السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

عبد العزيز بن سلمان: لا نطور برنامجنا النووي في الخفاء... بل بشفافية وشراكات دولية وتحت إشراف «الوكالة الذرية»

TT

السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (إ.ب.أ)
وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (إ.ب.أ)

تمضي السعودية في إدخال الطاقة النووية ضمن مزيجها الوطني، بالتوازي مع تطوير مواردها المحلية من اليورانيوم وبناء سلسلة قيمة متكاملة للمعادن تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج «الكعكة الصفراء»، في توجه يستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية لثرواتها الطبيعية وتعزيز أمن الإمدادات.

وقال وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في كلمة ألقاها أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، إن المملكة تمتلك موارد معدنية واسعة ومتنوعة، وتعمل على تطويرها ضمن منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، بالتوازي مع دورها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وتكتسب كلمة الأمير عبد العزيز بن سلمان أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 108 دولارات للبرميل، واستمرار نمو الطلب على الطاقة بفعل التوسع الاقتصادي والتقني والصناعي، ما يعزز أهمية تنويع مصادر الطاقة ورفع موثوقية الإمدادات واستدامتها.

وقال وزير الطاقة إن تنامي الطلب على الطاقة والتوسع الاقتصادي والتقني والصناعي يجعل تنويع مصادرها وتعزيز موثوقيتها واستدامتها من ضرورات دعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات، مؤكداً أن المملكة تعمل على بناء مزيج وطني أكثر تنوعاً واستدامة وفق اعتبارات اقتصادية وتنموية متكاملة، من بينها إدخال الطاقة النووية ضمن هذا المزيج في إطار تنظيمي يتوافق مع التزاماتها الدولية.

وأضاف أن المملكة رسَّخت على مدى عقود مكانتها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، بالتوازي مع توجهها إلى تطوير مواردها الطبيعية وتعظيم قيمتها الاقتصادية والصناعية.

وأوضح أن المملكة، التي تعد ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً، تمضي في برنامجها الوطني لاستكشاف موارد اليورانيوم عبر مسارات عدة، من بينها استخلاصه كمنتج مصاحب لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، واستكشاف الموارد في منطقة جبل صايد، إلى جانب مواصلة أعمال المسح والاستكشاف للموارد التقليدية.

ثروات معدنية واسعة

وقال وزير الطاقة إن المملكة، وهي تستعرض ما تتمتع به من مقومات وموارد، تمتلك ثروات طبيعية ومعدنية واسعة ومتنوعة، تشمل خامات الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والفضة والبوكسيت والمغنيسيوم وخام الحديد والرصاص والنيكل والمعادن الأرضية النادرة والمعادن الانتقالية واليورانيوم والسيليكا والجبس وغيرها. وأكد أن المملكة تعمل على تعظيم الاستفادة من هذه الثروات وتحويلها من موارد طبيعية إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، بما يعزز مرونة سلاسل إمدادات المعادن الحرجة والاستراتيجية على المستوى العالمي.

استكشاف اليورانيوم

وفي إطار المسار الأول، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة تعمل على استخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك ضمن عمليات إنتاج الأسمدة الفوسفاتية في شمال المملكة، مستفيدة من مكانتها ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال التجريبية التي أُجريت بالتعاون مع شركة «أورانو» الفرنسية أظهرت مؤشرات اقتصادية واعدة لإعادة استخلاص اليورانيوم من هذه العمليات، وتوّج التعاون بتوقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في أغسطس (آب) الماضي.

وفي المسار الثاني، كشفت أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة عن موارد تقديرية تبلغ نحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصاً العناصر الثقيلة منها، مصحوبة بتركيزات واعدة من اليورانيوم.

وقال الأمير عبد العزيز إن ذلك يضع المشروع بين مواقع الموارد المعدنية الأرضية النادرة المهمة التي يجري تطويرها على مستوى العالم.

وفي المسار الثالث، تواصل المملكة جهودها من خلال مبادرة مسح الغطاء الرسوبي لاستكشاف خامات اليورانيوم من مصادرها التقليدية.

وتعزز هذا التوجه خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حيث وقع البلدان إطاراً للتعاون في مجال المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، أعقبته شراكة بين شركة «معادن»، الشركة السعودية الرئيسية في قطاع التعدين، وشركة «إم بي ماتيريالز» الأميركية لتطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب.

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)

من التعدين إلى سلسلة قيمة متكاملة

وأكد وزير الطاقة أن أهمية هذه الثروات تتعاظم عند النظر إليها ضمن منظومة أوسع من المقومات التي تتمتع بها المملكة، بما في ذلك موارد معدنية واعدة، وإمدادات طاقة تنافسية، وبنية تحتية متطورة، وقدرات صناعية واستثمارية متنامية، وموقع استراتيجي، وشراكات دولية فاعلة.

وقال إن هذه المقومات مجتمعة تفسر جوهر توجه المملكة، موضحاً أن طموحها لا يقف عند إنتاج الخامات أو تصدير المركزات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية وصناعية متكاملة للمعادن، تبدأ من الاستكشاف والتعدين، وتمر بالمعالجة والفصل والتكرير وإنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، واستخلاص اليورانيوم المصاحب وتطوير تقنياته، وصولاً إلى إنتاج «الكعكة الصفراء» وتطوير سلسلة القيمة المرتبطة بها.

وأكد أن تطوير هذه السلسلة سيتم وفقاً للجدوى الاقتصادية وبأعلى معايير الشفافية، وفي إطار التزامات المملكة الدولية.

وأوضح الأمير عبد العزيز أن المقومات والموارد والقدرات والظروف الاقتصادية والأولويات الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن ثم فإن النظر إلى خيارات الدول من خلال نموذج واحد لا يعكس بصورة كاملة هذه الاختلافات، خصوصاً عند المقارنة بدول أخرى في المنطقة لا تتوفر لديها قاعدة الموارد نفسها أو القدرات والصناعات المرتبطة بها بالقدر ذاته.

وقال إن تكامل هذه المقومات في المملكة يوفر أساساً اقتصادياً وصناعياً واضحاً للانتقال من مجرد استخراج المواد إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تعظم القيمة المحلية، باعتبار ذلك جزءاً من منظومة التوطين في المملكة.

وأضاف أن تطوير هذه السلسلة ليس هدفاً منفصلاً عن واقع المملكة الاقتصادي والصناعي، وإنما امتداد مباشر له، تدعمه موارد متاحة وقدرات يجري تطويرها واستثمارات وشراكات تتحول إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع.

وأكد أن هذا النهج يعكس توجه المملكة إلى تعظيم الاستفادة من مقوماتها الوطنية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، مشيراً إلى أن ذلك يميز نموذج المملكة عن نماذج أخرى في المنطقة، في ظل اختلاف قاعدة الموارد والخيارات الاقتصادية والأولويات الوطنية من دولة إلى أخرى.

برنامج نووي شفاف

وفي الوقت نفسه، أكد وزير الطاقة أن خيارات المملكة في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تسير جنباً إلى جنب مع أعلى مستويات السلامة والشفافية، اتساقاً مع الحق الأصيل للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تمييز.

وقال إن المملكة تنتهج في ممارسة هذه الحقوق نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتاح والتعاون الدولي، ولا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي أو من خلال أنشطة سرية أو منشآت مخفية، وإنما تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي.

أضاف: «في ممارسة هذه الحقوق، تنتهج المملكة نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتَاح والتعاون الدولي؛ فهي لا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي، أو من خلال أنشطة تُدار في مخابئ في الخفاء وفي أعماق الجبال، بل تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي».

اتفاقية 123 مع واشنطن

وفي هذا الإطار، قال الأمير عبد العزيز إن الشراكة مع الولايات المتحدة تمثل نموذجاً لهذا التوجه، إذ يمتد التعاون بين البلدين إلى المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، فضلاً عن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأضاف أن هذا المسار تُوّج في يوليو (تموز) الماضي بتوقيع اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، المعروفة باسم «اتفاقية 123».

وتستمد الاتفاقية اسمها من المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، وتشكل الإطار القانوني الذي ينظم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة وشركائها، بما في ذلك نقل المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية، في إطار متطلبات تتعلق بالاستخدامات السلمية وعدم الانتشار والضمانات النووية. ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية الاتفاقية في يوليو 2026، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، وفق وزارة الطاقة الأميركية.

وفي إطار التزامات المملكة الحالية بموجب اتفاق الضمانات الشاملة، ووفقاً لسياساتها الوطنية المعلنة ونهجها القائم على الشفافية، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة وضعت ترتيبات خاصة للضمانات مع الولايات المتحدة تتعلق بالتعاون المشترك بين البلدين، انطلاقاً من أهمية تعزيز هذه الشراكة وترسيخ موثوقيتها.

وأكد أن تنفيذ هذه الترتيبات الخاصة للضمانات سيخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفقاً لنظامها ودور مجلس محافظي الوكالة.

وبالتوازي، تواصل المملكة تعزيز منظومتها الوطنية وأنظمتها الرقابية للطاقة النووية وتطبيقاتها، انطلاقاً من أن بناء الثقة يعتمد على المؤسسات الوطنية والأطر التنظيمية الراسخة والكفاءات الوطنية.

كما تواصل المملكة تعزيز جاهزيتها للاستجابة للحوادث النووية والإشعاعية، وترسيخ الثقة في منظومة السلامة والأمن النوويين، وتعزيز التعاون التقني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الدوليين.

«دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد»

وفي ختام كلمته، جدد وزير الطاقة دعم المملكة الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً الحرص على مواصلة التعاون البناء معها ومع الدول الأعضاء بما يعزز الثقة الدولية ويسهم في تحقيق مستقبل أكثر أمناً واستدامة وازدهاراً للجميع.

وفي رسالة مباشرة إلى المنتقدين، قال الأمير عبد العزيز: «أرسلها لكل صوت مأجور ولكل قلم مستعجل»، معتبراً أن ما صدر خلال الفترة الأخيرة من تعليقات يعكس، في رأيه، عدم فهم للاتفاقيات وإمكانات المملكة وما تقوم به من نموذج لتحقيق مكتسبات وطنية من دون اللجوء إلى أنشطة سرية أو منشآت مخفية.

وأكد أن المملكة تعمل «بكل شفافية» وستواصل ذلك مع شركائها وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس محافظيها، بهدف الوصول إلى منهجية يمكن أن تمثل نموذجاً للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة الشمسية والطاقة النووية.

وختم بالتأكيد على أهمية تسخير الثروات المعدنية في الدول لخدمة القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها توفير الطاقة، قائلاً: «لأنه دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد».


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تتراجع 1.3 % وتسجل أدنى إغلاق في شهر

الاقتصاد ظِل رجل على شاشة أسهم متراجعة (رويترز)

السوق السعودية تتراجع 1.3 % وتسجل أدنى إغلاق في شهر

تراجعت الأسهم السعودية 1.3 % إلى أدنى إغلاق في شهر، بضغط الأسهم القيادية، بينما تصدر «أرماح» المكاسب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

خاص الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تشهد مشاريع الطاقة المتجددة في السعودية نمواً متسارعاً يعكس تنامي الاستثمارات، وتوسع المملكة في تطوير مصادر الطاقة النظيفة.

بندر مسلم (الرياض)
الخليج المسؤول السعودي أكد أن الجهات المختصة تواصل التعامل مع تداعيات الاستهدافات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المنشآت والعاملين (أرامكو السعودية)

السعودية: استهداف منشآت ومرافق للطاقة وتوقّف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية

أفاد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية باستهداف عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية من المملكة صباح اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص من النفط إلى النقل والتكرير... قطاع الطاقة السعودي ينوّع محركات النمو

لم يعد أداء قطاع الطاقة السعودي مرتبطاً بحركة أسعار النفط وحدها، إذ كشفت النتائج المالية للنصف الأول من عام 2026 عن تنوع متزايد في محركات الأداء.

محمد المطيري (الرياض)
خاص «مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

خاص خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

دشنت السعودية سوقاً جديدة لتخزين الطاقة عبر 4 مشروعات بطاريات باستثمارات تتجاوز 1.16 مليار دولار، لتعزيز موثوقية الشبكة ودعم نمو الطاقة المتجددة.

دانه الدريس (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.