عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (2)

TT

عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

حافظ الأسد
حافظ الأسد

في 16 سبتمبر (أيلول) 1982 استمع اللبنانيون إلى نداء أطلقه من منزل كمال جنبلاط في بيروت جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، للدعوة إلى مقاومة الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح المدينة بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل ووقوع مجازر صبرا وشاتيلا. وقبل نهاية الشهر فوجئ أهالي المدينة بمكبرات الصوت لجيش الاحتلال تبث الرسالة الآتية: «يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا لأننا غداً منسحبون، نحن ليست لدينا مهمات في داخل بيروت».

فوجئ أهالي المدينة الذين كانوا ابتهجوا بسلسلة عمليات استهدفت الجيش الإسرائيلي في بيروت. وفي اليوم التالي انسحب الجيش الغازي إلى خلدة عند المدخل الجنوبي للمدينة التي اكتسحها شعور بالاعتزاز بأبنائها المقاومين.

لم يعرف سكان المدينة، وكنت بينهم، من أدار الهجمات السبع التي استهدفت الجيش الإسرائيلي خلال 11 يوماً وأرغمته على الانسحاب. كان اسم الشاب إلياس عطاالله وهو عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وقائده العسكري وكانت أوكلت إليه سراً مهمة تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) وتنسيق عملياتها. ويقول عطاالله لـ«الشرق الأوسط» إن ثلاثة فقط كانوا يعرفون مهمته، وهم حاوي، وإبراهيم وخليل الدبس، عضو المكتب السياسي في الحزب.

ولادة «جمول»

بدأت قصة «جمول» باختيار عطاالله 21 شاباً وتسليحهم وتوزيعهم في ثلاثة قطاعات في بيروت. كانت معلومات الجيش الإسرائيلي شحيحة؛ لهذا تمكن عطاالله أحياناً من استطلاع الأماكن المناسبة لتنفيذ الهجمات ورافق مرات عمليات التنفيذ من أماكن قريبة.

عطاالله مع عرفات وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وأبو إياد خلال الحصار... وبين مقاتلي «المقاومة الوطنية» (أرشيف إلياس عطاالله)

يروي عطاالله أن العملية الأولى نفذت في ليل 20 سبتمبر حين قام شابان بإلقاء قنابل يدوية على جنود إسرائيليين متحلقين حول النار قرب صيدلية في محيط محلة الصنائع. انسحب المهاجمان بسلام وأسفرت العملية عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين. استهدفت العملية الثانية آليتين عند محطة أيوب في نزلة البطريركية واستخدمت فيها قذائف من عيار «ب 7».

نفذ رجال المقاومة هجوماً ثالثاً استهدف جنوداً إسرائيليين احتلوا مقر منظمة التحرير الفلسطينية في شارع المزرعة. وكان للعملية الرابعة دوي خاص؛ إذ قتل شابان بالمسدسات ضابطاً إسرائيلياً وجنديين كانوا يتناولون القهوة في مقهى «الومبي» في شارع الحمراء الشهير. وتبعتها ثلاث عمليات في تلة الخياط وجسر سليم سلام وفندق «ألكسندر» في الأشرفية. وهنا شهادة عطاالله عن عمليات «جمول».

محاولة اغتيال أنطوان لحد

* في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 أصيب قائد «جيش لبنان الجنوبي» اللواء أنطوان لحد، المتعاون مع إسرائيل، برصاص رفيقتكم سهى بشارة. ما قصة هذه العملية الجريئة؟

- هذه العملية، بدأت بصلة بهذه الصبية التي كان اختصاصها الرياضة ونشاطات تتعلق باللياقة البدنية. سهى من عائلة شيوعية. كانت تذهب دائماً إلى قريتهم قرب مرجعيون، ولم تحصل لها مضايقة أبداً. وكانت صديقة لزوجة أنطوان لحد التي اقترحت عليها أن تعطي لأولادها دروساً خصوصية ومكثفة في البيت لأن مخاطر الانتقال كبيرة. بقيت لفترة طويلة تعطيهم دروساً، تجلس وتشرب قهوة معهم. من هنا طلعت الفكرة بأن يتم اغتيال لحد. كنا ثلاثة نعرف. شاب موجود في بلجيكا، وجورج حاوي وأنا.

أنطوان لحد (أ.ف.ب)

أنا لم أكن ضد، ولكن كنت مستهولاً منطق العملية، كنت أقيسها على نفسي، أنا في بيت بشكل دائم وأجلس مع أولادهم، وإلخ، ثم أقدِم على قتل الأب الذي كنت أتحدث معه! قلت لسهى، هذه العملية ليست بسيطة، ليس لأنها صعبة عسكرياً، بل لأنك قد ترتبكين عندما تنظرين إلى عينيه وتريدين إطلاق النار عليه. لم أكن أحبطها، لا أبداً، لكن حقيقة لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أضع هذه الملاحظات، وربما ضمناً لم أشعر أن (العملية) فيها إنسانية. وأنا لم أكن أولي أهمية كبيرة لشيء كان اسمه قائد «جيش لبنان الجنوبي»، سواء أكان سعد حداد أو لاحقاً لحد.

قررت، وجاءت وأخذت السلاح، وحكي كثيراً عن السلاح أن جورج (حاوي) ربما أعطاها مسدسه. ذهبت وعندما استحكمت منه أطلقت عليه رصاصات عدة، وفوراً أمسكوا بها، وهو نُقل بطائرة إلى إسرائيل. أصيب إصابات قاتلة لكنه «زمط زمطة» (نجا بأعجوبة)، كيف عاش؟ مكث فترة طويلة في المستشفى في حالة الخطر.

في عام 2000 أفرج عن سهى بشارة بتدخل فرنسي وبطلب من الرئيس رفيق الحريري الذي حرص على أن يستقبلها. يوم أطلق سراحها نقلت بسيارة إسعاف من سجن الخيام، كان الشرط ألا تمر على أحد حتى تصل إلى السرايا (الحكومية في بيروت حيث استقبلها الحريري). أنا حاولت أن أخطفها لأنني لا أريد ذلك. هذه نحن يجب أن نستلمها وليس سوانا.

رفيق الحريري مستقبلاً سهى بشارة (أ.ف.ب)

لم أستطع خطفها. غشوني. كانوا يخضعوننا للمراقبة. كنت وضعت نقاطاً عسكرية عدة لأمسك بسيارة الإسعاف، لكنهم مروا بمنطقة (بعيدة)، جاءوا عن طريق صوفر.

* نفذتم عمليات، وذات يوم استدرجتم، بواسطة شخص متهم بالعمالة، ضابطاً إسرائيلياً في البقاع الغربي؟

- أريد أن أقول قبل ذلك، كانت هناك عمليات عدة مهمة، مثلاً (في) عملية وادي الزينة وقد رأيناهم مرميين نحو 12 قتيلاً.

* هل كان صديقك وليد جنبلاط يعرف أنك منسق العمليات؟

- لم يكن مشاركاً. وليد جنبلاط أنا أطلعته، لاحقاً، وشعرت أنه متضايق، وصارحني. قال لي: أنا ليس لي دخل في الموضوع أن أقول نعم أو لا للعمليات في الجبل، لكن أتمنى ألا تكون قرب المختارة (مقر جنبلاط). قلت له: حكماً. قال لي: إذا احتجتم أي شيء – وهذه حقيقة أشهد لها لأن البعض يحاول أن يشوه وليد جنبلاط. أشهد أنه عرض عليّ أي مساعدة من دون أن يكونوا ملتزمين بموقف المقاومة، وأنا أفهم السبب. ويومها سمّى لي شخصاً، هو أنور الفطايري. كان أمين سر الحزب. قال لي: اختاره أنت.

عطاالله مع وليد جنبلاط وجورج حاوي (أرشيف إلياس عطاالله)

* كيف انتهت «جبهة المقاومة الوطنية»؟

- لم تنته في يوم محدد. كان هناك مسار. أول الأمر لمسناه، بطريقة غير مباشرة بعض الشيء. نحن تمنينا (على السوفيات)، وطلبنا رسمياً، أننا نريد قناصات. أرسل لنا السوفيات، وهم لا يتدخلون كثيراً، 5 قناصات. وصلت القناصات إلى سوريا فصادرها حافظ الأسد. طالبنا بها، فقالوا لنا لم يصل شيء. أكد السوفيات أنها وصلت، لكن لا يريدون أن يحولوها قضيةً مع حافظ الأسد. القناصات سلاح جبار في عملية المقاومة. كانت قادرة على العمل من مسافة ألف متر. نعم اعتبرنا الأمر إشارة إلى موقف سلبي من نظام الأسد.

لاحقاً، بدأنا نشعر من سلوك حركة «أمل» بقيادة نبيه بري، رئيس المجلس النيابي الآن، بموقف لم يكن أبداً ودياً. وكان حسب المناطق وحسب الأشخاص، ولكن المسؤولين أبداً لم يكونوا وديين. وحصلت وشايات وإيصال معلومات ليس أساسها من عند «أمل»، بل أساسها من عند الذي أعتقد أنه ساهم في إخفاء الإمام موسى الصدر وهو النظام السوري.

غازي كنعان وموجة الاغتيالات

* ذات يوم أبلغكم مركز المخابرات السورية القريب ببرقية استدعاء عاجلة من اللواء غازي كنعان، مسؤول المخابرات السورية في لبنان. ما هي هذه القصة؟

- مضمون البرقية أنه ضروري جداً أن نلتقي في المكان الفلاني في الساعة الفلانية وأنا أنتظر. نعم، استدعاء. ذهبت إلى جورج حاوي، فقال لي: وصلتني البرقية. استقللنا السيارة في اليوم المحدد، أعتقد في فبراير (شباط) 1985. وصلنا فوجدناه جالساً خلف طاولة وقبالته كرسيان فارغان. جلسنا، فطلب قهوة، وبينما كنا نشربها فتح الحديث قائلاً: «أنا أحبكم. أنا أحترمكم. أنتم الملتزمون العقائديون المنظمون الشجعان، وكذا وكذا».

غازي كنعان برفقة بشار الأسد في بيروت عام 1999 (أ.ف.ب)

كان قلقي يتزايد كلما تزايد المديح. ما هي القصة؟ حتى تلك اللحظة لم نكن عرفنا ما هي. قال: أنا، تحدث سيادة الرئيس معي. هو لا يقول حافظ الأسد، يقول سيادة الرئيس، أن المقاومة ليست قضية لبنانية، بل قضية عربية استراتيجية، ولا يمكن أن توضع إلا في هذا السياق وأن تُقاد إلا بهذا المنطق. أنا، كنت واثقاً وعندي ثقة والآن عندي ثقة أننا معكم واحد، وسنشكل قيادة إما لتنسيق دقيق أو مشترك. لا تحصل عمليات وفق تقدير جهة واحدة.

أنا كنت متفقاً مع جورج أنه إذا حصل شيء محرج أتولى أنا «تسويد وجهي»؛ لأنني أنا لا أمثل الحزب. قلت له: هذا عمل يستحيل. حتى أنه حصل نقاش بين أطراف سياسيين ولم نستطع أن نعمل تنسيقاً أو عملاً مشتركاً؛ لأننا ليست لدينا وسائل متابعة لعملية، وليست لدينا قدرة أخذ القرار من بعد انطلاق (المنفذ). نريد أن نعطيه حرية القرار حتى يعرف كيف يتصرف. بعد أن يقطع المنفذ نهر الأولي، مدخل الجنوب، انتهى (الأمر) ولا يعود بإمكاننا أن نفعل شيئاً.

رفضت اقتراحه. قال لي: اترك لي سبل التنسيق والعمل المشترك. واقترح دمج العمليات مع عمليات «حزب الله». قال: تندمجون. قلت له: بالأمس قتلوا لنا شخصاً، وأنت تعرف، فكيف أندمج معهم؟ نحن لم نقتل منهم أحداً. مقاوم في قلب الجنوب قُتل على مرأى من رفيقه في ظهره، وبالتأكيد «حزب الله» هو من فعلها. قال: هذه مشاكل تحصل في العمل المسلح، تحصل في ظروف صعبة. كانت رسالته واضحة وهو أنه ممنوع علينا العمل بشكل مستقل.

قلت له في النهاية وبعدما ضاق خلقي وعرفت أنه قرار حاسم: كي لا نطيل الموضوع، نحن صراحة جئنا إلى هنا وكنا نريد أن نختم النقاش بأن نطلب معونات بوسائل ربما موجودة لديكم، وهي أفضل من تلك الموجودة لدينا لكي نستطيع أن نقوم بدور أكبر. أما أن نجلس الآن ونبحث مسائل التنظيم وغيره فهذا مستحيل، ودعني أكون صريحاً معك. لا نستطيع... إذا نسقنا معكم، مع أن هذا يشل العمل، وقلتم أنتم لا، فهل نستطيع أن نناقشكم؟ قال: أبداً لا يمكنكم أن تناقشونا. فقلت له: إذا قلتم لا فتعني لا. وإذا قلتم نعم فنعم، وإذا قلتم عملية واحدة في الأسبوع فيعني عملية واحدة في الأسبوع. فقال لي: ألست أنت عسكرياً؟ يعني لا يوجد نقاش.

قلت له: يا سيادة العميد، وكان لا يزال عميداً، أنا من الآن أقول لك لا نستطيع أن ننسق ولا نعمل بشكل مشترك. لا نشتغل مع «حزب الله». لا نستطيع نهائياً، وهذا ليس مسألة صعوبات فقط. هذا قرار نهائي. لن نكون حجارة شطرنج. وقف العمل أفضل في حالة من هذا النوع.

نظر مثل النسر، وبطريقة فيها مفاجأة هائلة أو خيبة أمل هائلة. توقف عن الكلام ورفع يده وضرب الطاولة؛ فطارت فناجين القهوة ومنفضة السجائر. وقف ورفع سبابته باتجاهنا، وقال: ستدفعون الثمن غالياً. آخر كلمة. «ستدفعون الثمن غالياً». ومشى من دون أن يودعنا.

حافظ الأسد

بقينا أنا وجورج جالسين إلى الطاولة. لم نفاجأ بأنهم يريدون ذلك، فوجئنا بردة الفعل. منذ قال «قال لي سيادة الرئيس» يعني أننا نتحدث، تقريباً، إلى حافظ الأسد. هذه لا يستخدمها هو إلا عندما يريد أن يقول لك لا يمكنك أن ترفض.

نفذ تهديده ودفعنا الثمن غالياً جداً. أول ثمن دفعناه اغتيالات على مستوى القيادة في الحزب، وثاني ثمن اغتيالات على مستوى المقاومة، نحو 28 - 30 مسؤولاً من المقاومة. لم نكن نعرف من ينفذ في حينها. لكن القرار من غازي كنعان. وهنا (في بيروت) خلال 1986 و1987، أول واحد خليل ناعوس، كان عضو لجنة مركزية مسؤول بيروت، محترم جداً جداً في الوسط السياسي البيروتي، اغتيل على مفرق المركز.

الثاني كان الكاتب والمفكر حسين مروة، وكان عمره 87 سنة ومُقعَد، وأنا كنت مررت به قبل يومين ولم يكن قادراً على التكلم، ويبدو ميتاً، جاء شخص وأطلق النار في جبهته. طلقة واحدة.

كانت لحسين مروة سمعة واسعة... ومن بعده حسن حمدان، المعروف بمهدي عامل، وهو فيلسوف لبناني مشهور، ولديه مجموعة مؤلفات ومشهور في فرنسا وكان من الأساتذة الجامعيين الذي يتوافد الطلاب من اختصاصات مختلفة لسماع محاضراته. ومن بعده سهيل طويلة الذي كان عضو لجنة مركزية، ورئيس تحرير «النداء» صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني. هؤلاء في ظرف قصير.

كان توقيع غازي كنعان صريحاً على الاغتيالات. جاء إلى مأتم حسن حمدان، والطريف في الموضوع أنه لم يأت ليعزي. قالها بوضوح. وكأنه يقول أنا من قتله. صافح كريم مروة (نائب الأمين العام للحزب) وقال له أمام العشرات: «هكذا أحسن لكم؟ هل كان ضرورياً أن توصلوا أنفسكم إلى هنا؟».

لم نوقف عمل المقاومة بعد كل الاعتداءات التي حصلت، رغم هذا بقينا حتى عام 1988 نسجل أكبر عدد عمليات، وخسائر الإسرائيليين بلغت نحو 300 قتيل وأكثر. طبعاً نحن ولا يوم، وهذا كنا نشدد عليه كثيراً، ألحقنا أذى بمواطن لبناني، ولا حتى رآنا. ليس لدينا سجل اختلاط.

* كم عملية بتقديرك نفذت جبهة المقاومة؟

- فوق الألف.

* كم قتيل سقط لها؟

- أعتقد نحو 160. لكن أكيد فوق الألف (عملية) لأن المعدل اليومي نحو 3 إلى 4 (عمليات). المقاومة بقيت مستمرة رغم الضغوط، رغم الاغتيالات، ورغم كل شيء، ولكن طبعاً صار وضعنا صعباً، مطاردين، وحاسين بالمطاردة، وخصوصاً أنه حضرته، غازي كنعان، رجع من بعد أن طرد من بيروت خلال الاحتلال الإسرائيلي. افتعل أولاً حرباً بيننا وبين «أمل»، وحصلت حرب قاسية جداً، وسقطت بيروت بيدنا، وعندما سقطت بيروت بيدنا هو لم يرسل شيئاً، إخباراً، بل أناس لهم علاقة بهم برأيي، (قالوا) نزلت الدبابات من صوفر، لواء أو لواءا دبابات، واحد ذهب باتجاه المختارة، والآخر نزل من عاليه إلى بيروت. صوب المختارة، يعني معقل وليد جنبلاط. المعركة معنا من دون أي مبرر، حصلت المعركة معنا من دون مبرر. فجأة، في الوتوات حيث مقر الجريدة ومركز الحزب، هجموا عليه يريدون احتلاله، وصارت المعركة. هو استغل قصة المعركة ونزل إلى بيروت. أول اتصال به كان من كريم مروة فقال له: «يا جاسوس يا إسرائيلي».

نعم، حرام كريم، هو ليس رجل هذا العمل، وقعت السماعة (الهاتف) من يده وبقيت مفتوحة. ذهب والتقى (رئيس الحكومة) سليم الحص وقال له: كيف تصل أن يقول لي غازي كنعان، أنا كريم مروة، يا جاسوس يا إسرائيلي؟

إبعاد إلى موسكو

* كان نظام الأسد يقتل الشيوعيين والاتحاد السوفياتي لا يتدخل؟

- لم نلمس مساعدة لا في الحصار ولا بعده في المقاومة. اللهم ذهبت أنا مشواراً إلى موسكو، بعدما حصلت عندي مشكلة تقنية هنا، وهي أن الموجة التي نفجر عليها كشفها الإسرائيليون ولم نعد قادرين على أن نجد موجة فوق وتحت... صار الأمر في حاجة إلى شخص يعرف أكثر منا. ذهبت إلى موسكو. جلست مع اثنين برتبة مارشال وطرحت المشكلة، وبينما نحن نعمل، وهم لم ينزلوا في فندق لأنه عمل سري، وصل ماتوزوف، مندوب اللجنة المركزية، وهو كان مسؤولاً عن لبنان وفلسطين في اللجنة المركزية، وقال لي: لماذا تنحتون 10 ساعات في اليوم؟ قلت له: نريد أن ننهي العمل ونمشي. قال لي: لا، أنت باقٍ 6 أشهر هنا. طلعت القصة إبعاد. عرفت بها في موسكو. قلت له: كيف 6 أشهر؟ قال لي: جاءتني رسالة من المكتب السياسي لحزبكم بأنك باقٍ 6 أشهر.

تبين أن السبب هو محمد الخولي، مسؤول المخابرات الجوية السورية، وكان الأقرب إلى حافظ الأسد. أبلغ الخولي الذي التقيته نحو عشر مرات، حاوي قائلاً: «لديكم شخص اسمه إلياس عطاالله. إما تجدونه مقتولاً على الرصيف وإما تبعدونه». اختاروا الشق الثاني، وأرسلوا لي رسالة. لكن أنا رفضت ورحلت وعدت إلى لبنان.

ضربة النهاية

* لنختم قصة المقاومة باستهداف مركزكم في الرميلة؟

- كانت أكبر ضربة وهي هدت المعنويات. لا أخفيك كان هناك خلاف في قيادة الحزب على مسألة المقاومة، أي هناك جو في القيادة يريد أن يراعي الموقف السوري ويقول دعنا نخفف. هذا الجو لم يجرؤ على التعبير عن نفسه بشكل صريح، بل أصبحت هناك مضايقات ونشأ خلاف. الحقيقة هي أن الخلاف سابق على المقاومة وسابق على الاجتياح، في الموقف من سوريا.

أنا طلبت من الأساس أن نتصرف على أساس أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال في بيروت، وبعدما دخل السوريون، اقترحت ألا نخرج كل شيء خبأناه على أيام الإسرائيلي بافتراض أن الجو أصبح مختلفاً. طلبت أن نبقى كما نحن، والذي تحت الأرض يبقى تحت الأرض. لم يحصل ذلك.

هذا التضييق، منظمات والاعتداء على بضعة شيوعيين، الضغط على المراكز، خلق المشكلات في كل الأماكن من طرابلس إلى غيرها. إلى أن ضربت إسرائيل مركز الحزب الرئيسي في الرميلة (بلدة عطاالله في ساحل الشوف). أنا كان وصلني جو يقول إن إسرائيل تريد أن تضرب في الرميلة، وإنه مرجح من جانب أحد الضباط الكبار في الجيش اللبناني في المخابرات، أن هناك مناخاً بذلك. وجاءني خبر، لا أعرف لماذا، من السجن في إسرائيل، سجن اللبنانيين (كان هناك سجنان، واحد في الخيام وسجن داخل إسرائيل) أيضاً بالأمر نفسه، فأخذنا قراراً احتياطياً أن هذه المراكز الثلاثة في الرميلة، وهي ثكنة فيها 300 مقاتل (مدرسة الفرير) والدير فيه مقر اللجنة المركزية.

حينها لم يبق شبان في بيروت وأصبحوا في الرميلة. جورج حاوي كان داعياً في اليوم التالي إلى اجتماع مجلس وطني، أي المكتب السياسي والقيادة المركزية، يعني أكثر من 100. ليلاً ذهبت إلى جورج حاوي وقلت له لا يمكنك أن ترتكب هذه المغامرة، هذه مغامرة كبيرة، نحن نقول منذ 10 أيام أن هذه الأماكن يجب أن يغادرها من ليس له عمل ضروري فيها. لا أحد يطل. لهذا السبب قتل رفيقان (فقط) في القصف من أصل 8، وهما كانا واقفين في الخارج. نحن كنا منعنا الدخول إلى المركز. كانا واقفين عند الحائط.

نقل اجتماع المكتب السياسي واللجنة المركزية إلى بيروت «زمطنا» (نجونا)، هؤلاء الـ8 منهم حراس ومنهم على السنترال واثنان كانا يتحدثان في الخارج، أحدهما طبيب والآخر من آل الأمين. هذه الضربة بقنبلة فراغية. كان هناك شخص على برج المراقبة فوق الدير، وعندما جاءت الضربة طار في الهواء، أو نزل مع نزول المبنى ووقع على خيمة نايلون لزراعة الخضراوات، وجاء سليماً لكنه قال إنه غير قادر على وصف ما حصل. لم يصب ولا بأي جرح.

* هل اخترق أي جهاز جبهة المقاومة؟

- بشكل محدود جداً. أحدهم. نحن لم نذكر اسمه.

* جهاز عربي؟

- لا، إسرائيلي. الموساد. عربي لم ألمس.

* وماذا عن «كي جي بي» السوفياتية؟

- لا أعرف إذا كانت اخترقت سابقاً قيادات. ربما أنت سمعت ذلك من قبل، لم يذهب أحد إلى موسكو إلا وحاولوا معه إذا كان يود أن يكون متعاوناً مع «كي جي بي». أنا ولا مرة حاولوا معي.


مقالات ذات صلة

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه من يحكم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

يعيد خبر أمني أو تهديد محتمل اللبنانيين، خلال دقائق، إلى نقطة الصفر؛ ترتفع وتيرة الاتصالات، وتُفتح مجموعات العائلة على تطبيقات المراسلة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف وأحرقت منازل في جنوب لبنان، بالتزامن مع قصف مدفعي طال بلدات عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)

لماذا تواكب إسرائيل انتخاباتها بتصعيد في جنوب لبنان؟

واكب التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، الثلاثاء، وسط ترقب لبناني لنتائجها وانعكاساتها على مسار المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

أثار توغلُ دورية مشاة إسرائيلية مدعومة بثلاث دبابات «ميركافا» في كفرشوبا وتفتيشُ منازل فيها تساؤلاتٍ بشأن أهداف العمليات البرية داخل القرى الجنوبية...

صبحي أمهز (بيروت)

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

أكد أحد الفصائل العراقية الموالية لإيران، الجمعة، أنه «سيبقى ملتزماً بالحياد» إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران.

وعدّ الفصيل المعروف باسم «أنصار الله الأوفياء»، الذي يقوده حيدر الغراوي، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي»، أن استخدام الأجواء العراقية لضرب إيران «خرق يستدعي من الفصيل الرد على الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، إن الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، مشيراً إلى أن واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز» المحلية.

وحسب الفتلاوي، فإن أي «انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة»، مبيناً أن طبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة.

وتقول الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» إنها رصدت عشرات الاختراقات من الطيران الحربي والاستطلاعي للقوات الأميركية خلال الأيام الماضية.

وأكد الفتلاوي أن الحركة لم تسلّم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2026 حتى يونيو (حزيران) 2027، وليس سحبه أو تسليمه.

وكانت الحكومة قد أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر 2026 لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

وكان رئيس الحكومة، علي الزيدي، قد حذر مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، «قوى الإطار التنسيقي» من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى ذلك، تداولت أوساط سياسية عراقية موقفاً أميركياً من الفصائل المسلحة تضمنت تحذيراً من مواصلة دورها في «سرقة موارد الشعب العراقي».

ونسبت تقارير الموقف إلى متحدث أميركي عن «الخارجية» قوله إن «استراتيجية واشنطن تجاه العراق تقوم على دعم سيادته وتعزيز أمنه واستقراره الاقتصادي»، فيما شدد على أن إيران لا يمكن أن تؤدي أي دور في تحقيق هذه الأهداف، متهمة طهران باستغلال الفصائل المسلحة للاستيلاء على موارد الشعب العراقي.


العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

واصلت إسرائيل، اليوم الجمعة، ولليوم الثامن على التوالي، عمليتها العسكرية في الخليل، بالضفة الغربية، ودفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو منطقة دير بحة غرب المدينة، حيث أجبرت عدداً جديداً من العائلات على النزوح القسري من تلك المنطقة.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا) عن شهود عيان قولهم إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية ترافقها وحدات هندسية من مدخل الخليل الشمالي «فرش الهوى»، باتجاه منطقة دير بحة المغلقة والمحاصرة من قبل الاحتلال منذ الجمعة الماضي.

وفجرت القوات الإسرائيلية منزلي أحمد وحمودة الجعبة، في منطقة دير بحّة المحاصرة بمدينة الخليل، بعد اقتحامهما برفقة خبراء ووحدة الهندسة والمتفجرات، حيث أقدمت على تفخيخ المنزلين اللذين تفصل بينهما عشرات الأمتار، قبل تفجيرهما عن بعد بشكل متزامن، في ظل مواصلة الحصار والإغلاق المفروضين في محيطهما.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

وكان أحمد وحمودة الجعبة قتلا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودين على الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للخليل «فرش الهوى»، الرصاص الحي تجاههما.

إلى ذلك، ارتفع عدد العائلات المتضررة جراء العدوان إلى أكثر من 780 عائلة، منها 537 عائلة هُجّرت قسراً بشكل كامل، فيما يواجه نحو 5000 مواطن ظروفاً من الحصار والتهجير القسري، سواء بإجبارهم على النزوح من منازلهم أو محاصرتهم داخلها، لا سيما في منطقتي الجلدة ودير بحة اللتين تخضعان لحصار وإغلاق مشددَّين منذ يوم الجمعة الماضي.

واعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بدء عدوانها، ما يزيد على 115 مواطناً، بينهم فتاة، فيما احتجزت مئات المواطنين وأخضعتهم للتنكيل.

كما تسبب الحصار العسكري المفروض على مناطق في مدينة الخليل ومحيطها في تعطيل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة، ما انعكس على 2872 طالباً وطالبة، بينهم 2198 طالباً وطالبة تحت الحصار المباشر، و674 من النازحين قسراً الذين تعذر وصولهم إلى صفوفهم الدراسية.

جندي إسرائيلي يصوّب سلاحه خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية في 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي، تُقدّر الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات في المدينة بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يومياً، منها نحو مليون شيقل في قطاع الحليب وحده.

وعلى صعيد الإغاثة وتقديم المساعدات، أعلنت لجنة المساندة والإغاثة المكلفة من محافظ محافظة الخليل، اعتماد بيانات 537 أسرة متضررة تضم 3361 فرداً، بينهم 232 رضيعاً، و1193 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنتين و17 عاماً، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملاً ومرضعاً، و32 شخصاً من ذوي الإعاقة، و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.

وقد تلقت اللجنة 531 اتصالاً لطلب المساعدة عبر رقمها المجاني، وجرى التعامل مع الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للإغاثة والتسكين والتعليم والشؤون القانونية والإعلامية والمالية.

ورأى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن «ما تشهده محافظة الخليل من عدوان وحصار متواصل لليوم الثامن، وتهجير ومحاصرة نحو خمسة آلاف مواطن وتدمير عشرات المنازل وعمليات البطش والتنكيل، هو إرهاب دولة تمارسه حكومة اليمين العنصرية ضمن مشروع تطهير عرقي ممنهج يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استعماري بالقوة».


«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
TT

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار اللبنانية، بعدما بقي سلاح الحزب بنداً خلافياً في معظم محطاتها.

وتتباين المواقف بين اعتباره مدخلاً لتفادي الصدام، ورؤيته وسيلة لتأجيل الحسم، بعد انتقال الملف من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى قرارات حصرية السلاح.

ومنذ طاولة مارس (آذار) 2006 التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، انتقل بحث سلاح «حزب الله» إلى عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، قبل أن تقطع حرب يوليو (تموز) الجلسات.

وبعد مواجهات مايو (أيار) 2008، التي استعمل الحزب فيها سلاحه في الداخل ضد معارضيه، أفضى اتفاق الدوحة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت فيها المعارضة على 11 وزيراً من أصل 30 وزيراً، بما أتاح لها تعطيل القرارات التي تتطلب أكثرية الثلثين، مع تعهد بعدم استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، من دون الاتفاق على نزعه.

واستؤنف الحوار برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وصولاً إلى «إعلان بعبدا» في يونيو (حزيران) 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه لم يحسم مصير السلاح، ثم انطلق حوار الحزب و«تيار المستقبل» في عين التينة عام 2014 لتخفيف الاحتقان المذهبي، في حين استمر الخلاف على «إعلان بعبدا» حتى لقاء بعبدا عام 2020.

وكلفت الحكومة في أغسطس (آب) 2025 الجيش وضع خطة لحصرية السلاح، ثم حظرت في مارس 2026 أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. وفي المقابل، أعلن أمينه العام نعيم قاسم في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الاستعداد للتعاون في ملف حصرية السلاح، وفق الدستور والقوانين ومن دون إملاءات خارجية، مؤكداً أولوية الانسحاب الإسرائيلي.

 

برّي ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

الحوارات كرّست اختلال موازين القوى

واعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أن «تجارب الحوار الوطني في لبنان أثبتت أن الحزب كان المستفيد الأساسي منها؛ إذ استُخدمت، في رأيه، لتكريس سلاحه ونفوذه على القرار السياسي اللبناني»، مؤكداً أن «العودة إلى طاولة حوار داخلية مع الحزب لم تعد مجدية؛ لأن القرار الفعلي موجود في إيران، وبالتالي فإن أي حوار جدي يجب أن يكون مع طهران، وليس مع (حزب الله) بوصفه مكوّناً سياسياً داخلياً».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار الوطني اللبناني - اللبناني الذي جاء بعد نحو 15 عاماً من الحرب الأهلية وسقوط 150 ألف ضحية، أفضى إلى تعديل دستوري وعقد اجتماعي وسياسي جديد تمثّل في اتفاق الطائف»، مشدداً على أن «أي حوار حصل بعد اتفاق الطائف كان يجب أن تكون مرجعيته تنفيذ هذا الاتفاق؛ لأنه لا يمكن أن تأتي نتائج حوار لاحق على حساب النتائج التي أرسى عليها (الطائف) النظام السياسي اللبناني».

ورأى أن «(حزب الله)، مستفيداً من موازين قوى إقليمية ودولية معينة، بعد أحداث 7 مايو 2008، عندما وضع يده بالقوة على القرار في لبنان، حاول استبدال اتفاق الدوحة باتفاق الطائف»، موضحاً أن «اتفاق الطائف قام على مبدأ العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، في حين جاء اتفاق الدوحة ليكرّس الثلث المعطل وحق (الفيتو) داخل مجلس الوزراء، بما أتاح لفريقٍ تعطيل القرار السياسي».

وأضاف أن «طاولات الحوار التي انعقدت لاحقاً برعاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، والتي كان من المفترض أن تشارك فيها أيضاً جهات عربية لكنها لم تشارك، تحوّلت إلى حوارات هدفها تكريس أمر يتناقض مع الدستور واتفاق الطائف، وهو حق فريق لبناني في الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل».

ووصف الحوارات اللاحقة، ومنها «إعلان بعبدا»، بأنها «شكلية»، معتبراً أنها «لم تتمكن من تغيير موازين القوى أو إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة». وفي شأن الحوار الثنائي في عين التينة، قال إن «الفكرة التي انطلق منها الحوار كانت تجنيب لبنان تداعيات الاحتقان السني - الشيعي، بعدما أصبحت المنطقة على صفيح ساخن مذهبياً، وكان المطلوب تفادي انتقال هذه المأساة إلى الداخل اللبناني».

وأضاف أن «أي تجربة حوارية جمعت أطرافاً لا تحمل السلاح، مثل (القوات اللبنانية) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) و(حركة أمل) و(تيار المستقبل)، مع الفريق الذي يحمل السلاح؛ أي (حزب الله)، كانت في نهاية المطاف لمصلحة الحزب داخل لبنان».

وشدد على أن «أي حوار مع (حزب الله) اليوم، من جانب الجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون في حقيقته حواراً بين الجمهورية اللبنانية وإيران، وليس إعادة إنتاج لطاولة حوار داخلية»، معتبراً أن «الحزب لا يملك حرية اتخاذ قرار الحوار؛ لأن قراره موجود في إيران».

 

برّي والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى القرار التنفيذي

رأت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن فكرة «الاستراتيجية الدفاعية» التي طُرحت لمناقشة سلاح الحزب تحولت إلى «اللاقرار وعملية شراء الوقت وتأجيل حسم الدولة»، معتبرة أن الخطأ الأساسي كان في إحالة مسألة أمنية تخص الدولة إلى طاولة تجمع قادة الأحزاب والزعامات الطائفية.

وشددت لـ«الشرق الأوسط» على أن «الاستراتيجية الدفاعية تضعها الدولة اللبنانية ومؤسسات الدولة اللبنانية، وليس الأحزاب»، موضحة أن تحديدها يقع ضمن صلاحيات السلطات الدستورية ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، وأن مناقشة الأمن القومي بين القوى السياسية بدلاً من المؤسسات المعنية تمثل «عملية لشراء الوقت والتهرب من تحمل المسؤولية».

وقالت إن الحزب «لم يكن لديه أي مشكلة في الحديث عن السلاح، وفي الحديث عن (الاستراتيجية الدفاعية)، بطاولات حوار، بل كان يشجع النقاش ويقدم تصورات تعتبر سلاحه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية، وتنسق المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة معه بما يتوافق مع مصالحه». ورأت أن الوثائق ساعدته على تحسين صورته وإظهار الانفتاح على الدولة؛ لأنه «ما دام هناك اعتراض لفظي فقط لا غير، لم يكن الحوار يشكل مشكلة له».

ولفتت إلى أن «البيانات الوزارية المتعاقبة وفرت للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه تحت عنوان (المقاومة)، في حين أن اليوم تجاوزت قرارات حكومة نواف سلام الخط الأحمر في علاقته بالدولة، فالسلطة السياسية أخذت قراراً تنفيذياً ولو أنه لم يطبق، مع ضرورة الفصل بين دلالة القرار وإمكان تنفيذه».

وربطت الحريري ذلك بتصاعد هجوم الحزب على الحكومة واتهامه خصومه بالتعاون مع إسرائيل، قائلة إنه يشترط، بحسب قراءتها، التراجع عن قرارَي الخامس والسابع من أغسطس المتعلقين بحصرية السلاح، وعن قرار حظر نشاطه العسكري، قبل استئناف الحوار.

ورأت أن القبول بتلك الشروط سيعيد الحوار إلى «نقاشات طويلة عن (الاستراتيجية الدفاعية) من دون تقدم عملي»، وانتقدت الاكتفاء بتعابير «(حصر السلاح) و(تجميد السلاح) و(احتواء السلاح) إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية». وخلصت إلى أن «الحزب يريد مناقشة دمج سلاحه ضمن منظومة الدولة مع الاحتفاظ بسلطة (حزب الله) على هذا السلاح وبقراره في استخدامه، بدلاً من نقل القرار العسكري بصورة حصرية إلى المؤسسات اللبنانية».