«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

تباين التوقعات يرفع ترقب خطاب رئيس «الفيدرالي» وسط ضغوط التضخم والديون

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
TT

«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

يتجه اهتمام الأسواق العالمية إلى جبال وايومينغ بالولايات المتحدة الأسبوع المقبل، حيث تستضيف مدينة جاكسون هول الندوة الاقتصادية السنوية التي أصبحت على مدى عقود إحدى أهم المحطات في أجندة البنوك المركزية العالمية.

لكن أهمية اجتماع هذا العام تتجاوز الموضوع المعلن للندوة؛ إذ تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)»، كيفين وارش، الذي سيخاطب المشاركين لأول مرة منذ توليه قيادة «البنك المركزي» في مايو (أيار) الماضي.

وتُعقد الندوة أيام 27 و28 و29 أغسطس (آب) الحالي، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسة»، بمشاركة نحو 120 من مسؤولي البنوك المركزية وصناع السياسات والأكاديميين من أكثر من 70 دولة. لكن الأسواق ستتعامل مع الحدث بوصفه أكثر من مجرد منتدى أكاديمي؛ فخطاب وارش في 28 أغسطس الحالي سيكون فرصة نادرة للحصول على إشارات مباشرة من رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن رؤيته للسياسة النقدية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تحديد اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

لماذا يكتسب خطاب وارش هذه الأهمية؟

خطاب وارش الذي يأتي عقب أسبوع شهد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، والذي دفع وزارة الخزانة إلى الإعلان عن مضاعفة حجم إعادة شراء الأوراق المالية الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، يأتي في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السياسة النقدية الأميركية. فقد أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» في اجتماعه الأخير أسعار الفائدة عند نطاق بين 3.50 و3.75 في المائة، لكن القرار كشف عن انقسام واضح داخل «اللجنة»، بعدما صوّت 3 أعضاء لمصلحة رفع الفائدة فوراً، في مؤشر على أن المخاوف من التضخم لا تزال حاضرة بقوة داخل «البنك المركزي».

وفي المقابل، أظهرت بيانات التضخم الأخيرة بعض العلامات التي تسمح للأسواق بتخفيف رهاناتها على تشديد السياسة النقدية. فقد جاء مؤشر أسعار المنتجين لشهر يوليو (تموز) الماضي دون التوقعات، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة محدودة على أساس شهري؛ الأمر الذي أسهم في دفع توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل إلى نحو 39 في المائة، بعدما كانت تلك التوقعات بلغت نحو 54 في المائة قبل أسبوع.

وهنا تكمن أهمية «جاكسون هول». فالمشكلة بالنسبة إلى المستثمرين لم تعد تتمثل فقط في قراءة بيانات التضخم المقبلة، وإنما في معرفة كيف يفسر وارش هذه البيانات، وإلى أي مدى يرى أن الاقتصاد الأميركي يحتاج إلى فائدة مرتفعة مدة أطول.

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية» (رويترز)

وارش لا يريد ملاحقة الأسواق

سبق لوارش أن أعطى إشارات إلى أنه يريد الابتعاد عن النمط التقليدي الذي يجعل الأسواق تركز على كل اجتماع وكل مؤتمر صحافي وكل تغير بمقدار ربع نقطة مئوية. وقال بعد اجتماع 29 يوليو الماضي إنه يريد أن يستخدم خطابه في «جاكسون هول» لطرح «الأسئلة الكبيرة»، في إشارة إلى العوامل الهيكلية التي يمكن أن تحدد مسار السياسة النقدية خلال العقد المقبل. كما أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يتحرك بناءً على أسعار السوق.

وتحمل هذه العبارة أهمية كبيرة للمستثمرين؛ لأن الأسواق أصبحت في الأسابيع الأخيرة أميل إلى توقع خفض أو تثبيت الفائدة، بينما لا يبدو أن وارش مستعد بالضرورة لتأكيد تلك الرهانات. وبالتالي، فإن خطاباً لا يقدم توجيهاً مباشراً بشأن اجتماع سبتمبر المقبل قد يكون أكبر تأثيراً من خطاب يحدد مسار الفائدة؛ إذا كشف عن الطريقة التي ينظر بها رئيس «البنك المركزي» الجديد إلى الاقتصاد والتضخم والسياسة النقدية على المدى الطويل.

مسح «بنك أوف أميركا» يكشف عن حذر المستثمرين

ويظهر حجم عدم اليقين في استطلاع أغسطس (آب) المقبل لمديري الصناديق الذي أجراه «بنك أوف أميركا»؛ إذ يتوقع 69 في المائة من المشاركين أن يتبنى وارش نبرة محايدة في «جاكسون هول»، بينما يتوقع 31 في المائة نبرة تميل إلى التشدد، في حين لا يتوقع سوى 7 في المائة خطاباً يميل إلى التيسير.

وتشير هذه التوقعات إلى أن المستثمرين لا يراهنون على تحول واضح نحو سياسة نقدية أكبر تيسيراً، رغم تراجع رهانات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل. كما أن وجود «أقلية كبيرة نسبياً» تتوقع لهجة متشددة يعني أن أي انحراف عن النبرة المحايدة قد يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة في أسواق السندات والعملات والذهب.

فإذا بدا وارش أكبر تشدداً مما تتوقع الأسواق، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة ويتعزز الدولار، في حين يتعرض الذهب والأصول عالية المخاطر لضغوط. أما إذا اكتفى بنبرة محايدة وركز على مرونة السياسة النقدية والاعتماد على البيانات، فقد تجد الأسواق في ذلك تأكيداً لتوقعاتها الحالية.

صورة من مؤتمر العام الماضي لحكام بنوك مركزية من بينهم الرئيس السابق لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جيروم باول (أرشيفية - رويترز)

المعضلة أكبر من «اجتماع سبتمبر»

لكن قراءة «جاكسون هول» من منظور اجتماع سبتمبر المقبل فقط قد تكون مضللة. فوارش نفسه يريد توسيع النقاش إلى ما وراء دورة التضخم الحالية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات مالية وهيكلية متصاعدة.

ويبلغ الدين العام الأميركي نحو 39.9 تريليون دولار، بينما يتوقع «مكتب الموازنة» في الكونغرس أن تقترب مدفوعات الفائدة الصافية من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026. وهذا يعني أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لا ينعكس فقط على الأسر والشركات، وإنما يزيد أيضاً تكلفة خدمة الدين الحكومي.

ومن هنا، فإن قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على إبقاء الفائدة مرتفعة مدة طويلة تصبح جزءاً من معادلة أوسع تشمل التضخم والنمو والاستقرار المالي وتكاليف الاقتراض الحكومي. وهذه الاعتبارات لا تظهر بالضرورة في أرقام التضخم الشهرية، لكنها قد تكون حاضرة في النقاش الذي يريد وارش فتحه بشأن الإطار طويل الأجل للسياسة النقدية.

الذهب والبنوك المركزية: رهان يتجاوز الفائدة

في المقابل، تأتي «جاكسون هول» في وقت لا تقتصر فيه رهانات الأسواق على مسار الفائدة الأميركية فقط، بل تتزامن مع استمرار البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من الذهب. فقد اشترت البنوك المركزية 288.9 طن من الذهب خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62 في المائة على أساس سنوي، في أقوى أداء لربع ثانٍ على الإطلاق، وفق بيانات «مجلس الذهب العالمي».

ويعكس هذا الاتجاه استمرار النظر إلى الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً استراتيجياً، خصوصاً في ظل المخاطر المالية والجيوسياسية وازدياد عدم اليقين بشأن مسارات السياسة النقدية العالمية.

ويمنح هذا الطلب الرسمي الذهب دعماً يتجاوز تأثير تحركات الفائدة الأميركية؛ إذ لا يحمل المعدن مخاطر ائتمانية ولا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة. ومن ثم، فإن رد فعل الذهب تجاه خطاب وارش لن يتحدد فقط بما ستعنيه كلماته لأسعار الفائدة والعوائد الأميركية، بل أيضاً بالطلب المتواصل من البنوك المركزية؛ مما يجعل المعدن أحد أبرز الأصول التي ستراقب «تداعيات جاكسون هول».

عدّاء يركض أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الأسواق تنتظر إشارة لا قراراً

ومن المرجح ألا يمنح وارش الأسواق إجابة مباشرة عن كل ما تريد معرفته. فالتوقعات تشير إلى أنه سيحاول الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد للفائدة. لكن الأسواق لا تحتاج بالضرورة إلى قرار واضح؛ فقد تكون كلمةٌ أو عبارةٌ واحدة كافيةً لتغيير توقعاتها.

وإذا أكد وارش أن السياسة النقدية يجب أن تبقى حذرة في مواجهة التضخم، فقد تعود رهانات رفع الفائدة إلى الواجهة، مع انعكاس ذلك على الدولار والعوائد والذهب. أما إذا شدد على المخاطر التي تهدد النمو أو على الحاجة إلى مرونة أكبر في السياسة، فقد تتراجع العوائد وتتجدد رهانات التيسير.

وفي كلتا الحالتين، فستكون «جاكسون هول» اختباراً مبكراً لقدرة وارش على إدارة توقعات الأسواق، ونافذة على رؤيته لمسار السياسة النقدية في المرحلة المقبلة. وتكتسب كلمته أهمية خاصة لأنها أول مشاركة له في هذه الندوة بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فيما يبحث المستثمرون عن إجابة تتجاوز مصير الفائدة في سبتمبر المقبل، إلى سؤال أوسع: كيف سيتعامل «البنك المركزي» مع التضخم وتكاليف الدين والتحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل الاقتصاد الأميركي خلال السنوات المقبلة؟


مقالات ذات صلة

ترمب يهاجم كندا بعد إعلانها فرض رسوم انتقامية

الاقتصاد صورة مركبة لترمب ورئيس الوزراء الكندي (رويترز)

ترمب يهاجم كندا بعد إعلانها فرض رسوم انتقامية

هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب كندا يوم الأحد، بعدما أعلن رئيس الوزراء مارك كارني فرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)

تحليل إخباري ترمب يفتح حرباً جديدة مع سوق السندات... معركة قد يصعب عليه الفوز بها

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة مالية جديدة، وهذه المرة في سوق السندات، بعد ارتفاع عوائد الديون الحكومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري من تراجع حاد إلى أسبوع استثنائي... كيف تحوّل الذهب و«البتكوين» إلى نجمي الأسواق

ارتفع «البتكوين» والذهب بقوة هذا الأسبوع، مدفوعين بتحركات محمومة في سوق السندات، بينما استفادت العملة المشفرة أيضاً من نشاط مكثف في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد حوض لتجميع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بولاية ويست فرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)

أميركا تلجأ لمناجم فحم سابقة لاستخراج المعادن النادرة

تندرج المعادن النادرة في صلب الخصومة القائمة بين الولايات المتحدة والصين التي تهيمن على إنتاج هذه المعادن وتكريرها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)

تحليل إخباري 460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

تبرز ورقة مالية في المواجهة التجارية بين كندا وأميركا: حيازات أوتاوا الكبيرة من سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«اليوم الاقتصادي» لترمب ضد إيران... ما الخيارات المتاحة؟

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
TT

«اليوم الاقتصادي» لترمب ضد إيران... ما الخيارات المتاحة؟

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)

تستعد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتصعيد الضغط الاقتصادي على إيران، مع إعلان وزير الخزانة، سكوت بيسنت، أنه سيكشف، الاثنين، عن تفاصيل إجراءات جديدة ضد طهران قال إنها ستكون «غير مسبوقة»، في وقت تدخل فيه الحرب شهرها السادس من دون حسم عسكري أو تسوية سياسية.

وتأتي الخطوة في مرحلة جديدة من الصراع، بعدما أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستفرض عواقب اقتصادية على أي دولة توفر «أي نوع من شريان حياة» لإيران، بينما وصف نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، الضغط الاقتصادي بأنه «المرحلة الجديدة» من الحرب، عادّاً أنه الأداة الأكبر فاعلية المتاحة لواشنطن لتحقيق هدفها النهائي.

ومن المقرر أن يعقد بيسنت مؤتمراً صحافياً في وزارة الخزانة، الاثنين، عند الساعة الثانية من بعد الظهر بتوقيت شرق الولايات المتحدة، للكشف عن تفاصيل الإجراءات التي كان قد وعد بإعلانها في وقت سابق من الأسبوع.

حملة بدأت قبل «اليوم الاقتصادي»

لا تبدأ الحملة الأميركية من الصفر. فقد فرضت الولايات المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة و«الاتحاد الأوروبي»، عقوبات وحظراً تجارياً وجمدت أصولاً إيرانية على مدى عقود، على خلفية البرنامج النووي الإيراني وانتهاكات حقوق الإنسان ودعم الجماعات المسلحة.

وتصاعد الضغط بصورة كبيرة منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، لا سيما بعد انسحاب إدارته الأولى من الاتفاق النووي الذي كان أُبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية.

ومنذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي، وسعت واشنطن العقوبات لتشمل قطاعات الطاقة والنقل البحري والتمويل، إلى جانب بدء حصار بحري على الموانئ الإيرانية.

وتظهر بيانات «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية»، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، أن واشنطن فرضت منذ بدء ولاية ترمب الثانية عقوبات على أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة.

وشملت الإجراءات الأخيرة ما يعرف بـ«أسطول الظل» الذي ينقل النفط الإيراني، وشركات التأمين البحري، والكيانات والأشخاص الذين يساعدون إيران في الحصول على الأسلحة، إضافة إلى منصات رقمية، فيما جمدت واشنطن ما تقدر قيمته بنحو 500 مليار دولار من العملات المشفرة المرتبطة بإيران.

لكن رغم اتساع نطاق العقوبات، فإن واشنطن لم تتمكن من قطع جميع قنوات إيران الاقتصادية.

إيرانيون يقودون سياراتهم بالقرب من لافتة مناهضة لترمب في طهران (إ.ب.أ)

النفط الإيراني... الحلقة الأهم

يبقى النفط في قلب أي حملة اقتصادية جديدة؛ لأن عائداته تمثل مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية التي تحتاج إليها طهران لتمويل اقتصادها وحربها.

وتستحوذ الصين على أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيراني المنقول بحراً، وفق بيانات شركة «كبلر» لعام 2025؛ مما يجعل السوق الصينية نقطة الضغط الأهم أمام إدارة ترمب.

ولهذا تبرز أمام واشنطن إمكانية تشديد العقوبات على المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم «مصافي الشاي»، التي تمثل نحو ربع طاقة التكرير الصينية.

وتشتري هذه المصافي جزءاً مهماً من النفط الإيراني، لكنها تختلف عن شركات الطاقة الصينية الكبرى في أنها أقل ارتباطاً بالنظام المالي الأميركي؛ مما يجعل العقوبات الأميركية أقل قدرة على ردعها.

وقد سبق للعقوبات الأميركية أن دفعت بعض المصافي المستقلة الأكبر حجماً إلى الابتعاد عن النفط الإيراني، لكن خبراء العقوبات يرون أن عدداً منها يتمتع بدرجة أكبر من الحصانة بسبب محدودية تعرضه للنظام المالي الأميركي.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)

البنوك الصينية... الورقة الأخطر

الخيار الأعلى حساسية يتمثل في توسيع العقوبات الثانوية لتشمل بنوكاً صينية أكبر.

فقد فرض «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بالفعل عقوبات على مؤسسات أصغر في الصين وهونغ كونغ، اتهمها بمعالجة مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني والمساعدة في تمويل مشتريات الأسلحة.

كما حذرت وزارة الخزانة الأميركية بنكين صينيين أكبر من احتمال فرض عقوبات ثانوية عليهما إذا تبين انتقال أموال إيرانية عبر أنظمتهما، لكنها لم تكشف عن اسميهما ولم تفرض عليهما العقوبات حتى الآن.

وقد يكون استهداف هذه البنوك قادراً على إحداث أثر أوسع بكثير؛ لأنه قد يدفع مؤسسات مالية أخرى إلى الابتعاد عن التعامل مع إيران، خوفاً من فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

لكن الثمن قد يكون مرتفعاً بالنسبة إلى واشنطن أيضاً.

فاستهداف بنوك صينية كبيرة يمكن أن يستفز بكين ويدفعها إلى إجراءات انتقامية، خصوصاً أن إدارة ترمب تحاول في الوقت نفسه تهدئة التوتر مع الصين قبل اجتماع متوقع بين ترمب والرئيس شي جينبينغ في وقت لاحق من العام.

وتخشى واشنطن تحديداً أن ترد الصين بتقييد صادرات المعادن الحيوية اللازمة لصناعة التكنولوجيا المتقدمة، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يعملون على تطوير مصادر بديلة.

عقوبات على الطيران

قد تتجه واشنطن أيضاً إلى تشديد العقوبات على قطاع الطيران الإيراني، بهدف إضعاف قدرة طهران على نقل تجارتها عبر الجو، خصوصاً في ظل تعطل حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز. ويرى خبراء أن هذا الخيار قد يصبح أهم مع استمرار الحصار البحري الأميركي؛ إذ يمكن للعقوبات الجوية أن تضيق إحدى القنوات البديلة التي قد تستخدمها إيران للحفاظ على تدفق السلع والواردات. ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لتشديد الرقابة على شبكات النقل والشحن التي تساعد طهران في الالتفاف على العقوبات القائمة والحفاظ على تجارتها الخارجية.

إيرانية تشتري خضراوات من سوق شعبية في طهران (إ.ب.أ)

رسوم جمركية على الدول المتعاملة مع إيران

يمثل استخدام الرسوم الجمركية أداة أخرى يمكن لإدارة ترمب اللجوء إليها لتوسيع نطاق الضغط، عبر معاقبة الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران. وقد هدد ترمب مراراً بفرض رسوم على السلع الآتية من دول تساعد طهران اقتصادياً أو تواصل شراء النفط الإيراني، في محاولة لجعل تكلفة التعامل مع إيران أعلى من تكلفة الامتثال للسياسة الأميركية. لكن هذا الخيار يواجه عقبات قانونية وسياسية، بعدما أسقطت المحكمة العليا الأميركية الأساس القانوني الذي استند إليه بعض هذه الرسوم.

وفي المقابل، أقر مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي مشروعاً واسعاً للعقوبات على روسيا يتضمن إجراءات جديدة ضد إيران، ويمنح ترمب صلاحيات جمركية يمكن أن يستخدمها ضد الدول التي تساعد طهران في تجارتها أو في الحصول على الأسلحة. ولا يزال المشروع بحاجة إلى موافقة مجلس النواب، حيث يواجه تحفظات من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين بشأن استخدام الرسوم الجمركية.

الحصار البري... الخيار الأصعب

طرح مسؤولون أميركيون وإسرائيليون احتمال فرض حصار بري على إيران، وهو خيار يتطلب تعاون الدول السبع المحيطة بها أو المتصلة بحدودها، وهي: العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا.

ولدى إدارة ترمب درجات متفاوتة من النفوذ على معظم هذه الدول.

وقد تملك واشنطن أوراق ضغط على باكستان، التي طلبت أخيراً خط مبادلة عملات بقيمة 10 مليارات دولار من وزارة الخزانة، وعلى تركيا التي تسعى إلى العودة لبرنامج الطائرة المقاتلة «إف35».

لكن تنفيذ حصار بري شامل سيكون بالغ الصعوبة، كما أن تأثيره قد يقع بصورة مباشرة على السكان الإيرانيين، من خلال تعطيل واردات الغذاء والطاقة والمنسوجات.

إيراني يعمل بسوق شعبية في طهران (إ.ب.أ)

واشنطن تريد توسيع «دائرة الانفجار»

يرى خبراء أن الاستراتيجية الجديدة قد لا تستهدف إيران مباشرة بقدر ما تهدف إلى توسيع دائرة العقوبات لتشمل الدول والشركات التي تمنحها متنفساً اقتصادياً.

وتملك الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على المؤسسات التي تحتاج إلى الدولار أو الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وبالتالي، فإن التهديد بالعقوبات الثانوية يمكن أن يدفع مؤسسات مالية وتجارية أجنبية إلى الاختيار بين التعامل مع إيران أو الحفاظ على وصولها إلى السوق والنظام المالي الأميركي.

في الخلاصة، يرى خبراء أن نجاح الحملة الجديدة لن يتوقف على عدد العقوبات التي تفرضها واشنطن، بقدر ما سيتوقف على استعداد الدول، لا سيما الصين، والمؤسسات المالية، للامتثال لها وإغلاق القنوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات. ويحذرون بأن قدرة إيران على إنشاء شبكات وكيانات جديدة قد تجعل تنفيذ العقوبات عملية مستمرة أشبه بلعبة «اضرب الخلد».


«المركزي» المصري يصدر القواعد المنظمة لخدمات الهوية المالية الرقمية

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«المركزي» المصري يصدر القواعد المنظمة لخدمات الهوية المالية الرقمية

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن البنك المركزي المصري، الأحد، أنه اعتمد القواعد المنظمة لخدمات منظومة الهوية المالية الرقمية، للتعرف على عملاء البنوك والتحقق من هوياتهم إلكترونياً (eKYC).

وقال حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، إن هذه المنظومة تمثل نقلة نوعية في إتاحة الخدمات المصرفية الرقمية للمواطنين، حيث ستمكنهم من فتح الحسابات البنكية والحصول على مختلف المنتجات والخدمات المصرفية عبر القنوات الرقمية، دون الحاجة إلى زيارة فروع البنوك، كما تتيح المنظومة الموافقة الإلكترونية على الشروط والأحكام، واعتماد المصادقة الإلكترونية بديلاً للتوقيع اليدوي، فضلاً عن تحديث البيانات بسهولة ويسر، بما يوفر الوقت والجهد، ويُسهّل الحصول على الخدمات المالية بصورة أكثر سرعة وأماناً، ويسهم في تعزيز الشمول المالي والارتقاء بتجربة العملاء.

وأضاف عبد الله، وفقاً لبيان صحافي صادر عن البنك المركزي، أن «القواعد تضع إطاراً تنظيمياً متكاملاً لخدمات منظومة الهوية المالية الرقمية، يتضمن حوكمة المنظومة، وتحديد أدوار ومسؤوليات جميع الأطراف المشاركة، إلى جانب المتطلبات الفنية والتشغيلية، وضوابط حماية البيانات والأمن السيبراني، بما يضمن تقديم الخدمات وفقاً لأعلى معايير الأمان والكفاءة وأفضل الممارسات الدولية».

ويمثل إصدار هذه القواعد خطوة محورية في تطوير البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي، وتهيئة البيئة التنظيمية الداعمة للابتكار، بما يعزز قدرة البنوك على تقديم خدمات مالية رقمية متطورة، ويدعم جهود الدولة في تحقيق الشمول المالي، والتحول إلى اقتصاد رقمي، وترسيخ مكانة مصر مركزاً إقليمياً رائداً في مجال التكنولوجيا المالية والخدمات المالية الرقمية.


بنك كوريا الجنوبية المركزي قد يرفع تقديرات النمو لأكثر من 3 %

البنك المركزي الكوري الجنوبي (رويترز)
البنك المركزي الكوري الجنوبي (رويترز)
TT

بنك كوريا الجنوبية المركزي قد يرفع تقديرات النمو لأكثر من 3 %

البنك المركزي الكوري الجنوبي (رويترز)
البنك المركزي الكوري الجنوبي (رويترز)

قال خبراء اقتصاديون في كوريا الجنوبية، الأحد، إنه من المتوقع أن يرفع بنك كوريا المركزي توقعاته لنمو اقتصاد البلاد هذا العام إلى أكثر من 3 في المائة، مرجعين ذلك إلى صادرات أشباه الموصلات التي جاءت أقوى من المتوقع فضلاً عن تعافي الطلب المحلي.

ووفقاً لاستطلاع حديث أجرته وكالة أنباء «يونهاب» الكورية الجنوبية وشمل ستة محللين اقتصاديين، يتوقع المشاركون أن يعدل بنك كوريا المركزي توقعاته لنمو عام 2026 من 2.6 في المائة حالياً إلى ما يصل إلى 3.4 في المائة.

وقال «أن جاي كيون»، المحلل في شركة كوريا للاستثمار والأوراق المالية: «بالنظر إلى الصادرات التي جاءت أقوى من المتوقع بقيادة أشباه الموصلات، وزيادة الإنفاق الحكومي المدفوع بارتفاع الإيرادات الضريبية وانتعاش الطلب المحلي، فمن المرجح أن تحقق البلاد نمواً اقتصادياً بنحو 3 في المائة هذا العام»، واضعاً توقعات النمو الاقتصادي لهذا العام عند 3.2 في المائة.

وطرح آخرون تقديرات مماثلة تتراوح بين 3.1 و3.2 في المائة، وجاء أعلى تقدير من شركة «نومورا للأوراق المالية»، التي توقعت نمواً اقتصادياً سنوياً بنسبة 3.4 في المائة.

وقال بارك جونغ وو، الخبير الاقتصادي في شركة «نومورا»: «يمكن للبنك المركزي الكوري أن يأخذ في الاعتبار الطفرة في أشباه الموصلات والسياسة المالية التوسعية للحكومة. ونتوقع أن يرفع البنك المركزي بشكل حاد توقعات النمو لهذا العام والعام المقبل».

وأظهر الاستطلاع أن توقعات الخبراء للنمو في العام المقبل تراوحت بين 2.2 في المائة إلى 2.8 في المائة.

واتفق معظم الخبراء على أن بنك كوريا المركزي قد يرفع بشكل حاد تقديرات فائض الحساب الجاري لكوريا الجنوبية من 250 مليار دولار المعلنة في مايو. وقالوا إن فائض الحساب الجاري للبلاد للنصف الأول من عام 2026 قد تجاوز بالفعل حصيلة العام الماضي السنوية البالغة 191 مليار دولار، والتي كانت الأعلى على الإطلاق.

وفيما يتعلق بأسعار المستهلك، توقع الخبراء على نطاق واسع أن يحافظ البنك على تقديراته لمعدل التضخم عند 2.7 في المائة المعلنة في مايو (أيار)، مرجعين ذلك إلى الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.