اهتزاز العقيدة الاستثمارية للشركات... التضخم يتحدى الدور التقليدي للسندات الأميركية

ارتفاع الأسعار وعجز الموازنة يضعفان دورها بوصفها ملاذاً آمناً... والمستثمرون يفضّلون الآجال القصيرة

متداولان يتحدثان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يتحدثان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

اهتزاز العقيدة الاستثمارية للشركات... التضخم يتحدى الدور التقليدي للسندات الأميركية

متداولان يتحدثان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يتحدثان في بورصة نيويورك (أ.ب)

تواجه سوق السندات الحكومية موجة بيع عنيفة تضع واحدة من أكثر الفرضيات الأساسية في أسواق المال تحت اختبار حقيقي؛ وهي الفرضية التي طالما اعتبرت سندات الخزانة الأميركية والديون السيادية عالية الجودة بمثابة «وسادة أمان» تحمي المحافظ الاستثمارية وتخفف من حدة الخسائر عند هبوط أسهم الشركات. وتتعرض السندات طويلة الأجل لضغوط متزايدة منذ اندلاع الحرب مع إيران، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى تعويضاً عن مخاطر التضخم المتصاعد، وقوة الاقتصاد الأميركي، والزيادات المتوقعة في معروض السندات المدفوعة بإنفاق العجز الحكومي.

وقد قفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً هذا الشهر ليتجاوز حاجز الـ5 في المائة، متخطياً توقعات المحللين قبل أن يجتذب بعض المشترين مجدداً. وأظهرت البيانات أن الارتباط لمدة 60 يوماً بين مؤشر «إس آند بي 500» وعوائد سندات الخزانة قد وصل إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين؛ مما يعني أن السندات باتت تضخم تقلبات السوق بدلاً من أن تكون أداة للتحوط ضدها، وفق «رويترز».

تصدع نموذج «60 / 40»

ويقوض هذا التحول الجذري نموذج المحفظة التقليدي القائم على توزيع الاستثمارات بنسبة 60 في المائة للأسهم و40 في المائة للسندات، وهو النموذج الذي يعتمد على أدوات الدخل الثابت لتحقيق العائد والتنويع معاً. ففي المعتاد، يتوقع المستثمرون ارتفاع أسعار السندات عندما تتراجع الأسهم، وهو ما تصفه وول ستريت بـ«الارتباط العكسي»... إلا أن هذا الارتباط بات منعدماً في البيئة الحالية.

وفي هذا الصدد، يرى جوناثان كون، رئيس استراتيجية مكتب أسعار الفائدة الأميركية في «نومورا»، أن «القيمة الجوهرية للسندات في المحافظ الاستثمارية باتت في مواجهة تحدٍ حقيقي مع غياب هذا الارتباط العكسي التقليدي».

وهذه المعضلة بدأت تتشكل ملامحها منذ عام 2021 عندما قفز التضخم في أعقاب اضطرابات الأعمال المرتبطة بجائحة كورونا، واكتسبت زخماً متجدداً مع قفزة أسعار النفط الحالية الناجمة عن الحرب مع إيران. وتدفع هذه العوامل المستثمرين للتركيز على احتمالية بقاء التضخم فوق مستهدفات البنوك المركزية، مما يحد من قدرة صناع السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة حتى وإن تباطأ النمو الاقتصادي.

مدخل وول ستريت لبورصة نيويورك (رويترز)

الهواجس المالية وحتمية علاوة المخاطر

ولا تقتصر مخاوف مديري المحافظ على مستويات العوائد الفردية فحسب، بل تمتد لما يكشف عنه هذا التحرك بشأن تراجع دور السندات بوصفها مثبتاً للمحافظ. ويعلق جون لوك تاينر، مدير المحافظ في «Aptus Capital Advisors»، قائلاً: «السندات لن تحمي محفظتك بالضرورة عندما يكون التضخم مرتفعاً ومتقلبباً».

علاوة على ذلك، تضغط الهواجس المالية على الآجال الطويلة لمنحنى العائد؛ حيث بات المستثمرون أكثر حساسية لتكلفة خدمة الدين الأميركي، وإصدارات الخزانة المستقبلية، ومخاطر العجز المستمر التي تتطلب علاوة «لأجل الطويل» أعلى، وهي التعويض الإضافي الذي يطالب به المستثمرون لشراء سندات طويلة الأجل عندما يستشعرون مخاطر أكبر، إذ قفزت علاوة الأجل على السندات لأجل 10 سنوات مؤخراً إلى نحو 0.86 في المائة، بعد أن كانت تحت مستوى 0.50 في المائة في فبراير (شباط) الماضي.

وأشار جورج كاترمبون، رئيس قسم الدخل الثابت للأميركيين في «DWS Group»، إلى أن هناك «بالتأكيد علامات استفهام حول سلامة الدولار وعجز الموازنة الأميركية أكثر مما كان عليه الوضع قبل خمس سنوات».

ومع ذلك، لا يبدو أن المستثمرين مستعدون لإعلان نهاية سندات الخزانة كأصل عالمي جوهري؛ فسوق السندات الأميركية يظل الأعمق والأكثر سيولة في العالم، وتتحول المعضلة حالياً من «جدوى الملكية» إلى «اختيار الآجال»، حيث يفضل الخبراء في الوقت الراهن الاستثمار في الآجال القصيرة التي توفر عوائد جذابة لبدء إعادة تنويع المحافظ بشكل آمن، بانتظار استقرار الرؤية للآجال الطويلة في عالم يتسم بتضخم لزج وضغوط مالية متزايدة، لا سيما مع تسعير الأسواق للنمو القوي وأرباح الشركات المدفوعة بالإنفاق القياسي على تقنيات الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتفاعل إيجاباً مع نتائج الانتخابات... وضغوط على شركات ماسك وترمب

الاقتصاد متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)

«وول ستريت» تتفاعل إيجاباً مع نتائج الانتخابات... وضغوط على شركات ماسك وترمب

ارتفعت الأسهم الأميركية بقوة في تعاملات الأربعاء مع محاولة المستثمرين تحديد الشركات والقطاعات المستفيدة والمتضررة من الخسائر المدوية للحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

الخزانة الأميركية تلمّح إلى تغييرات في أحجام مزادات السندات

فتحت وزارة الخزانة الأميركية الباب أمام إعادة هيكلة أحجام مزادات سندات الدين الحكومية، بعدما عدّلت صياغة توجيهاتها بشأن الإصدارات المستقبلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة ظلية لإيلون ماسك وشعار شركة «سبايس إكس» (رويترز)

إمبراطورية ماسك تواجه خسائر تتجاوز 130 مليار دولار بعد فوز الديمقراطيين

تواجه ثروة إيلون ماسك وشركاته ضغوطاً كبيرة في أعقاب اكتساح الديمقراطيين انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)

الذهب يتجاوز 4 آلاف دولار مع تراجع الدولار بعد فوز الديمقراطيين

سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً قوياً، متجاوزة مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، مدعومة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، عقب فوز الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الشمس تغرب في مبنى الكابيتول مساء يوم الانتخابات 3 نوفمبر 2026 في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

فوز الديمقراطيين بالكونغرس يضع أجندة ترمب الاقتصادية أمام اختبار صعب

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب واقعاً سياسياً واقتصادياً مختلفاً مع انتزاع الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تراجع مخزونات النفط الأميركية على عكس التوقعات

صهاريج تخزين النفط والبنزين والديزل داخل محطة «كيندر مورغان» بمصفاة لوس أنجليس في كارسون بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط والبنزين والديزل داخل محطة «كيندر مورغان» بمصفاة لوس أنجليس في كارسون بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط الأميركية على عكس التوقعات

صهاريج تخزين النفط والبنزين والديزل داخل محطة «كيندر مورغان» بمصفاة لوس أنجليس في كارسون بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط والبنزين والديزل داخل محطة «كيندر مورغان» بمصفاة لوس أنجليس في كارسون بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

ذكرت «إدارة معلومات الطاقة» الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين ونواتج التقطير في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي، على عكس التوقعات.

وأوضحت «الإدارة»، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات الخام تراجعت بمقدار 865 ألف برميل، لتصل إلى 409.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك في مقابل توقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز» بزيادة قدرها 877 ألف برميل.

كما أشارت «الإدارة» إلى ارتفاع مخزونات الخام بمركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 280 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وشهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً عقب صدور التقرير؛ إذ تُدُوول «خام برنت» العالمي (الأسعار الفورية) عند 98.78 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 4.6 في المائة، وذلك في تمام الساعة الـ04:05 بتوقيت غرينيتش، كما انخفض «خام غرب تكساس الوسيط» الأميركي 4.5 في المائة ليصل إلى 91.85 دولار للبرميل.

وذكرت «إدارة معلومات الطاقة» أن كميات الخام التي عولجت في المصافي ارتفعت بمقدار 199 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع، في حين صعدت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 1.7 نقطة مئوية لتصل إلى 94.5 في المائة.

وبشأن البنزين، فقد انخفضت المخزونات الأميركية بمقدار 222 ألف برميل، لتصل إلى 209 ملايين برميل، مخالفة بذلك التوقعات التي أشارت إلى زيادة قدرها 153 ألف برميل.

وأظهرت بيانات «الإدارة» أيضاً تراجع مخزونات نواتج التقطير - التي تشمل الديزل وزيت التدفئة - بمقدار 3.6 مليون برميل، لتصل إلى 99.3 مليون برميل، مقارنة بتوقعات بانخفاض قدره 100 ألف برميل.

كما أشارت «إدارة معلومات الطاقة» إلى أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 1.18 مليون برميل يومياً.


«وول ستريت» تتفاعل إيجاباً مع نتائج الانتخابات... وضغوط على شركات ماسك وترمب

متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)
متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتفاعل إيجاباً مع نتائج الانتخابات... وضغوط على شركات ماسك وترمب

متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)
متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)

ارتفعت الأسهم الأميركية بقوة في تعاملات الأربعاء، مع محاولة المستثمرين تحديد الشركات والقطاعات المستفيدة والمتضررة من الخسائر الكبيرة التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، وما قد تفرضه النتائج من تغيرات على السياسات الاقتصادية والتجارية لإدارة الرئيس دونالد ترمب.

وقفز مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة في التعاملات المبكرة، متجهاً نحو تسجيل أفضل أداء يومي له منذ ستة أسابيع، فيما ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 983 نقطة، وصعد مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 1.7 في المائة. وفي سوق السندات، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وتباين أداء الأسهم بحسب انعكاسات النتائج الانتخابية على الشركات؛ إذ قفزت أسهم «فيرست سولار» العاملة في مجال الطاقة الشمسية، في حين تعرضت الشركات المرتبطة بحليف ترمب، إيلون ماسك، لضغوط، مع تراجع سهم «سبيس إكس» بنسبة 5.8 في المائة إلى أدنى مستوياته منذ أغسطس (آب)، وانخفاض سهم «تسلا» بنسبة 5.1 في المائة في التعاملات المبكرة.

كما هوى سهم «ترمب ميديا»، الشركة الأم لمنصة التواصل الاجتماعي التابعة للرئيس الأميركي، بنسبة 11 في المائة، مسجلاً أكبر تراجع له منذ 10 أغسطس، في انعكاس لتباين رد فعل المستثمرين تجاه الشركات المرتبطة بالإدارة الأميركية وحلفائها.

وجاءت المكاسب بعد أن أفرزت الانتخابات أغلبية ديمقراطية في مجلسي الكونغرس، في نتيجة تمهد لمرحلة جديدة من المقاومة التشريعية لبرنامج ترمب، الذي سعى إلى تنفيذه بصورة مكثفة منذ عودته إلى البيت الأبيض.

ويرى المستثمرون أن انقسام السيطرة على واشنطن بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي قد لا يكون أمراً سلبياً للأسواق، إذ يقلص احتمالات تمرير تغييرات واسعة في السياسات قد تربك الاقتصاد أو تؤثر في أداء الشركات.

وقال ستيفن براون من مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» إن حجم المكاسب التي حققها الديمقراطيون لا يغير كثيراً من التوقعات المتعلقة بالسياسات على المدى القريب، لأن الحزب لا يزال يفتقر إلى أغلبية في مجلس الشيوخ قادرة على تجاوز التعطيل التشريعي، فيما يحتفظ ترمب بصلاحية الاعتراض على القوانين.

ومع ذلك، لا تزال تداعيات النتائج متفاوتة بين القطاعات. فقد تراجعت بعض الأسواق الآسيوية لفترة وجيزة وسط مخاوف من أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى إبطاء التوسع في مشروعات الذكاء الاصطناعي، بفعل تشديد الاعتبارات المتعلقة بالسلامة ومقاومة المجتمعات المحلية لإنشاء مراكز البيانات. ويأتي ذلك في وقت يتساءل فيه المستثمرون عما إذا كانت الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي تعكس طفرة مستدامة أم فقاعة في القطاع.

وفي تعاملات العقود الآجلة قبيل افتتاح «وول ستريت»، ارتفعت عقود «داو جونز» بنسبة 1.4 في المائة، وعقود «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1 في المائة، فيما عوضت عقود «ناسداك» جزءاً من خسائرها السابقة المرتبطة بأسهم الذكاء الاصطناعي، لترتفع بنسبة 0.54 في المائة.

وفي المقابل، صعدت أسهم شركات طاقة الرياح، بينما تعرضت أسهم شركات الصناعات الدفاعية لضغوط، وسط توقعات بأن تؤدي التطورات السياسية إلى تقليص حدة الحرب مع إيران، بما قد يحد من الطلب المتوقع على المنتجات والخدمات الدفاعية.

ولا تزال الصورة السياسية والاقتصادية مفتوحة على احتمالات متعددة، إذ يحتفظ ترمب بصلاحيات تنفيذية واسعة في ملفات رئيسية، من بينها الدفاع والسياسة الخارجية، وبعض جوانب التجارة.


ارتفاع متوسط ​​صادرات النفط العراقية في أكتوبر

ناقلات نفطية في منشأة نفطية بحرية تابعة لحقل البصرة العراقي (رويترز)
ناقلات نفطية في منشأة نفطية بحرية تابعة لحقل البصرة العراقي (رويترز)
TT

ارتفاع متوسط ​​صادرات النفط العراقية في أكتوبر

ناقلات نفطية في منشأة نفطية بحرية تابعة لحقل البصرة العراقي (رويترز)
ناقلات نفطية في منشأة نفطية بحرية تابعة لحقل البصرة العراقي (رويترز)

ارتفعت صادرات العراق من النفط الخام في شهر أكتوبر (تشرين الأول) لتصل إلى نحو 3.5 مليون برميل يومياً. حسبما نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولَين في قطاع الطاقة، الأربعاء.

وأفاد المصدران بأن الشحنات عبر ميناء جيهان التركي بلغت نحو 400 ألف برميل يومياً.

يأتي هذا الارتفاع في عقب تكثيف بغداد جهودها الرامية إلى ضخ كميات إضافية من النفط الخام المنتج في الجنوب عبر شبكة التصدير الشمالية.

وذكر متحدث باسم وزارة النفط أن متوسط صادرات العراق النفطية اليومية في شهر سبتمبر (أيلول) بلغ 2.65 مليون برميل يومياً، منها 250 ألف برميل يومياً تم شحنها عبر ميناء جيهان.