«سال» السعودية توسع خياراتها اللوجستية مع تغير خريطة التجارة العالمية

الرئيس التنفيذي للقطاع: تعدد وسائل النقل يعزز استمرارية سلاسل الإمداد

جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
TT

«سال» السعودية توسع خياراتها اللوجستية مع تغير خريطة التجارة العالمية

جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

لم تعد سرعة نقل الشحنات وتكلفتها وحدهما تحسمان خيارات الشركات في سوق الخدمات اللوجستية، بعدما أعادت الاضطرابات الجيوسياسية وتغير مسارات التجارة العالمية تعريف مفهوم كفاءة سلاسل الإمداد. وأصبح تأمين بدائل للنقل، والقدرة على التحول السريع بين الممرات والوسائل، وضمان استمرارية تدفق البضائع، عوامل أكثر حضوراً في قرارات العملاء.

وفي السعودية، ينعكس هذا التحول على الطلب على الخدمات اللوجستية المتكاملة، بالتزامن مع توسع النشاط الصناعي والاستيراد والاستثمارات في البنية التحتية. وتستفيد الشركات العاملة في القطاع من هذا الاتجاه لتوسيع قدراتها التشغيلية وتطوير حلول تجمع بين النقل الجوي والبري والبحري، بما يتيح مرونة أكبر أمام تغيرات التجارة العالمية.

وتأتي «سال» في مقدمة المستفيدين من هذا الطلب، بعدما سجلت أعلى إيرادات فصلية في تاريخها خلال الربع الثاني من العام الحالي عند 512.1 مليون ريال (136.6 مليون دولار)، بزيادة 30 في المائة على أساس سنوي، فيما ارتفع صافي الربح 18 في المائة إلى نحو 191 مليون ريال (50.9 مليون دولار). وخلال النصف الأول، ارتفعت الإيرادات 23.1 في المائة إلى 957.9 مليون ريال (255.4 مليون دولار).

وقال الرئيس التنفيذي لقطاع «سال» اللوجستي، ريان البكري، إن «الموثوقية والمرونة أصبحتا من أهم العوامل المؤثرة في قرارات العملاء وسلاسل الإمداد العالمية»، مشيراً إلى أنه عندما تشهد بعض الممرات التجارية أو مسارات النقل تحديات تشغيلية أو متغيرات غير متوقعة، يتجه العملاء إلى البحث عن حلول تضمن استمرارية الأعمال وسرعة الوصول إلى الأسواق.

ريان البكري الرئيس التنفيذي لقطاع «سال» اللوجستي (الشركة)

وأضاف في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أن «سال» تشهد اهتماماً متزايداً بالحلول اللوجستية المتكاملة التي تجمع بين أكثر من وسيلة نقل وفق احتياجات كل عميل، موضحاً أن الشركة لا تنظر إلى الشحن الجوي أو البري باعتبارهما بديلين مباشرين للنقل البحري، بقدر ما تراهما عنصرين مكملين ضمن منظومة واحدة تهدف إلى تحقيق الكفاءة والمرونة في حركة البضائع.

وقال البكري إن «البضائع دائماً تجد طريقة للوصول إلى العميل النهائي مع اختلاف الوسائل»، مشيراً إلى مواصلة الشركة توظيف الشراكات الاستراتيجية لتوسيع خيارات الربط اللوجستي أمام العملاء.وفي هذا الإطار، أشار إلى تعاون «سال» مع «SPARK Logistics» لتفعيل الممر البري الجديد بين ميناء صحار في سلطنة عُمان والميناء الجاف بمدينة الملك سلمان للطاقة (SPARK)، موضحاً أن هذا المسار يعزز تدفق التجارة الإقليمية ويرفع من مرونة وموثوقية سلاسل الإمداد.

كما أشار إلى رفع الطاقة التشغيلية في المطارات وتوفير حلول لاستقبال واستيعاب طلبات العملاء والشركاء في السوق المحلية والأسواق الخليجية، إلى جانب ربط المطارات بشبكة تشغيلية متكاملة لتعزيز المرونة في سلاسل الإمداد.

توقعات إيجابية للطلب

وينظر البكري بإيجابية إلى آفاق الطلب على خدمات «سال» خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار النمو في الشحنات الواردة وتوسع الاستيراد لقطع الغيار والمعدات المتعلقة بالأنشطة الصناعية، إلى جانب ارتفاع الحاجة إلى حلول لوجستية أكثر تكاملاً ومرونة على مستوى المنطقة.

وتستند هذه النظرة، بحسب البكري، إلى مجموعة من العوامل، من بينها تنوع قاعدة العملاء، وتوسع الخدمات اللوجستية المتخصصة، والاستثمارات التي تنفذها الشركة لتعزيز قدراتها التشغيلية والبنية التحتية.

كما يسهم الاستهلاك المحلي وبناء المخزون الاستراتيجي لأغلب المنتجات في خلق فرص نمو مستدامة للقطاع بشكل عام.

وفي المقابل، يتعامل القطاع مع مجموعة من المتغيرات العالمية التي قد تؤثر في الربحية والتكاليف التشغيلية، تشمل تكاليف النقل والتأمين والطاقة، إلى جانب التطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على حركة التجارة الدولية.

وقال البكري إن تركيز «سال» يتجه في المقابل إلى رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين الإنتاجية والاستفادة من التقنيات الحديثة وتنويع مصادر الإيرادات، بما يدعم استدامة الأداء على المدى الطويل.

وأضاف أن القدرة على التكيف السريع مع المتغيرات، إلى جانب الانضباط التشغيلي والاستثمار المستمر في الخدمات ذات القيمة المضافة، ستظل من أهم العوامل الداعمة لأداء الشركة خلال الفترة المقبلة، لضمان استمرارية العمل والحفاظ على مستوى الخدمة للشركاء والعملاء في مختلف القطاعات والخدمات.

جانب من مستودعات «سال» بمحطة جدة (الشركة)

توسع في البنية التحتية

ويمثل الاستثمار في البنية التحتية والقدرات التشغيلية جزءاً أساسياً من استراتيجية «سال» للنمو، حيث تعمل الشركة على مجموعة من المبادرات المتوازية التي تستهدف رفع الجاهزية التشغيلية وتمكين القطاع اللوجستي وتعزيز مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً.

وقال البكري إن أولويات الشركة الحالية تشمل التوسع في القدرات التشغيلية بمطارات المملكة، وتطوير مناطق «سال» اللوجستية، والاستثمار في الحلول الرقمية والتقنيات الذكية التي ترفع كفاءة العمليات وتسرّع تدفق الشحنات عبر مختلف مراحل سلسلة الإمداد.

كما تركز «سال» على تطوير البنية التحتية الداعمة للخدمات المتخصصة والحلول اللوجستية المتكاملة، بما يتوافق مع احتياجات القطاعات الحيوية والمتنامية في المملكة.

وفي هذا الإطار، أشار البكري إلى مواصلة الشركة توسيع حضورها الدولي من خلال الاستحواذ على «Aviapartner Liège»، بما يعزز ربط عملائها بأحد مراكز الشحن الجوي في أوروبا ويدعم امتداد «سال» على مسارات التجارة العالمية.

وبالتوازي مع ذلك، تعمل الشركة على توسيع منظومة الشراكات العالمية التي تدعم تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية المتقدمة، ومنها توقيع مذكرتي تفاهم مع مجموعة «CIMC» الشرق الأوسط لاستكشاف فرص التعاون في أنظمة مناولة الشحنات والأتمتة والروبوتات والمركبات ذاتية التشغيل.

وتشمل مجالات التعاون تطوير مرافق ومستودعات ضمن مناطق «سال» اللوجستية واستقطاب الاستثمارات والشركات العالمية إلى المملكة، بما يعزز مكانتها باعتبارها مركزاً إقليمياً للتصنيع والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية.

الأتمتة والخدمات المتخصصة

وفي جانب التحول الرقمي، تواصل «سال» الاستثمار في التقنيات الحديثة والحلول الذكية، ومن ذلك تعاونها مع «هواوي تك إنفستمنت العربية السعودية» لاستكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس والحوسبة السحابية في القطاع اللوجستي.

وأوضح البكري أن هذه الجهود تدعم تطوير مناطق لوجستية أكثر ذكاءً، وترفع كفاءة العمليات، وتعزز تجربة العملاء عبر مختلف مراحل سلسلة الإمداد.

وبالتوازي، تشهد الخدمات اللوجستية المتخصصة، خصوصاً الشحنات الدوائية والطبية والمبردة، نمواً متواصلاً، في ظل ما تتطلبه هذه القطاعات من مستويات عالية من الدقة والموثوقية.

وقال إن هذه الخدمات تحظى بأهمية متزايدة ضمن استراتيجية «سال» لما تتطلبه من قدرات تشغيلية متقدمة وبنية تحتية متخصصة وخبرات نوعية، فضلاً عن القيمة المضافة التي توفرها للعملاء.

وتواصل الشركة، وفق البكري، تسريع جهود الأتمتة والتحول الرقمي عبر الاستثمار في التقنيات الذكية والحلول التي تعزز كفاءة العمليات ودقة المناولة وسرعة اتخاذ القرار.

كما تهتم «سال» بالاستدامة من خلال تبني ممارسات وحلول تسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد ودعم مستهدفات القطاع اللوجستي في المملكة.

وأكد البكري أن توجه الشركة يتمثل في توسيع الخدمات المتخصصة والمتكاملة ودعمها بالتقنيات الحديثة، وتطوير حلول لوجستية أكثر استدامة تدعم تطلعات العملاء وتواكب التحول الذي يشهده القطاع على المستويين الإقليمي والعالمي.


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تجذب توسعاً أميركياً في الغذاء والتصنيع

خاص حاويات في ميناء جدة الإسلامي (واس)

السوق السعودية تجذب توسعاً أميركياً في الغذاء والتصنيع

تعزز السعودية حضورها بوصفها سوقاً جاذبة لشركات الغذاء العالمية، مع انعكاس التحديثات التنظيمية وتوسع قطاعات التصنيع والخدمات الغذائية على حركة التجارة.

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد جانب من حضور «المنتدى الاقتصادي لسيرفكورب» (الشرق الأوسط)

منتدى «سيرفكورب»: السعودية أمام تحولات اقتصادية متسارعة

تتجه السعودية إلى مرحلة اقتصادية تتداخل فيها التحولات الجيوسياسية مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والطاقة وسوق العمل.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد أحد قطارات «سار» لنقل الركاب في السعودية (سار)

«سار» السعودية تعزز أسطولها بـ10 قطارات ركاب جديدة

وقعت «سار» اتفاقية تمويل مع «الوكالة السويسرية لتأمين الصادرات» و3 بنوك، لشراء 10 قطارات ركاب جديدة من «ستادلر» السويسرية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

مع نمو الطلب على الغذاء والدواء، تنتقل سلسلة التبريد السعودية إلى مرحلة جديدة، تبرز فيها كفاءة الشبكة، وسرعة المناولة، والقدرة على التعافي.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

فائض الميزان التجاري السعودي يتراجع إلى 3.84 مليار دولار خلال يوليو

سجل فائض الميزان التجاري السلعي للسعودية تراجعاً بنسبة 25.0 في المائة خلال شهر يوليو (تموز) 2026 على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.