تحيّزات خفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات التوظيف

تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
TT

تحيّزات خفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات التوظيف

تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)

كشفت دراسة جديدة أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في فرز طلبات التوظيف قد تبدو عادلة عند تحليل نتائجها بصورة إجمالية، في حين تظهر أنماطاً من التحيز عند فحص كل وظيفة على حدة.

وحلل باحثون بيانات أكثر من 4.1 مليون طلب توظيف قدمها نحو 3.37 مليون شخص إلى 1746 وظيفة لدى 156 جهة عمل. واستخدمت جميع الطلبات أدوات تقييم طورتها شركة واحدة، ما أتاح للباحثين دراسة أثر اعتماد مؤسسات متعددة على أنظمة متشابهة في اتخاذ قرارات الفرز الأولي.

بعد التقدم للوظيفة، كان المرشحون يُحالون إلى اختبارات قائمة على الألعاب، صُممت لقياس صفات مثل التركيز وتحمّل المخاطر والسلوك الاجتماعي. وبناءً على طريقة أداء المتقدم، تصنف الخوارزمية الطلب ضمن فئتين، «موصى به» أو «غير موصى به».

وتستخدم الشركات هذه النتيجة لتحديد مَن ينتقل إلى مقابلة أو مرحلة لاحقة، ما يعني أن بعض الطلبات قد تُستبعد قبل أن يراجعها شخص.

وتوضح الدراسة أن أنظمة الفرز الخوارزمي أصبحت عنق زجاجة رئيسياً في التوظيف، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الطلبات التي تتلقاها الشركات الكبرى. فإحدى الشركات، على سبيل المثال، تلقت أكثر من 3 ملايين طلب خلال عام واحد لشغل نحو 20 ألف وظيفة.

صورة مختلفة عند تفكيك البيانات

واستخدم الباحثون معيار «الأربعة أخماس» المعتمد في الولايات المتحدة لرصد الأثر المحتمل للتمييز. ويشير هذا المعيار إلى وجود علامة تحذير عندما تقل نسبة اختيار مجموعة معينة عن 80 في المائة من نسبة المجموعة الأعلى اختياراً. وعند تحليل جميع الطلبات لم تظهر النتائج مستوى واضحاً من التحيز يستدعي القلق وفق هذا المعيار.

لكن الصورة تغيّرت عند فحص كل وظيفة بصورة منفصلة. فقد وجد الباحثون أن 14.74 في المائة من طلبات المتقدمين الآسيويين، و25.87 في المائة من طلبات المتقدمين من ذوي البشرة الداكنة، قُدمت إلى وظائف أظهرت فيها الخوارزمية أثراً سلبياً على مجموعتهم. كما أظهرت الدراسة أن 10.62 في المائة من الوظائف التي شملها التحليل سجلت أثراً سلبياً ضد المتقدمين من ذوي البشرة الداكنة. وقدّر الباحثون أنه لو كانت معدلات التوصية متساوية بين المجموعات لكان نحو 40 ألف طلب إضافي لمتقدمين من ذوي البشرة الداكنة وآسيويين قد حصل على توصية بالانتقال إلى المرحلة التالية.

اعتماد شركات متعددة على الأداة نفسها قد يؤدي إلى تكرار أنماط الرفض عبر سوق العمل (غيتي)

لا حاجة لبيانات عرقية مباشرة

وتثير النتائج أسئلة حول الاعتقاد بأن الخوارزميات تصبح محايدة بمجرد حذف الاسم أو العرق أو غيرهما من البيانات الحساسة. فالاختبارات المستخدمة لا تعتمد صراحة على المعلومات الديموغرافية، كما أن الشركة المطورة تقول إنها صممت النماذج لتقليل الأثر غير المتوازن أثناء التدريب.

ومع ذلك، توصل الباحثون إلى أن التفاوت يمكن أن يظهر من خلال متغيرات أخرى ترتبط بصورة غير مباشرة بخلفية المتقدم. ويعرف ذلك أحياناً بالتمييز عبر المؤشرات البديلة؛ حيث تتعلم الخوارزمية أنماطاً تبدو محايدة، لكنها ترتبط عملياً بخصائص اجتماعية أو ديموغرافية.

«الثقافة الخوارزمية الواحدة»

ولا تقتصر المشكلة على أداء خوارزمية داخل شركة واحدة. فاعتماد جهات عديدة على المورد نفسه قد يجعل قرارات الرفض متشابهة عبر سوق العمل. ويطلق الباحثون على هذه الحالة اسم «الثقافة الخوارزمية الواحدة»، أي اعتماد عدد كبير من أصحاب القرار على النماذج نفسها أو على أنظمة متقاربة.

ووجدت الدراسة أن 4 في المائة من الأشخاص الذين تقدموا إلى 10 وظائف خضعت لهذه الاختبارات حصلوا على نتيجة «غير موصى به» في الوظائف العشر كلها. وكانت هذه النسبة أعلى مما كان متوقعاً لو اتخذت كل شركة قرارها بصورة مستقلة. ويعني ذلك أن المرشح الذي لا يناسب النمط الذي يفضله أحد النماذج قد يواجه الرفض مراراً لدى مؤسسات مختلفة، حتى عندما تتنوع الوظائف والشركات.

حللت الدراسة أكثر من 4.1 مليون طلب توظيف قُدمت إلى 1746 وظيفة لدى 156 جهة عمل (غيتي)

التقديم الواسع قد لا يحل المشكلة

استخدم الباحثون قابلية الخوارزميات لتكرار النتائج لمحاكاة ما قد يحدث لو تقدم المرشحون إلى عدد أكبر من الوظائف. وأظهرت المحاكاة أن كل متقدم تقريباً يمكن أن يحصل على توصية في وظيفة واحدة على الأقل إذا تقدم إلى جميع الوظائف المتاحة. لكن هذا السيناريو غير واقعي، لأن المتقدم لا يستطيع إرسال طلبات إلى مئات الوظائف. وحسب الدراسة، يحتاج الشخص إلى التقدم إلى نحو 25 وظيفة لتقليل احتمال الرفض الشامل إلى أقل من 0.1 في المائة، مقارنة بعشر وظائف فقط إذا كانت القرارات مستقلة تماماً.

التدقيق على مستوى كل وظيفة

وتوضح النتائج أن قياس العدالة على مستوى ملايين الطلبات مجتمعة قد يخفي تفاوتات مهمة في وظائف بعينها. لذلك يدعو الباحثون إلى تحليل النتائج بصورة مفصلة حسب الوظيفة والمجموعة، بدلاً من الاعتماد على متوسط عام يعطي انطباعاً بالحياد. كما يطالبون بمزيد من الشفافية وإتاحة البيانات للباحثين المستقلين، لأن معظم أنظمة التوظيف تعمل داخل بيئات مغلقة يصعب فحصها.

ولا تثبت الدراسة أن جميع أدوات التوظيف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي متحيزة، لكنها تشير إلى أن استخدام الخوارزمية على نطاق واسع لا يضمن العدالة تلقائياً، وأن نظاماً واحداً قد يؤثر في فرص آلاف المتقدمين عبر شركات متعددة من دون أن يظهر ذلك بوضوح في التقارير الإجمالية.


مقالات ذات صلة

تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

تكنولوجيا الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)

تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

يحذر باحثون من أن التفاعل المستمر مع الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل العلاقات البشرية ويزيد العزلة والاعتماد العاطفي مع الوقت.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لن يؤثر القرار في الألعاب الصادرة على أقراص قبل 2028 وستظل قابلة للبيع والتشغيل (أدوبي)

«سوني» تنهي أقراص الألعاب الجديدة في 2028... و«بلايستيشن» رقمياً بالكامل

توقف «سوني» إنتاج أقراص ألعاب «بلايستيشن» الجديدة في 2028 منهيةً التوزيع المادي وموسّعةً الاعتماد على التنزيلات الرقمية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة لإشراف الأهل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا بدءاً من 2 يوليو 2026 (رويترز)

خاص «يوتيوب» تطلق حسابات أطفال خاضعة للإشراف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة للإشراف تمنح الأهل تحكماً بالمحتوى والوقت مع حماية متدرجة تشجع التعلم والاستكشاف الآمن رقمياً للأطفال.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

أكثر من نصف مستخدمي الإنترنت يواجهون احتيالاً رقمياً خلال عام واحد

يكشف استطلاع عالمي عن اتساع الاحتيال الرقمي مع استخدام البيانات المسروقة والذكاء الاصطناعي لصناعة هجمات أكثر تخصيصاً وإقناعاً عبر الإنترنت.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تستخدم الدراجة الذكية التعلم الآلي للتمييز بين الانعطاف المقصود والحركة غير المستقرة التي قد تسبق السقوط (الجامعة)

دراجة هوائية تميّز بين الانعطاف وفقدان التوازن بفضل التعلم الآلي

تستخدم دراجة ذكية التعلم الآلي لتمييز الانعطاف الطبيعي عن فقدان التوازن، وتتدخل تلقائياً للمساعدة فقط عند رصد عدم الاستقرار.

نسيم رمضان (لندن)

«غوغل» تعطل شبكة مرتبطة بإسرائيل تستخدم لنشر برمجيات خبيثة

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

«غوغل» تعطل شبكة مرتبطة بإسرائيل تستخدم لنشر برمجيات خبيثة

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

قالت ‌شركة «غوغل»، التابعة لمجموعة «ألفابت»، الخميس، إنها أضعفت شبكة كبيرة من الأجهزة المتصلة بالإنترنت كانت ​تستخدم لإخفاء الأنشطة الإلكترونية الخبيثة وتوجيهها.

وأوضحت شركة التكنولوجيا العملاقة أنها اتخذت إجراءات ضد الشبكة الوسيطة المنزلية التابعة لشركة «نت نات»، المعروفة أيضاً باسم «بوبا»، وذلك بالتعاون مع مكتب التحقيقات الاتحادي وشركة «لومن تكنولوجيز»، وجهات أخرى.

وأوضحت «غوغل» أنها عطلت الحسابات والخدمات المستخدمة في عمليات ‌القيادة والتحكم ‌الخاصة بالبرامج الخبيثة ​المرتبطة ‌بشبكة «نت نات»، وقدمت ​أيضاً المعلومات التقنية المتعلقة بالبنية التحتية للمجموعة لأجهزة إنفاذ القانون وشركاء القطاع لدعم جهود إنفاذ القانون الأشمل.

وتتيح الشبكات الوسيطة المنزلية للمستخدمين توجيه حركة الإنترنت عبر عناوين بروتوكول إنترنت (آي بي) تعود لمستهلكين عاديين، مما قد يُخفي مصدر النشاط الإلكتروني ويُساعد على تجاوز وسائل الحماية ‌الأمنية. ويمكن ‌استخدام هذه الشبكات لأغراض مشروعة، غير ​أنها كثيراً ما ‌تُستغل في الجرائم الإلكترونية؛ لأنها تحجب المصدر ‌الحقيقي لحركة البيانات.

وقالت «غوغل» في مدونتها: «نعتقد أن إجراءاتنا المنسقة تسببت في إضعاف كبير ملحوظ للشبكة الوسيطة الخاصة بـ(نت نات) وعملياتها التجارية؛ إذ ‌أسهمت في تقليص مجموعة الأجهزة المتاحة للشركة المشغلة للشبكة الوسيطة بملايين الوحدات».

وتأسست شركة «نت نات» عام 2017 بوصفها شركة تابعة لشركة «ألاروم تكنولوجيز»، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في الأمن الإلكتروني.

وأبلغت الشركة وكالة «رويترز» بأن «ألاروم» و«نت نات» أبلغتا، يوم الخميس، بمصادرة مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) بعض نطاقاتهما. وأضافت الشركة: «تأخذ شركة (ألاروم) هذا الأمر على محمل الجد وستتعاون بشكل كامل مع جهات إنفاذ القانون لضمان التحقيق الشامل في ​أي إساءة استخدام ​لبنيتها التحتية ومحاسبة المسؤولين عن ذلك».


البنك الدولي: السعودية تعد أنموذجاً عالمياً للابتكار في التعليم بالذكاء الاصطناعي

تجربة السعودية تجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية (مركز التعليم الإلكتروني)
تجربة السعودية تجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية (مركز التعليم الإلكتروني)
TT

البنك الدولي: السعودية تعد أنموذجاً عالمياً للابتكار في التعليم بالذكاء الاصطناعي

تجربة السعودية تجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية (مركز التعليم الإلكتروني)
تجربة السعودية تجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية (مركز التعليم الإلكتروني)

وثّق البنك الدولي تجربة السعودية في توظيف الذكاء الاصطناعي بالقطاع التعليمي، مؤكداً أن مبادرتها ذات الصلة تمثل نموذجاً وطنياً رائداً يُمكِن للدول والأنظمة التعليمية الاستفادة منه في تطوير الابتكار المسؤول، وتعزيز جودة التعليم الرقمي.

جاء ذلك في دراسة أصدرها البنك حول «البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي في السعودية: قيادة الأثر الاجتماعي والاقتصادي من خلال الابتكار في الذكاء الاصطناعي في التعليم»، استعرضت تجربة المملكة بوصفها نموذجاً متكاملاً يجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية يقودها المركز الوطني للتعليم الإلكتروني.

وأكّدت الدراسة أن «مبادرة البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي (AI SandboX)» تسهم في دعم جودته، وتنمية القدرات البشرية، وتعزيز جاهزية القوى الوطنية، وتمكين المؤسسات والمبتكرين من تطوير واختبار حلول الذكاء الاصطناعي في بيئات تعليمية واقعية وآمنة، بما يواكب مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، ويعظم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للابتكار في القطاع.

ولفتت الدراسة إلى أن التجربة السعودية تتجاوز مفهوم اختبار التقنيات، لتوفر بيئة تدعم إنتاج المعرفة المبنية على الأدلة، وتعزز الشراكات، وتسرّع تبني الابتكار المسؤول، بما يسهم في بناء منظومة مستدامة للذكاء الاصطناعي في التعليم. وخلصت الدراسة إلى أنها أرست أساساً قوياً يمكن البناء عليه، بما يؤهلها لتكون مرجعاً إقليمياً ودولياً في الابتكار المسؤول القائم على الأدلة.

يُشار إلى أن البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي (AI SandboX» التي يقودها المركز، تُنفّذ ضمن منظومة وطنية متكاملة وبالشراكة مع عدة جهات حكومية، ومن أبرزها: وزارات «التعليم، الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، الاستثمار»، وهيئات «تنمية البحث والتطوير والابتكار، البيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، الحكومة الرقمية».

وأسهم هذا التكامل بين الجهات في مواءمة المبادرة مع الأولويات الوطنية في التعليم والمهارات والابتكار والتحول الرقمي، وتمكين الجهات والمبتكرين من تطوير حلول الذكاء الاصطناعي واختبارها في بيئات تعليمية واقعية وآمنة، بما يعزّز حضور السعودية بوصفها نموذجاً دولياً في الابتكار المسؤول في التعليم.


تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)
الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)
TT

تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)
الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)

تخطت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد كونها أدوات للبحث أو كتابة النصوص بل باتت تأخذ طابعاً شخصياً ومتكرراً، ما يطرح أسئلة تتجاوز جودة الإجابات إلى أثر هذه العلاقات في سلوك الإنسان وصلاته الاجتماعية.

يدعو باحثون من جامعات نورث إيسترن لندن وكينغز كوليدج لندن إلى دراسة تفاعلات الإنسان مع الذكاء الاصطناعي بوصفها ظاهرة اجتماعية ممتدة، لا مجرد حوار منفصل بين مستخدم ونظام آلي. فالعمل لا يعرض تجربة سريرية جديدة، بل يقدم إطاراً لفهم كيفية انتقال العادات والمشاعر والتوقعات المكتسبة من روبوتات المحادثة إلى العلاقات مع الأصدقاء والعائلة والزملاء.

تفاعل يتجاوز الشاشة

تختلف النماذج اللغوية عن وسائل الإعلام الرقمية التقليدية لأنها لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تستجيب للمستخدم وتتكيف مع أسئلته وتحاكي التعاطف وتوفر تجربة تبدو شخصية ومتبادلة.

ويرى الباحثون أن تكرار هذا النوع من التفاعل قد يؤثر في الطريقة التي يتحدث بها الإنسان، وفي توقعاته من الآخرين، وكيفية إدارته للخلاف أو طلبه للدعم. وقد تنتقل أنماط التواصل التي تتشكل مع النظام الآلي إلى المحادثات مع الشريك أو الصديق أو الطالب أو العميل.

وقالت أندريا صوفيا تيكسيرا، الأستاذة المشاركة في جامعة نورث إيسترن لندن، إن المشكلة «تتعلق بدرجة أقل بأداء الذكاء الاصطناعي، وبدرجة أكبر بأثر هذه التفاعلات المستمرة فينا، وكيف يمكن أن تؤثر بمرور الوقت في المجتمع كله».

قد تتحول النماذج التي تجاري المستخدم وتؤكد أفكاره إلى «غرفة صدى» تزيد العزلة والاعتماد العاطفي (غيتي)

«غرفة صدى» لشخص واحد

من المخاطر التي يطرحها الباحثون ميل بعض النماذج إلى مجاراة المستخدم وتأكيد أفكاره، حتى عندما تكون رؤيته غير دقيقة أو تحتاج إلى مراجعة. وقد تجعل هذه الخاصية المحادثة أكثر راحة، لكنها قد تقلل تعرض الإنسان لآراء مختلفة أو اعتراضات حقيقية.

وتصف تيكسيرا هذا الوضع بأنه «غرفة صدى لشخص واحد»، حيث يعيد النظام إلى المستخدم أفكاره وحالته العاطفية في صيغة تبدو داعمة ومقنعة. ومع تخصيص المحادثات واستمرارها، قد ينشأ اعتماد عاطفي يجعل الفرد أكثر ميلاً إلى العودة إلى النظام بدلاً من التواصل مع أشخاص آخرين.

وقالت إن عدم الانتباه إلى طبيعة العلاقة مع الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى مزيد من العزلة وتقليل التفاعل البشري. وتزداد أهمية هذا الخطر لدى الأطفال أو الأشخاص الذين يعانون القلق أو الاكتئاب، لأنهم قد يحتاجون إلى وجهات نظر خارجية تكسر دائرة الأفكار المتكررة، بدلاً من نظام يعكسها باستمرار.

الاحتكاك البشري ليس عيباً

توفر المحادثة مع الذكاء الاصطناعي استجابة سريعة ومنظمة، ولا تحمل عادة التعقيدات نفسها الموجودة في العلاقات البشرية. لكن الباحثين يشيرون إلى أن الاختلاف وسوء الفهم والتفاوض ليست جوانب يمكن حذفها من العلاقات من دون أثر.

وذكرت تيكسيرا أن الإنسان يطور المرونة من خلال «الاحتكاك»، إذ يتعلم التكيف ومواجهة التحديات والخلافات عندما تظهر. وإذا اعتاد المستخدم طرفاً يتجاوب معه باستمرار ويعيد صياغة الإجابات وفق رغباته، فقد تتغير توقعاته من العلاقات التي لا تعمل بالطريقة نفسها.

ويحذر الباحثون من تفويض أجزاء متزايدة من اتخاذ القرار إلى النماذج اللغوية. فطلب النصيحة في العلاقات أو العمل أو الحياة اليومية قد يتحول تدريجياً من استخدام مساعد إلى الاعتماد على نظام لا يفهم التجربة الإنسانية بالطريقة التي يوحي بها أسلوبه اللغوي.

الدراسة تبحث أثر هذه العلاقات على الأسر والعمل والمجتمع لا الاكتفاء بقياس تأثيرها على المستخدم منفرداً (رويترز)

فوائد محتملة لا تلغي المخاطر

لا يدعو الباحثون إلى رفض روبوتات المحادثة لأنها توسع الوصول إلى المعلومات، وتقدم أشكالاً أولية من المساندة. كما أنها تساعد غير الناطقين بالإنجليزية في التواصل، وتمنح بعض المستخدمين مساحة لتنظيم أفكارهم. لكن تيكسيرا ترى أن الأنظمة لا تزال بعيدة عن مستوى الأمان المطلوب لأداء أدوار حساسة على نطاق واسع، خصوصاً عندما تقدم نفسها بطريقة قد تدفع المستخدم إلى التعامل معها كمعالج أو صديق أو شريك موثوق.

يدعو المؤلفون إلى تعاون بين باحثي الذكاء الاصطناعي وعلماء النفس والاجتماع والإدراك وعلوم الشبكات.