خلاف معبر رفح ... مصر وإسرائيل لترتيبات جديدة أو توتر أعمق

اتهامات متبادَلة بالمسؤولية عن إعاقة تمرير المساعدات

شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
TT

خلاف معبر رفح ... مصر وإسرائيل لترتيبات جديدة أو توتر أعمق

شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)

تقف العلاقات المصرية - الإسرائيلية عند مفترق طرق صعب، مع تصاعد الخلافات، إثر سيطرة تل أبيب على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، ورفض القاهرة التنسيق معها بشأنه.

ويحدد دبلوماسي مصري سابق وخبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»، سيناريوهين لمستقبل العلاقات بين البلدين: الذهاب لترتيبات جديدة في المعبر حال استمرت السيطرة الإسرائيلية، أو «توتر غير مسبوق لا يصل إلى حرب».

تأتي هذه التقديرات في ظل تسارع الخلافات بين مصر وإسرائيل حول معبر رفح الذي يعد ممراً رئيسياً لدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وخروج المصابين، وسط نقص حاد في الغذاء وتدمير شبه كامل للمرافق الصحية بقطاع غزة.

دبابات الجيش الإسرائيلي تدخل الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر 7 مايو (أ.ف.ب)

ومنذ 7 مايو (أيار)، سيطرت إسرائيل على معبر رفح الذي تديره «حماس» منذ 2007 ممثلةً للجانب الفلسطيني، وتوسعت في عملياتها بمدينة رفح الفلسطينية، مما حرَّك ردود فعل سريعة من القاهرة، شملت وقف التنسيق مع تل أبيب حول المعبر، ودعم دعوى جنوب أفريقيا ضد السلطات الإسرائيلية في محكمة العدل الدولية.

والثلاثاء الماضي، اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مصر بإغلاق معبر رفح، قبل أن يعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري، رفض بلاده القاطع لـ«سياسة ليِّ الحقائق والتنصل من المسؤولية التي تتَّبعها تل أبيب»، متهماً إسرائيل بأنها «المسؤولة الوحيدة عن الكارثة الإنسانية في غزة».

إسرائيل تأمل في «تفاهمات»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دخل على خط التوتر، وقال لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية، الأربعاء، إن القاهرة تحتجز سكان غزة «رهينة» لرفضها التعاون مع إسرائيل بشأن معبر رفح، مضيفاً: «نريد أن نراه مفتوحاً، وآمل أن نتمكن من التوصل إلى تفاهم» مع مصر.

في الأثناء، قال المسؤول الرفيع في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، دان دياكهاوس: «نضغط على جميع الأطراف للتوصل إلى نوع من الترتيبات التي يمكن أن تفتح معبر رفح على الفور وتؤدي إلى تدفق المساعدات من مصر».

فلسطينيون بين ملاجئ مؤقتة بعد أن طلب منهم الجيش الإسرائيلي إخلاء مدينة رفح جنوب قطاع غزة الأربعاء (إ.ب.أ)

لكن «رويترز» نقلت، الخميس، عن مصدرين أمنيين مصريين أن القاهرة رفضت اقتراحاً إسرائيلياً طُرح، الأربعاء، يقضي بالتنسيق بين البلدين لإعادة فتح معبر رفح وإدارة عملياته المستقبلية.

رسائل السيسي

والخميس، وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اتهامات مباشرة إلى تل أبيب في كلمته أمام القمة العربية المنعقدة في المنامة، قائلاً: «وجدنا إسرائيل مستمرة في التهرب من مسؤولياتها والمراوغة حول الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، بل والمضي قدماً في عمليتها العسكرية المرفوضة في رفح، فضلاً عن محاولات استخدام معبر رفح من جانبه الفلسطيني لإحكام الحصار على القطاع».

وبلغة واضحة، قال الرئيس المصري: «واهمٌ مَن يتصور أن الحلول الأمنية والعسكرية قادرة على تأمين المصالح أو تحقيق الأمن، ومخطئ من يظن أن سياسة حافة الهاوية يمكن أن تُجدي نفعاً أو تحقق مكاسب».

حزمة أسباب

في محاولة لتفسير الوضعية الحالية في العلاقات بين مصر وإسرائيل، تحدث رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، مع «الشرق الأوسط»، عن «أسباب عدة» وراء التوتر، «تتعلق بإصرار إسرائيل على اجتياح رفح رغم التحذيرات المصرية والدولية، والسيطرة على محور صلاح الدين، وانتهاك الاتفاقيات مع مصر في هذا الشأن بعد الوجود العسكري في تلك المنطقة».

يضاف إلى ذلك، وفق رخا، «رفض مصر شرعنة الوجود الإسرائيلي غير القانوني في معبر رفح، ورفض القاهرة أيضاً استمرار إسرائيل في المراوغة، بشأن إدخال المساعدات لغزة وعدم إتمام اتفاق لوقف إطلاق النار».

لذا، تعني كل المواقف التي اتخذتها القيادة المصرية في الأيام الماضية، أن «القاهرة فاض بها الكيل، وأن كل شيء تريده إسرائيل لن يكون»، على حد تعبير الدبلوماسي المصري السابق.

وعن المستقبل، يتوقع حسن، أن «استمرار الأوضاع في رفح أو المعبر من الجانب الفلسطيني، سيدفع لمعالجة مصرية أو ترتيبات، وقد تنتقل الأزمة بين البلدين من توتر سياسي إلى توتر عسكري لن يصل إلى حرب».

ترتيبات محتملة

اللواء المتقاعد بالجيش المصري ورئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، سمير راغب، يُرجع الخلافات المتصاعدة بين مصر وإسرائيل إلى أن الأخيرة «تريد ألا يكون هناك أي مكون فلسطيني في رفح».

ويوضح: «في اليوم التالي للحرب، مصر تريد أن يحكم الفلسطينيون وصولاً إلى دولة فلسطينية مستقلة، لكن إسرائيل، ونتنياهو تحديداً، تريد العكس تماماً».

ولتوضيح الوضعية الراهنة في علاقات البلدين، زاد راغب: «الخلافات تقوم على رفض مصر إدارة إسرائيل للمعبر، ورفض وجود أي قوات أجنبية تديره مستقبلاً، وهذا جزء مهم من الأزمة، وبالتالي لو استمرت تلك الأوضاع سنسير لترتيبات جديدة بشأن المعابر ورفح واتفاقيات الحدود الأمنية».

قبل أن يستدرك ويقول بلغة حاسمة: «لن تصل الأمور، حال وجود تلك الترتيبات، إلى أبعد من ذلك بين مصر وإسرائيل؛ فلا حرب ولا علاقات ستُقطع».

صورة من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (رويترز)

اللواء السابق بالجيش المصري يقول: «هناك 246 كيلومتراً من الحدود المصرية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعمل بلا مشكلات، والخلاف الآن في 14 كيلومتراً فقط، وهذا سيقودنا إلى ترتيبات جديدة، قد يكون من بينها وجود عناصر أمنية من رام الله أو شركة أمن كوضع انتقالي».


مقالات ذات صلة

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية سيارات إسعاف مصرية تقف أمام معبر رفح من الجانب المصري قبل إعادة إغلاقه (رويترز)

إسرائيل تفتح معبر رفح الأربعاء أمام حركة «محدودة» للأفراد

قالت هيئة تنسيق أعمال ​الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات)، وهي الجهة العسكرية المسؤولة عن الشؤون الإنسانية، إن معبر ‌رفح سيُعاد فتحه يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز) p-circle 05:08

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

خيّمت الصدمة على السلطات الإسرائيلية من أعداد الفلسطينيين الراغبين في العودة لقطاع غزة رغم ما حل به من دمار، بينما نقلت شهادات عن إغرائهم بالأموال للرجوع لمصر

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

في ليبيا، البلد الذي أنهكته الانقسامات والصراعات منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، تعود المجالس الاجتماعية والقبلية إلى واجهة المشهد بوصفها أحد أبرز الأجسام الساعية لملء فراغ الدولة واحتواء الأزمات، وسط جدل متجدد بشأن حدود أدوارها.

وفي هذا السياق، أعلن، في العاصمة طرابلس، الأسبوع الماضي، تأسيس «مجلس اجتماعي» جديد، بمشاركة شخصيات سياسية واجتماعية، من بينها فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق.

وأعاد هذا الإعلان طرح تساؤلات قديمة تتجدد مع كل أزمة، هل ينحصر دور هذه المجالس في لعب دور الوسيط المحلي، أم أنها بديل عن الدولة في ظل الانقسام الحكومي والسياسي؟

أعضاء بالمجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة عقب اجتماع لهم في أبريل (الصفحة الرسمية للمجلس)

ويشدد مستشار «المجلس الأعلى لقبائل وأعيان ليبيا» مفتاح القيلوشي «على أهمية هذه المجالس في رسم حاضر ومستقبل البلاد بوصفها أجساماً أهلية داخل القبائل والمدن»، وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تمارس العمل السياسي المباشر، لكنها تشارك في مؤسسات الدولة عبر أبناء القبائل الذين يتولون مناصب وزارية أو نيابية».

وعدَّ القيلوشي أن «دورالمجلس الوطني يتركز في مؤازرة وحدة الدولة ورفض التدخلات الخارجية».

ومنذ سقوط النظام السابق، برزت المجالس الاجتماعية بوصفها أحد أبرز الفاعلين المحليين في ظل انهيار مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والعسكري والأمني. وتنوعت بين مجالس قبلية تضم شيوخ وأعيان القبائل، وأخرى مدنية ومحلية حملت أسماء مثل «الحكماء» و«الأعيان» و«المصالحة»، قبل أن تتطور إلى تجمعات أوسع تحت عناوين مؤتمرات القبائل والمدن والمجالس الاجتماعية.

الشرق والغرب

وفي شرق ليبيا وغربها، لعبت هذه المجالس أدواراً متفاوتة في الوساطة واحتواء النزاعات وفرض التهدئة، ومن أبرزها مجالس أعيان قبائل العواقير والبراعصة وورفلة والقذاذفة والمقارحة وأولاد سليمان والزنتان، إلى جانب لجان المصالحة بين مصراتة وتاورغاء لمعالجة «ملف النزوح». كما ظهرت مجالس تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو للمطالبة بـ«حقوق الهوية والتمثيل السياسي».

وفي مقابل الدور الذي كان يمثله المكوّن القبلي في عهد القذافي عبر «المُنسقين الاجتماعيين» و«القيادات الشعبية»، يشير القيلوشي إلى أن هذا الدور «أُعيد تشكيله بعد 2011 في إطار المجالس الاجتماعية، التي برزت استجابة لانهيار مؤسسات الدولة، لتتولى مهام الحفاظ على التماسك المجتمعي وإدارة الشأن المحلي في ظل الانقسام والفوضى».

وساق القليوشي مثالاً على ذلك بما شهدته مناطق بشرق وجنوب ليبيا من استقرار نسبي مع إعادة بناء «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، بمشاركة أبناء القبائل، مشيراً إلى «مساهمة القبائل أيضاً في دعم جهود مكافحة الإرهاب ومعالجة بعض الملفات الأمنية والاجتماعية».

ويبرز أن «المجتمع الليبي يتكوّن في غالبيته من قبائل منتشرة في الشرق والغرب والجنوب، إلى جانب مكونات أخرى مثل الأمازيغ والطوارق والتبو»، مؤكداً أن القبيلة مثَّلت «مظلّة اجتماعية» أسهمت في حل النزاعات وضبط الأوضاع عبر الأعراف وشيوخ القبائل بعد غياب مؤسسات الدولة.

أدوات فاعلة

بدوره، وصف الأكاديمي الليبي فرج جبيل هذه المجالس بأنها «أدوات فاعلة في إدارة الشأن العام»؛ لما تتمتع به من مرونة وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون قيود رسمية، ما مكّنها، وفق قوله، من لعب أدوار في الإصلاح الاجتماعي والتأثير في بعض المسارات السياسية.

وجاء الإعلان عن «المجلس الاجتماعي طرابلس» بالتزامن مع تحركات مُشابهة، إذ شرَعَت قبيلة «العلاونة» بالعاصمة في إعادة تنظيم مجلسها الاجتماعي، في حين ظهرت دعوات لإحياء مجلس مماثل في بلدية الأصابعة غرب البلاد.

لكن هذا الحراك لم يمرَّ دون انتقادات عبر صفحات التواصل الاجتماعي، إذ عَدَّ وكيل نقابة المحامين السابق في بنغازي محمد العلاقي أن تنامي دور هذه المجالس يمثل مؤشراً على ما وصفه بـ«بدونة الدولة»، قائلاً إن «الليبيين كان يُفترض أن يتجهوا نحو الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بدلاً من إعادة إنتاج الأُطر القبلية والاجتماعية».

اجتماع لقيادات بالمجلس الاجتماعي لقبيلة أولاد سليمان في الجنوب الليبي أبريل الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

وناقش المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة، خلال أبريل (نسيان) الماضي، تأسيس صندوق لدعم مرضى الأورام من أبناء القبيلة، في حين انخرط المجلس الاجتماعي لقبيلة «أولاد سليمان» في مراسم صلح وعفو مع إحدى عائلات قبيلة «الماجر» في الجنوب الليبي.

هياكل شكلية

ومع ذلك، يرى الكاتب الصحافي الليبي ناصر سعيد أن كثيراً من هذه الكيانات «فقدت تأثيرها وتحولت إلى هياكل شكلية تقتصر على إصدار البيانات دون حضور فعلي على الأرض»، وهو ما عزاه إلى «الصراع على الزعامة وظهور تجمعات قبلية متباينة المواقف بين قضايا التهميش والدعوات الانفصالية والسجالات السياسية».

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه المجالس افتقرت منذ تأسيسها إلى مشروع وطني موحد وآليات ديمقراطية واضحة، وانشغلت بالمطالب المحلية والمحاصصة داخل مؤسسات الدولة»، مشيراً إلى «تحول بعضها إلى أدوات تستخدمها أطراف سياسية ومجموعات مسلّحة، ما أضعف استقلاليتها ومصداقيتها لدى قطاعات من الليبيين».

ورغم الانتقادات، يرى مراقبون أن المجالس الاجتماعية «تحتفظ بثقل محلي رمزي واجتماعي في عدد من المناطق، لكن تأثيرها المستقبلي مرهون بتجاوز الانقسامات والاستقطابات ودعم الوحدة الوطنية والاستقرار».


مصر: سباق مبكر بين الجامعات لاستقطاب طلاب «الثانوية العامة»

الحكومة المصرية تتوسَّع في إنشاء الجامعات الأهلية بمصروفات (وزارة التعليم العالي)
الحكومة المصرية تتوسَّع في إنشاء الجامعات الأهلية بمصروفات (وزارة التعليم العالي)
TT

مصر: سباق مبكر بين الجامعات لاستقطاب طلاب «الثانوية العامة»

الحكومة المصرية تتوسَّع في إنشاء الجامعات الأهلية بمصروفات (وزارة التعليم العالي)
الحكومة المصرية تتوسَّع في إنشاء الجامعات الأهلية بمصروفات (وزارة التعليم العالي)

مضت الجامعات الأهلية في مصر، وهي حكومية بمصروفات، على مسار الجامعات الخاصة نفسه، بعد أن قرَّرت فتح باب الالتحاق مبكراً قبل شهر ونصف الشهر تقريباً من انطلاق امتحانات «الثانوية العامة»، وهو ما عدّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» بمثابة سباق مبكر لاستقطاب الطلاب في ظلِّ تنافس محتدم مع زيادة أعداد الجامعات ذات المصروفات، بعضها متوسط، والآخر مرتفع خلال السنوات الأخيرة.

وبدأت الجامعات الأهلية بالتتابع خلال هذا الشهر إعلان «فتح باب التقديم المبكر للطلاب الراغبين في الالتحاق بالكليات والبرامج الأكاديمية المختلفة استعداداً للعام الدراسي المقبل، وبرَّرت ذلك بأنَّه يأتي في «إطار التوسع الكبير الذي تشهده منظومة التعليم الجامعي في مصر، وتقديم برامج دراسية حديثة تواكب احتياجات سوق العمل المحلية والدولية».

وجاء التركيز منصباً على الجامعات الأهلية الواقعة في نطاق القاهرة الكبرى (القاهرة وعين شمس وحلوان)، وهي جامعات سوف تحظى بتنافس قوي مع جامعات خاصة ودولية أغلبها في نطاق العاصمة المصرية، مع اتجاه الجامعات الثلاث، والتي دخلت الخدمة هذا العام، للتوسُّع في البرامج والتخصصات التي تقدمها للطلاب لتعزيز المنافسة مع باقي الجامعات.

ويصل عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقات تعاون دولي، بحسب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية.

والجامعات الأهلية وفقاً لقانون تأسيسها «لا تهدف إلى الربح، ويجوز إنشاؤها بناء على طلب شخص طبيعي أو شخص اعتباري أو منهما معاً أو مؤسسة ذات نفع عام»، وهي تعتمد على كوادر وهيئة تدريس الجامعات الحكومية، لكن الأخيرة تقدم الخدمات التعليمية مجاناً، وتمنح شهادة في التخصص، مقابل رسوم تأدية الامتحانات وبعض الخدمات الثانوية، بينما تصل مصروفات بعض الجامعات الأهلية إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، وتبقى أقل من قيمة مصروفات الجامعات الخاصة والدولية.

أستاذ علم النفس التربوي في جامعة القاهرة، الدكتور عاصم حجازي، يرى أن «التنافس محتدم بين الجامعات الخاصة والأهلية في مصر»، مشيراً إلى أن الجامعات الأهلية رغم أنَّها غير هادفة للربح، فإنَّها تعتمد على مصروفات الطلاب في جذب أعضاء هيئة التدريس، وتطوير الجامعة والإنفاق على البنية التحتية بوصفها حديثة النشأة، وبالتالي فهي تسعى للتسويق لنفسها بشكل جيد، والواقع يفرض عليها التنافس مع الجامعات الخاصة، وهي هادفة للربح».

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود جامعات خاصة ذات مصروفات مرتفعة، وأخرى أهلية بمصروفات أقل، يفرض على الأخيرة التعامل بمنطق السوق والاستثمار في التعليم، ما دام الطالب يدفع مقابلاً مادياً للالتحاق بها». وأشار إلى أنه «على الرغم من أنَّ تعدد الجامعات يخدم مبدأ إتاحة التعليم، فإنَّ هناك سلبيات تظلُّ قائمةً، تتعلق بالمخاوف من المساس بهيبة أعضاء هيئة التدريس؛ سعياً إلى إرضاء الطلاب».

ويخشى الخبير التربوي من أن تتحكَّم آليات السوق والعرض والطلب في العملية التعليمية، مما يحوّل التعليم إلى سلعة، وفي هذه الحالة، سيصبح التعليم خاضعاً لرغبات الطالب، في حين ينبغي أن يكون الطالب والمُعلم في خدمة العلم.

وزارة التعليم العالي المصرية تنشر «إنفوغرافاً» يتضمن أسماء 12 جامعة أهلية جديدة

وخلال الأيام الماضية، أعلنت مجموعة من الجامعات الخاصة والدولية فتح باب التقديم مبكراً للعام الدراسي المقبل، والذي من المقرر أن ينطلق في 12 سبتمبر (أيلول) المقبل، وبعضها حدَّدت مواعيد اختبار القبول ببعض الأقسام والبرامج، وقالت إنَّ القرار النهائي بتسكين الطلاب يتوقف على «قواعد مجلس الجامعات الأهلية والخاصة ومجلس الجامعة نفسها».

وتوسَّعت مصر مؤخراً في إنشاء الجامعات الأهلية، وخلال العام الماضي فقط دخلت 12 جامعة جديدة الخدمة. في حين أشار المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار، في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ الجامعات الحكومية ما زالت تجذب العدد الأكبر من الطلاب وفيها 550 كلية، عادّاً أنَّ «الحديث عن أنَّ الدولة تستثمر فقط في الجامعات الأهلية غير دقيق».

وقالت أستاذة المناهج في جامعة عين شمس، الدكتورة عزة فتحي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ التعليم الجامعي في مصر أصبح صناعةً وتنافساً، والأصل أنه «أمن قومي»، مشيرة إلى أنَّ تعدد أنماط التعليم يؤثر سلباً على هوية الطلاب.

لكنها شدَّدت في الوقت ذاته على أنَّ الحكومة مضطرة لزيادة عدد الجامعات وتعدد أنماطها؛ نتيجة لوجود ملايين الطلاب يبحثون سنوياً عن فرص بالجامعات، إلى جانب وجود لاجئين ومهاجرين أيضاً يشكِّلون عامل ضغط على التعليم الجامعي.


«كارثة صامتة»... حرائق الحرب تقضي على الغطاء النباتي السوداني

أضرار أصابت الغابات السودانية نتيجة الحرب والقطع العشوائي للأشجار (الشرق الأوسط)
أضرار أصابت الغابات السودانية نتيجة الحرب والقطع العشوائي للأشجار (الشرق الأوسط)
TT

«كارثة صامتة»... حرائق الحرب تقضي على الغطاء النباتي السوداني

أضرار أصابت الغابات السودانية نتيجة الحرب والقطع العشوائي للأشجار (الشرق الأوسط)
أضرار أصابت الغابات السودانية نتيجة الحرب والقطع العشوائي للأشجار (الشرق الأوسط)

في ظل الحرب التي مزّقت السودان، يتوارى ملف البيئة خلف دخان المعارك وأصوات النزوح والجوع، رغم أنه يُعد من أكثر القطاعات تضرراً واتساعاً في حجم الخسائر، فما يجري اليوم في الغابات السودانية، وفق خبراء ومختصين، لم يعد مجرد تدهور بيئي عابر، بل تحوّل إلى كارثة صامتة تهدد مستقبل الموارد الطبيعية والتوازن المناخي في البلاد، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على الرقابة والحماية، وتتفاقم الضغوط المعيشية على السكان.

ومع انهيار الخدمات الأساسية وندرة الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، اضطرت آلاف الأسر السودانية إلى العودة لاستخدام الحطب والفحم كمصادر بديلة للطاقة، الأمر الذي أدى إلى تصاعد واسع في عمليات قطع الأشجار واستنزاف الأحزمة الغابية، كما أسهمت موجات النزوح الداخلي في زيادة الضغط على الغابات، بعد انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق أكثر أماناً وإقامة مساكن مؤقتة داخل المناطق الحرجية، وسط غياب شبه كامل للرقابة البيئية وتطبيق القوانين.

واقع مرير

في أطراف ولاية الخرطوم، وبين أشجار السنط عند ملتقى النيلين، تقول عائشة عبد الله وهي تجمع الحطب: «كنا نعتمد على غاز الطهي، لكن سعر الأسطوانة ارتفع إلى نحو 90 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 22.5 دولار أميركي، ولم يعد بمقدورنا تحمل التكلفة. لم يبق أمامنا سوى الحطب لإعداد الطعام. نعلم أن قطع الأشجار يضر بالبيئة، لكن كيف يمكن للأسرة أن تعيش من دون طعام؟».

مخلفات الحرب داخل واحدة من غابات السودان (الشرق الأوسط)

وفي ولاية الجزيرة، يوضح صلاح الطيب حجم الضائقة الاقتصادية التي دفعت كثيرين إلى اللجوء إلى الغابات قائلاً: «وصل سعر جوال الفحم إلى نحو 105 آلاف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 26.25 دولار أميركي، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر؛ لذلك أصبح الحطب الخيار الوحيد المتاح لكثير من الناس لتلبية احتياجاتهم اليومية».

أما سعدية عبد الله، وهي بائعة شاي في شارع النيل بمدينة أم درمان، فتقول إن الحرب بدّلت حياتها بالكامل بعد ارتفاع أسعار الوقود، وتراجع مصادر الدخل: «كنت أستخدم الغاز والفحم في عملي بشكل طبيعي، لكن الأسعار أصبحت فوق طاقتنا. اليوم أعتمد على الحطب حتى أتمكن من إعداد الشاي، ومواصلة العمل وسط هذه الظروف الصعبة».

اختلالات بيئية متسارعة

يقول المدير العام للهيئة القومية للغابات، موسى سليمان موسى، إن الغابات تحولت خلال سنوات الحرب إلى مصدر طاقة اضطراري، نتيجة انقطاع الكهرباء وندرة غاز الطهي. وتشير بيانات رسمية إلى تدهور نحو 60 في المائة من غابات السنط في ولاية الجزيرة، و45 في المائة في ولاية سنار، بينما تأثرت ولايات أخرى بنسب متفاوتة.

مدير الغابات السوداني موسى سليمان موسى متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن خسائر الغطاء النباتي الناجم عن الحرب (الشرق الأوسط)

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن مساحة الغابات في السودان تُقدَّر بنحو 30 مليون فدان بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، أي ما يعادل نحو 12.5 في المائة من مساحة البلاد، وكانت هناك خطط لرفعها إلى 25 في المائة، إلا أن الحرب أوقفت هذا المسار، وسرّعت وتيرة الاستنزاف.

من جهته، يؤكد رئيس المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية الأسبق، في ولاية الخرطوم، بشرى حامد، أن الموارد البيئية في السودان تتعرض لـ«هجمة واسعة ومتعددة الأوجه» نتيجة تداخل تداعيات الحرب مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وأشار، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن ضعف دور الدولة وتراجع إنفاذ القوانين أسهما في ازدهار تجارة الحطب والفحم والأخشاب، حيث تُستخدم تقنيات حديثة تتيح قطع الأشجار، ونقلها بسرعة عبر شبكات تمتد داخل البلاد وخارجها. وأضاف: «يعتمد ما بين 70 و80 في المائة من السكان بصورة مباشرة على الموارد الطبيعية في معيشتهم، سواء عبر الزراعة أو الرعي أو إنتاج الحطب؛ ما يجعل التدهور البيئي تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في بلد يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية»، كما حذر من أن التعدين العشوائي داخل الغابات والمحميات الطبيعية يفاقم الأزمة، بسبب إزالة مساحات إضافية من الغطاء النباتي، وتلويث التربة والمياه؛ ما يخلق تحديات بيئية معقدة يصعب احتواؤها على المدى القريب.

نماذج للقطع الجائر الذي تتعرض له الأشجار في واحدة من غابات الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الخبير البيئي عوض محمد صديق إن ما يحدث يتجاوز مجرد استهلاك عابر للموارد، ويمثل تفكيكاً متسارعاً لمنظومة بيئية كاملة. وأوضح أن إزالة الغطاء النباتي تُفقد التربة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، وتدفع التصحر إلى التمدد في مناطق هشة أصلاً، بالتزامن مع اختفاء موائل الكائنات الحية، وتراجع التنوع الحيوي. وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المجتمعات الريفية تدفع الثمن مباشرة عبر تراجع الإنتاج الزراعي، وضعف الحماية من زحف الرمال، واختلال دورة المياه.

من جانبه، يرى خبير البيئة وتغيرات المناخ نور الدين أحمد أن الغابات تمثل أحد أهم الموارد الطبيعية في السودان، لما تؤديه من دور حيوي في تلطيف المناخ، وحماية التربة، وتوفير الغذاء والمأوى لملايين الكائنات الحية. وأشار إلى أن مساحات واسعة تحولت إلى أراضٍ جرداء بعد أن كانت تشكل رئة طبيعية تمد البيئة بالأكسجين، وتحدّ من آثار التصحر والتغيرات المناخية، محذراً من أن استمرار تدهور الغطاء النباتي يهدد بمضاعفة الأزمات المناخية والإنسانية في البلاد.

خسائر اقتصادية متفاقمة

يرى خبير الغابات طلعت دفع الله أن فقدان الغطاء النباتي الكثيف يسهم في ارتفاع درجات الحرارة، ويضعف قدرة البيئة المحلية على امتصاص الانبعاثات الكربونية، كما يؤدي هذا التدهور إلى استنزاف موارد حيوية مثل الأخشاب والصمغ العربي، حيث تُقدَّر الخسائر السنوية في قطاع الغابات بنحو 500 مليون دولار نتيجة القطع غير القانوني للأشجار.

عاملتان تقومان بإعادة تأهيل البساتين في ضاحية سوبا جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)

وأكد دفع الله، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الأولوية العاجلة تتمثل في تقليل اعتماد الأسر على الحطب، عبر توفير غاز الطهي حيثما أمكن، وتعميم استخدام المواقد المحسّنة، ودعم حلول الطاقة الشمسية في الأحياء ومراكز النزوح.

ولم تقتصر تداعيات التدهور البيئي على الجوانب الطبيعية فحسب، بل امتدت إلى قطاعات اقتصادية حيوية؛ ففي إقليم كردفان، إحدى أهم مناطق إنتاج الصمغ العربي عالمياً، تضررت سلاسل الإنتاج بصورة كبيرة؛ ما أثر في ملايين السكان الذين يعتمدون على هذا القطاع مصدراً رئيسياً للدخل.

وفي ظل استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة، تبدو البيئة السودانية أمام تحدٍّ وجودي حقيقي، حيث تتسارع وتيرة الاستنزاف في غياب خطط الحماية والتعافي، بينما تتعمق الخسائر البيئية والاقتصادية والإنسانية يوماً بعد آخر، في مشهد ينذر بعواقب طويلة الأمد قد تمتد آثارها لأجيال مقبلة.