صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

جمع بين الشعر والصحافة والسينما والمسرح والخط والفن التشكيلي

صادق الصايغ
صادق الصايغ
TT

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية. ومن المعروف عن الصايغ أنه مارس عدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمسرح، وكان من أبرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» في عام 1978، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا التراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». غادر الصايغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. واضطر، مرة أخرى، للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام 1979، بعد اشتداد حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلى براغ، وأخيراً استقر وعائلته في لندن.هنا استذكارات من بعض زملائه وأصدقائه:

أتذكر اليوم الأول الذي عرفت به صادق الصايغ في مقهى بـ«شارع أبو نواس» يلعب النرد مع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلى بغداد التي أحبها. أراد صادق أن ينظم إلى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجد الباب موصداً «كنتم منغلقين عليّ، ربما لأنني جئت متاخراً، وربما بسبب شكلي وشعري الطويل المحرج».

لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه.

وصلت بيروت بجواز سفر مزور في يوليو (تموز) عام 1979 سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حدود بلاده. نادراً ما يتردد أبو صالح على هذا البيت، وعندما يأتي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعاً الاجتماعات. يخرج للشرفة ليشرب قهوته ويدخن غليونه وهو يدردش مع نفسه كأنه ما زال في الاجتماع. آنذاك نصمت جميعاً ونسكّت أطفالنا احتراماً لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء.

أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يوم مرآباً لعمارة. دخله مهندس الموت وربط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع عقرب التفجير على الساعة 12.30 وغادر دونما خيال: كل شيء جاهز!

نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الطفل النائم يمصّ إبهامه ويحلم بأنه يطير مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجته الشابة، أبخرة العرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئاً كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس.

في هذا البيت توقفنا صادق وأنا عن الكتابة والقراءة، أردنا فسحةً من الوقت لنقرأ حياتنا بين البلد الذي تركناه وهذا المكان الذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صباحاً تمر الطائرات الإسرائيلية عالية مثل إبر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطاً من الغمام... آنذاك تدوي المضادات المنتشرة في زواريب الفاكهاني لتبعدها عنّا، ولا ندري في أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جواباً غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا.

في كل يوم تتجدد حيطان المنطقة بصور شهداء سيحلون مكان القدامى، نسير بينهم ونشعر بأنهم يراقبوننا، لوماّ أو انتظاراً؟ لم يكن صادق الشاعر مشغولاً بالمكان ولا أحداثه. ذاكرته وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حياته، ومع ذلك لم تترك المدينة ختمها على دفتره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكرة. مرة كان يفرّجني على براغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا على نهر فلتافا نراقب انعكاسات الأضوية على الماء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إليّ صادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بغداد تسكن صادق وهو يكرر دائما «أحب حتى مزابلها».

الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وحتى حين يسميه العراق أو «العراق الجميل» يبقى مجرداً لا تفاصيل فيه، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن.

تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة

عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين

بكيت على حائط الحمزة

وكنت ورائي، ورائي

لقد كنت يا وطني

ليدهشني أخرج لي صادق الصايغ شيئاً غريباّ عليه، مسدس «كلوك»، أخذ يقلّبه أمامي بين التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّنَ المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة.

كنت أسير مع صادق في الشارع القصير بين البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلاً فوق الموجودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلاً عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟

يخاطب صادق نفسه وهو يمشي:

سمعت الخطى والرصاص

وأضوية القاطرات

ولم تلتفت

رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً

ولم تلتفت

قتلت، قتلت

ولم تلتفت

كنت أستمع لأحاديث صادق وتجاربه المدهشة وأشرب كلماته مع العرق باستمتاع... عن محلة الأزرملي التي عاش فيها فرسمت طفولته وشبابه، هناك عرف صادق الشيوعية من شقاوات المحلة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحداً من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «البلاد»، وفي الإذاعة بعد ثورة تموز، حيث كان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الذي أحبه رئيس محكمة الشعب فاضل المهداوي ووزير الإعلام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الكل يحسد صادق على وسامته، على كثرة مواهبه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبداً حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر.

البيت الثاني في بيروت شقة في الطابق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صادق تاركاً ضيوفه في الغرفة الأخرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صادق قواعد الخط وطبقها بسلاسة، يرسم الحرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثاً عن أبعاد غير معهودة، مازجاً بين الخطوط ليجد هارموني مختلفاً. يجلس صادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. من بعيد، من وراء «برج أبي رزق» بَرَكَ قناص ضجراً من فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هذا الرأس الذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلى مكمن القصيدة ثم سحب الزناد. طارت الرصاصة على طول كورنيش المزرعة واخترقت النافذة داخلة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائماً مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية.

حين تهدأ الجبهات الكبيرة تندلع داخل الجبهة الواحدة حروب النفوذ داخل الجبهة، آنذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة.

عند مدخل العمارة التي يسكنها صادق رأينا، فالح عبد الجبار وأنا، قاتلين أنيقين داخل سيارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلاً وعيونهما باتجاه المصعد الذي سيخرج منه صادق. لم يخرج صادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأسَ القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته.

ذات يوم أبلغت منظمة التحرير بأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هي صادق وقاسم حول وزهير وربما أسماء أخرى. وأوصتنا بالحذر! أعرف وأنا أسير مع صادق أن جذوة القصيدة تأتيه حين يمشي وتتقطر في داخله بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة.

وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المتعددة وهو موهوب في كل منها. بدأ مشهوراً منذ بداية عشرينياته كنجم إذاعي وخطاط. ثم انفرشت مواهبه... شاعر ورسام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطفال وخطاط... ضائع بين كل هذه المواهب لا يعرف أيها هو وقد ترك في كل واحدة منها قطرة من روحه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفينة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخل دائرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلى وطن ضائع. بين ذاته كداندي، وبين الآخرين في الحزب، بين النهم إلى اللحظة الحاضرة، والخوف من المجهول القادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها ما حصل عليه، بين خوفه من الموت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية النسيان. كلما جلسنا معاً أمام الكأس وصحون المزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث.

أفكر بصادق وأكتشف، وأنا أكتب، أن صادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه.

الصايغ عاش أجمل سنيّ حياته في شارع الثقافة العراقي

علي حسين

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة "هنا بغداد":

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

وأسترجع معها صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة "البيك والسايق" التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم "المنعطف"، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب "عزيز علي". عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: "لا أنافس أحداً سوى نفسي". .

عاش صادق الصائغ أجمل سني حياته في شارع الثقافة العراقي الحديث، تجول في كل أزقته، مسكوناً بالجمال والمعرفة والحب والمغامرة، ليصبح بحق واحداً من آباء الحداثة العراقية، إلا أن الشعر ظل هاجسه الرئيسي منذ أن أصدر ديوانه الأول "نشيد الكركدن" ليكشف لنا عن تفرد مشروعه الشعري وحيوية قصائده التي لم تنل منها سنوات الغربة والمطاردة، بل زادته إصراراً على الكتابة التي كانت جنته ورؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو التمرد والحرية، ولتكتسب تجربة التمرد قيمة كبيرة في معظم قصائده، فالشاعر يواصل رحلة الوقوف في وجه العالم، يشاكس حتى اللحظة الأخيرة من حياته أصحابه الذين يشاركونه الحلم بعراق معافى، يشاركهم همومه وأحلامه ومشاريعه المؤجلة، متطلعاً إلى الغد الذي يتمناه أن يكون جميلاً، ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

الصائغ... المعلم في مدرسة «طريق الشعب»

إبراهيم البهرزي

يشكل العام 1978 بالنسبة للثقافة العراقية جرحا سريا ظلت آثاره المؤلمة حاضرة كلما رحل اديب عراقي في المنفى ،

فهو العام الذي شن فيه النظام السياسي حملته الوحشية ضد اليسار العراقي وترك مثقفيه رهائن المنافي او الاعتزال والصمت .

كان صادق الصائغ المثقف الموسوعي : الشاعر الفنان الخطاط المصمم الطباعي كاتب السيناريو السينمائي الناقد السينمائي كاتب المسرح والمعد والمقدم التلفزيوني يشكل مع اخرين وجها جديدا للثقافة العراقية كان يتمظهر من خلال مطبوعات الحزب الشيوعي التي سمح لها بالظهور انذاك : طريق الشعب والفكر الجديد ومجلة الثقافة الجديدة اضافة لمطبوعات متفرقة كانت تصدرها دار الرواد الزاهرة .

كانت هذه الصحف وطريق الشعب بالذات في صفحاتها الثقافية تشكل بؤرة لثقافة مختلفة عن تلك الثقافة الرسمية التي تتمثل في الإصدارات الثقافية الرسمية وكان لمثقفي ( طريق الشعب ) شيبهم وشبابهم مزاجا أدبيا وفنيا متميزا .

ولإعطاء صورة مبسطة عن الجو العام انذاك يمكننا الإشارة إلى صفحة ثقافية يتعاون على إصدارها شعراء مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وصادق الصائغ وجليل حيدر وفوزي كريم وياسين النصير وفاطمة المحسن ومخلص خليل ومصطفى عبد الله وأسماء مضيئة اخرى وكنا نحن الشباب من جيل السبعينات نحظى برعاية هذه الأسماء الفذة ما شكل تيارا ثقافيا له خصائصه الفكرية والأسلوبية الذي سرعان ما حطمته قبضة الجلاد بهجماتها الشرسة على اليسار العراقي ودفع باغلب هذه الرموز الثقافية إلى المنافي .

كان الراحل صادق الصائغ واحدا ممن أخذته دروب المنفى إلى تلك القطيعة الثقافية القسرية مع جذوره الاولى حيث كانت قسوة النظام السياسي قامعة لحد حجب ( الاسم الثقافي ) عن اي إصدار في الداخل او ما يمكن تسريبه من الخارج .

اجيال جديدة نشأت وهي لا تعرف هذه الرموز المنفية وحين عادوا من المنفى بعد ٢٠٠٣ كانوا - ويا للأسى - بحاجة إلى اعادة تعريف او تنشيط لذاكرة الجمهور الثقافي .

مع التقدم في السن لم يجد صادق الصائغ تلك الفتوة التي تتيح له التدافع بالمناكب لتصدر مشهد ثقافي جديد تغير كثيرا عن نكهة السبعينات السالفة وصار له وجها آخر افرزته الثقافة الحكومية الرسمية بعجرها وبجرها وله ما له وعليه ما عليه فلم يجد صادق الصائغ المثقف الموسوعي القادر لوحده بحكم امكانياته على إصدار مطبوع بخطوطه وتصميماته ومواده من الغلاف إلى الغلاف ، لم يجد غير غرفة فارغة في وزارة الثقافة بحكم وظيفته كمستشار ثقافي وهو منصب شرفي غير حيوي فما كان له إلا العودة لمنفاه ثانية .

في الثقافة العراقية وبحكم خروجها من عباءة الأنظمة السياسية في اكثر الأوقات فان استذكار المنسيين لا يحدث إلا عند موتهم وذلك لاجل رفع العتب لا غير .

وحسب علمي فان صادق الصائغ لم يحصل حتى على حق تقاعدي مشروع جراء خدمته الوظيفية ما قبل سنوات المنفى بحكم البيروقراطية المستحكمة في الدولة العراقية ، لم يجد صادق الصائغ ما يتيح له العيش في شيخوخة كريمة يمنحها له بلده فعاد للمنفى اضطرارا .

كان الراحل من متعددي المواهب الذين يتركون اثرا مميزا في اي مجال يعملون فيه فلا تزال خطوطه وترويساته بائنة في صحف ومطبوعات كثيرة وكان له مع زميله الراحل محمد سعيد الصحار جهود في مجال تطوير الحرف الطباعي العربي وهي جهود ضيعت بين المنفى والبلاد .

شاعرا كان صادق الصائغ صوتا متفردا ما انصفه النقاد فما حسبوه على الخمسينيين ولا على الستينيين رغم ان ديوانه نشيد الكركدن وهو ديوان مميز كتبت قصائده اغلبها في الستينات ورغم انه عمل في حقل النقد السينمائي مبكرا منذ الخمسينات وسافر في الستينات إلى اوربا منغمسا في حياته مع الهيبيين وحركات الثورة الطلابية نهاية الستينات وعمل في التلفزيون العراقي كمعد ومقدم لبرنامج سينمائي أثار في احدى إطلالاته التلفزيونية حفيظة الرئيس احمد حسن البكر الذي انزعج لطول شَعره ! ما أدى إلى إبعاده عن التلفزيون ، رغم كل مواهبه المتعددة فإنه كان زاهدا بطبع مؤلفاته او جمعها ، لقد كان يعتقد ان مهمته هي كتابة الأفكار : شعرا او نثرا او نقدا وإيصالها للقاريء بطريقة ما فظل نتاجه المتنوع منجما بين صحف ومجلات ظهرت في أمكنة وأزمنة مختلفة بطريقة يصعب جمعها .

برحيل صادق الصائغ تفتقد الثقافة العراقية نكهة مختلفة ، تلك النكهة الأنيقة المتأنية التي تتوزع بين مختلف أجناس الادب والفن مؤمنة بوحدة الابداع وسعة امكانياته ،

كان موهوبا لافتا ضيعت المنافي الكثير من آثاره الادبية والفنية وسيظل علامة لجيل تتلمذ على يديه يوم كان واحدا من معلمي مدرسة ( طريق الشعب ) في سبعينات العراق .


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.


«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.