«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

إبراهيم داود يهدي ديوانه لكوكبة من المبدعين الراحلين

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة
TT

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

يفتتح الشاعر المصري إبراهيم داود ديوانه الأحدث «على مقام الصبا» بإهداء لافت، يقول فيه: «إلى أصدقاء الأيام الرحبة»، ثم يذكر أسماء مجموعة من المثقفين والأدباء والشعراء الراحلين. وجزء من جاذبية الإهداء هنا أنه ليس مجرد شيء شخصي، بل أقرب إلى علامة نصية؛ فهو جزء رئيس من بنية الديوان ورؤية الذات الشاعرة للعالم، ناقلاً الرحابة من صفة لصيقة بالمكان إلى صفة للأيام والزمن؛ إذ يبدو الديوان كله أقرب إلى مرثية للعالم القديم، للمدينة التي فقدت سحرها، لتاريخها وحكاياتها، لشوارعها وأزقتها، لأساطيرها وموسيقاها، ومرثية للأيام التي فقدت رحابتها... ومن ثم يحضر هؤلاء الأشخاص ليس فقط بوصفهم كانوا مقربين من الشاعر بشخصه، ولكن في الأساس بوصفهم علامة على زمن أفل وانقضى، بكل رحابته وحنانه ودهشته، وبمدينة في طريقها لاندثار ملامحها.

منذ عنوانه الذي يتخذ من مقام «الصبا» تحديداً مركزاً دلالياً له، يبدو الديوان، الصادر في القاهرة عن «دار العين للنشر»، نشيجاً مكتوماً وموجعاً، فهذا المقام أكثر المقامات الموسيقية تعبيراً عن الحزن والألم العميق، كما يعبر عن حالة روحانية متجذرة. ومن ثم يبدو الديوان كله تعبيراً عن هذا الأسى المكتوم، وكأنه أغنية حزينة ممتدة وطويلة، تنعى فيها الذات وجودها وعالمها وزمانها؛ لذا فإنه قصيدة واحدة طويلة، تتكون من 26 مقطعاً شعرياً، تعبر كلها عن حالة الرثاء هذه، بتنويعات متباينة، ومعاناة الذات الشاعرة من التيه في الأيام الضيقة الخانقة، والاغتراب في الأماكن التي كانت دافئة وحنونة، لكنها تحولت وتشوّهت، فاقدة حميميتها القديمة، ولم تعد الذكريات التي تحتفظ بها الذاكرة كافية لإضفاء الحميمية على ما هو راهن، يقول:

«حقيبة الزمن مهترئة...

تسع بالكاد: بضع خطوات...

وذكريات باهتة

وخرائط لبلاد بعيدة

تحتفظ بها لأسباب غامضة

بعد أن فقدت الحماس لمواصلة الركض

وصرت غاضباً وخائفاً وحزيناً

وتبحث عن باب للخروج».

إننا هنا أمام حالة من فقدان الطمأنينة التي كانت قديماً، نستطيع أن نتعرف إليها من خلال نقيضها الراهن، فقد صارت هذه الذات تعاني مشاعر سلبية ومضطربة، ويسيطر عليها الغضب والخوف والحزن، والشعور بالانحباس في الزمان والمكان؛ فالزمن مهترئ، والأماكن بعيدة نفسياً رغم قربها الجغرافي، حتى صار الزمان والمكان كلاهما سجناً يحيط بالذات... ومن ثم تبحث عن مفر إلى عالم آخر، يعيد لها الطمأنينة التي كانت، وترسم تصوراً وخريطة لمستقبلها في ذلك العالم الآخر، والأغلب أنه عالم الموت، بوصفه مهرباً وملاذاً، وباباً للخروج من العالم الواقعي الذي اهترأ، يقول:

«في العالم الآخر

سأقوم بترتيب أوراقي

وأبتني البيت الذي حلمت به على الأرض

البيت الذي ستحرسه الموسيقى والأساطير

وكرامات الأولياء والقديسين».

هكذا، يصبح الرحيل إلى «العالم الآخر» ليس موتاً، بل تشييد لواقع بديل، تتحقق فيه الأحلام المجهضة على الأرض، وتبني فيه الذات بيت أحلامها، ليكون مفعماً بكل العلامات السيميائية التي تمثل حضوراً دافئاً، فالموسيقى والأساطير والأولياء والقديسون؛ كلها دوال تكتسب دلالات جديدة من حضورها في وعي الذات الشاعرة، بوصفها تمثل بالنسبة له ملاكه الحارس من كل موبقات الواقع، الذي فقد حتى موسيقاه وألوانه، وفقد بفقدانهما البهجة السمعية والبصرية، وإذا انتفى الاثنان تضمر حاستا السمع والبصر. ومن ثم فإن تآكل الجمال في العالم ليس موضوعاً خارج الذات، بل داخل في صميم وجودها:

«الحزن هذه المرة جارح/ والذين تركتهم وخرجت/ توقفوا عن تشغيل الموسيقى في الشرفة/ حتى قمصانهم لم تعد ملونة/ كما تظهر في الصورة».

هنا تتمدد المساحة الفاصلة بين الواقع وصورته القديمة، التي تتخذها الذات مرجعاً ومعياراً تقيس عليه حالها الراهن. ومن ثم يتعملق الأسى، ويصير الحزن جارحاً، بحجم ما فقدته الذات، فحتى العادات القديمة التي ما زالت حاضرة فقدت امتلاءها ومعناها، بل إنها استحالت إلى النقيض من معناها الأول، مثل عادة المشي، أبسط الطقوس التي يمكن أن يستمتع بها إنسانٌ ما:

«وأنت حزين/ لا تعرف: أين تمشي/ ولا كيف تمشي/ لكنك تمشي».

فالمشي هنا أصبح علامة على التيه الوجودي، والضياع الذي يسيطر على الذات الشاعرة، وعلى إنسان العصر الراهن بشكل عام.

على مدار الديوان، تظل الموازنة والمقارنة بين الـ«هنا» المهترئ المتآكل، حيث «لن تنجح الموسيقى في ترميم الحكايات»، و«لم تعد للغة الخضراء أجنحة»، وبين الـ«هناك» الملاذ والمفر، حيث:

«ستشرق شمس لكل واحد على حدة/ وسيرث الفقراء حدائق»

مقارنة دوماً تكون في صالح العالم الآخر؛ إذ تنزاح دالة الموت عن دلالاتها المعتادة، بوصفه مرادفاً للفناء، ويكتسب دلالات جديدة داخل النصوص، تتصل بكونه «مدينة فاضلة»، أو فردوساً منشوداً، وليس مفقوداً كالمعتاد؛ فردوس تتحقق فيه المساواة والعدالة والحرية والتآخي، كما يمكن أن تعتنقه الذات الشاعرة من أنساق قيمية تتآكل مع المكان والزمان.

إلى جوار الحالة السردية الواضحة، والطابع الدرامي والميل الحكائي الشائع في شعرية داود، تبرز في الديوان مجموعة أخرى من التقنيات المهمة، منها تعدد الضمائر بين التحدث أحياناً بضمير الغائب، وأحياناً بـ«الأنا»، وأحياناً بضمير المخاطب أنت، ومنها الترابط النصي بين نهايات بعض المقاطع وبدايات المقاطع التي تليها، كأن يختتم المقطع الحادي عشر قائلاً:

«تستطيع أن تبتكر نهراً جنب عزلتك/ نهراً عريضاً/ لتسبح على راحتك/ أنت تتفقد الآفاق كأن الأمر لا يعنيك/ كأنك في بلادك»، في حين يبدأ المقطع الثاني عشر قائلاً: «أنت تخليت عن نهرك الذي سورته بالأساطير والأغاني/ تركت التاريخ في أيدي رجال العقارات».

ما يجعل المقطعين مترابطين، والتالي ينبني على أطلال السابق، ويكمل فجواته وتحولاته. كما تكثر على مدار الديوان البنى الاستفهامية الأقرب أحياناً إلى اللوم والاستنكار: «أين كنت حين سُرقت قوارب النجاة؟».

كما أن ثمة تناصات مع آيات قرآنية، وتناصات بالمخالفة مع نصوص شعرية راسخة، ففي هذا الديوان «الناس تائهون»، وليسوا جارحين كالصقور، كما كانوا في بلاد صلاح عبد الصبور، فالناس لم يعودوا هم الناس، وليست البلاد هي البلاد، حتى المدينة لم تحتفظ بكونها «بلا قلب» كما كانت لدى أحمد عبد المعطي حجازي:

«ليل المدينة يتنفس بصعوبة/ يشم هو الآخر رائحة حرائق لا أحد يعرف مكانها»...

لقد أصبحت بلا قلب وعقل وجسد، وتحولت إلى مسخ يدعو للرثاء وليس للهجوم عليها.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».