من «إدارة إدلب» إلى «حكم سوريا»... الفارق بين «النموذج» و«الواقع»

الرئيس السوري زار المدينة لساعات وتفقد مخيماً للاجئين

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
TT

من «إدارة إدلب» إلى «حكم سوريا»... الفارق بين «النموذج» و«الواقع»

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)

اختار الرئيس السوري، أحمد الشرع، محافظة إدلب لتكون الجهة المحلية الأولى التي يزورها، منذ معركة «ردع العدوان» التي قادها انطلاقاً من هذه المحافظة، وانتهت بإطاحة نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

هذه الزيارة السريعة إلى ما يمكن تسميته «نقطة الانطلاق» وصولاً إلى تسلم مقاليد بلد كبير، بإمكانياته ومتاعبه ومشكلاته، تفرض مقارنة بين «حكم سوريا» و«حكومة الإنقاذ» القادمة من إدلب، بخبرات متواضعة، في إدارة دفة البلاد، مع تساؤلات في الشارع السوري عن مدى قدرة حكومة دمشق الجديدة على إيصال البلاد كاملة إلى بر الأمان، متجاوزة تحديات جمة تفوق بكثير تلك التي كانت تحيط بعملها في إدلب، شمال غربي سوريا.

تجربة إدلب... إدارة خدمية متعددة

كثيراً ما تحدث كبار مسؤولي الإدارة السورية الجديدة، وعلى رأسهم الشرع، عن نجاح تجربة إدارتهم لإدلب ومحيطها، وعبروا عن ذلك منذ وصولهم إلى قصر الشعب في دمشق، وفي عشرات المقابلات والمؤتمرات.

باتجاه إدلب (المرصد السوري)

في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وُلدت «حكومة الإنقاذ» بمحافظة إدلب؛ كي تكون جسماً إدارياً، وذلك بعد «المؤتمر السوري العام» الذي انعقد في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وتمكنت على مدار كل تلك السنوات من المحافظة على حالة من الاستقرار النسبي في مناطق عملها. فقد أعادت تأهيل شبكات المياه والكهرباء، وعملت على استجرار الكهرباء من تركيا، واستدامة توافرها ضمن المناطق التي تحكمها. ونجحت المؤسسة العامة لمياه الشرب في إدارة عملية ضخّ المياه، وإيصالها ضمن وحدات موزعة على المدن والقرى، وجهّزت البنية التحتية للكهرباء وإيصالها وإدارتها تحت غطاء شركات خاصة. ووفق موقعها الرسمي، تمكنت «الإنقاذ» من تنفيذ مشاريع تأهيل وتعبيد طرقات محورية وعادية، ومرافق خدمية، يجري استخدامها منذ سنوات. وسعت بعد مرحلة التأسيس، التي ركزت فيها على هيكلة مؤسسات خدمية، إلى تنفيذ مئات المشاريع التي تنوعت بين تركيب الإنارة في الساحات والشوارع، وتأهيل ومد شبكات جديدة لمياه الشرب والصرف الصحي.

منظر عام لمخيم للنازحين في شمال إدلب 25 سبتمبر 2022 (رويترز)

وفي عام 2023، أُنجز نحو 710 مشروعات طرقية بطول 50 كيلومتراً، و1854 مشروع تمديد صرف صحي بطول 4 كيلومترات، و185 مشروع إنارة وتجميل وصيانة. وفي مجال التعليم، وفرت «حكومة الإنقاذ» الدعم لـ1658 مدرسة، بلغ عدد طلابها 474 ألف طالب وطالبة، تلقوا التعليم، إلى جانب 410 مدارس جرى إنجازها في مخيمات النزوح، و571 مدرسة للتعليم الخاص، ضمت 109 آلاف طالب وطالب، إلى جانب إنشاء عدد من الجامعات التي استفاد منها مئات الطلاب. ولعل أبرز ما يميز إدارتها لإدلب، هو اعتمادها على حرية اقتصادية واسعة وإعفاءات جمركية، خففت الأعباء المالية على السكان، وشجعت حركة التجارة، فانتعشت الأسواق.

انتقادات قديمة جديدة

رغم كل الإنجازات التي كانت تخرج من جعبة «حكومة الإنقاذ» فإنها كانت تحت مجهر النقد من قبل عدد من سكان إدلب، بسبب بعض الممارسات على مستوى الإدارات وتولية المقربين منها على حساب الكفاءات، إضافة إلى بعض الاحتكارات. كذلك سجل عليها توجسها تجاه منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي قد يعزز عند البعض المخاوف من نقل التجربة من إدلب إلى عموم سوريا.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل لمرات عدة مع مكتب رئيس الوزراء في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير، ومع عدد من وزرائه لاستيضاح رؤيتهم للمرحلة المقبلة لكن من دون رد.

موظف يعدّ نقوداً في «البنك المركزي السوري» بدمشق بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

إلا أن مصدراً في رئاسة مجلس الوزراء رد على عدد من التساؤلات التي نقلتها «الشرق الأوسط» من بعض المتخوفين من عدم قدرة حكومة البشير على إدارة كامل البلاد بالطريقة التي يتمناها السوريون، إلى جانب النقد من اختيارات اللون الواحد للمؤسسات.

وقال المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه: «لا شك أن إدارة إدلب شكلت مرحلة مهمة ونقطة تحول نحو المأسسة، وهي نواة تم البناء عليها، لكن إدارة بلد بحجم سوريا وموارده تتطلب ترتيباً مختلفاً، والطموح هو تحقيق نتائج سريعة على جميع الأصعدة، بما يناسب تاريخ سوريا ومكانتها بين دول المنطقة ودول العالم، حيث نسعى للاستفادة من تجارب عالمية رائدة لتحقيق النمو والتطور الذي ينشده السوريون».

وأضاف المصدر: «أما بالنسبة للون الواحد، فإن التعيينات بعد مرحلة التحرير أخذت هذا الطابع وهذا بديهي، وهو من مقتضيات المرحلة، فالمرحلة تطلبت فريق عمل منسجماً لفترة من الزمن لتحقيق نتائج مُرضية على جميع الملفات».

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

تحديات الواقع تفوق النموذج

مما لا شك فيه أن سوريا تواجه تحدياً أكثر تعقيداً من تلك التي واجهتها «حكومة الإنقاذ» في إدلب. وعليه، فهناك أصوات تطالب الحكومة الجديدة في دمشق باتباع نهج اقتصادي شامل يراعي ضغوط العقوبات الدولية، وضرورة تحقيق التنمية الشاملة، حيث لا يمكن، وفق المطالبين، الاعتماد على نموذج إدلب بوصفه إطاراً شاملاً لإدارة الاقتصاد، بل يمكن الاستفادة من مرونته في التعامل مع الأزمات. وما يزيد من حجم التحديات وجود نحو 4 ملايين نازح، يعتمد غالبيتهم على المساعدات الإنسانية، بحسب تقارير الأمم المتحدة، منهم نحو 80 في المائة من النساء والأطفال، إضافة إلى معاناة الكثير منهم من فقدان الأمن الغذائي، إلى جانب عشرات المدن والبلدات المدمرة في كل سوريا.

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)

ووفق نظرة عامة لسوريا، فإن الحرب على مدار 14 عاماً خلقت أعباء كبيرة على القطاعات الخدمية التي تحتاج قدراً كبيراً من الميزانية الحكومية، وخصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، التي تراجعت بشكل كبير. وفي سعيها للتخفيف من وطأة هذه التحديات لم توفر إدارة سوريا الجديدة فرصة للمطالبة برفع العقوبات عن سوريا، أبرزها على لسان الرئيس الشرع، الذي قال غير مرة إن «الجلاد ذهب، والضحية موجودة في سوريا»، مطالباً برفع العقوبات.

ويتوقع أن تلعب الإعفاءات الأميركية عن قطاعات مرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية، إلى جانب التحركات الأوروبية لرفع القيود عن قطاعات رئيسة في الاقتصاد السوري، مثل النفط والخدمات المصرفية والتجارة، إلى جانب العقوبات الفردية التي تستهدف النخب التابعة للنظام، دوراً في دفع عجلة التعافي في البلاد.

المحلل الاقتصادي، فراس شعبو شرح لـ«الشرق الأوسط» الفرق بين إدارة إدلب وسوريا، وأشار إلى قدرة الحكومة الانتقالية من الاستفادة من تاريخها العملي، وسبل التغلب على أي عوائق من الممكن أن تواجهها، قائلاً: «إن نموذج إدارة إدلب مختلف عن نموذج إدارة سوريا؛ إذ إن المساحة والجغرافيا مختلفتان، إلى جانب الوضع الديمغرافي. في إدلب كانت (الإنقاذ) تدير مؤسسات صغيرة في حيز جغرافي صغير ومعقد، أما اليوم فنحن أمام نظام دولة لديها موارد ومقدرات... حتى على الصعيد المالي والنقدي لم يكن في إدلب شيء اسمه مصرف مركزي ولا ضبط للعملة النقدية؛ لأن الناس كانت تتداول إما الدولار الأميركي وإما الليرة التركية؛ بمعنى أنه لم يكن هناك إدارة مالية بالمعنى الحقيقي، أما في الدولة فيوجد عملة وجمارك وضرائب ومصرف مركزي». وأضاف شعبو: «أعتقد أن الحكومة بحاجة لإدارة هذا الملف بحرص شديد؛ لأنها تسلّمت بلداً منهاراً متداعياً على جميع الأصعدة، ولذلك فإن وجوب الاستعانة بالكفاءات ولخبرات ضرورة لوضع الخطط لتحسين الوضع المعيشي والخدمي والاقتصادي».

وأشار إلى أن الأمر ليس سهلاً، «حيث لم يدخل إلى البلاد أي أموال من المساعدات في الوقت الذي لا تزال فيه العقوبات المصرفية موجودة، وهو ما يعني مشكلة معيقة». وتابع: «شهران على تسلم بلد مدمر ومنهك لا يمكن من خلالهما قياس عمل أي حكومة، وبالنسبة للتعافي فستظهر نتائجه خلال نحو سنتين»، مؤكداً إعطاء دور مؤثر للخبرات، وفسح المجال لتغيير كثير من الأنظمة والقوانين التي كانت سائدة وتلعب دوراً معيقاً في الانفتاح الاقتصادي. وأعرب عن اعتقاده بأن حكومة البشير ستستمر في تطبيق تجربة الاقتصاد الحر بسبب كثرة الملفات المحيطة، وأنها ستلجأ لخصخصة جزء كبير من القطاعات الحكومية؛ لأنها غير قادرة على إدارتها.


مقالات ذات صلة

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

خاص حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

أقارب الأمير حسن قالوا إنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها». وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمّن وصوله إلى دمشق

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي سكان من ديريك قرب الحدود السورية التركية بعد منخفض جوي ويبدو نهر دجلة (رويترز)

مظلوم عبدي: ملف الدمج بين الحكومة السورية و«قسد» قد يستغرق بعض الوقت

قال قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «أن ملف الدمج قد يستغرق بعض الوقت»، وذلك رغم إعرابه عن الثقة «بنجاح تنفيذ الاتفاقية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي لقطة عامة لمخيم «الهول» في محافظة الحسكة السورية (رويترز) p-circle

السلطات السورية تبدأ إجلاء سكان مخيم «الهول» إلى آخر في حلب

بدأت السلطات السورية، الثلاثاء، نقل من تبقوا من قاطني مخيم «الهول»، الذي يؤوي عائلات عناصر في تنظيم «داعش»، إلى مخيّم آخر في حلب شمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد شاب وفتاة يقفان في طابور طويل لأنابيب الغاز للتزود بالوقود في سوريا (إكس)

سوريا تعلن تجاوز النقص المؤقت في الغاز

أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز، مشيراً إلى أن حركة التوزيع ستعود إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي افتتاح مؤتمر الأوقاف الأول في سوريا الأحد (سانا)

الشرع في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي»: خطوة مهمة لترسيخ الاعتدال

المؤتمر ثمرة لسلسلة من الورشات العلمية التي أُقيمت في مختلف المحافظات السورية، شارك فيها أكثر من 500 عالم وداعية، نوقشت خلالها محاور الخطاب الديني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
TT

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)

يتعرض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة لحصار خانق، إذ يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة وتلويحاً بعقوبات أميركية قد تطول عائدات النفط.

وتراجع المالكي في اللحظات الأخيرة عن حضور اجتماع حاسم لتحالف «الإطار التنسيقي» كان مخصصاً ليل الاثنين - الثلاثاء، لحسم مصير ترشيحه، متمسكاً بالاستمرار «حتى النهاية».

وتتزايد الانقسامات داخل التحالف بين من يفضّل منحه فرصة للانسحاب الطوعي حفاظاً على وحدته، ومن يدعو إلى حسم المسألة عبر تصويت داخلي قد يطيح به.

وقال وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري إن «الأحزاب الشيعية» تلقت رسالتي رفض جديدتين من البيت الأبيض بشأن ترشيح المالكي، مشيراً إلى أن «رئيس الجمهورية الجديد لن يُكلّفه تشكيل الحكومة».


عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
TT

عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)

لعب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، أحمد عبيدات، الذي رحل مطلع الشهر الحالي، أدواراً أساسيةً في مرحلة مضطربة من تاريخ بلاده. فعلى مدى عقد ونصف العقد تدرج من قيادة المخابرات إلى وزارة الداخلية، ثم رئاسة الحكومة التي تولى معها حقيبة الدفاع.

روى الرجل شهادته على هذه الفترة لـ«الشرق الأوسط» قبل «طوفان الأقصى» بأسابيع. وحالت تبعات «الطوفان» دون نشرها. في الحلقة الأولى، يقول عبيدات إن «قناصاً لم يُعرف لليوم» هو من اغتال رئيس الوزراء الأردني الأسبق وصفي التل، لا رصاصات المجموعة التي هاجمته عند مدخل فندقه في القاهرة.

واعتبر عبيدات أن التل «ضحى بنفسه» حين تحمل مسؤولية قرار الجيش مهاجمة فدائيين فلسطينيين في جرش وعجلون، مشيراً إلى أن ما حدث كان «رد فعل عفوياً من الجيش» لم يستشر فيه. واستبعد أن يكون أبو إياد اتخذ قرار اغتيال التل منفرداً، مؤكداً أن «القيادة الفلسطينية أخذته».


الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
TT

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

بعد الخروج المفاجئ، لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء، باتجاه محافظة درعا، ليلة الاثنين - الثلاثاء، توقع مصدر سوري رسمي أن هذا الخروج ستتبعه حالات أخرى هرباً من مناطق سيطرة شيخ العقل، حكمت الهجري، في جبل العرب.

وقال مدير العلاقات الإعلامية في السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير حسن الأطرش «أصبح في دمشق»، ويمكنه أن «يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين في جبل العرب، كونه شخصية عامة».

ولم يذكر عزام الجهة التي أمنت عملية الخروج للأمير حسن، لكنه ذكر أن السويداء تشهد حالة تململ واسعة جراء السياسة المتبعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية. وأضاف: «هناك «سياسة ترهيب وابتزاز وتكتيم للأصوات الوطنية بالسلاح والاغتيال والاختطاف».

حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

من جهة أخرى، بينت مصادر درزية مقيمة في مدينة السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أن «أقارب للأمير حسن ذكروا خلال تواصل معهم، أنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها».

وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمن وصوله إلى دمشق».

وذكرت المصادر الدرزية، نقلاً عن شخص لم تسمه وهو على تواصل مع الحكومة السورية، أن «خروج الأمير حسن يأتي ضمن خطة جديدة لحل الأزمة في السويداء».

وتداولت مواقع إلكترونية تعنى بنقل أخبار محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية والواقعة جنوب سوريا، خبر «تأمين خروج» الأمير الأطرش، «الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة في محافظة السويداء، من ريف المحافظة الجنوبي الغربي، ووصوله إلى محافظة درعا».

صورة أرشيفية لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء مع شيخ العقل حكمت الهجري

ولم تأت هذه المواقع على ذكر الجهة التي أمنت عملية الخروج. وفي الوقت نفسه، وصفت ما جرى بأنه «سابقة نوعية تتعلق بشخصية اجتماعية وازنة بهذا الحجم من السويداء، حيث يُعد الأمير حسن من الزعماء التقليديين لآل الأطرش، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي».

ويأتي خروج الأمير الأطرش من السويداء، في وقت يسيطر فيه الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على أجزاء واسعة من السويداء من ضمنها قرية عرى التي توجد فيها «دار عرى»، وذلك ضِمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة، بدعم من إسرائيل، وبعد رفضه «خريطة الطريق» التي جرى الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء، وكذلك رفض مبادرات للحل أطلقها لاحقاً محافظ السويداء مصطفى البكور.

حديث بين الأمير حسن الأطرش ومحافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

المصادر الدرزية المقيمة في مدينة السويداء عدّت خلال حديثها، أن خروج الأمير حسن «يمكن أن يؤثر على الوضع القائم في مناطق سيطرة الهجري بحكم أن (دار عرى) شكلت عبر التاريخ مركز القرار في جبل العرب، كما أنها مثلت تاريخياً الزعامة السياسية في السويداء، بينما مشيخة العقل مثلت زعامة دينية، وهي أقل مرتبة من الزعامة السياسية».

تضيف المصادر: «(دار عرى) تحظى برمزية كبيرة، والأمير حسن له دور في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي، وقد خرج من السويداء وإذا أطلق التصريحات فقد يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين كونه شخصية عامة».

ويتمتع الأمير حسن بمكانة اجتماعية كبيرة في السويداء، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي السياسي المحلي في المحافظة، كونه من أحفاد قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، التي اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي، في عشرينات القرن الماضي.

وأبدى الأمير حسن تأييداً واضحاً للقيادة والحكومة السورية عقب إسقاط نظام حكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

صورة ذاتية التقطها الأمير حسن الأطرش قرب لوحة لجده سلطان الأطرش أبرز الشخصيات السياسية الدرزية (مواقع)

ومع انفجار أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، دعا إلى إنهاء الاقتتال وعدم الانجرار وراء الفتن، مؤكداً ضرورة التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة، للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

ومنذ ظهور الهجري بوصفه زعيماً معارضاً للحكم الجديد في سوريا وسيطرته على مناطق في السويداء، عمل على الاستئثار بالقرار في مناطق نفوذه، وهمش باقي المرجعيات الدينية الدرزية (شيخَي العقل يوسف جربوع، وحمود الحناوي) والنخب الثقافية والفكرية.

وأوضحت المصادر الدرزية أن «دار عرى» رمزياً وتاريخياً أعلى سلطة ومكانة من «دار قنوات»، التي يقيم فيها الهجري وتعد مقر الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.

من جهة أخرى، يقلل اتباع الهجري من أهمية خروج الأطرش ولجوئه إلى دمشق، على مشروعهم، وبحسب متابعين للأوضاع، فإن «الهجمة التي شنت عليه تعبر عن مدى خطورة هذا الأمر على هذا المشروع».

هذا، وتزامن خروج الأمير حسن من جبل العرب مع إعلان مدير الأمن الداخلي لمدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، عبر حسابه في «فيسبوك»، أن دخول قوى الأمن الداخلي الحكومية إلى مدينة السويداء سيتم «قريباً»، وأن الهدف من العملية هو «إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها».