رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

تحفل بتعليقات على أعمال أدبية وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية
TT

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟

أسئلة لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتناول هذا المجلد الضخم الصادر في 2025 عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن في 1080 صفحة. إنه الجزء العاشر من رسائل ت. س. إليوت التي تصدر تباعاً، ومن المنتظر أن تصل إلى 20 جزءاً.

The Letters of T. S. Eliot، Volume 10 (1942- 1944)

وقد أشرف على إصدار الكتاب وزوده بهوامش ضافية جون هافندن John Haffenden أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شفيلد البريطانية، وذلك بالاشتراك مع فاليري إليوت Valerie Eliot أرملة الشاعر الراحلة وزوجته الثانية.

تغطي رسائل هذا الجزء أعوام 1942 - 1944 ويخيم عليها شبح الحرب العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الحياة في بريطانيا. فنحن نجد هنا ذكراً لغارات الطيران الألماني على لندن وكوفنتري وغيرهما من المدن، وتوزيع الطعام بالبطاقات، وإطفاء الأنوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سينما ومعارض ومهرجانات. كذلك شحت كمية الورق اللازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فاضطرت إلى الإقلال من إصداراتها وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعتذار إليوت عن قبول عشرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواوين شعر وروايات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراسات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطاً شديداً للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين.

رسائل إليوت موجهة إلى أفراد من أسرته مثل شقيقه الأكبر هنري الذي كان باحثاً متخصصاً في دراسة آثار أشور وإيران والشرق الأدنى، وإميلي هيل محبوبة إليوت في شبابه قبل أن يهاجر من الولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا، وجون هيوارد الذي شارك إليوت السكن في لندن زمناً، ومترجمي أعماله إلى لغات أجنبية، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حول مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» إلى فيلم سينمائي نال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم.

تحفل هذه الرسائل بتعليقات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة وفطنته إلى مواضع القوة ونقاط الضعف في أدب عصرنا. وقبل ذلك تكشف عن التزامه الأخلاقي وضميره المهني اليقظ فهو يقرأ كل كلمة من النص المقدم إليه قبل أن يصدر عليه حكماً، ولا يعرف المجاملة وإنما يقبل ما يستحق النشر ويرفض ما لا يستحق، ويطلب من الكاتب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه.

ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عمل إليوت في الدفاع المدني أثناء الحرائق الناجمة عن غارات الطيران الألماني على لندن، وخمسة أسابيع قضاها في السويد، ورحلة قام بها إلى ويلز في 1944، ومشروعات رحلات (لم تتم) إلى آيسلندا وشمال أفريقيا، واعتذاره عن قبول عرض بالعمل مستشاراً للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سي، ومحاضرات ألقاها وندوات شارك فيها، وأحاديث إذاعية سجلها، ومسرحيات شاهدها مثل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لفاجنر، وأعمال المثال هنري مور، وأعمال موسيقية كان يحبها مثل رباعيات بتهوفن الوترية.

وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مردداً كلمات الشاعر الرمزي الفرنسي مالارميه: «إن الشعر يصنع من كلمات لا من أفكار»، مضيفاً: «إن القصيدة في المحل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختياراً حريصاً واستخدام حد أدنى من الاستعارات والصور ومنح كل منها الحد الأقصى من التأثير»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل».

ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قدر ممكن من الشعر، فالمهم هو الكيف لا الكم. ولدى أغلب الشعراء نجد خَبثَاً (بفتح الخاء والباء) كثيراَ وعروقاً نضاراً قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضواء على ما كان إليوت يحب ويكره. فهو يفضل مثلاً الشاعر البرتغالي لويس دي كاموش (من القرن السادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود».

وفي إطار تفضيله لشعر الماضي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجد متعة كبيرة في أي شعر معاصر ـ سواء لمعاصريي أو لمن يصغرونني سناً». بل يذهب إلى حد القول (لا يجب أن نحمله على محمل الجد بطبيعة الحال): «إني أكره الشعر» راسماً كلمة «أكره» (HATE) بحروف التاج الكبيرة إمعاناً في التوكيد!

ومن الطريف أن نجده يخطئ أحياناً في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو (صوّب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء). ولكن من الواضح أن ذلك كان من قبيل السهو لا الجهل. فما كان لمثل إليوت، وهو إلى جانب جويس من أعظم من استخدموا اللغة الإنجليزية في عصرنا، أن يجهل الصواب. وينطبق عليه في هذا الصدد قول أبي فراس الحمداني عن نفسه:

وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي

وأهفو ولا يخفى عليّ صواب

والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإليوت بين سن الثالثة والخمسين والسادسة الخمسين (فترة كتابة الرسائل)، وأغلفة الطبعات الأولى من كتبه، وصور من راسلهم، وصورة له وهو يسجل حديثاً من استوديو محطة الإذاعة البريطانية في لندن مع الروائي جورج أورويل والناقد وليم إمبسون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وصورة له في أبريل (نيسان) 1943 وهو يقرأ قسماً من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأميرات إليزابيث (الملكة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكاً فى العمل مع زملائه من مديري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفكاره وعلاقاته الإنسانية في لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين.


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.


«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.