نفسه، خصوصاً أنها «كانت مؤشّراً إلى انضمام جيل كامل من الشباب للحرب الأهلية».

اليوم، وبعد 50 عاماً على تلك اللحظة، يرى السنيورة أن «ثمة لبنانيين استخلصوا العِبَر من الحرب ومنهم مَن لم يفعل». لكن المؤكّد في نظره، هو أنّ «المجتمع اللبناني ما عاد راغباً في خوض حروبٍ أهلية بعد الآن، والدليل احتضانه بعضاً لبعض خلال العدوان الإسرائيلي الأخير».

السنيورة في مظاهرة 14 مارس 2005 (موقعه الرسمي)

أكرم شهيّب - قياديّ في الحزب التقدّمي الاشتراكي، نائب حالي ووزير سابق

لم يكن أكرم شهيّب قد انتسب بعد إلى الحزب التقدّمي الاشتراكي، يوم وردَ إلى دارة أهله في عاليه نبأ بوسطة عين الرمانة. كان الشاب منخرطاً في مجال التعليم بعد أن استكمل دراسته في جامعة القاهرة، غير أنّ الهوى السياسيّ في البيت كان اشتراكياً، و«كمال جنبلاط القامة الوطنية والمرجع».

يخبر شهيّب أن الخبر لم يفاجئه كثيراً حينها، «لأنّي كنتُ في جوّ الاستنفار النفسي الحاصل في معظم المناطق اللبنانية». يتابع: «صحيح أن بوسطة عين الرمانة كانت الشرارة الأولى، لكن لو لم تندلع في عين الرمانة لاندلعت في مكان آخر. الأوضاع الإقليمية والمحلية كانت ستفرض الحرب عاجلاً أم آجلاً».

النائب والوزير السابق أكرم شهيّب (أرشيفه الخاص)

من السنوات الدامية تلك، أكثر ما يؤلم أكرم شهيّب «رفاقٌ أصيبوا في الحرب وما زالوا على الكرسي المتحرك حتى اليوم. الظلم الذي تعرضوا له يحزّ في نفسي. هذا مشهد من الحاضر يذكّرنا يومياً بمأساة الماضي».

لا يندم الرجل، الذي خاض الحرب والسِلم إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط، على شيء قام به. «كنت أسعى في مراحل للدفاع عن النفس، هذا كان دوري وكنت مثل الجميع أعتبر أنني كنت على حق والآخر على خطأ».

يعتبر شهيّب أنّ «مصالحة الجبل» عام 2000، والتي بادر إليها وليد جنبلاط والبطريرك صفير «وضعت اللبنة الأساسية لتضميد الجراح». يبدو مطمئناً إلى أن اللبنانيين تعلّموا الدرس، لكنّ «غليان المنطقة» يقلقه لأنه «ينذر بما هو أصعب».

شهيّب برفقة وليد جنبلاط في مطلع الثمانينيات (أرشيفه الخاص)

إلياس عطا الله - قيادي سابق في الحزب الشيوعي، أمين سر حركة اليسار الديمقراطي ونائب سابق

عقب حادثة بوسطة عين الرمانة، لم يكن الياس عطا الله يتوقّع أنّ «تتدهور الأمور إلى هذا الحدّ وأن تكون تلك مقدّمة لحرب أهلية». يخبر «الشرق الأوسط» أنه كان حينها في الـ28 من عمره ورئيس فرع كلية التربية في الجامعة اللبنانية في اتحاد الشباب الديمقراطي.

«في أحد الأيام، وفيما كنت متّجهاً سيراً على الأقدام إلى الجامعة سمعت قصفاً للطيران، وكنت في نقطة قريبة من المدينة الرياضية. بالنسبة لي، كان هذا المشهد بداية الحرب في لبنان»، يروي إلياس عطا الله.

إلياس عطا الله متوسطاً إحدى المظاهرات في بيروت في السبعينيات (أرشيفه الخاص)

أمّا الصورة التي لا تُمحى من مخيّلته فسُجّلت في نهاية 1975: «كنت في مهمة حزبية في منطقة حيّ السلّم عندما رأيت كتبَ مكتبة جامعتي مرميّةً في الوحل أرضاً... سُرقت من الجامعة ورُميت مع كراسٍ وصحون محطّمة». يتابع عطا الله: «لا شيء آلمَني بقدر ما فعل هذا المشهد، خصوصاً أنني شاركت في تجهيز جزء من تلك المكتبة».

مع أنه لم يحارب ولم يطلق النار وفق ما يؤكّد، بل كان منسّق عمليات جبهة المقاومة الوطنية، غير أنّ إلياس عطا الله «نادم على التكيّف مع الحرب، وعلى مساري فيها». يضيف متأسفاً: «ذاك لم يكن أنا، بل شخص آخر». وبعد، هو يستبعد أن تكون الحرب قد انتهت في أذهان اللبنانيين، «لا سيّما أن الوعي الجماعي معتاد على الفساد والكسل».

إلياس عطا الله والكاتب إلياس خوري يوم اغتيال الصحافي سمير قصير (أ.ف.ب)

رشيد درباس - وزير سابق ونقيب المحامين في طرابلس سابقاً

في الحقبة التي شهدت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كان ابنُ طرابلس الوزير السابق رشيد درباس يجاهر بهواه الفلسطيني وبانتمائه للحركة الوطنية اللبنانية.

كان في بغداد يوم 13 أبريل 1975 مشاركاً في مؤتمر اتحاد المحامين العرب. ولدى عودته بعد أيام سالكاً الطريق البحري بالتاكسي من مرفأ بيروت إلى عاصمة الشمال، لم يلحظ ما يقلقه أو ينبئه بتدهور الأوضاع.

تولّى رشيد درباس وزارة الشؤون الاجتماعية ما بين 2014 و2016 (موقع رئاسة الحكومة اللبنانية)

لكن ما لم يكن في الحسبان حصل، وامتدّ النزيف إلى طرابلس حيث اختبر درباس الحرب على طريقته. هو الفلسطينيّ العروبيّ الهوى سرعان ما أصابه الخذلان. يبوح لـ«الشرق الأوسط»: «أندم لأنني انغمست إلى أذنيّ، ليس قتالاً، إنما التصاقاً بالحركة الوطنية والقيادات الفلسطينية. أصابتني اليقظة يوم حوصر مرفأ طرابلس من الزوارق السورية، فتبيّن لي أن المقاومة الوطنية ليست خطاً واحداً كما كنت أظنّ، وأنّ الجيش السوري بات رديفاً للقوى اليمينية التي كنا نحارب»، يتابع: «لديّ الشجاعة اليوم لأقول إنني لم أكن متبصّراً».

رشيد درباس مصافحاً وليد جنبلاط (أرشيفه الخاص)

اختبر درباس محاولات القتل والخطف، مما اضطرّه إلى السفر إلى قبرص عام 1977 والابتعاد عن عائلته؛ «لم أشارك في جنازة أبي الذي توفّي في غيابي وما زال هذا الجرح في قلبي. طعنتني كذلك خسارة عدد كبير من الأصدقاء شهداءَ في تلك الحرب».

وفق درباس، فإنّ «اللبنانيين تعلموا الدرس لكن القوى السياسية لم تتخلص من ارتباطاتها الخارجية».

مي كحّالة - صحافية وأول مستشارة إعلامية لرئاسة الجمهورية اللبنانية

كانت مي كحّالة تمضي ذاك الأحد المشمس مع عائلتها في بيتهم الجبليّ. «سمعنا بأنّ أمراً ما حدث في عين الرمانة، فعدنا أدراجنا إلى منزلنا في سن الفيل شرقي بيروت. شاهدنا على طريق العودة وعلى مقربة من المنزل حواجز فلسطينية. لكن ليس سوى مساءً حتى عرفنا التفاصيل عبر إذاعة مونتي كارلو، ولم ننم في تلك الليلة من أزيز الرصاص».

تخبر الإعلامية والمستشارة الإعلامية السابقة لرئاسة الجمهورية: «ربيت في بيت لا انتماء سياسياً لديه، لذا لم أستوعب ما يجري، إلى أن بدأت القوى الفلسطينية المحيطة بالبيت تتحرّك. أقفلت طرقات كثيرة وصار التنقّل صعباً. عشت قلقاً كبيراً لكني كنت أعتقد دائماً أنها مرحلة وستمرّ».

مي كحالة أول مستشارة إعلامية لرئاسة الجمهورية برفقة الرئيس الراحل إلياس الهراوي (أرشيفها الخاص)

من البيت المسالم مباشرةً إلى الميدان، انتقلت كحّالة مراسلةً حربيّة لصحيفة «النهار»؛ «كان الاتّكال على الصحافيات الإناث أكثر في تلك المهمات حينذاك، بما أنّ الذكور كانوا عرضةً للخطف والقتل على الهوية. خاطرتُ كثيراً، وأكبر مخاطرة كانت محاولة العبور إلى الجنوب لتغطية الاجتياح الإسرائيلي. هناك، علقنا بين نار القنص الإسرائيلي والجهات التي كانت تردّ عليه».

أما أفظع مشهد فهكذا سجّلته ذاكرتها: «كنت أعبر من منطقة المتحف باتجاه المحكمة العسكرية حيث تنتظرني سيارة من الجريدة. رأيتُ جندياً مختبئاً خلف دبّابته ويومئ لي من البعيد بأن أركض. ركضت فوجدت جثة أرضاً وتجمّدت بدل أن أهرب من القنص. ما زلت أذكر وجه الرجل المقتول حتى الآن...».

تأسف كحّالة لأن اللبنانيين لم يتعلموا الدرس، «فهم ما زالوا يتقاتلون ثم يعودون للعيش معاً».

«لم يتعلّم اللبنانيون درس الحرب لأنهم ما زالوا يتقاتلون ثم يعودون للعيش معاً» - مي كحّالة

عبد الحليم كركلّا - المؤسّس والمدير الفني لمسرح كركلّا

تركت «الشرارة الأولى» للحرب الأهلية ندوباً عميقة في جسد فرقة «كركلّا» للرقص. يروي مؤسّس المسرح العريق، عبد الحليم كركلّا، لـ«الشرق الأوسط» كيف انهمر الرصاص على سيارات الراقصين أثناء عودتهم من افتتاح مسرحية «غرائب العجائب وعجائب الغرائب» في 13 أبريل 1975.

«13 نيسان» 1975 افتتاح مسرحية «غرائب العجائب وعجائب الغرائب» في قصر الأونيسكو في بيروت (أرشيف مسرح كركلّا)

بغصّةٍ ما زالت ترافقه حتى اليوم، يقول كركلّا: «طال الرصاص عدداً من الراقصين مما أدّى إلى إصابة نجمة الفرقة أميرة ماجد بالشلل، كما اخترقت رصاصة جسد ملكة جمال لبنان مارسيل حرّو التي كانت معنا».

لكن التحدّي الأكبر بالنسبة إلى كركلّا كان «الحفاظ على تركيبة الفرقة كي لا تتفرّق كما تفرّق لبنان، خصوصاً أنّها تعكس صورة الوطن المتنوّع». يتابع: «صرنا نهرب من الأماكن الخطرة إلى الأماكن الآمنة. من بيروت إلى جونية». لم يتوقف المسرح خلال الحرب اللبنانية لا في الداخل ولا في الخارج. «وعندما بدأت القذائف تطال مركزنا في جونية، انتقلنا إلى طرابلس. ومن طرابلس إلى بعلبك حيث تابعت الفرقة تدريباتها. ثم من بعلبك إلى الشوف بدعوة من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط».

عبد الحليم كركلّا ووليد جنبلاط في قصر المختارة (أرشيف مسرح كركلّا)

أما أفظع مشهد عالق في ذاكرة كركلّا، فهو انهمار القنابل والقذائف حول سيارات الفرقة، خلال انتقالها «من المكان الذي كنا نظنه آمناً إلى مكان أكثر أماناً»، وفق تعبيره. هو الذي استطاع الحفاظ على الفرقة وعروضها حتى في أعتى أيام الحرب، يرجو أن «يكون اللبنانيون قد تعلموا الدرس لأنهم يحبون الازدهار والثقافة والحرية».

«أفظع مشاهد الحرب كان انهمار القنابل والقذائف حول الفرقة خلال تنقّلاتها» عبد الحليم كركلّا

عصام خليفة - مؤرّخ وباحث أكاديمي وأستاذ جامعي وناشط نقابي

«بوسطة» من نوعٍ آخر استقلّها عصام خليفة في 13 أبريل 1975، فأستاذ التاريخ في ثانوية البترون كان يرافق طلّابه في رحلة إلى البقاع والليطاني. «في طريق العودة، عبرنا صيدا وبيروت من دون أن ندري بما حدث. وصلنا مساءً لنجد الأهالي متجمهرين ينتظرون أولادهم بقلق، وهناك اكتشفنا ما حدث. كان الجو محتقناً فلم أتفاجأ كثيراً بالخبر».

كان خليفة قد أسس «حركة الوعي» التي نشأت من قلب الجامعة اللبنانية. يشرح: «كنا مع عدالة القضية الفلسطينية لكن رفضنا التدخل الفلسطيني بالشأن اللبناني، خصوصاً التمدد العسكري على حساب السيادة. كنا متمايزين عن اليسار واليمين اللبنانيَين».

أفظع ما شاهد وما زال محفوراً في ذاكرته حصل فيما كان يدرّس في بيروت: «كنت عائداً إلى شقّتي بعد الدوام، حاولت فتح الباب فلم أفلح. فتحت الباب امرأة تحمل بندقية وسألتني: (من أنت). أنا الذي لم أحمل السلاح يوماً، أجبتها بأني صاحب الشقة فقالت: (إذا عدت إلى هنا ستموت)».

يتابع خليفة: «في تلك الآونة، حاولنا من خلال مجموعات وحركات ثقافية تغييرية أن نجمع الناس من كل الأطراف لتتحاور ضد الحرب والعنف. نظمنا تظاهرات نقابية وثقافية وحاولنا إزالة السواتر الفاصلة بين «شرقية» و«غربية». ناضلت من أجل السلام لذلك لا أندم على شيء. لكن لو تعلّم اللبنانيون الدرس من الحرب لما راهنوا على الخارج حتى الآن».

المؤرّخ والباحث الأكاديمي د. عصام خليفة (إكس)

علويّة صبح - كاتبة وصحافية لبنانية

تخبر الروائية والصحافية اللبنانية علويّة صبح أنها في 13 أبريل 1975، كانت في منزل ذويها في منطقة السبتيّة شرقي بيروت. كانت حينها طالبةً جامعيّة يساريّة الهوى، تتخصص في الأدبَين العربي والإنجليزي. «كنت أؤمن بالعلمنة وبنظام مدني، وافترضت أن الحزب الشيوعي والحركة الوطنية هدفهما ذلك. لكن لاحقاً تملّكتني خيبة وانزويت وابتعدت».

لم تكن تعرف حينها أنّ خيبات الحرب ليست عقائديّة فحسب، بل قد تتحوّل في أي لحظة إلى صدماتٍ ترافق المرء مدى العمر. تقول إنها لا تزال تكتب عن الحرب كي تمحوها من ذاكرتها الشخصية.

بطاقة الانتساب إلى الجامعة اللبنانية الخاصة بعلويّة صبح (أرشيفها الخاص)

ما لم تستطع محوه حتى اللحظة هو هذا المشهد: «سمعتُ نداءاتٍ في منطقة برج حمّود، حيث كنّا قد انتقلنا، تطلب المساعدة في نقل جثث ضحايا مدنيّين إلى المسجد». تبرّعت علويّة صبح لأداء المهمة، فملأت المقاعد الخلفيّة وسطح سيارتها بالجثث ونقلتهم. «كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها جثة. توهّمت الشجاعة وعندما وصلت إلى البيت أخبرت الحكاية لأهلي بفخر وكأنني بطلة، لكن الكوابيس التي أصابتني تلك الليلة دفعتني إلى الصراخ وأنا نائمة. وما زال هذا المشهد القاسي يلازمني منذ ذلك الحين».

أما أكثر ما يؤلمها اليوم فهو أن أبناء بلدها لم يتعلّموا الدرس، بل احترفوا صناعة الطائفية. تتساءل: كيف يُشفى المجتمع من ندوبه إن لم يقُم أي زعيم بنقدٍ ذاتيّ وظلّ متمسكاً بأنه على صواب وسواه على خطأ؟

«نقلت جثث مدنيين في سيارتي وما زال المشهد يرافقني إلى اليوم» - علويّة صبح

ندى عبد الصمد - إعلامية لبنانية

يوم تعرّضت «البوسطة» لإطلاق الرصاص، كانت ندى عبد الصمد في الـ10 من العمر. تروي لـ«الشرق الأوسط»: «شعرت بأن أمراً كبيراً حدث لأنّ معارف أهلي بدأوا بالتوافد إلى منزلنا في بيروت. كان والدي منتسباً إلى الحزب الشيوعي، أما والدتي فمنخرطة في لجنة حقوق المرأة في الحزب».

يكرّ شريط الذكريات في رأس الإعلامية اللبنانية: «طريق الذهاب والعودة من وإلى المدرسة تحت القصف. نشوء التنظيمات المسلحة الصغيرة بعد حرب الفنادق، وتَمركُز بعضها تحت بيتنا. أذكر كيف كانوا يشتبكون... مثل «الصاعقة»، و«أبو كوسا» وغيرهما ممّن كان تمويلهم فلسطينياً».

أما أبشع المشاهد فسُجّل يوم السبت الأسود في 6 ديسمبر (كانون الأول) 1975: «رافقت والدي إلى مركز عمله في شركة الكهرباء. وفي الطريق إلى هناك من جهة المرفأ رأينا جثتين، بالتزامن مع بداية المجازر على الهوية...».

الإعلامية اللبنانية ندى عبد الصمد

في اعتقاد ندى عبد الصمد، مهّدت حرب الـ75 الدرب لفرزٍ مذهبيّ، «فاتخذت الأحزاب طابعاً طائفياً بعد أن كانت مختلطة ومتنوعة». انطلاقاً من ذلك، فهي ليست مطمئنّة إلى أنّ اللبنانيين تعلّموا درس الحرب، بل تذهب إلى حدّ القول: «أعتقد أنهم قد يكررونها لكن بأشكال ثانية، لا سيّما أنّ لبنان بتركيبته الطائفية يؤسس لحروب مذهبية بسبب المحاصصة القائمة». وتتابع ندى عبد الصمد: «المشكلة هي في أننا ما زلنا ننتج الأشخاص أنفسهم والأنظمة ذاتها».

باترك باز - مصوّر صحفي

«كنت في الـ11 من عمري. أذكر أننا في الأيام التالية للحادثة، وأنا عائد إلى البيت في باص المدرسة، رأيت انتشاراً مسلّحاً في منطقة فرن الشباك المحاذية لعين الرمانة. ما زلت أرى أمام عينيّ أقنعة المسلّحين وهي تغطّي وجوههم». هكذا يتذكّر باتريك باز الأيام التي تلت حادثة عين الرمّانة.

مع الوقت، أراد أن يصبح مثل هؤلاء المسلّحين. يوضح: «كانوا المرجع القوي الوحيد، وكأطفال رغبنا في تقليدهم». لاحقاً، عندما اتّسع وجود مسلّحي الكتائب وصار تحت بيت باز في منطقة التباريس، بات المقاتلون يلعبون كرة القدم مع أطفال الحيّ. «مشهد لا أنساه من تلك الفترة ولعلّه أفظع ما شهدت: أحد هؤلاء الشبان شاركَنا اللعب ثم اتجه صوب الجبهة ليعود من جديد، إنما محمّلاً على كتفَي رفيقه».

المصوّر باتريك باز في سن الـ18 (أرشيفه الخاص)

من طفلٍ يلاعب الكرة إلى فتىً يحمل السلاح، تحوّل باتريك باز في غضون أشهر. «حملت السلاح لأول مرة في الـ14 من عمري وكنت أذهب إلى المدرسة والمسدّس على خاصرتي تحت القميص. ومع الشبان المقاتلين كنا نتدرب عليه بإطلاق النار على أهداف وهمية».

«سرت الحرب في دمي فقررت أن أعيشها من دون إطلاق النار على أحد» - باتريك باز

إلّا أنّ الوعي الذي اكتسبه بعد خروجه من لبنان لسنتَين خلال الحرب، ساهم في تغيير سلوكه. «من جبهة القتال انتقلت إلى جبهة التصوير واستبدلت بالرشّاش الكاميرا في سن الـ18. عبر العدسة أردت أن أعيش الحرب من دون أن أطلق النار على أحد»، يقول باز.


مقالات ذات صلة

النرويج المجاورة لروسيا تعدُّ مواطنيها لاحتمال الحرب

أوروبا رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)

النرويج المجاورة لروسيا تعدُّ مواطنيها لاحتمال الحرب

أدخلت النرويج المجاورة لروسيا نفسها في حالة من «الدفاع الشامل»، وباتت تعد سكانها لاحتمال اندلاع حرب في ضوء النزاع المتواصل في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر (أ.ف.ب)

مصادر: الشرع سيحضر قمة مجموعة السبع في فرنسا

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن سوريا ستشارك في قمة مجموعة السبع في ​فرنسا الشهر المقبل بصفة ضيف، وسيمثلها الرئيس أحمد الشرع، وهي أول مشاركة لسوريا في قمة للمجموعة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

اكتُشف رفات بشري في مدينة دوما بريف دمشق ‏خلال أعمال حفر أساس ضمن موقع داخل مدرسة تعرَّضت لقصف سابق من قوات نظام الأسد.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)

قوافل الصحراء تُنقذ الاقتصاد العالمي وتكسر حصار «هرمز»

في مشهد يذكّر برحلات القوافل التي شكلت عصب التجارة العربية القديمة، تحوّلت رمال الصحراء اليوم إلى «صمام أمان» للاقتصاد العالمي، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)

واشنطن تحذّر طهران من ردّ «مدمّر» في حال مهاجمة سفن

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى مواجهة» مع إيران في مضيق هرمز، مؤكداً أن وقف إطلاق النار «لم ينتهِ».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
TT

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)

في بلد يملك بعضاً من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقوى شركات الدواء، وأكبر منظومات البحث والتطوير، يبدو التردد الأميركي المتصاعد حيال اللقاحات مفارقة صادمة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحياناً نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المتطورة. عودة الحصبة إلى الانتشار الواسع، وتجدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضاً أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية.

طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في 21 مايو الحالي (رويترز)

تزداد المفارقة حدّة اليوم في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات للإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي الداخل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطراً على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله.

موكب يرافق سيارة إسعاف نقلت مسعفاً أميركياً أصيب بـ«إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتم نقله إلى برلين لإسعافه (رويترز)

عودة «الحصبة»: إنذار مبكر

يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الحصبة» لا تحتاج إلى كثير من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في معدلات التلقيح كي تتحول حالة وافدة إلى بؤرة محلية.

ووفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات المتحدة حتى 14 مايو (أيار) 2026 ما مجموعه 1893 إصابة مؤكدة بالحصبة في 40 ولاية أو نطاقاً صحياً، مع 27 تفشياً جديداً خلال العام، وارتباط 93 في المائة من الحالات بتفشيات قائمة. كما سجلت البلاد في عام 2025 ما مجموعه 2288 إصابة مؤكدة و48 تفشياً، مقارنة بـ285 إصابة فقط في عام 2024. هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوباً في مناطق متعددة.

تزداد خطورة المؤشر لأن الولايات المتحدة كانت أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة منذ عام 2000. لكن القضاء لا يعني اختفاء الفيروس من العالم، بل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن دولاً عدة فقدت أو باتت مهددة بفقدان وضع القضاء على الحصبة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مراجعة وضعهما من منظمة الصحة للبلدان الأميركية.

طبيبة تشير إلى لقاحات ضد الحصبة بعد انتشار الوباء في لوبوك تكساس الأميركية في 5 مارس 2025 (رويترز)

وهنا المعيار العلمي واضح: يحتاج المجتمع إلى تلقيح نحو 95 في المائة من أفراده ضد الحصبة لتحقيق المناعة الجماعية. واللقاح نفسه ليس موضع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحدة من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة 93 في المائة ضد الحصبة، وترتفع الفعالية إلى 97 في المائة بعد جرعتين. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها.

بلد العلم... ومجتمع الشك

الانقسام الأميركي حول اللقاحات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد - 19» طابعاً أكثر حزبية، مع تآكل الثقة في الإرشادات المتغيرة وتحول المعرفة الطبية إلى مادة في حرب ثقافية. في مراحل سابقة، كانت معارضة اللقاحات توجد داخل مجموعات دينية محافظة، أو تيارات «الطب الطبيعي»، أو أوساط ليبرالية قلقة من شركات الأدوية. لكن الوباء أعاد توزيع الخريطة: صارت الكمامة واللقاح والإغلاق وإلزامية التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط.

في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر مؤسسة «بابليك فيرست» وشمل 3851 بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عدد الجرعات، وتميل إلى اعتبار حق الفرد في تقرير ما يدخل جسده أهم من منع انتشار المرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم اللقاحات لا يزال موضع نقاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً.

أميركية تحمل لافتة كتب عليها «أمهات ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» خلال تجمع في واشنطن العاصمة في 22 أبريل 2025 (رويترز)

هذا المزاج لا ينفصل عن صعود حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» المرتبطة سياسياً بكينيدي جونيور. فالحركة تمزج بين نقد شركات الدواء، والقلق من الأغذية المصنعة، والشك في المبيدات، ومعارضة جزء من سياسات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يرفضون تدخل الدولة، وناخبين غير محافظين يرتابون من نفوذ الشركات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع للمصالح الدوائية إلى إنكار للأدلة العلمية الأساسية.

كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم

تعيين كينيدي على رأس وزارة الصحة لم يكن تفصيلاً إدارياً. فالرجل بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام على التشكيك في سلامة اللقاحات، رغم أن الادعاءات الأكثر شهرة عن علاقة اللقاحات بالتوحد دُحضت علمياً مراراً. ومع دخوله الوزارة، انتقل الخطاب من هامش القناعات السياسية إلى مركز القرار الصحي.

تقول «رويترز» إن مجموعات مرتبطة بحركة كينيدي دفعت باتجاه مشروعات قوانين مناهضة لإلزامية اللقاحات في ولايات عدة، لكن هذه المشروعات مُنيت بهزائم واسعة بعدما حشدت منظمات طبية وصحية، بينها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ضدها. اللافت أن هذه الهزائم حصلت حتى في ولايات جمهورية، ما يشير إلى أن القاعدة المحافظة ليست كتلة واحدة معادية للقاحات، وأن كثيراً من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة المثير للجدل روبرت كينيدي متحدثاً عن أثر عقار تايلنول على الحوامل والتسبب في توحّد الأطفال وهو ما دحضته الأبحاث العلمية (رويترز)

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المواطن رسائل متناقضة من الدولة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يصبح وزير الصحة نفسه رمزاً لتيار يشكك في اللقاحات، فإن كل تفشٍّ جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عن تقليل الالتباس لا زيادته.

بين حرية الجسد وواجب الدولة

السؤال القانوني في قلب النقاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ التاريخ الدستوري الأميركي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ماساشوستس» عام 1905، حين أيَّدت المحكمة العليا سلطة الولاية في فرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مشروعة لـ«سلطة الشرطة» لحماية الصحة العامة. وتعود القضية إلى رفض القسّ السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يفرض التطعيم ضد الجدري أو دفع غرامة صغيرة. فطعن في القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مطلقة عندما يترتب على ممارستها خطر مباشر على المجتمع.

وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي متحدثاً في مؤتمر «ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» في واشنطن العاصمة يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

منذ ذلك الوقت، قامت سياسات التطعيم المدرسي في الولايات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الدولة عادة كل شخص بالقوة الجسدية على أخذ اللقاح، لكنها تربط الالتحاق بالمدارس العامة أو بعض الوظائف أو الأماكن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحياناً دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يحولها من ضمانة حقوقية إلى ثغرة وبائية. فالقانون لا يحمي الفرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضاً من قرارات الآخرين.

هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فثقافة الحرية الفردية تجعل كثيرين يرون اللقاح قراراً شخصياً خالصاً، لكن الأمراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفض اللقاح ليس كرفض علاج لا يؤثر إلا في صاحبه؛ إنه قرار قد يفتح طريق العدوى أمام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: أن تشرح وتقنع وتبني الثقة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة.

«إيبولا» يفضح الهشاشة

إذا كانت الحصبة تكشف ثغرات الداخل، فإن «إيبولا» يكشف هشاشة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. التفشي الحالي في الكونغو وأوغندا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» النادرة، أثار قلقاً خاصاً، لأنه لا يوجد لقاح مرخص أو علاج نوعي ضدها، بخلاف بعض سلالات «إيبولا» الأخرى. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو (أيار) 2026 أن التفشي يشكل طارئة صحية عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة.

عمّال الصليب الأحمر يعقّمون محيط مستشفى بعد تسلّم جثة أحد المصابين بـ«إيبولا» في ولاية إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 21 مايو الحالي (رويترز)

كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خطراً مضاعفاً. فإيتوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مجرد رقعة صحية، بل مساحة نزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضعف مؤسسات، وانعدام ثقة بين السكان والسلطات. وفي مثل هذه البيئات، لا يكفي إرسال معدات وقاية أو إنشاء عيادات عزل. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى تتبع مخالطين، ودفن آمن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يبدأ قبل ظهور الحالة الأولى في مطار أميركي.

هنا تتصاعد الاتهامات لسياسات إدارة ترمب. فقد نقلت وسائل إعلام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنظمة المراقبة بدأت تلاحق حالات تفشٍ كان جارياً على الأرجح منذ فترة.

إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقاً بين الوكالات. لكن الاعتراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تعوض دائماً عن الوقاية المبكرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد.

دمى من البالونات على شكل بيل غيتس ومدير عام «الصحة العالمية» تادروس جبريوس يحملان حقناً رفعها معارضون لسياسات المنظمة حيال الاستعداد للأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف في 19 مايو 2025 (أ.ف.ب)

«الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية

تعتمد الحركات المناهضة للتلقيح الملزم على لغة جذابة: «حرية طبية»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نفوذ شركات الدواء». ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذه الأسئلة مشروع. تاريخ الدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عدواني، ومن إخفاقات رقابية. كما أن وباء «كوفيد-19» ترك في الذاكرة الأميركية شعوراً بالارتباك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين.

لكن المشكلة تبدأ حين تُستخدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الدواء لا يعني إسقاط اللقاحات. والمطالبة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الدراسات العلمية المُحكمة بمنشورات التضليل التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت. كما أن القلق من تسرع بعض الترخيص لا يبرر تجاهل لقاحات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الفقيرة، والمدارس المكتظة، والمناطق الريفية، والمهاجرون، والأطفال غير المؤهلين طبياً للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكبر. لذلك، فإن تراجع التطعيم ليس مجرد خيار فردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء.

اللقاحات تحمي من تفشي الأوبئة والأمراض (أ.ف.ب)

دولة عظمى أمام سؤال الثقة

القضية في النهاية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شك. وليست ما إذا كانت تملك المال؛ فهي تملكه أيضاً، وإن اختلفت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة اللازمة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي.

لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المناهضة للقاحات في ولايات عدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على التطعيم، وأن هناك مقاومة مؤسسية وشعبية لتفكيك متطلبات الصحة العامة. لكن أرقام الحصبة، وصعود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة.

طفل يتلقى جرعة من لقاح «كوفيد - 19» في بنسلفانيا أميركا في 11 سبتمبر 2025 (رويترز)

الأوبئة لا تبدأ عادة ككارثة شاملة. تبدأ بثغرة صغيرة: عائلة لم تطعم أطفالها، مقاطعة انخفضت فيها التغطية، عيادة أُغلق تمويلها، مختبر فقد موظفيه، أو رسالة سياسية زرعت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة.

لذلك، لا تكفي العودة إلى خطاب تقني عن «سلامة اللقاح». المطلوب عقد اجتماعي صحي جديد: شفافية أكبر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عام. فأميركا لا تواجه نقصاً في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصاً في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر.


مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.