الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

مسؤول في «الاستثمار الآسيوي» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تنتقل من التمويل الحكومي إلى شراكات أوسع

أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
TT

الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)
أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

تدخل السعودية ودول الخليج مرحلة جديدة في تمويل مشاريع البنية التحتية، لا تقوم فقط على ضخ الاستثمارات الحكومية، وإنما على تعبئة رؤوس الأموال الخاصة والمؤسسية الطويلة الأجل عبر شراكات أكثر تطوراً تجمع الحكومات والبنوك التنموية والمستثمرين السياديين والقطاع الخاص.

ويأتي هذا التحول مع اتساع احتياجات المنطقة في مجالات الطاقة والمياه والرقمنة، وتزايد أهمية تحويل المشاريع الكبرى إلى أصول قابلة للاستثمار على المدى الطويل.

ولا تعكس التحولات الجارية في الخليج زيادة حجم الإنفاق على البنية التحتية فحسب، بل تشير إلى تغير أعمق في معادلة التمويل نفسها. فمع اتساع المشاريع في الطاقة والمياه والنقل والاقتصاد الرقمي، لم يعد التمويل الحكومي وحده كافياً لتلبية الاحتياجات الاستثمارية المتزايدة، فيما تملك صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديرو الأصول رؤوس أموال طويلة الأجل تتلاءم بطبيعتها مع الأصول التي توفر تدفقات نقدية مستقرة على مدى سنوات طويلة.

ومن هنا تتجه المنطقة تدريجياً إلى بناء هياكل تمويل قادرة على تقاسم المخاطر، وتحسين الجدارة الائتمانية للمشاريع، وتحويل الاستثمارات الحكومية إلى فرص قابلة لجذب رأس المال الخاص والمؤسسي.

وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال مسؤول الاستثمار الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، سعود بن عبد الله السياري، إن «الأساسيات قوية» في السعودية ودول الخليج، مشيراً إلى أن النمو السكاني والتوسع الحضري وبرامج التحول الاقتصادي تخلق مجموعة واسعة من الفرص في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية والمياه والرعاية الصحية.

ويرى السياري أن التحدي لم يعد يتمثل في حجم الفرص المتاحة، بقدر ما يتعلق بكيفية هيكلة المخاطر وتعبئة رأس المال اللازم لتنفيذها، معتبراً أن المؤسسات التنموية المتعددة الأطراف تستطيع لعب دور محوري في جعل المشاريع أكثر قابلية للتمويل، وخفض المخاطر أمام المستثمرين، وتحفيز تدفقات رأسمالية تتجاوز بكثير حجم مساهماتها المباشرة.

الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية

وأوضح أن أبرز الفرص الاستثمارية خلال السنوات الخمس المقبلة ستكون عند تقاطع النمو الاقتصادي مع أهداف المناخ والاستدامة، لافتاً إلى أن مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع، إلى جانب تقنيات التخزين، ستشكل ركناً أساسياً في تحول قطاع الطاقة بالمنطقة.

وأشار إلى تجربة تمويل محطة عبري الثانية للطاقة الشمسية في سلطنة عمان بقدرة 500 ميغاواط، باعتبارها نموذجاً لهذا النوع من المشاريع.

وأضاف أن البنية التحتية المدعومة بالتكنولوجيا، من شبكات الألياف الضوئية الوطنية إلى الخدمات اللوجستية الذكية، «تضاعف قيمة كل فئة من فئات الأصول الأخرى»، فيما ستنمو البنية التحتية الاجتماعية، خصوصاً قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، بالتوازي مع النمو السكاني والتوسع الحضري في المنطقة.

وأكد أن «الهيكلة المنضبطة والمعايير البيئية والاجتماعية القوية هي ما يحول الفرصة إلى قيمة مستدامة وطويلة الأجل».

مسؤول الاستثمار الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية سعود بن عبد الله السياري (البنك)

المؤسسات التنموية تدعم قابلية المشاريع للتمويل

ويرى السياري أن البنوك التنموية المتعددة الأطراف يمكن أن تؤدي دوراً رئيسياً في تحويل خطط البنية التحتية الحكومية إلى مشاريع قابلة للتمويل والاستثمار، من خلال تقاسم المخاطر وتوفير الخبرات الفنية اللازمة.

واستشهد في هذا الصدد بالتمويل الأخير مع الهيئة السعودية للمياه، الذي جرى هيكلته بالتعاون مع صندوق البنية التحتية الوطني ومقرضين تجاريين، بهدف تحديث عدد من محطات تحلية المياه الرئيسية. وقال إن مشروعاً بهذا الحجم يصبح قابلاً للاستثمار عندما تستطيع مؤسسة تنموية متعددة الأطراف استيعاب مخاطر لا يستطيع المقرضون التجاريون تحملها، إلى جانب تنفيذ دراسات العناية البيئية والاجتماعية وتوفير القدرات الفنية اللازمة لهيكلة الصفقة وفق المعايير الدولية.

وأضاف: «هذا هو النموذج؛ إذ تحول المؤسسات التنموية المتعددة الأطراف الطموحات إلى مشاريع قابلة للتمويل من خلال الإعداد المنضبط والتمويل المختلط وتعزيز الجدارة الائتمانية». وأوضح أن مشاركة البنك «تطمئن السوق وتخفض المخاطر المتصورة وتحفز رأس المال الخاص بما يتجاوز بكثير حجم التزامنا المباشر».

توزيع المخاطر

وفيما يتعلق بالتحديات التي تحول دون زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية، قال السياري إن المخاطر في هذا القطاع لا يمكن إلغاؤها، وإنما يجب توزيعها بصورة مناسبة بين الأطراف. وأوضح أن التحدي يظهر عندما يُطلب من المستثمرين تحمل مخاطر يصعب عليهم تسعيرها، مثل عدم اليقين التنظيمي، ومخاطر الإنشاء في المراحل المبكرة، أو أطر الإيرادات التي لا تمتلك سوابق واضحة.

وقال: «مهمتنا كبنك تنمية متعدد الأطراف هي تصحيح توزيع هذه المخاطر».

وأشار إلى أن البنك يعمل على ذلك من خلال التمويل غير السيادي، الذي يخفف العبء عن الميزانيات العامة، إلى جانب الضمانات وهياكل تحمل الخسارة الأولى، التي تساعد على رفع جاذبية الشرائح التجارية للمستثمرين المؤسسيين وتعزيز ثقتهم في آليات تنفيذ المشاريع وتشغيلها.

وأكد أهمية وضوح المشاريع المستقبلية أمام المستثمرين، مشيراً إلى أن برنامج الاستثمار الذي يطوره البنك مع السعودية يمنح السوق رؤية أوضح لمجموعة من الفرص الاستثمارية المنظمة بدلاً من الاعتماد على صفقات منفردة.

4 شروط لجذب المستثمرين المؤسسيين

وقال السياري إن صناديق التقاعد وشركات التأمين تدير كميات ضخمة من رؤوس الأموال الطويلة الأجل، في وقت لا تزال فيه نسبة محدودة من محافظها مخصصة للبنية التحتية، رغم التوافق الطبيعي بين طبيعة هذه الاستثمارات والتزامات تلك المؤسسات.

وأوضح أن البنية التحتية توفر تدفقات نقدية طويلة الأجل يمكن التنبؤ بها، وغالباً ما تكون مرتبطة بالتضخم، بما يجعلها متوافقة بدرجة كبيرة مع التزامات المستثمرين المؤسسيين.

وحدد أربعة شروط رئيسية لفتح المجال أمام مزيد من هذه الاستثمارات، تتمثل في وجود أطر قانونية وتنظيمية مستقرة، بما في ذلك أنظمة واضحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوحيد وثائق وإجراءات طرح المشاريع وهياكلها، وتوفير أدوات لتعزيز الجدارة الائتمانية، إضافة إلى تحقيق أداء موثوق في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة.

وقال إن «المستثمرين العالميين يخضع كثير منهم لالتزامات تتعلق بصافي الانبعاثات الصفري، ولذلك يبحثون عن أصول متوافقة مع أهداف اتفاق باريس».

وأضاف: «عندما تتوافر هذه الشروط، يمكن للبنية التحتية الخليجية أن تتحول إلى فئة أصول رئيسية للمستثمرين المؤسسيين، وستتبعها رؤوس الأموال».

الصناديق الإقليمية تعزز تعبئة رأس المال

ووصف السياري الصناديق الإقليمية بأنها من أكثر الأدوات فاعلية في تعبئة رأس المال الخاص لمشاريع البنية التحتية في الخليج والمنطقة.

وأوضح أن القرض المباشر يمول مشروعاً واحداً، بينما يمكن لمنصة استثمارية جيدة الهيكلة تمويل محفظة من المشاريع وتنويع المخاطر وبناء منظومة استثمارية متكاملة حولها.

وأشار إلى التزامات البنك تجاه صناديق البنية التحتية في دول الخليج، ومنها «راكيزا» و«أبردين ستاندرد إنفستكورب لشركاء البنية التحتية»، التي تستهدف البنية التحتية الأساسية المستدامة في قطاعات تشمل الرعاية الصحية والتعليم والمياه والتنقل والشبكات الرقمية، بدعم من مستثمرين من بينهم صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز الاستثمار العماني.

وأكد أن مشاركة البنك لا تضيف رأس المال فحسب، بل تفرض أيضاً معايير محددة على المشاريع، إذ تخضع المشاريع الفرعية للتقييم وفق معايير البنك، مع استبعاد الأنشطة غير المؤهلة وإدراج متطلبات الحوكمة بصورة تعاقدية.

وقال إن الجمع بين «الحجم والانضباط والخبرة المحلية» يمثل عاملاً رئيسياً في توجيه رؤوس الأموال المؤسسية نحو احتياجات المنطقة من البنية التحتية.

مبنى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (البنك)

تحديث الأصول القائمة

وأشاد السياري بالتقدم الذي أحرزته دول الخليج في بناء منظومة بنية تحتية مستدامة توازن بين النمو الاقتصادي والأهداف البيئية واحتياجات التمويل الطويلة الأجل. وقال إن الاستدامة أصبحت جزءاً أساسياً من الرؤى الوطنية في المنطقة، من التزامات الحياد الصفري إلى أهداف الطاقة المتجددة، مشيراً إلى أن ما يلفت الانتباه بشكل خاص هو توجه دول المنطقة نحو تحديث الأصول القائمة، وليس الاكتفاء ببناء مشاريع جديدة. واعتبر تحديث محطات تحلية المياه في السعودية مثالاً على ذلك، موضحاً أن التحول من تقنيات التحلية الحرارية إلى تقنية التناضح العكسي سيخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات، مع زيادة القدرة الإنتاجية وإطالة عمر الأصول.

وأضاف أن «النمو والأداء البيئي يتقدمان معاً».وأشار إلى أن منظومة التمويل في المنطقة تشهد بدورها تطوراً سريعاً، مع تنامي الهياكل التمويلية التي تجمع المؤسسات متعددة الأطراف والوطنية والتجارية، معتبراً الشراكة مع صندوق البنية التحتية الوطني نموذجاً قابلاً للتكرار.

وأكد أن كل تمويل يوافق عليه بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية يتماشى مع أهداف اتفاق باريس، مضيفاً أن «اتجاه المنطقة واضح، ونحن فخورون بدعم هذا المسار».

الطاقة والمياه والهيدروجين الأخضر

وتوقع السياري أن تبرز السعودية ودول الخليج خلال العقد المقبل في عدد من المجالات المرتبطة بالبنية التحتية، في مقدمتها الطاقة المتجددة وأنظمة التخزين، والاقتصاد الناشئ للهيدروجين الأخضر، إلى جانب البنية التحتية المعتمدة على التكنولوجيا وأنظمة المياه القادرة على مواجهة التغيرات المناخية. وقال إن المنطقة تمتلك بالفعل استثمارات متقدمة في مجالات الاتصال وقدرات مراكز البيانات والبنية الرقمية، في حين يمثل أمن المياه أولوية استراتيجية بالنظر إلى طبيعة المنطقة واحتياجاتها المستقبلية.

تحول في نماذج التمويل

ويرى السياري أن التطور الأبرز خلال العقد المقبل لن يقتصر على نوعية مشاريع البنية التحتية، بل سيمتد إلى طريقة تمويلها، مع تحول تدريجي من النماذج التي تعتمد بصورة أساسية على التمويل الحكومي إلى شراكات أكثر تطوراً تجمع الحكومات والمؤسسات التنموية والمستثمرين السياديين ورؤوس الأموال الخاصة.

وقال إن هذا التحول يأتي في صميم الدور الذي أُنشئ بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية لدعمه. وأضاف أن الاجتماع السنوي الحادي عشر للبنك، الذي تستضيفه الدوحة، سيمثل محطة مهمة مع دخول المؤسسة عقدها الثاني تحت شعار «بنية الغد التحتية: الأثر والابتكار»، متوقعاً أن تقود السعودية ودول الخليج عدداً من الاتجاهات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية وأنظمة المياه خلال السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

تواصل السعودية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، عبر مزيج من التَّوسُّع في إصدار التراخيص، إذ قفزت نحو 252 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد منظر عام لمدينة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

إغلاق الشركات في ألمانيا يقترب من أعلى مستوياته في 20 عاماً

شهدت ألمانيا إغلاق 187 ألفاً و744 شركة العام الماضي، وهو أعلى عدد من حالات إغلاق الشركات في نحو 20 عاماً...

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد جانب من أفق مدينة فرنكفورت والحي المالي في ألمانيا (رويترز)

«معنويات المستثمرين الألمان» ترتفع بأكثر من المتوقع في أغسطس رغم ضغوط الطاقة

أفاد معهد «زِد إي دبليو» للأبحاث الاقتصادية، الثلاثاء، بأن معنويات المستثمرين الألمان تحسنت بأكثر من المتوقع في أغسطس (آب) الحالي، لترتفع إلى 34.2 نقطة...

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال جلسة موسعة الاثنين مع ممثلي القطاع الخاص ورئيس مجلس إدارة «المصرف العربي للتنمية الاقتصادية» (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

مصر تعوّل على القطاع الخاص لتعزيز حضورها في أفريقيا

أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أهمية تأسيس كيان استثماري مصري معني بتنسيق استثمارات بلاده في أفريقيا بمشاركة الجهات الحكومية، والقطاع المصرفي، والقطاع الخاص.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
رياضة عالمية جيرار بيكيه (رويترز)

المدافع الإسباني السابق بيكيه ينضم إلى هالاند في الاستثمار بالشطرنج

أصبح لاعب كرة القدم الإسباني السابق جيرار بيكيه مساهماً استراتيجياً في أحد فرق «الدوري العالمي للشطرنج»، لينضم بذلك إلى عدد من الرياضيين مثل إرلينغ هالاند.

«الشرق الأوسط» (بنغالورو )

16 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز ليلة الجمعة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

16 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز ليلة الجمعة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي على منصة «إكس»، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، بأن نحو 16 مليون برميل من النفط خرجت من مضيق هرمز عبر الممر الجنوبي ليلة الجمعة.

وقال «أكسيوس» إن نحو 40 ناقلة نفط عبرت إلى داخل مضيق هرمز وخارجه ليلة الجمعة، وفقاً لما نقلته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وسمحت إيران لبعض ناقلات النفط العراقية بعبور مضيق هرمز، حسبما ذكرت وكالة أنباء «إرنا».

وتردد أن الإذن الخاص جاء بناء على مطالب من القيادة العراقية خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لبغداد الأسبوع الماضي.

وأكد الرئيس العراقي نزار آميدي، اليوم السبت، أن عمليات شحن النفط الخام العراقي شهدت خلال الأيام الماضية انفراجة ومرونة كبيرة لمرور الناقلات عبر مضيق هرمز.

وقال الرئيس العراقي، خلال مشاركته في حوار بغداد: «أبلغنا المسؤولين الإيرانيين الذين زاروا بغداد أن الحكومة العراقية لا تستطيع دفع رواتب الموظفين بسبب توقف صادرات النفط الخام العراقي عبر مضيق هرمز، وحالياً هناك مرونة إيرانية في تصريف النفط العراقي عبر (هرمز)، وكانت هناك تسهيلات لمرور الناقلات خلال الشهر الحالي».


سفينة حاويات تبحر من كوريا الجنوبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي

ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
TT

سفينة حاويات تبحر من كوريا الجنوبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي

ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)

انطلقت ناقلة حاويات كورية جنوبية، السبت، في رحلة تجريبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مبادرة تعكس الاهتمام بهذا المسار البحري الجديد في ظلّ التعطيل المتواصل لحركة الملاحة عبر الشرق الأوسط بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ورغم المخاوف البيئية.

وإن كان الاحترار المناخي قد جعل هذا المسار البحري أكثر ملاءمة لحركة الملاحة، غير أن هذا الخيار ينطوي على عوائق عدّة تحدّ من إمكاناته التجارية، وتثير مخاوف بيئية، لكن البلدان الآسيوية التي تأثّرت إمداداتها بالمحروقات بشدّة بسبب الحرب التي اندلعت أواخر فبراير (شباط) الماضي بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران، ترى فيه وسيلة لتنويع خياراتها.

وبعد أسبوع على انطلاق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر هذا المسار في رحلة يُفترض أن تدشن خطاً منتظماً، أبحرت السفينة «بانستار أكرو»، السبت، من مرفأ بوسان في جنوب كوريا الجنوبية.

وقالت وزارة المحيطات الكورية الجنوبية في بيان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «غادرت السفينة المخصصة للرحلة التجريبية عبر القطب الشمالي» عند الساعة 9:30 مساءً (12:30 بتوقيت غرينتش).

ومن المرتقب أن ترسو السفينة التابعة لشركة «بانستار لاين دوت كوم» المحلية في مرافئ فيليكستاو في إنجلترا وروتردام في هولندا وغدانسك في بولندا قبل أن تعود إلى كوريا الجنوبية.

وستستغرق رحلتها نحو 45 يوماً في الإجمال، بحسب الوزارة.

ويقضي الهدف بمعرفة ما إذا كان ذوبان الجليد في هذه الفترة من السنة يفتح مساراً أكثر قابلية للاستخدام على الصعيد التجاري.

وقد يتحوّل المسار عبر الدائرة القطبية الشمالية «بديلاً عن مسارات الشرق الأوسط» ومن ثم قناة السويس، على ما صرّح نام جاي-هون نائب وزير المحيطات في كوريا الشمالية.

ومع إغلاق طهران عملياً مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين للرحلات عبر البحر الأحمر في ظلّ الحرب في الشرق الأوسط، باتت حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا تمر عبر رأس الرجاء الصالح بجنوب القارة الأفريقية.

ومع سلوك مسار الدائرة القطبية الشمالية، تُختصر المسافة بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة مقارنة بالرحلة عبر قناة السويس في مصر، وبنحو النصف بالمقارنة مع المسار عبر رأس الرجاء الصالح، وفق ما أظهرت دراسة نشرتها شركة التأمين على الائتمان «كوفاس» في أبريل (نيسان).

ومن ثم، فإن هذا الخيار يتيح خفض التكاليف، واستهلاك الوقود، وتقصير مدّة العبور إلى النصف لتبلغ نحو 20 يوماً.

خصومة متنامية

غير أن دراسة «كوفاس» أظهرت أن 3.5 في المائة فقط من المبادلات بين آسيا الشرقية وأوروبا الشمالية وأميركا الشمالية من شأنها أن تعتمد فعلياً المسار الأركتيكي.

فمن المتوقع أن يوفر هذا المسار ميزة تجارية للمواد الأولية تحديداً، مثل النفط والغاز الطبيعي المسال.

ومن بين القيود التي تحدّ توسُّع هذا المسار في نظر الخبراء، اقتصار الرحلات على الفترة بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) مع سفن مصنّفة قطبية أصغر حجماً من ناقلات الحاويات الضخمة التي تُستخدم عادة في الملاحة التجارية.

وبالمقارنة مع سفن الشحن الضخمة، تعدّ الطاقة الاستيعابية لـ«بانستار أكرو» والسفينة «دبي تاور» لشركة «سي ليجند» الصينية التي انطلقت في 15 أغسطس من شرق الصين، أصغر بعشر مرّات، بحسب ما كشف جيروم دو ريكلي خبير الشحن البحري لدى منصة «أبلي» المتخصصة بهذا الشأن.

وسبق لشركات أخرى في القطاع أن سيّرت سفناً عبر القطب الشمالي، أولها مجموعة «ميرسك» الدنماركية سنة 2018، في ظلّ خصومات جيوسياسية متنامية بين روسيا والصين والولايات المتحدة في المنطقة.

وفي عام 2025، عبرت 23 ناقلة حاويات في المسار البحري الشمالي، وهو عدد قياسي نسبة إلى ما سجّل في 2024 مع عبور 15 سفينة، وفق تحليل أجرته شركة التأمين «أليانز كوميرشال» في يونيو (حزيران).

غير أن خبراء يحذّرون من أن السفن الكورية الجنوبية التي تعتمد المسار الأركتيكي قد تنتهك العقوبات الغربية المفروضة على روسيا المتحالفة مع كوريا الشمالية في حربها على أوكرانيا؛ لأنها تستفيد من خدمات روسية بشأن حركة الملاحة والأحوال الجوية مدفوعة الأجر حتّى إن كانت قيمتها بسيطة.

ورأى فلاديمير تيخونوف الأستاذ المحاضر في الدراسات الكورية في جامعة أوسلو، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «العقوبات الأميركية والأوروبية لا تندرج على وجه التحديد في سياق القانون الدولي، خلافاً للعقوبات المفروضة من الأمم المتحدة».

وأشار إلى أنه «في ظلّ انعدام اليقين المتواصل في الشرق الأوسط، قد لا تجد كوريا الجنوبية خيارات كثيرة إذا ما تبيّن أن مسار العبور في الدائرة القطبية الشمالية مجدٍ اقتصادياً».

ويخشى الناشطون البيئيون أن تؤدّي هذه الرحلات التجارية إلى تسريع ذوبان الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الشمالية؛ ما سيزيد من تداعيات الاحترار المناخي.

وتعهّدت شركات غربية عدّة، بينها الفرنسية «سي إم آ-سي جي إم» والسويسرية «إم إس سي» والألمانية «هاباغ-لويد» بتفادي العبور في هذه المنطقة.


استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
TT

استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

اختصر عنوان «اقتصاد أنهكه الصراع»، الذي اختاره البنك الدولي، حقيقة تعرُّض التعافي الهش في لبنان لانتكاسة حادة، بسبب تجدد جولات المواجهات العسكرية في الربيع الماضي، وخسارة فرصة التحول إلى النمو الإيجابي الذي سجله الناتج المحلي في العام السابق، ليستعيد تلقائياً مسار الانكماش بنسب عالية، والمتكرر على مدار 6 سنوات بعد انفجار الأزمة المالية.

وفي الترجمة الرقمية الأولية، توقّعت النسخة المحدّثة من تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» الصادرة عن البنك الدولي، انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الحالي، مبدداً بذلك مكاسب الانطلاقة الواعدة في بداية السنة، والمسندة إلى أسس أكثر متانة، بعد تحقيق نمو حقيقي في إجمالي الناتج المحلي بلغ نحو 4.2 في المائة، عام 2025، وهو أعلى معدل نمو منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، ويمثل تعديلاً بالزيادة عن التوقعات السابقة.

وفي حين يؤدي تفاقم حالة عدم الاستقرار الأمني وأعباء النزوح إلى استمرار الضغوط على الطلب المحلي والنشاط الاقتصادي لفترة أطول، وحتى بعد توقف الأعمال العدائية، فقد أدى تصاعد الصراع المتجدد في الربيع الماضي إلى عكس مسار التعافي الهش، وبصورة دراماتيكية وضعت الاقتصاد وأنشطته تحت ضغوط شديدة، بفعل ما أسفر عن خسائر إنسانية فادحة، والتسبب في نزوح داخلي واسع النطاق، وإلحاق دمار واسع بالمساكن والبنية التحتية، لا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وفاقمت الخسائر الجديدة الأضرار الناجمة عن المواجهات العنيفة في عام 2024.

وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات إدارة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للصراع، يظل الحفاظ على التقدم المتوازي في تنفيذ الإصلاحات استحقاقاً بالغ الأهمية لاستعادة الثقة، وإنعاش النمو، وتأمين التمويل الميسَّر والرسمي اللازم لإعادة الإعمار والتعافي. في حين سيتوقف حجم الانكماش الاقتصادي إلى حد بعيد -وفق التقرير- على شدة الصراع ومدته واستمرار النزوح، وحجم الدمار المادي، والمستجدات في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

وبالفعل، تعرض التعافي النسبي الذي جاء مدعوماً بزيادة الاستهلاك والاستثمار والسياحة وتحسن المؤشرات الاقتصادية، لضغوط سلبية هائلة نتيجة جولة الصراع في الربيع، وما ألحقته من أضرار إعمارية واسعة النطاق بالمساكن والبنية التحتية، والتسبب في نزوح داخلي كبير، وإحداث اضطرابات في سلاسل الإمداد، وتأثير بالغ على السياحة والخدمات وحجم الطلب المحلي.

ومن المتوقع -وفق الرصد الدولي- أن يتسارع التضخم ليتعدّى نسبة 17.5 في المائة، بحصيلة العام الحالي، ما سيؤدي إلى زيادة تآكل القوة الشرائية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً فعلاً، ولا سيما مع ميل المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية نحو الجانب السلبي. كما يؤدي الاضطراب في الإمدادات الناجم عن الصراع، وارتفاع تكاليف الشحن، وارتفاع أسعار النفط، إلى زيادة الضغوط السعرية المحلية، في اقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

وفي جانب إدارة المالية العامة، يشير التقرير إلى متانة الأداء خلال النصف الأول من عام 2026، ومواصلة التحسن الواعد المحقَّق في العام السابق، غير أنه من المتوقع أن تتعرض الموازنة لضغوط متزايدة خلال الأشهر المتبقية.

وتؤكد داليا خليفة، مدير دائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، أن «المضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات، لا سيما في مجالات إعادة هيكلة القطاع المصرفي والإدارة المالية، سيكون أمراً جوهرياً لاستعادة الثقة، وحماية الاستقرار، وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتعافي».

ومن المتوقع تسجيل تراجع في أداء المالية العامة في النصف الثاني من العام الحالي، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق المرتبط بالأزمة، وارتفاع فاتورة أجور القطاع العام، وازدياد الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالصراع واحتياجات إعادة الإعمار، بما يفرض مزيداً من الأعباء على المالية العامة، مقابل تباطؤ نمو الإيرادات، بسبب تأجيل تحصيل الضرائب المستحقة، وانكماش القاعدة الضريبية في ظل انكماش النشاط الاقتصادي، بينما لا يزال الدين العام فاقداً لصفة «الاستدامة»، وسط تمادي الحكومة في تأخير اعتماد خطة متكاملة لإعادة الهيكلة، بما يشمل بدء المفاوضات مع حاملي سندات الدين الدولية (اليوروبوندز).

وبينما ينجح البنك المركزي، بالتنسيق مع وزارة المال، في الحفاظ على استقرار سعر الصرف من خلال السحب الجزئي من الاحتياطيات، وتقييد السيولة محلياً، فإن هذا الاستقرار قد يواجه ضغوطاً، وفق التقرير، في حال استمرار تراجع التدفقات المالية الوافدة، وارتفاع المدفوعات الخارجية، وتفاقم الصدمات المرتبطة بالصراع. كما سيؤدي ارتفاع أسعار النفط واضطرابات التجارة الإقليمية إلى إبقاء عجز الحساب الجاري عند مستويات مرتفعة، مما يسهم في استمرار الحاجة إلى تمويل خارجي كبير.

ويفرض الصراع وتداعياته تغيير المرتكزات والافتراضات التي يقوم عليها إطار التعافي الاقتصادي، بسبب الحاجة إلى زيادة التمويلات اللازمة لتلبية الاحتياجات الاجتماعية وإعادة الإعمار، وتعمّق حالة عدم اليقين بشأن الموارد المتاحة لدعم سداد الودائع، ما يتطلّب إدخال تعديلات جوهرية على مشروع قانون الاستقرار المالي، للتناسب مع أفضل الممارسات الدولية أساساً، ومن ثم توضيح كيفية تطبيق تسلسل أولوية الدائنين، وضمان اتساق أي استراتيجية لإعادة الرسملة، مع استدامة القدرة على تحمل أعباء الدَّين، فضلاً عن ضمان استدامة هيكل سداد الودائع.

كذلك، لا يزال النظام المصرفي يعاني من اختلالات عميقة، على الرغم من إقرار السلطات بعض التشريعات الرامية إلى إعادة هيكلته بعدما وافق مجلس النواب، خلال الشهر الحالي، على تعديلات بالغة الأهمية على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، مما ينشئ إطاراً قانونياً لإدارة الأزمات المصرفية افتقده لبنان عقوداً، علماً بأن سريان مفاعيل مندرجات القانون لن تبدأ إلا بعد صدور قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، والمعوَّل عليه أن يشكل النواة الصلبة لثلاثية تشريعية، مع ضم قانون السرية المصرفية، تقود إلى إخراج البلد من أتون أزماته النقدية والمالية.