شركات البتروكيماويات السعودية تقلّص خسائرها بأكثر من 50 % في النصف الأول

مدفوعةً بتحسن الكفاءة التشغيلية للقطاع وبعض النتائج من المشاريع المشتركة غير التكاملية

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
TT

شركات البتروكيماويات السعودية تقلّص خسائرها بأكثر من 50 % في النصف الأول

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

تراجع صافي خسائر شركات قطاع البتروكيميائيات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) خلال النصف الأول من 2026 بنسبة تجاوزت 50 في المائة، عند 452.8 مليون دولار (1.7 مليار ريال)، مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي (2025)، والتي سجلت فيها خسائر بنحو 908.5 مليون دولار (3.4 مليار ريال).

وجاء هذا الأداء، مدفوعاً بتحسن الكفاءة التشغيلية لشركات القطاع، وكذلك تحسن بعض النتائج من المشاريع المشتركة غير التكاملية، كما قابله انخفاض في إجمالي خسائر العمليات غير المستمرة وفي قيم بعض الأصول، كما سجلت انخفاضاً في استثمارات بعض حقوق الملكية، وارتفاعاً لمتوسط تكلفة بعض مدخلات الإنتاج وانخفاض الكميات المباعة نتيجةً للتحديات في سلاسل الإمداد.

ومن بين 9 شركات تعمل في مجال البتروكيميائيات مدرجة في «تداول»، حققت 4 منها ربحاً صافياً، وهي: «سابك للمغذيات»، و«ينساب»، و«المجموعة السعودية»، و«اللجين»، في حين تكبَّدت 5 شركات خسائر، وهي: «المتقدمة»، و«سبكيم»، و«سابك»، و«التصنيع»، و«كيان»، وذلك حسب إعلاناتها لنتائجها المالية في «السوق المالية السعودية».

وحققت «سابك للمغذيات» أعلى أرباح بين شركات القطاع، رغم تراجع أرباحها بنسبة 21.4 في المائة، مسجلةً أرباحاً بنحو 1.6 مليار ريال، خلال النصف الأول من 2026، مقارنةً بأرباح 2.04 مليار ريال في النصف المماثل من العام السابق. وعزت الشركة انخفاض صافي أرباحها إلى الانخفاض في الكميات المبيعة نتيجة التحديات في سلاسل الإمداد، والانخفاض في نتائج شركة زميلة ومشروع مشترك، وقد حدّ من هذا الانخفاض في صافي الربح ارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم منتجات الشركة.

وحلَّت «ينساب» ثانيةً في أعلى صافي أرباح، بتحقيقها أرباحاً بلغت 270 مليون ريال خلال النصف الأول من 2026، مقابل أرباحها خلال الفترة المماثلة من العام السابق والتي بلغت 58.2 مليون ريال، ولتقفز نسبة نمو أرباحها إلى 363 في المائة.

الكفاءة التشغيلية

وأشارت الشركة إلى أن ارتفاع أرباحها جاء نتيجة ارتفاع الإيرادات بسبب ارتفاع متوسط أسعار البيع لجميع المنتجات، واستمرار تحقيق الشركة مستويات متميزة في اعتمادية المصانع والتي انعكست على الكفاءة التشغيلية.

بينما جاءت «المجموعة السعودية»، ثالثةً في أعلى صافي ربحية بين الشركات الرابحة، ونمت أرباحها بنسبة 410 في المائة، بعد أن سجلت صافي ربح بلغ 194 مليون ريال في النصف الأول لعام 2026، مقابل أرباح بلغت 38 مليون ريال في العام السابق.

في المقابل، تصدرت «كيان» قائمة أعلى شركات القطاع خسارةً، خلال النصف الأول من 2026 بخسائر بلغت 1.29 مليار ريال، لتهبط بنسبة 1.2 في المائة، عن النصف الأول من العام الماضي، والتي وصلت فيها خسائرها إلى 1.27 مليار ريال، في حين جاءت «التصنيع» ثانياً كأعلى شركات القطاع خسائر، بعد تكبدها 889.1 مليون ريال، وحلت «سابك» ثالثاً بصافي خسارة وصلت إلى 820 مليون ريال.

وعلى مستوى نتائج الربع الثاني من 2026، تراجعت صافي خسائر شركات القطاع إلى 42.17 في المائة، لتسجل شركات القطاع الـ9 إجمالي خسائر وصلت إلى 2.07 مليار ريال، مقابل خسارتها لنحو 3.58 مليار ريال في الربع المماثل من العام الماضي 2025.

الإنتاج والمبيعات

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن التباين في نتائج شركات البتروكيماويات السعودية لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى اختلاف كل شركة في مزيج المنتجات، وتكلفة مواد المدخلات البتروكيماوية، ومستويات الإنتاج والمبيعات، والكفاءة التشغيلية، ومدى التعرض لاضطرابات سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، موضحاً أن أحد أهم العوامل هو مزيج المنتجات والأسواق التي تخدمها كل شركة، فأسعار المنتجات البتروكيماوية لا تتحرك في اتجاه واحد؛ وقد تستفيد شركة من تحسن أسعار منتجات معينة في الوقت الذي تواجه فيه شركة أخرى ضغوطاً على منتجات مختلفة.

ويظهر ذلك بوضوح في حالة «ينساب»، التي ارتفعت أرباحها في الربع الثاني إلى 258.8 مليون ريال مقابل 44.5 مليون ريال في الفترة المقارنة، بالتزامن مع نمو الإيرادات بنحو 34.8 في المائة والتحسن الواضح في الربح التشغيلي. حسب عمر.

وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في تكلفة مدخلات الإنتاج وهوامش الربحية؛ فالقطاع لا يتأثر بسعر بيع المنتج النهائي فقط، وإنما بالفارق بين سعر المنتج وتكلفة مواد المدخلات البتروكيماوية والطاقة والتشغيل؛ ولذلك قد ترتفع أسعار البيع، لكن أثرها على الأرباح يظل محدوداً إذا ارتفعت تكاليف المدخلات في الوقت نفسه، حيث أشارت «سابك» في الربع الثاني إلى أن ارتفاع أسعار اللقيم السائل حدّ جزئياً من استفادتها من ارتفاع متوسط أسعار البيع.

اضطرابات سلاسل الإمداد

كما تلعب الكفاءة التشغيلية واعتمادية المصانع وحجم المبيعات دوراً حاسماً، حيث الشركات القادرة على الحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة واستقرار الإنتاج تستطيع توزيع تكاليفها الثابتة على أحجام أكبر وتحقيق هوامش أفضل، بينما تتحمل الشركات التي تواجه انخفاضاً في الإنتاج أو المبيعات تكلفة أعلى للوحدة، ويظهر ذلك في «كيان السعودية»، حيث انخفضت إيرادات الربع الثاني بنحو 10 في المائة على أساس سنوي، في حين ارتفعت خسارتها الصافية إلى نحو 673 مليون ريال. وفق الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد».

وزاد عمر بأنه يجب كذلك فصل الأداء التشغيلي الحقيقي عن البنود غير المتكررة، فتراجع خسائر «سابك» بصورة كبيرة من 4.07 مليار ريال إلى 833 مليون ريال لا يعني أن النشاط التشغيلي تحسَّن بالنسبة نفسها؛ إذ جاء جزء كبير من التحسن نتيجة عدم تكرار مخصصات وانخفاضات قيمة مرتبطة بأصول وعمليات تم تسجيلها في الفترة المقارنة، إضافة إلى تحسن نتائج الشركات الزميلة والمشاريع المشتركة.

وواصل أن الصورة نفسها تظهر من زاوية أخرى لدى «سابك للمغذيات الزراعية»، التي بقيت من أعلى الشركات تحقيقاً للأرباح، لكن أرباح الربع الثاني تراجعت 64.2 في المائة إلى 379 مليون ريال، متأثرة بانخفاض الكميات المباعة واضطرابات سلاسل الإمداد وانخفاض مساهمة شركة زميلة ومشروع مشترك، رغم تحسن متوسط أسعار بيع المنتجات، مشيراً إلى أن نتائج القطاع يجب ألا تقرأ بوصفها مؤشراً واحداً مجمعاً فقط، بل يجب تحليل كل شركة من خلال ثلاثة متغيرات رئيسية: حجم المبيعات، وهوامش المنتجات، والكفاءة التشغيلية.

ويتوقع عمر أن يدخل القطاع النصف الثاني من 2026 في مرحلة تحسن تدريجي ولكن غير متجانس، وليس في بداية دورة صعود قوية وشاملة حتى الآن، مضيفاً أن تراجع الخسائر المجمعة في النصف الأول مؤشر إيجابي، لكنه يحتاج إلى بعض التحفظ عند تفسيره، خصوصاً أن جزءاً مهماً من التحسن جاء نتيجة انخفاض بنود استثنائية لدى بعض الشركات، وفي مقدمتها «سابك»، وليس فقط نتيجة توسع قوي ومستدام في الهوامش التشغيلية.

البنية اللوجستية

وأكمل بأنه على الجانب الإيجابي، هناك فرص لتحسن النتائج إذا شهد النصف الثاني استقراراً أكبر في سلاسل الإمداد، وتحسناً في الكميات المباعة، واستمرار ارتفاع أسعار بعض المنتجات، مع نجاح الشركات في برامج خفض التكاليف ورفع الكفاءة التشغيلية.

وأوضح أن بيانات «سابك» تظهر قدرة الشركات السعودية على التعامل مع الاضطرابات من خلال تحويل مسارات التصدير والاستفادة من البنية اللوجستية على الساحل الغربي للمملكة، لكن التحدي الأكبر ما زال في فائض الطاقة الإنتاجية العالمي.

وتشير «سابك» إلى أن الطاقة الإنتاجية الزائدة عالمياً ما زالت تضغط على معدلات تشغيل القطاع، وتتوقع أن يكون التعافي تدريجياً مع خروج أو خفض تشغيل الطاقات الأقل تنافسية، وهذا يعني أن تحسن الأسعار وحده قد لا يكون كافياً لإعادة هوامش القطاع سريعاً إلى مستويات الدورات السابقة.

ويرى عمر أن تظل نتائج النصف الثاني مرتبطة بأربعة متغيرات رئيسية: الطلب العالمي، ولا سيما من آسيا والصين؛ أسعار اللقيم والطاقة؛ مستويات المعروض العالمي ودخول طاقات إنتاجية جديدة؛ وأخيراً تطورات سلاسل الشحن والتوترات الجيوسياسية، مضيفاً أنه بناءً على ذلك؛ فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التحسن التدريجي مع بقاء التفاوت الكبير بين المنشآت، حيث الشركات ذات التكلفة التنافسية، والاعتمادية التشغيلية المرتفعة، والميزانيات الأقوى، ومزيج المنتجات الأكثر تنوعاً ستكون الأقدر على الاستفادة من أي تحسن في السوق.

وتابع أنه قد تستمر الضغوط على الشركات التي تعاني ارتفاع تكلفة الإنتاج أو انخفاض معدلات التشغيل، كما لا نزال نتحدث عن تعافٍ انتقائي أكثر من كونه تعافياً شاملاً للقطاع، والمؤشر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته ليس فقط تراجع صافي الخسائر، بل تحسن الهوامش التشغيلية وأحجام المبيعات والتدفقات النقدية بصورة مستدامة.


مقالات ذات صلة

مازن السديري… خبرة مالية تواكب توسع السوق السعودية عالمياً

الخليج مازن بن تركي السديري (الشرق الأوسط)

مازن السديري… خبرة مالية تواكب توسع السوق السعودية عالمياً

يقود مازن بن تركي السديري رئاسة مجلس هيئة السوق المالية، بعد أن صدر أمر ملكي بتعيينه في هذا المنصب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضمن خدمات «إيه إي» لتحالف «جيميني»

أعلنت الهيئة العامة للموانئ «موانئ» تعزيز مكانة ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضِمن خدمتيْ «إيه إي 15» و«إيه إي 19» لتحالف «جيميني».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متجر سلع غذائية في السعودية (واس)

تضخم هادئ في السعودية عند 1.8 % رغم اضطرابات أسواق السلع عالمياً

حافظ معدل التضخم بالسعودية على وتيرته الهادئة خلال يوليو (تموز) الماضي، مسجلاً 1.8 في المائة على أساس سنوي، في قراءة تعكس استمرار تماسك المستوى العام للأسعار...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد متجر للسلع الغذائية في السعودية (واس)

التضخم في السعودية يستقر عند 1.8 % في يوليو

حافظ معدل التضخم في السعودية على وتيرة مستقرة خلال يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

يدخل «صندوق الاستثمارات العامة» مرحلة جديدة تركز على تحقيق القيمة المستدامة وكفاءة رأس المال وتعظيم أداء الأصول وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)

قفزت مؤشرات تكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد في الاقتصادات الكبرى، مع تكثيف شركات الذكاء الاصطناعي والحكومات إصداراتها من السندات، ما يزيد المخاطر التي تواجه أسواق الأسهم والاقتصاد العالمي.

وتُقصد بالعوائد الحقيقية العائدات التي يطلبها المستثمر في السندات فوق معدل التضخم، وهي مؤشر مهم على تكلفة الاقتراض الفعلية التي تتحملها الحكومات والشركات. وتتحدد هذه العوائد عادةً وفقاً لتوقعات النمو وأسعار الفائدة، إلى جانب عوامل العرض والطلب على الأموال.

وتقترب العوائد الحقيقية على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً، والمقاسة من خلال السندات المرتبطة بالتضخم، من أعلى مستوياتها في 18 عاماً، عند نحو 3 في المائة. كما تتداول العوائد الحقيقية على السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها في أكثر من عقد، وفق «رويترز».

ويرى مستثمرون ومحللون أن موجة الاقتراض المتزايدة من جانب شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، المعروفة باسم «هايبرسكايلرز»، في وقت تواصل فيه الحكومات الإنفاق بكثافة، كانت من أبرز العوامل التي دفعت العوائد إلى الارتفاع، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى للاستمرار في شراء الكميات الكبيرة من السندات المطروحة في الأسواق.

ومع بقاء توقعات التضخم مستقرة إلى حد كبير رغم الحرب مع إيران، أدى ارتفاع العوائد الحقيقية إلى دفع العوائد الاسمية للسندات إلى الصعود في أنحاء العالم خلال الأشهر الأخيرة.

ودفعت الولايات المتحدة يوم الخميس أعلى تكلفة اقتراض لها منذ عام 2001، عند بيع سندات لأجل 30 عاماً في مزاد؛ إذ بلغ العائد 5.22 في المائة.

تدفق هائل للسندات

أصدرت شركات من بينها «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» ما يقرب من 220 مليار دولار من السندات منذ بداية العام؛ أي أكثر من ضعف قيمة الإصدارات المسجلة طوال عام 2025، والتي بلغت 108 مليارات دولار، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية.

وقال فيفيك بول، كبير استراتيجيي الاستثمار في المملكة المتحدة لدى معهد «بلاك روك» للاستثمار: «هناك منافسة على رأس المال لم نشهد لها مثيلاً تقريباً في الآونة الأخيرة».

وأضاف: «مع تسارع عوامل مثل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تتزايد مشكلة ندرة رأس المال، وهو ما ينعكس بوضوح في ارتفاع عوائد السندات».

وتواصل الحكومات أيضاً الاقتراض بوتيرة مرتفعة. ومن المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الأميركية نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أو 1.9 تريليون دولار، هذا العام، مقابل 5 في المائة بفرنسا و4 في المائة ببريطانيا.

وقال آل كاترمل، مدير أول لمحافظ الدخل الثابت لدى «ميرابو لإدارة الأصول»: «في أوروبا، يمثل الإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة والاستثمار في البنية التحتية، محركات أكثر أهمية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تحديداً».

كما تسعّر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة، وهو ما يؤدي، مع ثبات العوامل الأخرى، إلى دفع العوائد الحقيقية إلى الارتفاع. وقال ماكس كيتسون، استراتيجي أسعار الفائدة الأوروبية لدى «باركليز»، إن قوة النمو الاقتصادي، لا سيما في الولايات المتحدة، تمثل عاملاً مهماً في هذا الاتجاه.

وأشار أيضاً إلى أن البنوك المركزية لم تعد تشتري السندات بالوتيرة السابقة، بعدما كانت مشترياتها تسهم في كبح العوائد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

احذروا الأسهم

تمثل العوائد الحقيقية معياراً لتكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم التي تواجهها الحكومات والشركات.

فإذا كان السند يدر عائداً اسمياً قدره 3 في المائة، بينما تبلغ توقعات التضخم 2 في المائة، فإن عائده الحقيقي يبلغ نحو 1 في المائة. وفي بعض الأحيان تكون توقعات التضخم العامل الرئيسي وراء تحركات العوائد الاسمية، لكن المحللين يقولون إن العوائد الحقيقية كانت المحرك الأهم في الآونة الأخيرة.

ومن الناحية النظرية، ينبغي أن يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تقليص الجاذبية النسبية للأسهم؛ إذ يمكن للمستثمرين تحقيق عوائد أفضل معدلة وفقاً للتضخم من خلال السندات، في حين تصبح التدفقات النقدية المستقبلية للشركات أقل جاذبية عند خصمها باستخدام عوائد أعلى.

لكن الأسهم، التي سجلت مستويات قياسية مدفوعة بأرباح قوية للشركات واقتصادات صامدة، تجاهلت هذه المخاوف حتى الآن؛ فقد رفع «جيه بي مورغان» توقعاته لأرباح الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأميركي، بينما أظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن أرباح الشركات الأوروبية الكبرى من المتوقع أن تسجل أسرع نمو لها منذ أواخر عام 2022.

لكن مات كينغ، مؤسس «ساتوري إنسايتس»، كان أكثر تشاؤماً، قائلاً إن شركات التكنولوجيا الكبرى تستنزف سيولتها النقدية، وستضطر بصورة متزايدة إلى اللجوء إلى الائتمان، وعندها سيبدأ ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية في التأثير عليها.

وقال في مذكرة: «نتوقع استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية إلى أن تؤدي إلى خنق الاقتراض الذي دفعها إلى الارتفاع، وكذلك التحول نحو الأصول عالية المخاطر الذي غذّى صعود الأسهم».

كما يمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، عند بلوغها مستويات معينة، إلى دفع الشركات والأسر إلى خفض الاستهلاك والاستثمار، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

وقال أشوك بهاتيا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «نيوبيرغر»، إن العوائد الحقيقية الأميركية لا تزال دون مستوى 3 في المائة إلى 4 في المائة، الذي يقدّر أنه يبدأ عنده التأثير على النمو الاقتصادي.

وأضاف: «لكن مستويات اليوم تمثل إشارة تحذيرية إلى أن النمو، رغم بقائه متيناً حالياً عند 1.5 في المائة إلى 2 في المائة، قد يبدأ في التعرض للتهديد».

وقال بهاتيا إنه يتوخى الحذر تجاه السندات طويلة الأجل بسبب المخاوف المتعلقة بالسياسة المالية، بينما رأى كيتسون من «باركليز» أن العوائد الحقيقية قد تواصل الارتفاع في ظل غياب رغبة سياسية كافية لدى الحكومات لخفض عجز الموازنات.

وأضاف: «العوامل الهيكلية التي تقف وراء هذه الزيادات في العوائد لا تزال قائمة. ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها ستختفي في أي وقت قريب».


بنك اليابان يقترب من تسريع رفع الفائدة

مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يقترب من تسريع رفع الفائدة

مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

تتزايد المؤشرات على أن بنك اليابان يستعد لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، وربما تسريع وتيرة التشديد النقدي بعد ذلك، في تحول مهم تقوده المخاوف من استمرار ضعف الين واتساع ضغوط الأسعار، فيما تتحرك طوكيو بالتوازي لتعزيز التنسيق المالي مع شركائها، مع استعداد كبير الدبلوماسيين الماليين اليابانيين للقاء نظيره الكوري الجنوبي الأسبوع المقبل.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على توجهات بنك اليابان إن رفع الفائدة بات مطروحاً بقوة في الاجتماع المقبل يومي 17 و18 سبتمبر، وإن البنك يدرس أيضاً الانتقال من وتيرة الرفع الحالية، البالغة مرتين تقريباً سنوياً، إلى تحركات أكثر تقارباً إذا استمرت مخاطر التضخم.

وقال أحد المصادر إن «رفعاً مبكراً للفائدة أصبح في الأفق»، مضيفاً أن البنك قد يسرع وتيرة الزيادات اللاحقة، وهي وجهة نظر أيدها مصدر آخر.

وتفاعلت سوق السندات سريعاً مع هذه التوقعات، إذ ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لمسار السياسة النقدية، فيما سجل عائد سندات الخمس سنوات مستوى قياسياً. وتسعر الأسواق حالياً احتمالاً يقترب من 80 في المائة لرفع الفائدة في سبتمبر.

ويأتي التحول المحتمل بعدما أنهى بنك اليابان في 2024 برنامج التحفيز النقدي الضخم الذي استمر نحو عقد، وبدأ دورة تدريجية لتطبيع السياسة. ورفع البنك أسعار الفائدة عدة مرات، كان آخرها في يونيو (حزيران)، عندما أوصل سعر الفائدة إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. لكن البنك أبقى السياسة دون تغيير في يوليو (تموز)، مع توجيه رسالة أكثر تشدداً للأسواق، محذراً من أن تزايد ضغوط الأسعار قد يدفع التضخم الأساسي إلى تجاوز هدفه البالغ 2 في المائة. وأظهر ملخص آراء اجتماع يوليو أن بعض أعضاء مجلس السياسة طالبوا بتسريع رفع الفائدة لتجنب التأخر في مواجهة التضخم.

الين يعقد الحسابات

تأتي العملة اليابانية في قلب هذه الحسابات. فرغم تعافي الين من أدنى مستوى في 40 عاماً الذي سجله الشهر الماضي، فإن استمرار ضعفه يرفع تكلفة الواردات من الطاقة والمواد الخام والغذاء، ويزيد احتمالات انتقال تلك التكاليف إلى المستهلك.

وتزداد مخاوف البنك أيضاً بفعل تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار المواد الأولية، إلى جانب الطلب العالمي القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، الذي أسهم في رفع أسعار عدد من المنتجات والمكونات الصناعية.

وبقي تضخم أسعار الجملة عند مستويات مرتفعة قرب أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام خلال يوليو، وهو ما يزيد احتمالات تمرير الشركات ارتفاع التكاليف إلى أسعار التجزئة. كما تشير استطلاعات الأسر والشركات والاقتصاديين إلى ارتفاع توقعات التضخم باتجاه 2 في المائة أو تجاوزها.

وكان محافظ بنك اليابان كازو أويدا قد قال عقب اجتماع يوليو إن البنك سيأخذ القلق المتزايد داخل مجلس السياسة من مخاطر التضخم في الاعتبار عند اتخاذ القرارات المقبلة، مشيراً إلى إمكانية تسريع رفع الفائدة إذا تبين أن الأوضاع المالية لا تزال ميسرة أكثر من اللازم.

وفي المقابل، تظل أمام البنك معادلة دقيقة؛ فمع اقتراب سعر الفائدة من مستويات أكثر حياداً بالنسبة للاقتصاد، يحتاج صناع السياسة إلى تقييم آثار الزيادات السابقة على النمو والاستهلاك. إلا أن تصاعد مخاطر التضخم قد يجعل الانتظار لفترة طويلة أكثر تكلفة.

ويعتقد بعض المحللين أن رفع الفائدة في سبتمبر يمكن أن يفتح الباب أمام زيادة أخرى في ديسمبر (كانون الأول)، وهو ما سيعني عملياً تحول بنك اليابان نحو وتيرة رفع قد تصل إلى مرة كل ثلاثة أشهر، مقارنة بالنهج التدريجي الذي اتبعه حتى الآن.

تنسيق مع سيول

ويتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مالية متزايدة في المنطقة. وأعلنت وزارة المالية اليابانية أن كبير مسؤوليها للشؤون المالية الدولية أتسوشي ميمورا سيلتقي نظيره الكوري الجنوبي في طوكيو في 21 أغسطس (آب)، من دون الكشف عن جدول أعمال المحادثات.

ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لأن ميمورا كان الشخصية الرئيسية وراء التدخل الياباني - الأميركي المشترك الأخير لشراء الين، في خطوة نادرة هدفت إلى وقف التراجع الحاد للعملة. كما تدخلت كوريا الجنوبية أواخر الشهر الماضي ببيع الدولار لدعم عملتها، ما يضع تحركات أسواق الصرف واستقرار العملات الآسيوية في خلفية اللقاء المرتقب.

ويعكس ذلك أن معالجة ضعف الين لم تعد تقتصر على التدخل المباشر في سوق العملات. فطوكيو باتت تتحرك عبر ثلاث قنوات مترابطة: التدخل في سوق الصرف، وتشديد السياسة النقدية، وتعزيز التنسيق المالي الدولي.

وستتجه الأنظار الآن إلى بيانات التضخم والين وتصريحات مسؤولي بنك اليابان قبل اجتماع سبتمبر. فإذا استمرت ضغوط الأسعار وضعف العملة، فقد يمثل الاجتماع بداية مرحلة أسرع من تطبيع السياسة النقدية اليابانية، بعد سنوات طويلة كانت فيها طوكيو الاستثناء الأبرز بين الاقتصادات الكبرى في تبني أسعار فائدة شديدة الانخفاض.


النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
TT

النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النحاس يوم الجمعة، لكنها ظلت مرتفعة بشكل طفيف على أساس أسبوعي، في ظل تساؤلات المحللين حول قدرة الطلب العالمي على مواكبة الارتفاع القوي الذي شهدته أسعار المعدن الأحمر في الآونة الأخيرة.

وانخفض سعر النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.34 في المائة إلى 14100.50 دولار للطن المتري بحلول الساعة 07:15 بتوقيت غرينتش. ويتجه النحاس لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 0.3 في المائة، ما سيشكل سابع ارتفاع أسبوعي متتالٍ له، في أطول سلسلة مكاسب منذ عام 2020، بإجمالي مكاسب بلغ 5.49 في المائة خلال هذه الفترة، وفق «رويترز».

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض عقد النحاس الأكثر تداولاً بنسبة طفيفة بلغت 0.12 في المائة إلى 107690 يواناً (15970.64 دولار) للطن.

وساهم تراجع الضغوط التضخمية وانحسار المخاوف بشأن رفع أسعار الفائدة في دعم توقعات النشاط الاقتصادي، بعد صدور بيانات تضخم أميركية جاءت إيجابية.

وقال أندي فريدة، المحلل لدى «فاست ماركتس»: «قد يبدو الطلب على المعادن الأساسية قوياً، لكننا ما زلنا نرى أن قدرته على الحفاظ على الزخم القوي نفسه غير مؤكدة، بالنظر إلى السرعة التي ارتفعت بها أسعار الأصول، في وقت لا يزال فيه نمو الأجور ضعيفاً نسبياً».

ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية، يتوقع متداولو أسعار الفائدة حالياً احتمالاً بنسبة 34 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر في سبتمبر (أيلول)، انخفاضاً من 44 في المائة في الأسبوع الماضي.

وتراجعت أسعار الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.75 في المائة، ومن المتوقع أن تنهي الأسبوع منخفضة بنحو 1.19 في المائة. وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض سعر الألومنيوم بنسبة 1.14 في المائة.

وساهمت توقعات تعافي الإمدادات من الشرق الأوسط في تخفيف بعض المخاوف بشأن نقص المعروض، فيما أعلنت شركة «نورسك هيدرو» أن إنتاج الألومينا في مصفاة «ألونورتي» بالبرازيل بدأ في العودة إلى مستوياته الطبيعية يوم الخميس، بعد تراجع مؤقت في الإنتاج كان قد ساهم في دعم الأسعار.

وبالنسبة إلى المعادن الأخرى المتداولة في بورصة لندن للمعادن، تراجع الزنك بنسبة 0.33 في المائة، والرصاص بنسبة 0.24 في المائة، والنيكل بنسبة 0.36 في المائة، والقصدير بنسبة 0.07 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض الزنك بنسبة 0.19 في المائة، والرصاص بنسبة 0.88 في المائة، والنيكل بنسبة 1.32 في المائة، بينما استقر القصدير تقريباً، مرتفعاً بنسبة طفيفة بلغت 0.04 في المائة.