بين الشيخ... والشاعر

رسالة من نزار قباني إلى مصطفى الزرقا تنشر لأول مرة

بين الشيخ... والشاعر
TT

بين الشيخ... والشاعر

بين الشيخ... والشاعر

عرض أمجد مكي، منذ أيام، وهو محقِّق فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا وأحد المقربين منه، رسالةً خطية كتبها الشاعر نزار قباني إلى الشيخ مصطفى الزرقا، تُنشر لأول مرة، وهي رسالة مفاجئة واستثنائية؛ لأنّها تحمل كثيراً من اللمحات الدالة على مكانة الرجلين الكبيرين: عميد الفقه الإسلامي، وشاعر الحب والمرأة.

ونحن أمام لقبين تشكّلا من خلال مسيرة دؤوبة ومنتجة، وبناء راسخ ومتميّز حتى استقرّا في الوجدان الثقافي العام، الأول من خلال عطاءٍ فكري وإنتاج فقهي قلّ نظيرهما في العالم الإسلامي، والثاني من خلال إبداع شعري متوهّج ارتقى بالحب والمرأة من التجربة الخاصة إلى أفق إنساني واسع، وأخرج القصيدة العاطفية من لغة الغزل التقليدية إلى لغة أكثر قرباً من الحياة اليومية، فجعل شعره علامة فارقة في الشعر العربي الحديث.

وكان الشاعر والدبلوماسي ورجل الأعمال السعودي عبد المقصود خوجة يلحّ على الشيخ الزرقا أن يجمع له أشعاره لينشرها في ديوان، واستغرق الأمر عدة سنوات، ثم لما صدر الديوان فرح الشيخ به فرحاً كبيراً، ورأى أن يهدي نزاراً نسخة منه، فكانت هذه الرسالة جواباً على هذه الهدية:

«أستاذي ومعلّمي الكبير.

أسعدني أن أسمع صوتك الجميل بعد خمسين عاماً من النَأْي، فأنا واحدٌ من الطلاب الذين شربوا العلم من ينابيعك، واستناروا بقناديل معرفتك في كلية الحقوق بالجامعة السورية عام 1944 و1945.

إنَّ شيخنا مصطفى الزرقا كان دائماً نموذجاً لكبار عصر التنوير، بل كان واحداً من أئمة المعرفة العربية من أمثال ابن سينا، وابن رشد، والفارابي، الذين أعطوا البشرية بيادر عالية من حنطة الفكر، وحدائق من فاكهة المعرفة.

وإذ كنتُ قد عرفتُكَ عالمـاً، وفقيهاً، وإماماً.. فيسعدني اليوم أن أكتشفَ فيكَ الزميلَ الشاعر الذي يرمي أقنعة الوقار والحكمة والقبعة الأكاديمية.. ويرمي نفسَهُ في بحر الشعر.. حيث الماء قصيدةٌ زرقاء.. والرملُ منديلٌ من الحرير.. وألوف الحوريّات بانتظار الإمام الشاعر.. ليتبرَّكنَ بعطر قصائده...

فشكراً لك، يا حبيبنا ويا معلمنا، لأنّكَ (ارتكبتَ) أخيراً إثمَ الشعر.. وغَوايةَ القصيدة.. رغم إيماني العميق، منذ بداياتي الشعرية الأولى.. أنَّ الشِعْرَ هو نقاء النقاء.. وطهارةُ الطهارة.

وفي هذا الزمن الرماديّ الذي يحاصرنا من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، يأتي ديوانك (قوس قزح) ليحملَ إلينا أسرابَ الحمام، ورائحةَ الياسمين، ورائحة الحُبّ.

أطال الله عمرَك، وغَمَرَكَ دائماً بغلائل الصحة والسعادة.

أخوك

نزار قباني

لندن 25 تموز 1996».

قصائد حب للشاعر نزار قباني

وبعد سنتين من تاريخ هذه الرسالة التي لم نقرأها إلا اليوم، قصّ علينا نزار سبب هذا النأي الذي ورد ذكره في الرسالة، في مقالة نشرها في جريدة «الحياة» اللندنية ضمن سلسلة من المقالات، استعاد في بعضها محطات من حياته الأدبية والفكرية، وفي تلك المقالة تحدّث عن قصيدته (خبز وحشيش وقمر)، وما أثارته من عاصفة جدلية في سوريا وخارجها:

«القصيدة الإثم، أو القصيدة الجريمة أوصلتني إلى المجلس النيابي السوري، وهي سابقة لم تحدث في أي برلمان من برلمانات العالم، فانبرى أستاذنا الشيخ مصطفى الزرقا النائب عن جماعة الإخوان المسلمين بتقديم استجواب عنيف لوزير الخارجية آنئذٍ الأستاذ خالد العظم طالباً منه إحالتي إلى اللجنة التأديبية، وطردي من وزارة الخارجية، وتأييداً لأقواله قام النائب الزرقا بتلاوة القصيدة على النواب، وكان لحسن حظي فصيح اللسان، رائع الإلقاء، فما إن انتهى من تلاوة القصيدة حتى انفجرت قاعة مجلس النواب، وشرفة المتفرجين، ورجال الصحافة، بالتصفيق، فعاد النائب والعرق يتصبب من جبينه مخذولاً ومحبطاً، وباظ الاستجواب».

ولا بدّ هنا من استدراكٍ وتصويب؛ فقد وصف نزار أستاذه بأنّه «النائب عن جماعة الإخوان المسلمين»، بينما كان الشيخ نائباً مستقلاً عن مدينة حلب. ويبدو أنّ هذا الوصف جاء للدلالة على موقعه ضمن المجال الإسلامي العام، لا على انتمائه التنظيمي، وهي مسألة تتكرر عند توصيف بعض الشخصيات الإسلامية؛ إذ تُنسب أحياناً، على سبيل التجاوز، إلى جماعة الإخوان المسلمين لمجرد انتمائها إلى الفضاء الإسلامي العام.

قصائد حب للشاعر نزار قباني

إنّ هذه الرسالة التي اغتنم القباني فرصة كتابتها للإشادة بالفقيه الشاعر هي شهادة إنسانية لرجلين كبيرين، فهي تكشف عن نزار الذي لم يحمل في قلبه ضغينة لأستاذه ذي الموقف الناقد من قصيدته قبل أربعين عاماً، كما تكشف عن الشيخ الزرقا الفقيه الموسوعي الذي لم يمنعه انهماكه العلمي واستغراقه الفقهي من أن يفتح نافذةً على عالم الشعر، ويضيف إلى سيرته العلمية صفحة أدبية رقيقة، ويختار لديوانه عنواناً ملفتاً مليئاً بالألوان: قوس قزح.

وتكشف هذه الرسالة عن جمال الاعتراف المتبادل بين الرجلين الكبيرين؛ فقد اعترف الشيخ مصطفى الزرقا بالشاعر حين أهداه ديوانه، واعترف الشاعر نزار قباني بأستاذه ومعلمه حين استهل رسالته بقوله: «أستاذي ومعلمي الكبير»، مستعيداً فضل سنوات التلقي الأولى. ثم ما لبث أن داعب أستاذه بعد أن اكتشف فيه الشاعر خلف صورة العالم والفقيه، فاستقبله في عالم الشعر بوصفه «الزميل الشاعر»، قبل أن يختم رسالته بعبارة تختلط فيها الفرحة بالجرأة: «أخوك نزار». وكأنّه لا يكتفي بالاعتراف بأستاذه، بل يضمّه إلى أخوّة الشعر، بعد أن جمعتهما من قبل رابطة العلم.

في هذه الرسالة يقدّم التلميذ الذي غدا من أكبر شعراء العصر الإشادة في أعلى صورها عندما يقرن أستاذه بكبار رموز المعرفة العربية، ويضعه أنموذجاً لكبار عصر التنوير، دون أن يقع في وهدة المبالغة أو التملق أو الابتذال، فمن يعرف الشيخ في مسيرته يدرك تماماً أنّه كان من أوائل السوريين المعاصرين الذين جمعوا بتمكّنٍ واقتدار وتميّز بين مجالات متعددة: الشرعي، والقانوني، والأدبي. وأذكر في هذا المقام موقفاً شخصياً ترك في نفسي أثراً عميقاً، حين وقعت، وأنا طالب في الصف الحادي عشر في مكتبة مدرستي الخسروية في حلب، على كتاب كفاية المتحفّظ لابن الأجدابي، وهو كتاب في فقه اللغة، فإذا محققه الشيخ مصطفى الزرقا، وتاريخ طبعه سنة 1925، وأدركت يومها أنّه أنجز هذا العمل في فترة مبكرة من حياته، وهو في مثل سني تقريباً، فكان ذلك درساً مهماً في أنّ الإنجازات الكبرى تبدأ من فترة اليفاعة والشباب. وقد انعكس ذلك الاهتمام الأدبي على صياغته وسبكه في أكثر الموضوعات جفافاً، فقدّمها في عبارة طلية رقيقة الحاشية أنسية البيان، وهذا التآلف بين الفقه والأدب الذي لفت نظر شاعرنا إلى أستاذه كان ثمرة رؤية عميقة لدى الشيخ الزرقا الذي رأى أن الأدب جزء من تكوين رجل الشريعة، وضرورة من ضرورات بيانه وتأثيره.

يقول الشيخ: «إني أرى دراسة الأدب لرجل الشريعة كالماء للتربة. فسيبقى رجل الشريعة جافاً في أسلوبه وتدريسه وكتابته، ومعزولاً عن مسالك البيان المُفصح، والأداء المُعجب النافع، والتذوق الوجداني الفني، لعظمة القرآن، وجوامع كلم الرسول صلى الله عليه وسلم، ما لم يتمكن في الدراسة الأدبية، للغة العربية وآدابها».

وفي ميدان الفقه، قام الشيخ بأهم مغامرة فقهية في العصر الحديث؛ إذ أعاد بناء المادة الفقهية، وصاغ من قواعدها ومبادئها نظريات عامة على غرار النظريات الحقوقية الغربية، فكان من أوائل من نقلوا الفقه إلى قالب النظريات القانونية، وأصّل لعدد من النظريات، منها: نظرية الالتزام العامة. نظرية الملكية. نظرية الارتباط التعاقدي. نظرية الشروط العقدية. نظرية المؤيدات التشريعية. نظرية الأهلية. نظرية الضمان. وقد أصاب وزير المعارف السوري الدكتور منير العجلاني حين قدّم كتاب الشيخ الزرقا المدخل الفقهي العام: «فالأستاذ الزرقا فقيه أديب، وأسلوبه في الكتابة يكاد ينسيك صعوبة المادة وجفافها».

إنّ رسالة نزار وثيقة إنسانية نادرة، تكشف عن وفاء التلميذ لأستاذه، وعن سمو الأستاذ الذي بقي حاضراً في وجدان تلميذه رغم اختلاف المواقف، وتبرهن على أن الثقافة الحقيقية والمعرفة الرفيعة، إذا اقترنتا بالنفوس الكبيرة، تمدان الجسور فوق الخصومات، وترتقيان بالاختلاف، فيُعرف لصاحب الفضل فضله، ولرجل العلم قدره، وللأديب مقامه.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».