أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

قطاعات بكاملها دُمِّرت... والواقع المعيش «صدمة مستمرة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)

بين مجاعة وشيكة، وفقر مدقع، وأمراض لا تذر كبيراً ولا صغيراً، يقع سكان قطاع غزة محاصرين بين ثالوث شر لا يرحم، وقوات عسكرية لا تملك أي إنسانية.

وبعد نحو 14 شهراً من المأساة، يرى شهود عيان أن مَن مات في القطاع استراح، أما من عاش، فهو يحيا تجربة الاقتراب من الموت كل لحظة؛ سواء من القصف، أو من الجوع والمرض والفقر. تحدثت «الشرق الأوسط» إلى كثير من أهالي القطاع المحاصر والنازحين والمسؤولين الأمميين للوقوف على واقعهم اليوم.

يتذكر محمد، وهو اسم مستعار طلب محدِّثنا استخدامه، كأغلب النازحين الذين فضلوا عدم تعريفهم خشية تعرضهم لمشكلات، أيامه قبل الخروج هرباً من القطاع في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، فيقول: «كنا نسمع في أجواء الحي القصف ليلاً، وصفير القذائف المتوالية بينما تسقط قبل انفجارها، لنجلس طوال الليل نحاول أن نعرف أين سقطت ومن مات... ثم نصحو لنخرج جميعاً إلى الشوارع من أجل معرفة الحقيقة، وعزاء أسر الضحايا، وتهنئة من لا يزال حياً».

وبدوره يروي إياد، لـ«الشرق الأوسط»، معاناة عائلته في غزة بعدما اضطر لتركهم خلفه، فيقول باكياً: «تحدث معي إخوتي وقالوا لي، لديك فرصة للخروج من غزة إلى مصر، اذهب ولا تقلق علينا ولا على أمك وأخواتك البنات، فالبقاء هنا لن يعني إلا أن نموت جميعاً. على الأقل يمكنك من هناك إرسال بعض المال لإعانتنا، أو حتى تقدر أن تسحبنا خلفك إلى مصر... وعلى الأسوأ، إذا متنا نجد أحداً يدفننا».

الهروب إلى الأمام

الدكتور محمد أبو دوابة، محاضر أكاديمي في الجامعات الفلسطينية وباحث في المجال النفسي والاجتماعي، تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن وجهة نظره في ما يعانيه سكان غزة كأكاديمي عاصر جزءاً كبيراً من الأحداث على الأرض، وقال: «العوامل في قطاع غزة متداخلة، ولا يمكن الفصل بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحلول المتاحة أصبحت لا تكفي لمشكلات الناس. وفي علم الاجتماع، عندما تكون هناك مشكلة وأنت في وسطها وتتحرك معها، فتراها من منظور... لكن إذا خرجت خارج الصندوق، تجد حالك تراها وأنت ثابت بشكل مختلف تماماً، وتشعر بالمعاناة التي يعانيها أهل غزة».

ظاهرة أخرى غريبة رصدها أبو دوابة وقال إنه يحاول دراستها، فقد لاحظ أن أهالي غزة ممن لديهم أولاد أو بنات صاروا يُقبلون على تزويج أبنائهم بكثافة، لا من أجل الفرح –«وهو إحساس قُتل عند الجميع»- حسب تعبيره؛ بل كنوع من أنواع تخفيف المسؤولية. فأهل البنت يريدون أن تدخل تحت غطاء الحماية الاجتماعية لزوجها، وأهل الولد يريدون أن يستقل عنهم.

ويتابع أبو دوابة: «لم يعد الزواج يمارَس بوصفه امتداداً ونواة للمجتمع لبناء الأسر، لكن هنا صار الوضع كله هروباً من الظروف الاقتصادية وتخفيف الأعباء على الأسر، فالوضع الاقتصادي ضرب نسيج المجتمع في مقتل. وفي العالم كله كلمة زواج تعني الفرح والسعادة والمستقبل والخلفة، فيما أهل غزة لا تمكنهم إقامة أفراح، ففي كل عائلة أكثر من شهيد وحالات ممتدة من الحداد، والفقر يحاصرهم من كل جانب».

أبرز القطاعات المتضررة في غزة (الشرق الأوسط)

ولادة تحت القصف

تجربة أخرى مريرة ترويها عزة، التي تقول إنها كانت في شهور الحمل الأخيرة وكان من المقرر أن تسافر مع زوجها قبل اشتعال الأزمة، لكن كل شيء تغير بعد بدئها.

تروي عزة: «تجربة آخر شهرين في الحمل كانت صعبة جداً في الحرب بسبب عدم توفر الغذاء الصحي للحامل وعدم وجود غاز الطهي، وأغلب الوقت شغالين على نار الحطب، وطبعا دخان كثير وكنت خايفة جداً على الجنين من دخان النار... والأكل اللي كان متوفر إما مكرونة أو عدس، ولو عاوزين حاجه دافية في البرد نشرب شاي من دون سكر».

وتواصل عزة شهادتها لـ«الشرق الأوسط»، فتقول: «وقت الولادة كان الاتصال مقطوعاً عن غزه كلها، ما فينا نكلّم الإسعاف لو صار وجع ولادة، وحتى سيارات الإسعاف كانت تُستهدف كثيراً... ولا فينا نطلع بالسيارة لأنه لا يوجد بنزين. وأي شخص عنده سيارة ومتوفر فيها بنزين كان يخاف يطلع ويخاطر بحياته لأنه بيتم قصف السيارات المدنية. وقتها بيتي كان بعيداً عن المستشفى وكان أفضل حل أروح بيت أهلي القريب نوعاً ما للمستشفى».

لكن لسوء الحظ تم إبلاغ المربع الذي يسكن فيه أهل عزة بالإخلاء، لأن الجيش الإسرائيلي سيتدخل برياً، فنزحت هي وأهلها مجدداً إلى بيتها. ومن شدة الرعب، لم تداهمها آلام الولادة، فذهبت إلى المستشفى للكشف، ليكتشفوا أن حالة الجنين ليست مطمئنة، فحجزوها 3 أيام لحين الولادة.

تقول عزة: «خلال هذه الأيام الثلاثة لم يكن هناك من غذاء سوى الحلاوة التي تدخل من خلال المساعدات. وضُرب المستشفى بقذيفة دبابة، لكنّ الله سلَّم. وعُدتُ إلى البيت لأجد أمراً آخر بالإخلاء، لم يكن أمامنا من خيار سوى الذهاب إلى المخيمات بابنتي حديثة الولادة... حيث البرد القارس، والأمطار تبلل كل شيء داخل الخيمة. ولا طعام إلا وجبة واحدة مكونة من نصف رغيف خبز، ومياه الشرب قليلة ولا يحبذ الشرب بعد الساعة السادسة مساءً لأنه غير مسموح بمغادرة الخيمة للحمامات مساءً... كل هذا أدى في النهاية لعدم تمكني من إرضاع طفلتي بشكل طبيعي، واضطررت لاستخدام الحليب الصناعي، الذي كنت أشك في صلاحيته بالأساس لكونه يباع في الشارع؛ لكن لم يكن أمامي أي خيارات».

أما بالنسبة للملابس، فتقول عزة إن سكان القطاع يتعاونون في توفير ملابس الأطفال المستعملة بعضهم لبعض، فيما كانت تضطر لإبقاء على حفاظة ابنتها لأكثر من 10 ساعات كونها غير متوافرة. وتضيف: «أساساً موضوع الصحة آخر ما يمكن أن تفكر فيه في المخيمات... الاستحمام متاح مرة كل أسبوعين، وغسيل الملابس باليد على شاطئ البحر، وطبعاً شيء مثل الفوط الصحية النسائية تَرَفٌ غير موجود من الأساس».

نساء بطلات و«قلة حيلة»

وضع النساء -بصورة خاصة- المأساوي، دفع «الشرق الأوسط» إلى التوجه إلى الدكتور معز دريد، المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، الذي أوضح وجود أكثر من 155 ألف امرأة حامل أو مرضع داخل قطاع غزة حالياً، أغلبهن لا يجدن رعاية كافية بما يؤدي إلى تفاقم خطورة الأوضاع الصحية، وبينما تحاول الهيئات الأممية بكل السبل إيجاد وسائل لدعمهن ودعم غيرهن، إلا أنها تقف «قليلة الحيلة» في ظل الحصار ومنع دخول المساعدات، خصوصاً بعد حظر «أونروا» من ممارسة دورها، والتي كانت تعد العمود الفقري الأساسي للمؤسسات الأممية كافة داخل القطاع، ودورها بلا بديل ولا يعوَّض.

سيدة فلسطينية تُطعم طفلها وسط الأنقاض في منطقة نهر البارد جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال دريد: «الوضع كارثي، وعدد القتلى في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 يناهز حالياً 45 ألف شخص، وهذا يعادل 6 أضعاف عدد القتلى خلال مجمل الأعوام الـ15 التي سبقت الأحداث الحالية. كما أن التركيبة الديمغرافية لهؤلاء الضحايا شهدت تغيراً فارقاً، إذ إن 70 في المائة منهم من النساء والأطفال، بعكس كل الأحداث والأعوام الماضية، مما يؤكد زيادة الاستهداف الأعمى للسكان دون التفرقة بين المدنيين وغيرهم... وهذا المعدل يساوي قتل ما يناهز 3 من السيدات والأطفال في كل ساعة يومياً منذ بداية الحرب!».

وأكد دريد أن بعض الأسر نزحت أكثر من 10 مرات من أجل الهرب من الضربات، ولا يوجد مكان آمن في غزة، والخدمات غير متوفرة، والأوضاع في غاية السوء.

وحول المساعدات التي تقدمها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في غزة، أوضح دريد أنها قدمت مساعدات غذائية ونقدية لنحو 75 ألف امرأة وأسرهن، «من بينهن 14 ألف امرأة مسؤولات بالكامل عن أسرهن نظراً لغياب أي عائل لأسباب الوفاة أو الاعتقال أو خلافه، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي. كما تتعاون الهيئة مع منظمات فلسطينية في غزة تقودها النساء، واللاتي نثمن ونقدر دورهن وصمودهن في ظل الأوضاع والصعاب الحالية».

وأفاد دريد بأن المساعدات التي تصل إلى مستحقيها شحيحة جداً، ليس بسبب قلة التمويل أو تقاعس مقدمي الدعم، ولكن بسبب العوائق التي تفرضها قوى الاحتلال، وغياب القدرة على تأمين هذه المساعدات القليلة التي تعبر إلى داخل القطاع، وهو أيضاً ما يقع تحت مسؤولية قوة الاحتلال وفقاً للقانون الدولي.

وبعد نحو 14 شهراً من الحرب، يؤكد دريد أنه مع مستويات الفقر والبطالة والدمار الهائلة في غزة، ومع فقدان العائل الأساسي لنحو 8 آلاف من الأسر، تشير التحليلات إلى أن النساء فقدن روافد الدخل ومصادر الرزق بشكل فائق... ومع توحش التضخم، أصبحت حالة هؤلاء النساء مأساوية.

تجريف وجوع

وفي ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها أهالي القطاع، حاولت بعض القرى أن تلجأ إلى زراعة احتياجاتها الغذائية، بل نجح أهالي جباليا وبيت لاهيا، على سبيل المثال، في تحقيق ما يشبه الاكتفاء الذاتي زراعياً... لكنَّ القوات الإسرائيلية اجتاحت الأراضي ودمرت البنية التحتية عمداً، بما يشمل الأراضي وقنوات الري وحتى مزارع الإنتاج الحيواني والسمكي، وذلك تحت ستار البحث عن الأسلحة والأنفاق، حسب شهادات شهود عيان وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إلى جانب فرض قيود على دخول البذور والأسمدة إلى القطاع.

رجل يختبئ خلف عمود فيما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في غزة (أ.ف.ب)

وعلى هامش إحدى الفاعليات الخاصة التي حضرتها «الشرق الأوسط» في القاهرة، قال عبد الحكيم الواعر، مساعد المدير العام والممثل الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، إن «التحدي الأكبر للمنطقة العربية بشكل عام فيما يخص الأمن الغذائي هو الحروب والنزاعات، وخلال النزاعات المطولة والممتدة مثل الوضع في غزة، يوجد أثر كبير على قطاع الزراعة والغذاء».

وأضاف الواعر أن «ذلك يعود إلى عدة عوامل، أولها هجران الناس والمزارعين أراضيهم، مما يتسبب في خلل المنظومة الزراعية، خصوصاً أنهم في حالة نزوح دائم من منطقة إلى أخرى. وذلك بالإضافة إلى الدمار المباشر لهذه الأراضي، فقد جرى تدمير نحو 70 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة، سواء بالضرب المباشر خلال العمليات العسكرية أو عبر التجريف، وتأثراً بحركة الآليات الثقيلة... كما نضبت الثروة السمكية تقريباً داخل القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، والثروة الداجنة انتهت بالكامل لأنه لا توجد إمدادات، وبقي جزء قليل جداً من الثروة الحيوانية، الذي نحاول كمؤسسات دولية دعمه بالمدخلات الضرورية مثل العلف والتحصينات والمغذيات. وبالإضافة إلى ذلك لا توجد مصادر مياه أو غذاء آمنة ونظيفة ولا كافية، والمساعدات الغذائية شبه متوقفة».

وأكد الواعر أن «كل سكان» غزة أصبحوا للمرة الأولى يقعون تحت خطر التهديد بالجوع، حيث إنهم إمَّا يقعون في الفئة الخامسة (المجاعة) أو الرابعة (الكارثة)، وهي الفئة التي لا يتحصل فيها الإنسان على وجبة واحدة يومياً بصفة منتظمة.

مكان غير صالح للحياة

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فلم يكفِ سكان قطاع غزة كل ما يمرون به، ليُنكَبوا بوقف إسرائيل دخول المساعدات الشحيحة بالأساس.

وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع يواجه عراقيل كثيرة، ومن أصل 423 حركة مساعدات إنسانية تم التنسيق لها مع السلطات الإسرائيلية في الفترة من الأول إلى 20 أكتوبر الماضي، تم تسهيل 151 حركة فقط، ورُفضت 189، وعطلت البقية. وفيما يتعلق بحركة وصول المساعدات إلى شمال القطاع، قال المكتب الأممي إنه تم تسهيل 4 حركات فقط من أصل 66 حركة مخططاً لها في ذات الفترة.

التأثير الاقتصادي والشرائح التي شملها هامش الفقر (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد عدنان أبو حسنة، المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن هناك تراجعاً بالغاً في مستويات الأمن الغذائي في قطاع غزة، وأن الوضع في الجنوب «على أبواب مجاعة حقيقية»، فيما دخل الشمال مجاعة فعلية، ودخلت المنظومة الصحية بشكل عام مرحلة الانهيار. وأشار إلى تكرار رفض طلبات دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى القطاع من جانب الحكومة الإسرائيلية. وضرب مثالاً بأن الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) شهد مرور 37 شاحنة يومياً فقط، من بينها شاحنات مياه وأدوية وخيام، وذلك لخدمة 2.3 مليون ساكن للقطاع.

ولفت المسؤول الأممي، خلال «مائدة مستديرة» حضرتها «الشرق الأوسط» بمكتب الأمم المتحدة في القاهرة، إلى نقطة أخرى مهمة تؤكد معاناة سكان القطاع، إذ إن مئات الآلاف من السكان صاروا مصابين باضطرابات نفسية وعقلية نتيجة ما يمرون به من مأساة، حيث قدمت «أونروا» أكثر من 800 ألف استشارة نفسية في غزة خلال الفترة الماضية. كما حذر من أن المياه في غزة غير صالحة للشرب على الإطلاق، وكل المياه ملوثة ولا يمكن تنقيتها بعد تدمير منظومة الصرف الصحي تماماً.

حصار من كل الجوانب

وتشير أحدث تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، والصادرة في شهر نوفمبر إلى أن مستوى الفقر في دولة فلسطين بشكل عام قفز إلى 74.3 في المائة في عام 2024، مؤثراً على أكثر من 4.1 مليون شخص، من بينهم 2.61 مليون يدخلون تحت هذا الخط للمرة الأولى. فيما تشير التقديرات إلى قفزة متوقعة لما يُعرف باسم «مؤشر الفقر متعدد الأبعاد» -الذي يقيس الفقر وفقاً لعدد من الأبعاد مثل مستوى المعيشة والوصول إلى الخدمات وغيرها- من 10.2 في المائة (وفقاً لقياسات عام 2017) إلى 30.1 في المائة في عام 2024... وكل ذلك بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35.1 في المائة مقارنةً بسيناريو عدم وجود حرب، وارتفاع البطالة إلى 49.9 في المائة (التقديرات الحالية من أغلب المسؤولين -وفي ظل غياب أرقام دقيقة- تشير إلى مستويات بطالة تفوق 85 في المائة من السكان).

فلسطينيون يجلسون وسط الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية على منزل بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

مؤشر خطير آخر تشير إليه البيانات، مع تدهور مؤشر التنمية البشرية في فلسطين إلى مستوى 0.643 نقطة فقط، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق منذ بداية تسجيل البيانات في عام 2004، فيما هوى المؤشر في قطاع غزة تحديداً إلى 0.408 نقطة، ماحياً كل ما اكتسبه على مدار أكثر من 20 عاماً.

كما تشير «إسكوا» إلى أن عدد الإصابات في غزة تخطى 102 ألف شخص، فيما تخطى عدد القتلى 43 ألف شخص، من بينهم أكثر من 17 ألف طفل وأكثر من 7 آلاف امرأة.

تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تشير أيضاً إلى أن هناك نحو 1.9 مليون نازح داخلياً في قطاع غزة بما يمثل 90 في المائة من مجمل السكان البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، خصوصاً أن نحو 87 في المائة من الوحدات السكنية في القطاع إما دُمِّرت وإما تضررت بشدة. وأن من بين هؤلاء السكان أكثر من 345 ألف في حالة مجاعة شديدة (المرحلة الخامسة)؛ و876 ألفاً في حالة خطرة (المرحلة الرابعة)، فيما يواجه 91 في المائة من السكان ظروفاً غذائية غاية في السوء تضعهم في المرحلة الثالثة على مقياس الأزمة الغذائية.

دمار البشر والحجر

وتوضح تقديرات تقارير «أوتشا» أن نحو 68 في المائة من الأراضي الزراعية في القطاع قد تم تدميرها، وكذلك 52 في المائة من الآبار الزراعية، و44 في المائة من المشاتل أو الصوب الزراعية، و70 في المائة من أسطول الصيد. وتابعت أن 95 في المائة من الماشية أيضاً ماتت، نتيجة إمّا القصف وإمّا عدم الرعاية وإمّا الاستهلاك من دون قدرة على الإحلال.

وتشير بيانات دولية أخرى إلى أن نحو 80 في المائة من المرافق التجارية في قطاع غزة، و68 في المائة من شبكة الطرق فيها دُمِّرت، وفقاً للحسابات والتقديرات حتى صيف العام الجاري. كما أن أكثر من 650 ألف طالب لا يحصلون على تعليم مستدام، خصوصاً مع احتياج أكثر من 87 في المائة من المباني في مدارس قطاع غزة لإعادة بناء.

أطفال فلسطينيون يجري إجلاؤهم من موقع تعرَّض لقصف إسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب)

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أصدر البنك الدولي تقريراً بالاشتراك مع الأمم المتحدة، يقدِّر تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في غزة في ثلاثة أشهر (من بداية الحرب حتى يناير «كانون الثاني» الماضي فقط) بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المائة من إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة معاً عام 2022.

كما أشار التقرير إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل منذ الأسبوع الأول للصراع. ومع تدمير أو تعطيل 92 في المائة من الطرق الرئيسية، وتدهور البنية التحتية للاتصالات، أصبح إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى السكان صعباً للغاية.

ويؤكد التقرير أن «الدمار خَلَّفَ كمية هائلة من الحطام والأنقاض تقدر بنحو 26 مليون طن قد تستغرق سنوات لإزالتها والتخلص منها»، أما على المستوى الإنساني، فقال: «تعرضت النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة للقدر الأكبر من الآثار التراكمية الكارثية على صحتهم البدنية والنفسية والعقلية، مع توقع أن يواجه الأطفال الأصغر سناً عواقبَ سوف تؤثر على نموهم وتطورهم طوال حياتهم».

وأفاد التقرير بأنه مع تضرر أو تدمير 84 في المائة من المستشفيات والمنشآت الصحية، ونقص الكهرباء والمياه لتشغيل المتبقي منها، لا يحصل السكان إلا على الحد الأدنى من الرعاية الصحية أو الأدوية أو العلاجات المنقذة للحياة. وتعرَّض نظام المياه والصرف الصحي تقريباً للانهيار، وأصبح لا يوفر سوى أقل من 5 في المائة من خدماته السابقة، مما دفع السكان إلى الاعتماد على حصص مياه قليلة للغاية للبقاء على قيد الحياة. وبالنسبة إلى نظام التعليم فقد انهار، حيث أصبح 100 في المائة من الأطفال خارج المدارس النظامية.

وفيما يخص الحالة الصحية والغذائية في القطاع، أشارت التقارير الأممية إلى أن 96 في المائة من الأطفال في عمر 6 إلى 23 شهراً، والنساء، لا يحصلون على احتياجاتهم الأساسية من العناصر الغذائية الكافية نتيجة النقص الحاد في التنوع الغذائي. مقدرةً أن نحو 50 ألف طفل من أبناء القطاع يحتاجون إلى علاج لسوء التغذية خلال العام الجاري.

وفيما يخص وضع القطاع الطبي، تشير الإحصاءات إلى أن 19 مستشفى (من بين مجموع 36 مستشفى) خرجت عن العمل، فيما تعمل الـ17 مستشفى الباقية بصورة جزئية؛ إما نتيجة تضرر بنيتها التحتية، وإما نتيجة الافتقار إلى المعدات والأدوات الأساسية وإما نتيجة نقص في طواقم العمل الطبية... ونتيجة لذلك، فإن نحو 14 ألف مريض في حالات متباينة يحتاجون للإخلاء الطبي خارج القطاع من أجل إنقاذ حياتهم.

آلام مضاعَفة

الأوضاع الصحية السيئة التي يشير إليها الجميع داخل قطاع غزة، وسط بنية تحتية تعاني من دمار هائل، جعلت «الشرق الأوسط» تسأل منظمة «أطباء بلا حدود» حول الوضع هناك، وهل تمارس المنظمة عملها بشكل طبيعي؟

الدكتور أحمد أبو وردة، مدير الأنشطة الطبية في مستشفى ناصر بخان يونس، أجاب قائلاً: «بالطبع لا، نحاول في (أطباء بلا حدود) بذل كل ما بوسعنا لتقديم أفضل خدمة طبية ممكنة للمرضى والمصابين بالوضع الحالي؛ لكن الكل يعلم صعوبة دخول المستلزمات والمعدات الطبية والأدوية منذ إغلاق معبر رفح».

ويشير أبو وردة إلى أنه لا يوجد حالياً سوى نحو 1000 موظف في كل أفرع المنظمة في قطاع غزة، مؤكداً أن «الحاجة كبيرة جداً وهناك فجوات في بعض التخصصات حتى اليوم».

ومع استهداف المستشفيات، فإن عدد الأسرّة المتاحة للمرضى صارت محدودة للغاية، ويتم التعامل مع الحالات حسب الأولوية الصحية، حسب أبو وردة، الذي يوضح أن أعداد الحالات من ذوي الأمراض المزمنة، خصوصاً داخل المخيمات صارت «مهولة»، حيث إن «معظم سكان القطاع متكدسون في منطقة صغيرة للغاية بظروف بيئية وصحية سيئة للغاية، ويتردد يومياً على عيادات الرعاية الأولية آلاف المرضى من ضمنهم الأمراض المزمنة، وفي ظل الوضع الحالي الكثير من أدويتهم غير متوفرة».

تجويع ممنهَج وفساد

شاهِد آخر من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم وسام، قال: «بدأت الحرب في أكتوبر، وكانت بالتوازي معها هناك حرب اقتصادية تمثلت في جميع مناحي الحياة لأول مرة في تاريخ المعارك العسكرية ضد الفلسطينيين... من قطع جميع أواصر الحياة والضرب العنيف على كل أوتار الاقتصاد؛ يعني آلة القتل الإسرائيلية تطول الناس من ناحية، ومن الأخرى تقطع الكهرباء ليتم دفع الصناعة بالكامل إلى الشلل وتوقف التجارة بالكامل بعد إغلاق المعابر ليصبح هناك نقص حاد في الموارد السلعية».

وسام، الذي يعمل بأحد المراكز الحكومية ذات الصلة بالتجارة، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع صار خطيراً بالفعل حالياً، لأن المخزون السلعي الاستراتيجي انخفض بشكل حاد، ليصبح لا يكاد يكفي 72 ساعة إثر الإغلاق الكامل للمعابر وقطع الإمدادات. ويتابع وسام: «فيما يخص الغاز مثلاً، فقد أصبح يدخل القطاع بشكل متقطع. والاعتماد حالياً على ما يدخل بشكل مباشر لأن الخزانات أصبحت بلا قيمة، فما يدخل ينفد في ذات اللحظة».

أطفال يحملون أواني معدنية ويتزاحمون للحصول على الطعام من مطبخ يتبع الأعمال الخيرية في خان يونس بقطاع غزة (إ.ب.أ)

أيضاً هناك أزمة أخرى، فالمواد السلعية التي تمر ليست منتظمة ولا منسَّقة، وعن ذلك يقول: «ما بيعطوك كامل المواد من احتياجاتك مرة واحدة... اليوم ممكن يمر منظفات وشغلات ثانوية ويقطعوا عنك اللحم والأرز والمواد الأساسية، عشنا آخر 10 أيام على هذه الشاكلة. بتلاقي أيام تانية نزلّك لحم ودجاج لكن بشكل أقل من الكميات المطلوبة، وبيصير سعرها عالي طبعاً. وهذا شكل مقنن لقطع المصادر الغذائية الأساسية وتوصيل الناس إلى مراحل كبيرة من سوء التغذية، وبتلاقي الناس كلها هزيلة وتعبانة لأنهم ما بيحصلوا على وجبة كاملة... لازم يكون في نقص في شيء».

فساد داخلي؟

لم يكن وسام وحده الذي يشير إلى الفساد، ورغم أن الكل يُدين الطرف الإسرائيلي سواء في المجازر أم الحصار والتجويع لسكان قطاع غزة، إضافةً إلى مسؤولية دولة الاحتلال عن توصيل المساعدات وفقاً للقانون الدولي، فإن كثيراً من قاطني القطاع والهاربين منه يُدينون الإدارة المحلية في قطاع غزة بأنها جزء من الأزمة، سواء بالضلوع في استغلال الوضع، أو السكوت عن الفساد.

وأشار عدد كبير ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» إلى أن الإدارة المحلية تسيطر على توزيع المساعدات الأممية، لكنَّ الفساد يتسلل إلى جانب من هذه المنظومة حيث تكثر السرقات للمستودعات، إضافةً إلى فرض ضرائب باهظة و«إتاوات» على مرور أي بضائع داخل القطاع... وكل ذلك أدى إلى حالة شح شديدة بالأسواق، وتضخم متوحش كسر ظهور سكان قطاع غزة.

ويرى خبير اقتصادي من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم الدكتور وليد، أن «حماس» تسيطر على السيولة النقدية داخل القطاع، حيث أشارت تقديرات إسرائيلية إلى أن حجم الأموال التي جمعتها «حماس» خلال عام من الحرب تتجاوز 750 مليون دولار، من بيع المساعدات عدا عن الضرائب التي جمعتها، بالإضافة إلى السيولة النقدية التي قامت ببيعها. علماً أن الحركة سيطرت على خزانة بنك فلسطين المحدود التي كانت تحتوي على ما يقرب من 140 مليون دولار في بداية الحرب، حسب مصادر محلية ودولية.

آفاق مالية غائمة

وفيما يخص القطاع المالي في غزة إثر كل هذه التحديات العنيفة، تبلغ قيمة محفظة البنوك في غزة نحو مليار دولار، وتبلغ قيمة قطاع التمويل الأصغر في المنطقة نحو 54 مليون دولار، حسب تقارير الأمم المتحدة.

ونفّذت سلطة النقد الفلسطينية وقفاً مؤقتاً للقروض حتى سبتمبر (أيلول) 2024، على الرغم من أن التأثير على كفاية رأس المال والسيولة كان كبيراً. وتقدَّر الخسائر المباشرة التي تكبَّدتها مرافق القطاع المالي في غزة بأكثر من 14 مليون دولار، بالإضافة إلى التأثير الإجمالي للظروف الاقتصادية المتدهورة على المحفظة المصرفية.

فلسطينيون يلتقطون رزم مساعدات أُلقيت من الجو على شمال غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وهناك أيضاً مخاوف بشأن استعادة السيولة النقدية المتاحة في غزة قبل الحرب. وتؤكد التقارير أنه «لمعالجة نقص السيولة، قدمت سلطة النقد الفلسطينية بعض المساعدات، لكن مشكلات السيولة والوصول إلى الخدمات المالية لا تزال قائمة. ويظل انكشاف النظام المصرفي على القطاع العام مرتفعاً، حيث تجاوز مستوى 2.5 مليار دولار في يوليو (تموز) 2024. وتشير النسبة المتزايدة من الشيكات المرتجعة -التي تصل إلى 9 في المائة من قيمة جميع الشيكات في الربع الأول من عام 2024، حتى 25 في المائة في بعض الحالات- إلى ملف مخاطر مالية كلية متنامٍ».

وفي تقرير للبنك الدولي، صدر في مايو (أيار)، أكد أن وضع المالية العامة للسلطة الفلسطينية قد تدهور بشدة في الأشهر الأخيرة قبل صدوره، مما يزيد بشكل كبير من مخاطر انهيار المالية العامة. وأشار إلى «نضوب تدفقات الإيرادات إلى حدٍّ كبير بسبب الانخفاض الحاد في تحويلات إيرادات المقَاصَّة المستحقة الدفع للسلطة الفلسطينية والانخفاض الهائل في النشاط الاقتصادي. وتؤدي الفجوة الآخذة في الاتساع بسرعة بين حجم الإيرادات والمصروفات لتمويل الحد الأدنى من الإنفاق العام إلى أزمة في المالية العامة».

وأوضح التقرير أنه في نهاية عام 2023، وصلت الفجوة التمويلية إلى 682 مليون دولار، وأنه من المتوقع أن تتضاعف هذه الفجوة خلال الأشهر المقبلة لتصل إلى 1.2 مليار دولار. وأفاد بأن زيادة المساعدات الخارجية وتراكم المتأخرات المستحقة للموظفين العموميين والموردين هي خيارات التمويل الوحيدة المتاحة للسلطة الفلسطينية.

وفقد الاقتصاد الفلسطيني ما يقرب من نصف مليون وظيفة منذ أكتوبر 2023. يشمل ذلك فقدان ما يُقدَّر بنحو 200 ألف وظيفة في قطاع غزة، و144 ألف وظيفة في الضفة الغربية، و148 ألفاً من العمال المتنقلين عبر الحدود من الضفة الغربية إلى سوق العمل الإسرائيلية. وختم التقرير بعبارة: «ومع ضبابية المشهد وعدم اليقين بشأن آفاق عام 2024، من المتوقع حدوث انكماش اقتصادي آخر يتراوح بين 6.5 و9.6 في المائة».

7 عقود ضائعة

وفي تقديرات أخرى لـ«إسكوا»، فإنه في حال دخول الاقتصاد الفلسطيني إلى السيناريو الأسوأ مع عدم التعافي المبكر من آثار الحرب، واستمرار التضييق الإسرائيلي على السكان وبقاء مستوى المساعدات على وضعها الحالي، فإنه من المتوقع تهاوي الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20.1 في المائة في 2025، وصولاً إلى 34 في المائة في 2034، مقارنةً بأوضاع ما قبل الحرب.

في تقرير آخر صادم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، صدر في أكتوبر الماضي بمناسبة مرور عام على حرب غزة، أكد أن «آثار الحرب أدت إلى تراجع التنمية في غزة بما يناهز 69 عاماً»، وأنه «دون رفع القيود الاقتصادية، وتمكين جهود التعافي، والاستثمار في التنمية، لن يقدر الاقتصاد الفلسطيني على استعادة مستويات ما قبل الحرب والتقدم للأمام بالاعتماد على تدفق المساعدات الإنسانية وحدها».

مقتل أكثر من 10 أشخاص إثر قصف إسرائيلي على منزل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير التقييم إلى أن خطة شاملة للتعافي وإعادة الإعمار، تجمع بين المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاستراتيجية في التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب رفع القيود الاقتصادية وتعزيز الظروف المواتية لجهود التعافي، من شأنها أن تساعد في إعادة الاقتصاد الفلسطيني إلى المسار الصحيح ليستعيد توافقه مع خطط التنمية الفلسطينية بحلول عام 2034 -ولكنَّ هذا السيناريو لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت جهود التعافي غير مقيدة.

وقال أخيم شتاينر، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «تؤكد التوقعات الواردة في هذا التقييم الجديد أنه في قلب المعاناة الإنسانية والخسائر الفادحة في الأرواح، تَلوح في الأفق إرهاصات أزمة إنمائية خطيرة تُعرِّض مستقبل الأجيال الفلسطينية القادمة للخطر». وأضاف: «يشير التقييم إلى أنه حتى لو تم تقديم المساعدات الإنسانية كل عام، فإن الاقتصاد قد لا يستعيد مستوى ما قبل الأزمة لمدة عقد أو أكثر. ويحتاج الشعب الفلسطيني إلى استراتيجية قوية للإنعاش المبكر يتم تنفيذها حالما تسمح الظروف على الأرض، كجزء لا يتجزأ من مرحلة المساعدة الإنسانية، من أجل إرساء الأسس للتعافي المستدام».

معركة الصبر والصمود

وحول الوضع النفسي حالياً لسكان غزة، يقول الدكتور محمد أبو دوابة: «المعروف عن الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود، لا أتحدث عن المقاومة العسكرية، بل على مقاومة الظروف الصعبة... فهل ما وصلنا إليه يعد حالة يأس؟ في رأيي -وبعد عام كامل من الأزمة وظروف يمكن أن تضرب هذه الروح في مقتل- إننا بشر نُبدع في (آليات الصبر واستراتيجيات الصمود)».

وحول تجربته الشخصية، يقول أبو دوابة: «في بداية الأزمة، عملت متطوعاً في مستشفى الأقصى متخصصاً نفسياً... لكن كم كانت المهمة صعبة جداً، مثلاً ماذا يمكن أن نقول لشخص كل عائلته استُشهدت؟ وكان لي منذ سنوات ورقة بحثية في مؤتمر حول الصحة النفسية، أتكلم فيها عن (اضطرابات ما بعد الصدمة)، وأن ما يحدث في غزة هو صدمة مستمرة (Ongoing trauma) وليست صدمة عبرت بالفعل... ولكن هذه المرة فإن طول أمد هذه الصدمة المستمرة يجعلنا نشعر أن الناس بدأوا يصرخون بأنهم بشر وليسوا صامدين أو ناجين، فالناجي من الموت في غزة شخص يموت من الصدمة أكثر من 100 مرة في اليوم».


مقالات ذات صلة

بنك إسرائيل يثبّت الفائدة بعد 3 تخفيضات متتالية قبيل الانتخابات

الاقتصاد مبنى بنك إسرائيل في القدس (رويترز)

بنك إسرائيل يثبّت الفائدة بعد 3 تخفيضات متتالية قبيل الانتخابات

أبقى بنك إسرائيل أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.25 في المائة، الأربعاء، بعد ثلاثة تخفيضات متتالية، مفضلاً التريث قبل أسبوع من الانتخابات العامة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
شمال افريقيا السيسي أكد أن الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها (رويترز)

تطمينات السيسي لم تهدئ المخاوف من «الحرب بين مصر وإسرائيل»

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال وقت سابق هذا الشهر، أن «بلاده لا تحمل أي أجندات خفية»، وأنه لا توجد لها «مطامع تجاه أحد».

محمد عجم (القاهرة )
أوروبا تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

الحرب الخفية داخل روسيا... عملاء سريّون يروون تفاصيل عملياتهم لصالح أوكرانيا

قدّم رجلان روسيان، يعملان سراً لصالح أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، شهادات نادرة حول عمليات يزعمان المشاركة فيها، استهدفت أصولاً عسكرية وأفراداً داخل روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

تحليل إخباري ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.


الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.