إسرائيل تنوي ضرب مواقع سرية «لا تتخيلها إيران»

بعد تقليص الفجوات بين تل أبيب وواشنطن

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يزور قاعدة نيفاتيم الجوية الأحد (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يزور قاعدة نيفاتيم الجوية الأحد (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تنوي ضرب مواقع سرية «لا تتخيلها إيران»

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يزور قاعدة نيفاتيم الجوية الأحد (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يزور قاعدة نيفاتيم الجوية الأحد (د.ب.أ)

أعلن مصدر مقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الجمعة، أن الخلافات والفجوات مع الإدارة الأميركية حول الأهداف التي سيتم ضربها في إيران، رداً على القصف الصاروخي قد تقلصت، وقال إن الطرفين يواصلان الحوار والتنسيق.

لكن أوساطاً أخرى في إسرائيل قالت إن ما يؤخِّر تنفيذ العمليات الإسرائيلية الهجومية هو الحسابات والمعارك الشخصية التي يخوضها نتنياهو مع خصومه في الحكومة وفي قيادة الجيش.

وفي الوقت الذي يستعد فيه رئيس الأركان، هرتسي هاليفي، وبقية أعضاء هيئة الأركان الإعداد للهجوم، ويحرصون فيه على التنسيق مع «البنتاغون» ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى يضمنوا دعماً أميركياً بأعلى مقدار ممكن، يدير نتنياهو حسابات أخرى سياسية وحزبية.

ويحاول نتنياهو احتكار المكسب الذي يمكن تحقيقه، من ضرب إيران، ويحاول المساس بالرئيس الأميركي جو بايدن، لكسب رضا الرئيس السابق، دونالد ترمب، مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة.

ويرى خبراء كثيرون، بينهم مستشارون سابقون مقربون من نتنياهو، أنه «يغامر على كل الصندوق». ويتساءلون: كيف سيتصرف نتنياهو إذا حصل خلل في الهجوم وردَّت إيران بشكل مؤذٍ لإسرائيل؟ وماذا سيفعل إذا خسر ترمب الانتخابات؟

نتنياهو يجتمع مع غالانت ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي أكتوبر العام الماضي (د.ب.أ)

مواقع لا تتخيلها إيران

وبحسب أوساط سياسية في تل أبيب، فإن الجيش الإسرائيلي يريد توجيه ضربات قاصمة لإيران، ولديه بنك أهداف ضخم يستل منه الخطط العملية، ويحاول إقناع الأميركيين بهذه الأهداف، ويتقدم معهم رويداً رويداً في التفاهمات، آخذاً في الحسبان التحذيرات من ضرب المنشآت النووية والنفطية.

ومن الأهداف التي يوافق عليها الأميركيون، مواقع سرية لا يتخيل الإيرانيون أن إسرائيل تعرفها، وهي جزء لا يتجزأ من المواقع التي تُستخدم في صناعة الأسلحة وتطوير القدرات العسكرية النووية. وهناك مقرات سرية لـ«الحرس الثوري»، وتوجد أسماء عدة على قائمة الاغتيال.

ومع ذلك، فإن الإدارة الأميركية، تخشى من قيام خطة نتنياهو بتوسيع حلقة الحرب، وهي تدير حوارات، وتجري مشاورات لإقناع إيران بالامتناع عن خدمة أهداف نتنياهو، وتؤكد أن القيادات العسكرية الأميركية غير معنية بتاتاً بالحرب معها، لكنها ملتزمة بالدفاع عن حليفتها تل أبيب. بينما يرد الإيرانيون بأنهم، هم أيضاً، غير مَعْنِيين بالحرب، لكن الضغط يجب أن يتركز على لجم إسرائيل.

جر أميركا إلى الحرب

وبحسب المراسل العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يسعى نتنياهو لجر الولايات المتحدة إلى الحرب، من خلال توجيه ضربة قاصمة في العمق الإيراني تستدعي رداً من طهران، ورداً على الرد من تل أبيب ورداً مقابلاً، وعندها ستكون الولايات المتحدة مضطرة إلى الهجوم.

وادعى نتنياهو أن الوقت الحاضر هو فرصة تاريخية لضرب القدرات الإيرانية، وردع قادتها عن المضي قدماً في تطوير مشروعها النووي. وفي خطاباته العلنية يتحدث عن هذا الضرب أيضاً بمبادرة إسرائيلية.

وصرح نتنياهو، خلال خطابه الخميس، أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، قائلاً: «لا توجد إلا قوة واحدة في العالم تقاتل إيران. هذه القوة هي إسرائيل. إذا لم نقاتل، فسنموت. لكن هذه ليست حربنا فقط – هذه حرب العالم الحر، العالم المتحضر».

وتساءل المحرر السياسي في «يديعوت أحرونوت»، الجمعة: «ما الذي يسعى نتنياهو لأن يحققه في إيران. هل إسرائيل قادرة على تدمير المنشآت النووية الإيرانية وحدها؟ هل هي قادرة على أن تقف وحيدة في حرب صواريخ مع إيران؟ على فرض أن الجواب عن هذين السؤالين بالنفي، يبقى السؤال الثالث: هل هو يحاول جر الإدارة الأميركية لحرب لا تريدها مع إيران؟».

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن (يسار) ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت (وزارة الدفاع الأميركية)

ويواصل المحرر السياسي، قائلاً: «الاشتباه هو أن نتنياهو سيختار عن وعي عملية عسكرية تورط إسرائيل، وعندها لن يكون أمام الإدارة غير الدخول في حرب مع إيران، في توقيت صعب».

ويتابع: «في واشنطن يسمعون خطابات نتنياهو بالإنجليزية، ويلتقطون النبرة المسيحانية، الاستفزازية، ويعدون حديث نتنياهو خصوصاً عن العالم المتحضر، شيئاً من التكبر والتبجح، حيث إنه يستخدم أساليب، وينتهج سياسة أبعد ما تكون عن قيم العالم المتحضر، ليس فقط في غزة بل أيضاً في الضفة الغربية وفي لبنان».

ويختتم: «كنتُ سَأُسَرُّ جداً لو نجحنا في إقناع الشعب الإيراني بأن يبدل النظام، أو على سبيل البديل لو كنا نجد سبيلاً لتصفية العدوان الإيراني. فحروب العالم المتحضر من الأفضل إبقاؤها للآخرين، ولِكَهَنَة التفوق الأبيض في أميركا، ولرؤساء الأحزاب الفاشية في أوروبا، فهم الذين سيرتبون لنا عالماً متحضراً دون سود، ودون ملونين ودون يهود. هم جيدون في هذا».

ويرى محررو الشؤون الحزبية في إسرائيل أن نتنياهو يخطط لتوجيه الضربة لإيران في وقت يستطيع فيه تحقيق أكبر مكاسب حزبية. فإذا تمت الضربة، يوم الثلاثاء المقبل مثلاً، فسيكون وزير دفاعه، غالانت، في زيارة الولايات المتحدة للتباحث في الضربات، وفي تعويض لإسرائيل بكميات إضافية من الأسلحة والذخيرة الثقيلة. ويستطيع أن يقف وحده أمام الإعلام يتحدث عن النصر، من دون أن يتقاسم الرصيد مع غالانت. وسيُضطر غالانت إلى إطراء العمليات في واشنطن، ويقلل هذا من الانتقادات الأميركية في حال وُجدت.


مقالات ذات صلة

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)

رئيس سابق لـ«الموساد»: جواسيس «تجولوا» في منشأة نووية إيرانية

قال يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز «الموساد» الإسرائيلي، إنَّ جواسيس الجهاز زاروا منشأة فوردو النووية الإيرانية «مرات كثيرة» في الماضي لفهمها بصورة أفضل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب خلال لقائه بنتنياهو في البيت الأبيض الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تراهن على حسم الحرب ضد إيران رغم تأجيل الضربة

عكست وسائل الإعلام العبرية حالة إحباط القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية عقب تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توجيه «الضربة الحاسمة» ضد إيران.

نظير مجلي ( تل ابيب)
شؤون إقليمية ترمب مستقبلاً نتنياهو بحضور نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بالبيت الأبيض يوم 4 فبراير 2025 (رويترز)

فانس ونتنياهو يبحثان خلافاتهما بشأن إيران

أجرى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محادثات مباشرة بشأن الحرب على إيران، تناولت الخلاف بينهما حول استمرار الضغوط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب خلال لقائه بنتنياهو في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)

نتنياهو: تحالفنا مع ترمب «جدار من الغرانيت» ضد إيران

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن تحالفه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال متماسكاً، واصفاً العلاقة بينهما بـ«جدار من الغرانيت».

«الشرق الأوسط» (لندن)

استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
TT

استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)

أعلنت وسائل إعلام رسمية إيرانية استئناف الرحلات الجوية في مطار بندر عباس الواقع على الساحل الإيراني، السبت، بعدما شهدت تلك الرحلات انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة.

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء عن المدير العام للمطارات في محافظة هرمزغان كاظم توسلي قوله: «استؤنفت اليوم الرحلات الجوية المجدولة في مطار بندر عباس الدولي على الخطوط الداخلية التي تشهد حركة كثيفة».

وأضاف أن إعادة فتح المطار جاءت «بعدما شهدت الأيام الأخيرة تسيير رحلات محدودة فيه»، مؤكداً للمسافرين أنه بات بإمكانهم حالياً شراء تذاكر للرحلات بين طهران وبندر عباس، ومشهد وبندر عباس، وبندر عباس وأصفهان، في الاتجاهين.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، لفت توسلي إلى أن المطار كان يستقبل قبل الحرب «ما بين 35 و40 رحلة جوية داخلية ودولية يومياً».


هدنة على حافة السقوط... واشنطن وطهران في سباق «من يرمش أولاً»

سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

هدنة على حافة السقوط... واشنطن وطهران في سباق «من يرمش أولاً»

سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)

مع اقتراب انتهاء مهلة مذكرة وقف إطلاق النار الأميركية - الإيرانية، الاثنين، لا تبدو واشنطن وطهران منشغلتين بصياغة تسوية بقدر انشغالهما باختبار قدرة الخصم على الاحتمال.

وأوضحت عدة تقارير إخبارية أن الولايات المتحدة تراهن على الحصار والعقوبات وخنق صادرات إيران واقتصادها، فيما تراهن طهران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء أسعار الطاقة مرتفعة بما يضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس.

وبينما وصف مسؤول أميركي المفاوضات بأنها «جامدة»، نفى مسؤول إيراني كبير وجود محادثات فعلية لتمديد الهدنة، مطالباً واشنطن أولاً بالعودة إلى التزامات اتفاق يونيو (حزيران). وهكذا تحولت المواجهة من البحث عن حل للملف النووي إلى معركة إرادات اقتصادية وسياسية، تحاول فيها كل جهة شراء الوقت، ولكن وفق توقيتها هي.

لذلك، لا يبدو الجمود دليلاً على غياب الاستراتيجية، بل هو الاستراتيجية نفسها، وفق ما يرى عدد من الخبراء. فترمب يشتري الوقت حتى الانتخابات، وإيران تشتريه حتى تصبح كلفة مضيق هرمز أعلى من كلفة تقديم تنازلات لها. والسؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل أي النظامين السياسيين أقل قدرة على تحمّل الألم حتى «يرمش الخصم أولاً»؟

انقسام أم توزيع أدوار؟

تعزو الإدارة الأميركية جانباً من تعثر المفاوضات إلى وجود ثلاثة مراكز قرار داخل إيران: «الحرس الثوري»، والمؤسسة الدينية، والقيادة الحكومية. وبحسب رواية مسؤول أميركي نقلها موقع «بوليتيكو»، فإن الاتفاق مع أحد هذه المراكز لا يضمن موافقة الآخرين، ما يجعل المفاوض الإيراني يبدّل شروطه أو يعجز عن تقديم التزامات قابلة للتنفيذ.

غير أن توصيف المشهد بأنه مجرد «صراع أجنحة» قد يكون مبالغاً فيه. فالخلافات داخل النظام الإيراني حقيقية، وخصوصاً بين حكومة معنية بإنقاذ الاقتصاد، ومؤسسات أمنية تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة بقاء. لكنها لا تعني بالضرورة وجود ثلاث سياسات متعارضة. الأرجح أن هناك تنافساً على النفوذ والصلاحيات، يقابله توافق على الخطوط الحمراء: عدم إظهار الاستسلام، والحفاظ على ورقة هرمز، ورفض تقديم تنازلات نووية من دون رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.

وكانت وكالة «رويترز» قد تحدثت في أبريل (نيسان) عن تزايد نفوذ «الحرس الثوري» في إدارة الحرب والمفاوضات، لكنها أشارت أيضاً إلى تماسك النواة المتشددة حول شروط المواجهة. لذلك يمكن فهم التباين الحالي بوصفه مزيجاً من اختلاف مؤسسي حقيقي وتوزيع للأدوار: الحكومة تترك باب الوساطة مفتوحاً، والمؤسسة الدينية تمنح الموقف شرعيته الآيديولوجية، بينما يستخدم «الحرس الثوري» القوة لرفع كلفة رفض المطالب الإيرانية.

وقد يكون الحديث الأميركي المتكرر عن «انقسام إيران» جزءاً من التكتيك التفاوضي أيضاً؛ إذ يسمح لواشنطن بتحميل طهران مسؤولية الجمود، فيما تستخدم القيادة الإيرانية تعدد مراكزها لتقول إن أي اتفاق يحتاج إلى ثمن أكبر كي يصبح قابلاً للتسويق داخلياً.

هرمز ورقة إيران الأخيرة

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

بات مضيق هرمز جوهر المواجهة، لا مجرد ملف إضافي فيها. فإيران تستطيع من خلاله إلحاق ضرر اقتصادي بالولايات المتحدة وحلفائها أكبر بكثير من حجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية التقليدية.

وتظهر بيانات تتبع السفن التي نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال» أن 13 سفينة فقط عبرت المضيق، الخميس، مقارنة بأكثر من 130 يومياً قبل الحرب، وأن معظم السفن استخدمت المسار الشمالي الخاضع للإدارة الإيرانية.

كما اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفينة تابعة لشركة النفط «أدنوك»، في ثالث حادث مماثل خلال أسبوع، داعية إلى وقف الهجمات وإعادة فتح الممر كاملاً. ولم تعلن طهران مسؤوليتها عن الحادث، لكن تكرار استهداف السفن يثبت أن الحصار الأميركي لم ينتزع منها القدرة على التحكم بالمخاطر الأمنية للملاحة.

لهذا، رفعت إيران مطالبها من رفع الحصار وتحرير الأصول المجمدة إلى التعويض عن أضرار الحرب ووقف التهديدات ضدها وحلفائها. كما تسعى إلى تكريس حقها في تنظيم المرور أو فرض رسوم، وهو ما تعدُّه واشنطن «خطاً أحمر»: لا رسوم ولا قيود ولا اعتراف بسيطرة إيرانية منفردة.

أما إعلان ترمب أنه سيجعل المضيق «أرضاً أميركية» بعد هزيمة إيران، فقد قال مسؤول في البيت الأبيض لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنه جاء على سبيل المزاح. لكنه يعكس، حتى بصفته استفزازاً خطابياً، عمق المأزق: واشنطن تقول إنها تسيطر على الممر، فيما تثبت أرقام الملاحة أن السفن لا تزال تتصرف على أساس أن الإذن الإيراني هو العامل الحاسم.

ساعتان مختلفتان

ترمب يريد إبطاء الحرب حتى الانتخابات النصفية وتجنب جولة عسكرية واسعة قد ترفع أسعار النفط والبنزين. فقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين 4.08 دولار، بينما أقر الرئيس بأن الأميركيين قد يضطرون إلى دفع المزيد، قائلاً في خطاب له، مساء الجمعة، في بنيويورك، إنه لن يعتذر عن الحرب؛ لأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يستحق دفع ثمن هذه الحرب.

لكن ترتيب الأولويات داخل الإدارة الأميركية أصبح لافتاً. فقد عد نائب الرئيس جي دي فانس، خفض أسعار الطاقة «الهدف الأول»، بينما منع إيران من امتلاك سلاح نووي جاء في المرتبة الثانية، وذلك قبل أن تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الهدفين متساويان. وهذا يوحي بأن الحاجة إلى إنجاز سريع في مضيق هرمز باتت تتقدم عملياً على التسوية النووية الشاملة.

في المقابل، تراهن طهران، وفق عدة تقارير إخبارية، على أن الزمن الانتخابي الأميركي أقصر من قدرتها على الاحتمال. صحيح أن الحصار خفّض صادراتها النفطية وعمّق نقص الوقود والعملات الأجنبية، لكنها انتقلت إلى «اقتصاد البقاء» الذي يقوم على التقنين وتحميل الأسر كلفة الأزمة وحماية الموارد الضرورية لاستمرار الدولة. ومنطقها في ذلك أن الألم الاقتصادي الأميركي، وإن كان أقل حجماً، فإنه أكثر حساسية سياسياً.

أما استبدال حاملة الطائرات «جورج واشنطن» بـ«أبراهام لينكولن»، بعد انتشار في البحار تجاوز ثمانية أشهر وتقارير عن تدهور ظروف الطاقم، فيظهر أن واشنطن تستطيع مواصلة الحشد، ولكن ليس بلا كلفة بشرية ولوجستية. ونفي ترمب لوجود مشكلة لا يلغي أن التبديل أصبح ضرورياً.

تمديد صامت أم انفجار؟

الوفد الإيراني في أثناء مشاركته في إحدى جلسات المفاوضات بباكستان (الخارجية الإيرانية)

وبناءً على مسار المفاوضات وتقديرات المسؤولين والخبراء، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات. السيناريو الأقرب ليس اتفاقاً نهائياً ولا عودة فورية إلى الحرب الشاملة، بل استمرار «الهدنة - الحصار»: لا إعلان رسمياً عن التمديد، مع تجنب ضربات مباشرة واسعة، واستمرار العقوبات والهجمات المحدودة على السفن والضغوط عبر الوسطاء. فهذا الوضع، كما يقول السفير الأميركي السابق جيمس جيفري، أقل سوءاً للطرفين من البدائل؛ واشنطن لا تريد قبول المطالب الإيرانية الجديدة، وطهران لا تريد العودة إلى مذكرة ترى أن الولايات المتحدة انتهكتها.

السيناريو الثاني هو تمديد تقني قصير عبر باكستان أو قطر، مقابل إجراء محدود مثل الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة أو توسيع ممرات الملاحة، بما يسمح لكل طرف بالقول إنه لم يتراجع.

أما السيناريو الأخطر، فيبدأ بخطأ حسابات: إصابة سفينة أو سقوط قتلى أميركيين أو خليجيين قد يدفع ترمب إلى تنفيذ تهديده باستخدام «كل الخيارات»، ثم ترد إيران بتوسيع استهداف الملاحة والقواعد والحلفاء. عندها تفقد لعبة الانتظار قابليتها للضبط.


بغداد وأربيل تعززان التنسيق بشأن الحدود ومكافحة التهريب

زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
TT

بغداد وأربيل تعززان التنسيق بشأن الحدود ومكافحة التهريب

زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

بحث مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، السبت، استمرار التنسيق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان بشأن أمن الحدود ومكافحة التهريب، في وقت عقدت فيه لجنة عراقية عليا اجتماعاً في أربيل لمراجعة تنفيذ الاتفاق الأمني بين بغداد وطهران.

ووصل العبودي صباح السبت إلى أربيل على رأس وفد أمني بتوجيه من رئيس الوزراء علي الزيدي، في زيارة ركزت على الملفات الأمنية المشتركة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، وعلى متابعة بنود الاتفاق الأمني المبرم بين العراق وإيران.

وقال مكتب العبودي في بيان إن مستشار الأمن القومي التقى بارزاني في أربيل، وناقشا «مجمل الأوضاع على مستوى الداخل العراقي»، إلى جانب آخر التطورات الإقليمية والدولية.

وأضاف البيان أن الجانبين بحثا استمرار التنسيق والتعاون بين بغداد وأربيل في مجالات ضبط الحدود والحفاظ على الأمن والاستقرار وتعزيز التعاون الأمني، فضلاً عن تبادل المعلومات لمنع التهريب ومكافحة الإرهاب.

ونقل العبودي رسالة من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، مفادها أن الحكومة الاتحادية حريصة على بذل أقصى الجهود للحفاظ على أمن واستقرار إقليم كردستان والمدن العراقية كافة.

جانب من اجتماع اللجنة العليا لتنفيذ الاتفاق الأمني بين العراق وإيران في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

الاتفاق الأمني مع إيران

في أربيل أيضاً، عقدت اللجنة العليا المعنية بتنفيذ الاتفاق الأمني المشترك بين العراق وإيران اجتماعاً برئاسة العبودي، وبمشاركة وفد من حكومة إقليم كردستان برئاسة وزير الداخلية ريبر أحمد.

وقالت وزارة الداخلية في الإقليم إن الاجتماع تناول تفاصيل الاتفاق الأمني، ولا سيما ما يتعلق بتأمين الحدود ومنع التسلل والتهريب والحفاظ على الأمن والاستقرار في العراق.

وحسب بيان مكتب العبودي، راجعت اللجنة ما نُفذ من بنود الاتفاق، وشددت على استمرار التواصل والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان فيما يتعلق بتنفيذ الاتفاق، وفق توجيهات القائد العام للقوات المسلحة وبما يخدم «مصلحة وسيادة العراق».

ويأتي الاجتماع في إطار متابعة تنفيذ الاتفاق الأمني الذي أبرمه العراق وإيران لمعالجة ملف الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في إقليم كردستان، والذي يركز على منع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على إيران وتعزيز ضبط الحدود المشتركة.

ويحظى الملف بأهمية أمنية وسياسية بالنسبة لبغداد وطهران، في ظل الحدود الجبلية الممتدة بين العراق وإيران، وفي ظل وجود جماعات كردية إيرانية مسلحة في مناطق بإقليم كردستان.

وتشارك حكومة إقليم كردستان في تنفيذ الترتيبات المتعلقة بالحدود، بينما تحتفظ الحكومة الاتحادية بالمسؤولية الدستورية عن السياسة الخارجية وأمن الحدود الدولية للعراق.

ويأتي تحرك العبودي في أربيل في وقت تسعى فيه حكومة الزيدي إلى تعزيز التنسيق الأمني بين بغداد وأربيل، في ملفات تشمل ضبط الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب، بالتوازي مع متابعة الالتزامات الأمنية تجاه إيران.