أحجار الدومينو تتساقط أمام إعصار انقلابات أفريقيا

فشل داخلي للأنظمة الحاكمة وصراع دولي محتدم

متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
TT

أحجار الدومينو تتساقط أمام إعصار انقلابات أفريقيا

متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)

استيقظ العالم، فجر الأربعاء، على انقلاب جديد في دولة الغابون، بعد ساعات من إعلان نتائج رئاسية منحت الرئيس علي بونغو الفوز بولاية رئاسية ثالثة، وأثارت جدلاً واسعاً في البلد الأفريقي الغني بالنفط والغاز الذي تحكمه منذ أكثر من نصف قرن عائلة واحدة. ولكن الانقلاب، رغم الخصوصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للغابون، جاء ليؤكد أن «إعصار الانقلابات» بدأ يتحرك من غرب القارة نحو وسطها، في طريقه لأن يجتاح مناطق جديدة من قارة لم تعرف الاستقرار منذ نهاية حقبة الاستعمار الغربي.

أزمات حكم

يمكن القول إن هذا الإعصار بدأ من دولة مالي حين استحوذ عسكريون على الحكم في شهر أغسطس (آب) من عام 2020، ثم عاد نفس العسكريين ليقودوا انقلاباً ثانياً عام 2021 أطاحوا فيه بالرئيس الانتقالي المدني، ليتكرر نفس السيناريو في دولة غينيا شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2021، ثم في بوركينا فاسو التي عاشت انقلابها الأول في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2022، ثم انقلابها الثاني في شهر سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، وأخيراً جاء الدور على النيجر حين تحرك عسكريون للإطاحة بالرئيس محمد بازوم نهاية شهر يوليو (تموز) 2023، وذلك بعد محاولة انقلابية فاشلة عام 2021.

كل هذه الدول تقع في غرب القارة الأفريقية، وتعاني في أغلبها من أزمات بنيوية في الحكم، تفاقمت أكثر بسبب تصاعد خطر الإرهاب خلال العقد الماضي، فيما كان جميع الانقلابيين يبررون تحركهم بالأوضاع الأمنية المتردية، إلا أن الانقلاب الذي وقعَ في الغابون يشكلُ توسعاً لدائرة إعصار تغيير الأنظمة بالقوة نحو وسط القارة الأفريقية، حين وصل إلى دولة صغيرة وغنية، ويتمتع سكانها بمستوى معين من الرفاهية بالمقارنة مع سابقاتها؛ فما البذور الحقيقية لإعصار الانقلابات؟

عوامل متعددة

عند سؤال عبد الصمد امبارك، وهو رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، عن أسباب تسارع وتيرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال السنوات الثلاث الماضية، قال إن هذه الانقلابات بما فيها انقلاب الغابون «تدخل في سياق مسار الانقلابات العسكرية في أفريقيا منذ فترة ما بعد الاستقلال، نتيجة لعدة عوامل، في مقدمتها سوء الحكامة السياسية وتفشي ظواهر الفساد المالي والإداري التي تنخر بنية الدول الأفريقية».

وأضاف امبارك في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انقلاب الغابون يكشف أسباباً أخرى لموجة الانقلابات، من أبرزها «ظروف الحكم الجاثم على الشعوب الأفريقية، وما ولَّده من توريث سياسي عبر سيطرة عائلات لفترات طويلة على الحكم دون وجه حق، سوى الهيمنة والاحتكار للمجال السياسي لأزيد من 56 سنة»، وذلك في إشارة إلى عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ 1967.

احتقان شعبي

أوضح امبارك أن الهيمنة على الحكم في الدول الأفريقية «جعلت الشعوب متعطشة للحرية، وللمشاركة في تدبير شؤون الحكم، وبالتالي المساهمة في عملية التنمية المفقودة أصلاً بفعل هيمنة نخب محدودة»، وذلك ما يفسر الهبة الشعبية وراء كل انقلاب عسكري، يرفع فيها المواطنون صور قادة الانقلاب، ويمزقون صور الرئيس المطاح به. المشاهد ذاتها تكررت في هذه الدول، وهي تؤكد مستوى الاحتقان الشعبي.

ولكن الأستاذ بجامعة نواكشوط رئيس مركز «الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، أكد أن الاحتقان الشعبي هو الذي «يفسح المجال للجيش بوصفه المؤسسة المنتظمة الوحيدة القادرة على فرض التغيير في الدول الأفريقية، وتحقيق التجديد الذي أصبح مطلباً شعبياً متنامياً في البلدان الأفريقية، نتيجة ما وصلت إليه من احتقان سياسي، ومن أبواب موصدة استعصت على تحريك العملية السياسية بصفة دستورية تضمن النظام الديمقراطي حديث العهد في هذه البلدان».

وهكذا يصبح تدخل الجيش الوسيلة الوحيدة لتحقيق التغيير في البلدان الأفريقية، بعد أن فشلت الآليات الديمقراطية في تحقيق ذلك، ما جعل كثيراً من الشعوب الأفريقية تفقد الثقة في الانتخابات وفي قدرتها على تحقيق التناوب السلمي. وهنا يشير عبد الصمد امبارك إلى أن «النظام الديمقراطي لم يستطع النمو في مناخ غير مواتٍ لفرض القيم الديمقراطية والتعايش المشترك في كنف الأمن والاستقرار السياسي الذي تحتاج إليه القارة السمراء».

وخلص امبارك إلى أنه على الدول الأفريقية أن تتعامل مع «متغيرات أصبحت تفرض نفسها، وتجتاح المنتظم الأفريقي منذ بعض الوقت، ولا مناص من التعامل معها بفعل الأمر الواقع».

صراع دولي

لا يمكن عزل موجة الانقلابات التي تجتاح الدول الأفريقية منذ سنوات، عن الأوضاع الدولية المضطربة، ولا عن الصراع الدولي المحتدم على النفوذ في أفريقيا، وهو صراع لم يعد سراً ولا خافياً على أحد، ما بين دول الغرب من جهة، وهي صاحبة النفوذ التقليدي في أفريقيا، خصوصاً فرنسا والولايات المتحدة. وفي الجهة المقابلة، نجد القوى الصاعدة المتمثلة في الصين وروسيا، التي حققت مكاسب كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت دائرة نفوذها تتسع بشكل لافت، وكانت الانقلابات العسكرية العامل الحاسم في ذلك التوسع.

مظاهرة نسائية خارج القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (إ.ب.أ)

على سبيل المثال، مالي وبوركينا فاسو توجَّهتا نحو عقد شراكة استراتيجية مع روسيا على حساب الغرب، بينما قطعت النيجر خطوات في الاتجاه ذاته. وتسعى هذه الدول إلى الحصول على أسلحة روسية أصبحت مطلوبة في الأسواق الأفريقية، علماً بأن السلاح الروسي يأتي لهذه الدول دون أن يكون مُرفَقاً بأي شروط مسبقة، على غرار الاستثمارات والقروض التي تُعد سلاح الصين للتغلغل في القارة السمراء.

في هذا السياق، رفض امبارك أن تختزل هذه الانقلابات في الصراع الدولي. وقال إن «العوامل الداخلية لهذه البلدان المحرك الأساسي لعملية التغيير غير الدستوري؛ فهي في الأصل نتيجة تردي الأوضاع في عمومها، وتراجع الأنظمة عن تعهداتها، وعدم التزامها بمقومات اللعبة الديمقراطية المتمثلة في التناوب السلمي الذي يرفضه النظام العائلي في الغابون على سبيل المثال، من خلال تمسكه بمأمورية رئاسية ثالثة».

ولكن امبارك عاد ليؤكد أن هناك تأثيراً واضحاً لما قال إنه «مناخ دولي يعرف متغيرات عميقة في موازين القوى العالمية، وكذلك الترتيبات الانتقالية في معادلة القطبية الدولية، عبر تباين المواقف والتحالفات المتنوعة والمتجددة التي أصبحت تملي قواعدها على الخريطة السياسية الوليدة».

عدوى الانقلابات

بعضُ المراقبين وصف الأنظمة الحاكمة في أفريقيا بأحجار الدومينو التي بدأت تتساقط واحداً تلو الآخر، فإن اختلفت بعض التفاصيل تبقى الصورة العامة متشابهة جداً. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان حقبة سبعينات القرن الماضي، حين كان العالم يعيش أجواء الحرب الباردة، وكانت أفريقيا تعيش موجة انقلابات بالكاد سلم منها أي بلد، واستمرت حتى مطلع التسعينات.

هنا قال عبد الصمد امبارك: «يبدو أن رياح التغيير تجتاح المنتظم الأفريقي نتيجة تعثر العملية السياسية وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عموم هذه البلدان، زيادة على عجز القيادات في فرض الإصلاحات الضرورية لتنمية البلدان الأفريقية التي تعاني تحديات أمنية وتنموية متعددة».

دول أفريقية أخرى أصبحت في دائرة الإعصار؛ فالأنظمة التي تحكمها هشة ومتقادمة، وليس من المستغرب أن تكون هي أحجار الدومينو التي ستسقط. من هذه الدول الكاميرون المجاورة للغابون، التي يحكمها بول بيا منذ 1982، وهو البالغ من العمر 90 عاماً، وقد أصبح حكمه مترهلاً، ويواجه كثيراً من الأزمات، ثم غينيا الاستوائية المجاورة أيضاً للغابون، التي يحكمها تيودور أوبيانغ نغويما منذ 1979، وهو البالغ من العمر 81 عاماً.

سيناريو غرب أفريقيا

ويبقى مستقبل أنظمة هذه الدول الهشة في وسط أفريقيا مرتبطاً بمستقبل الانقلاب في الغابون، كما حدث في غرب أفريقيا حين انتقلت عدوى الانقلاب من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين لها؛ فهل يتكرر سيناريو غرب أفريقيا في وسطها؟ أم أن المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (إيكاس)، ستكون أكثر حزماً من نظيرتها في غرب أفريقيا (إيكواس)، التي حتى الآن لم تنجح في كبح جماح العسكريين المتعطشين للحكم.

دورية لرجال الشرطة النيجرية خارج مقر السفارة الفرنسية بنيامي (أ.ف.ب)

المفارقة أن الغابون عاصمة المنظمة الإقليمية (إيكاس)؛ فمقرها المركزي يوجد في العاصمة ليبريفيل، وذلك ما دفع عبد الصمد امبارك إلى القول إن «التعامل مع انقلاب الغابون لن يخرج عن سياق ودلالات التغييرات التي عرفتها القارة الأفريقية، والتي تخضع لخصوصيات هذه البلدان، لا سيما أن الغابون توجد على رأس منظمة دول وسط أفريقيا، وهي تجمع إقليمي منوط أصلاً بالتنمية الاقتصادية والتعاون متعدد الأطراف وتحقيق الاندماج الإقليمي، دون أن تكون هذه المنظمة مؤهلة لخطط الدفاع المشترك».

وخلص رئيس مركز «الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» إلى أن المنظمة الإقليمية «عاجزة عن مواجهة التغييرات غير الدستورية بفاعلية أكثر من الإدانة والرفض المبدئي، نتيجة تعارض التغيير العسكري مع بروتوكول مجلس الأمن والسلم الأفريقي من جهة، وتعارضه كذلك مع ميثاق الاتحاد الأفريقي».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: «بوكو حرام» تتكبد خسائر فادحة في عملية للجيش

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
TT

نيجيريا: «بوكو حرام» تتكبد خسائر فادحة في عملية للجيش

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

نجح الجيش النيجيري في القضاء على أحد الفصائل التابعة لجماعة «بوكو حرام»، وكبّده خسائر فادحة خلال عملية عسكرية، الثلاثاء، وذلك بالتزامن مع تصاعد وتيرة العنف في البلد الواقع في غرب أفريقيا، ووصول قوات أميركية لمساندته في مواجهة الإرهاب.

وأفادت تقارير بأن عناصر يُشتبه في انتمائهم إلى جماعة «بوكو حرام»، من فصيل «صديقي»، نسبة إلى أحد أشهر زعماء الجماعة الإرهابية الموالية لتنظيم «القاعدة»، تكبّدوا «خسائر فادحة» عقب اشتباك عنيف مع وحدة من الجيش النيجيري.

وبحسب هذه التقارير، فإن وحدة من الجيش النيجيري نفّذت كميناً للمُسلّحين على محور لوما - بانانا في منطقة بورغو بولاية النيجر، شمال غربي نيجيريا، وأضافت المصادر نفسها أن الكمين انتهى بمصرع عدد من المقاتلين.

كمين مفاجئ

وأوضحت المصادر أن الكمين بدأ في الساعات الأولى من الصباح، حين داهمت قوات الجيش، استناداً إلى معلومات استخباراتية، مخبأ المسلحين في إحدى الغابات النائية، وبحسب المصادر الأمنية: «فوجئ الإرهابيون بعدما طوقت القوات الأمنية المنطقة وفتحت النار».

واندلع اشتباك عنيف وتبادل لإطلاق النار استمر لعدة ساعات، حيث جرى تحييد عدد كبير من عناصر «بوكو حرام»، فيما فرّ آخرون إلى الأحراش المجاورة وهم مصابون. كما تمّ ضبط أسلحة وذخائر في موقع الاشتباك.

ووصف مسؤولون أمنيون العملية بأنها اختراق كبير في مسار مكافحة الإرهاب، مشيدين بما أبدته القوات من «شجاعة ومهنية خلال المواجهة»، وسط تصعيد الجيش لعملياته العسكرية ضد الإرهاب، ومحاولة خنق الجماعات الإرهابية في مخابئها.

الفصيل الدموي

وبحسب المعلومات المتوفرة عن الفصيل التابع لجماعة «بوكو حرام»، فإنه هو المسؤول عن تنفيذ هجوم مسلح دموي في يناير (كانون الثاني) الماضي، استهدف قرية «كاسووان داجي» في ولاية النيجر، حيث قُتل ما لا يقل عن 35 شخصاً، واختُطف العشرات من المدنيين، أغلبهم نساء وأطفال.

وقالت مصادر أمنية آنذاك إن المهاجمين أضرموا النار في عدد كبير من المنازل، بما في ذلك سوق القرية، قبل مغادرتهم. وأضاف أحد السكان القاطنين على بعد أربعة كيلومترات من الموقع: «لا يمكننا حصر عدد المنازل التي أُحرقت الآن، لكنني شخصياً أحصيت 35 جثة».

وأظهر مقطع فيديو أعقب الهجوم أن العديد من الضحايا قُتلوا ذبحاً وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فيما أُعدم آخرون بإطلاق النار في الرأس، بحسب مصادر محلية. وذكرت المعلومات أن جميع القتلى من الذكور، وتتراوح أعمارهم بين 12 و70 عاماً.

ويحمل هذا النمط من العمليات توقيع «بوكو حرام» التي تعتمد على إثارة الرعب في أوساط السكان المحليين، واعتماد سياسة الأرض المحروقة، وهو ما تبناه فصيل «صديقي» الذي ينشط بالغالب في ولاية النيجر. وسبق أن نفّذ الفصيل الإرهابي عدة عمليات خلال الأشهر الأخيرة في مناطق بورغو وشيرورو وأغوارا.

ومن أشهر عمليات الفصيل، اختطاف أكثر من 200 تلميذ ومعلم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من مدرستي «سانت ماري» الابتدائية والثانوية الكاثوليكيتين في بابيري.

وبعد عملية الاختطاف، قرّرت السلطات في نيجيريا إغلاق المدارس مؤقتاً كإجراء احترازي، قبل أن يتمّ تحرير المختطفين لاحقاً على مراحل، فيما عادت المدارس تدريجياً إلى العمل رغم المخاوف الكبيرة من الهجمات الإرهابية.

وفي السياق ذاته، أعلنت السلطات النيجيرية حالة «طوارئ وطنية» في البلاد، من أجل مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، والحد من عمليات الخطف الجماعي.


الغابون تحجب وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»

لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
TT

الغابون تحجب وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»

لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)

أعلنت هيئة تنظيم الإعلام في الغابون، الثلاثاء، حجب منصات وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»، ملقية باللوم على المحتوى الذي تنشره الشبكات الاجتماعية في تأجيج الانقسامات داخل المجتمع.

وقال المتحدث باسم السلطة العليا للاتصالات، جان كلود ميندوم، في بيان متلفز، إن السلطة قررت فرض «تعليق فوري لمنصات التواصل الاجتماعي في الغابون».

أضاف أن «المحتوى غير اللائق والتشهيري والكريه والمهين يقوض الكرامة الإنسانية والأخلاق العامة وشرف المواطنين والتماسك الاجتماعي واستقرار مؤسسات الجمهورية والأمن القومي».

كما أشار المتحدث إلى «انتشار المعلومات المضللة والتنمر الإلكتروني والكشف غير المصرح به عن البيانات الشخصية» بكونها من الاسباب وراء اتخاذ هذا القرار.

وتابع «من المرجح أن تؤدي هذه الأفعال، في حالة الغابون، إلى إثارة نزاعات اجتماعية وزعزعة استقرار مؤسسات الجمهورية وتعريض الوحدة الوطنية والتقدم الديموقراطي والمكتسبات للخطر الشديد».

ولم تحدد سلطة الاتصالات أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر.

ومع ذلك، أكدت الهيئة التنظيمية أن «حرية التعبير، بما فيها حرية التعليق والنقد»، لا تزال «حقا أساسيا مكفولا في الغابون».

وبعد أقل من عام على انتخابه، يواجه الرئيس الغابوني بريس أوليغي نغويما أول موجة من الاضطرابات الاجتماعية، مع اضراب معلمي المدارس وتهديد قطاعات أخرى بالتوقف عن العمل.

وبدأ المعلمون إضرابهم في ديسمبر (كانون الأول) للمطالبة بتحسين الأجور، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى قطاعات أخرى كالصحة والتعليم العالي والإعلام.


نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)

أعلن الجيش النيجيري أن نحو مائة عسكري أميركي مع معداتهم وصلوا إلى نيجيريا؛ بهدف دعم وتدريب وتعزيز قدرات القوات المسلحة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، ويواجه تحديات أمنية متزايدة، تتصدرها مخاطر تنظيمَي «داعش» و«بوكو حرام».

وأكد الجيش في بيان أن «المدربين» الأميركيين وصلوا إلى مطار باوتشي، وهي مدينة تقع على بعد 400 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من العاصمة أبوجا، وتعدّ ضمن الشمال الأوسط، ولكنها أيضاً تبعد قرابة 430 كيلومتراً من مدينة مايدوغوري، في أقصى الشمال الشرقي، وهي عاصمة ولاية بورنو، معقل تنظيم «داعش».

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

وأوضح الجيش أن وصول القوات الأميركية يأتي في إطار «اتفاق تعاون دفاعي ثنائي بين نيجيريا والولايات المتحدة، عقب طلب رسمي من الحكومة الفيدرالية النيجيرية»، مشيراً إلى أن نشر هذه القوات تم بالاتفاق خلال مجموعة عمل مشتركة بين البلدين؛ وذلك من أجل «تلبية احتياجات محددة تتعلق بالتدريب والدعم التقني وتبادل المعلومات الاستخباراتية».

لن تُقاتل... مهام استشارية وتدريبية

وحول طبيعة القوات الأميركية التي وصلت إلى نيجيريا، قال الجيش إنهم «من المتخصصين التقنيين الذين يضطلعون حصرياً بمهام استشارية وتدريبية، ولن يشاركوا في عمليات قتالية»، وأكد الجيش في السياق ذاته أن «جميع أنشطة التدريب ستُنفذ تحت سلطة وإشراف وسيطرة الحكومة النيجيرية».

بيوت مدمّرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

من جهة أخرى، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، تقريراً قالت فيه إن طائرة عسكرية أميركية حطت في مطار مايدوغوري، مساء الخميس الماضي، على أن تصل طائرات وأفراد إضافيون ضمن ترتيبات نشر تدريجي.

وأشارت الصحيفة إلى أن الموجة الأولى من العسكريين الأميركيين وصلت بالفعل إلى نيجيريا، لافتة إلى رصد مزيد من الطائرات في قاعدة مايدوغوري بحلول مساء الجمعة، مع تفريغ معدات وأفراد.

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

ونقل التقرير عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية أن هذه القوة تشكل جزءاً من انتشار يُقدَّر بنحو 200 محلل استخباراتي ومستشار ومدرب، مكلّفين دعم القوات المسلحة النيجيرية في مجالات التخطيط، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وأدوار مكافحة الإرهاب غير القتالية.

ونُقل عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية وصفه للرحلات بأنها «طليعة سلسلة من رحلات طائرات النقل من طراز (C-17) إلى ثلاثة مواقع رئيسية في أنحاء نيجيريا»؛ ما يشير إلى احتمال استمرار التحركات خلال الأسابيع المقبلة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تصاعد الإرهاب

تزامن وصول القوات الأميركية مع تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق مختلفة من نيجيريا، حيث شنت عناصر من تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» هجوماً عنيفاً على معسكر تابع للجيش في بلدة بولكا، بولاية بورنو، مساء السبت الماضي، استمر نحو ساعة ونصف الساعة، وتخلله إطلاق نار كثيف تردد صداه في أنحاء البلدة، وفق ما أكدت مصادر محلية.

وأعلن الجيش أن قواته تصدت للهجوم وأوقعت خسائر فادحة في صفوف المهاجمين وتمكنت من القضاء على عدد منهم، وأكد الجيش مقتل أحد قيادات التنظيم البارزة ويدعى «أبو عائشة»، وقال المتحدث باسم الجيش: «لم نخسر أي جندي خلال المواجهات، في حين تكبد الإرهابيون خسائر فادحة».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

وعلى صعيد آخر، تعرض خمسة مدنيين للاختطاف على يد عناصر من «داعش» هاجموا سوقاً للسمك في دورو باغا، القريبة من المنطقة نفسها، وقالت مصادر محلية إن «المختطفين اقتيدوا إلى جهة مجهولة؛ ما أثار حالة من الذعر في مجتمع الصيد الذي شهد هجمات متكررة في محيط بحيرة تشاد».

وتشير التقارير إلى مقتل ما لا يقل عن 46 شخصاً واختطاف آخرين في هجمات نفذها مسلحون على دراجات نارية استهدفت ثلاث قرى في مجلس بورغو المحلي بولاية النيجر، المتاخمة لولايتي كوارا وكاتسينا.

وأفاد مصدر إنساني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن أعنف الهجمات وقعت في قرية كونكوسو، حيث قُتل 38 شخصاً على الأقل وأُحرقت منازل. في حين أكد المتحدث باسم شرطة ولاية النيجر، واسو أبيودون، مقتل ستة أشخاص في قرية تونغا-ماكيري وإحراق منازل واختطاف عدد لم يُحدد بعد.

عنصر من قوات الأمن النيجيرية في ولاية كيبي (رويترز)

ردود الفعل

وفي ظل الوضع الأمني الصعب، وتصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية، ومع وصول القوات الأميركية إلى البلاد، ثار جدل واسع، وتباينت ردود الفعل، حيث أشار محلل أمني إلى أنه منذ الضربات الجوية الأميركية قبل قرابة ثلاثة أشهر قُتل أكثر من ألفي شخص في هجمات إرهابية في نيجيريا.

ورأى محللون أن الجماعات الإرهابية تسعى من وراء التصعيد إلى تأكيد حضورها، بل وربما الرغبة في التوسع نحو مناطق وسط البلاد، أشار السيناتور عن كوجي الغربية، صنداي كاريمي، إلى أن تصاعد أعمال العنف قد يكون مرتبطاً بمحاولات لعرقلة الانتخابات الرئاسية عام 2027، عادَّاً أن «جهات معينة» تسعى لجعل البلاد غير قابلة للحكم؛ بهدف تعطيل الاستحقاق الانتخابي.

انتقدت المعارضة الرئيس بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

من جانبه، انتقد حزب «المؤتمر الديمقراطي الأفريقي» المعارض سياسات الرئيس بولا أحمد تينوبو لمواجهة تدهور الوضع الأمني، وقال الحزب إن الرئيس فضَّل المشاركة في مهرجان محلي للصيد «في وقت تشهد فيه البلاد موجة قتل متصاعدة»، أسفرت عن مقتل نحو 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

وطالب الحزب الحكومة الفيدرالية بإطلاق عملية إنقاذ منسقة، وتقديم إحاطة شفافة بشأن أعداد الضحايا، وتعزيز التنسيق الأمني بين الولايات المتضررة، محذراً من أن تنامي جرأة الجماعات المسلحة قد يعكس تآكل الردع وفقدان السيطرة على ممرات استراتيجية تربط شمال البلاد بجنوبها.

وأكد الحزب رفضه دفع الفدى في حالات الخطف الجماعية، عادَّاً أن ذلك يرسخ اقتصاداً إجرامياً قائماً على الاختطاف، داعياً إلى مقاربة أمنية أكثر حزماً وشفافية لاستعادة ثقة المواطنين.