فاضل السلطاني
من علائم انحطاط أي أمة أن يتساوى العلماء والجهلة، بل أكثر من ذلك، أن يعلو الذين لا يعلمون على الذين يعلمون، الذين لا يبقى أمامهم سوى الانزواء على طريقة رهين المحبسين أبي العلاء، الذي قال قبل أكثر من ألف سنة: ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا تجاهلت حتى ظُن أني جاهل أي زمن هذا الذي نعيشه؟ زمن بلغ فيه احتقار العلم ومراتبه ودرجاته الزبى.
حذارِ عندما يستهدفون الكتب. حين يحصل ذلك، يعني أن الفاشية وصلت إلى مرحلة خطيرة. والمعروف عبر التاريخ أن لا عدو أكبر لهذه الظاهرة الأخطر في تاريخ الإنسانية سوى الكلمة. إنها تخافها أكثر من الطاعون. وهو أمر مفهوم في الأنظمة الشمولية من هتلر إلى صدام حسين. ولكن أن نشهد في بلد ديمقراطي هجوماً ممنهجاً غير مسبوق على أصحاب الكلمة، ومن أعلى المستويات، فهذا قد يدل على أن هناك شيئاً يغلي تحت السطح، ما يستدعي قرع أجراس الخطر.
فرخ البط ليس عواماً غالباً في الأدب. أمثلة كثيرة في التاريخ الأدبي؛ عربياً وعالمياً، تؤكد ذلك. والعكس استثناء. ومن هذا الاستثناء فلاح الجواهري، ابن الشاعر العملاق محمد مهدي الجواهري، ولو كان استثناء نثرياً! ولكن حتى هذا الاستثناء لم يقترفه الابن إلا متأخرا، ومتأخرا جداً. قتل الأب ليس سهلاً أبداً، خصوصا إذا كان هذا الأب من طينة الجواهري، متنبي القرن العشرين كما يحب أن يسميه كثيرون. بالترافق مع ذكرى رحيل الأب في 27 يوليو (تموز) 1997، نشر فلاح الجواهري مذكراته «ما ترك الشاعر للريح - الجواهري، شعراء، ومدن».
ستبقى أسئلة التنوير، أو بالأحرى عدم وجوده، مطروحة لأمد بعيد كما يبدو: لماذا تأخرنا وتقدموا؟ لماذا لم تبلغ النهضة العربية، أو إرهاصاتها الأولى، أهدافها، والمقصود مشاريع عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وعلي عبد الرازق؟ ما أسباب الانسداد التاريخي الذي نعانيه؟ لماذا لم ندخل التاريخ بعد، بل لا نزال مرميين أمام أبوابه المغلقة؟
كان الحالم الكبير، الشاعر الإنجليزي جون كيتس قد قال عام 1820في قصيدته الشهيرة «أنشودة عن إناء إغريقي»، شاهده في المتحف البريطاني: الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال هذا كل ما تعرفه على الأرض وكل ما تحتاج أن تعرفه. مضى قرنان على كتابة هذه القصيدة.
في السابع والعشرين من هذا الشهر من عام 1997، أراح محمد مهدي الجواهري ركابه في مقبرة السيدة زينب بدمشق. وكان قد أوصى أن يدفن هناك، ليس فقط ليكون إلى جانب رفيقة حياته، التي رحلت قبله بخمس سنوات، ولكن رفضاً لأن يعود جثة إلى وطن نفاه حياً معظم حياته المديدة. ومن المعروف أن شاعر العرب الأكبر، ومتنبي القرن العشرين، كان قد رفض في أثناء حياته دعوات نظام صدام وإغراءاته للعودة للعراق. كان يعرف جيداً كيف سيوظفون اسمه، ويستخدمون شهرته في تجميل وجوههم السوداء، وفوت عليهم فرصة أن يفعلوا ذلك وهو جثة.
لا يزال الأدب العربي، شعراً وقصة ورواية، محصوراً ضمن حدوده. لم ننجح بعد في تحقيق أي اختراق للوصول إلى القارئ الأجنبي. هذه حقيقة علينا أن نعترف بها، بدل إيهام النفس بإضافة ألقاب وهمية لأسمائنا على غرار «الأديب العالمي» أو «الشاعر العالمي»، لمجرد أن بعضاً من قصائدنا وقصصنا ورواياتنا قد ترجمت لهذه اللغة أو تلك... مثل هذه الترجمة لا تعني شيئاً، وليست لها قيمة أدبية بحد ذاتها.
حدثني صاحبي المنفي قال: لا أخفي عليك. إني أعاني من مرض عضال منذ أربعين سنة بالتمام والكمال. كنت أتصور حين تركت جمهورية الخوف خلفي أني شفيت منه تماماً. لكني كنت على خطأ عظيم. أنت تعلم أني أعيش في بلد أوروبي، كرمني ومنحني الخبز والسقف ومعهما الأمان وجنسية يحلم بها ملايين البشر في جمهوريات الخوف. لكني ما زلت أعاني من ذلك المرض اللعين. ما أن أرى شرطياً في الشارع، وهو نادر الحدوث، حتى ترتعد فرائصي، وترتجف ساقاي، وتزبد شفتاي. وتزداد هذه الأعراض شدة في المطارات، دخولاً وخروجاً، وكأني أحمل في جيوبي كل ممنوعات الدنيا.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة