ثلاث سوريات يروين قصص زواجهن بـ«دواعش» أجانب... وأطفالهن مكتومو القيد

سوريات مع أطفالهن في غرفة بمخيم عين عيسى، مكان احتجاز نساء عناصر «داعش» («الشرق الأوسط»)
سوريات مع أطفالهن في غرفة بمخيم عين عيسى، مكان احتجاز نساء عناصر «داعش» («الشرق الأوسط»)
TT

ثلاث سوريات يروين قصص زواجهن بـ«دواعش» أجانب... وأطفالهن مكتومو القيد

سوريات مع أطفالهن في غرفة بمخيم عين عيسى، مكان احتجاز نساء عناصر «داعش» («الشرق الأوسط»)
سوريات مع أطفالهن في غرفة بمخيم عين عيسى، مكان احتجاز نساء عناصر «داعش» («الشرق الأوسط»)

في غرفة منعزلة في مخيم عين عيسى على بعد نحو 50 كيلومتراً شمال مدينة الرقة، جلست ثلاث سيدات سوريات متشحات بالسواد، وإلى جانبهن أطفال صغار لم يتجاوز عمر الواحد منهم ثلاث سنوات. لم يتم تسجيل أي منهم في قيود الولادة الرسمية بعد تجربة سوداء خاضوها بزواجهن من عناصر أجانب في صفوف تنظيم داعش، ولم يكنّ يعلمن أن المطاف سينتهي بهن جميعاً في هذا المكان.
«كنت أحلم أن أكون مدرسة لغة إنجليزية، أعلِّم الأطفال وأترجم القصص والروايات العالمية»، بهذه الكلمات بدأت سعاد ذات الثلاثة عقود المنحدرة من مدينة حمص (وسط سوريا)، وتحديداً من حي باب السباع، قصتها وكيف تعرفت على زوجها الثاني، وهو مغربي الجنسية، بعد سفرها إلى مدينة الرقة بداية عام 2015، حيث كان عنصراً في تنظيم داعش، وأنجبت منه طفلة سمتها ماسة تبلغ من العمر الآن 9 أشهر.
سعاد، وأثناء الحديث معها، كانت تلبس نقاباً أسود لم يظهر منه سوى عينين قلقتين. قبل أن تتكلم، استأذنت بإشعال سيجارة، وقالت في بداية حديثها: «أنا أدخن منذ 10 سنوات. لم أنقطع عنه حتى عندما كنتُ أعيش في مدينة الرقة على الرغم من أن عناصر (داعش) كانوا يمنعون التدخين ويعاقبون المدخنين».
وأكدت في حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» أن قوانين التنظيم كانت تُطبَّق فقط على عامة الناس، لكنها لا تسري على مسلحي التنظيم خصوصاً الأمراء منهم والقادة العسكريين.
سعاد درست الأدب الإنجليزي، وتحمل شهادة دبلوم في الترجمة، تزوجت منتصف عام 2010 من شاب حمصي. وبعد اندلاع الانتفاضة الشعبية المناهضة لنظام الحكم في سوريا في شهر مارس (آذار) عام 2011، قتل شقيقها الأصغر بتهمة الانتساب إلى صفوف «الجيش الحر». على أثر الحادثة قررت عائلتها السفر إلى تركيا وطلبوا منها مراراً الذهاب معهم، لكن زوجها رفض الفكرة وقرروا البقاء في مسقط رأسهم، ما تسبب بقطيعة بين سعاد وأهلها. بعد شهرين، قُتِل زوجها عندما كان ذاهباً لشراء الخبز برصاصة قناص موالٍ للنظام السوري، بحسب سعاد. وتابعت: «بعدها سافرت إلى خالتي بدمشق ودرست في معهد، وكنت أعطي دروساً خصوصية لتأمين نفقات العيش الباهظة».
بقيت سعاد في دمشق قرابة ثلاث سنوات. تصالحت مع أهلها ثم قررت السفر إلى تركيا براً عبر مدينة الرقة، التي كانت تُعدّ آنذاك من أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، وذكرت أنها «عندما وصلت إلى كراج الرقة، منعني عناصر الحسبة (الشرطة) من إكمال طريقي إلى تركيا، أو العودة نحو دمشق لأنه لم يكن معي مرافق محرم، وقالوا لي إنني مسلمة ويجب أن أعيش في ظل الخلافة» المزعومة.
أُجبِرَت سعاد على أن تعيش في الرقة بمفردها. استأجرت منزلاً وسط المدينة، ونصحها صاحبه بأن تتزوج تحسباً من وضعها في مضافة النساء، لأن كل امرأة تدخل ذلك المكان تُجبَر على الزواج بأول مقاتل يتقدم لها من التنظيم. وتابعت حديثها: «تعرفتُ على زوجي المغربي عندما شاهدني أمشي في الشارع مرة، كان يسكن بالقرب مني، أُعجَبْت به وتبادلنا النظرات، وعندما طلبني للزواج وافقت دون تردد وتزوجنا صيف عام 2015».
أما نور (22 سنة)، فقد انتقلت مع عائلتها من مدينة حلب لتسكن في الرقة سنة 2007، لأن والدها كان يعمل في التجارة، وبعد سيطرة مسلحي التنظيم على كامل مدينة الرقة أوائل عام 2014، وإعلان «خلافته» المزعومة في شهر يونيو (حزيران) من العام نفسه، لم تغادر أسرتها المدينة وفضلوا البقاء والعيش فيها. شاهدها عنصر ماليزي، وسأل عنها وتعرف على شقيقها طالباً يدها للزواج. بدوره نقل الأخ رغبة المقاتل الأجنبي إلى والده، وقالت نور: «في البداية رفضت، لكن حينما قال إنه شاب في مقتبل العمر، وافقت لأنه كان متديناً ورجلاً ملتزماً ويتحدث اللغة العربية الفصحى، تزوجنا بداية 2015، وأنجبت منه طفلين».
في حين نقلت الخنساء (25 سنة) التي تنحدر من مدينة حماة التي تبعد عن دمشق نحو 210 كيلومترات، أنها لم تكن تملك خياراً آخر، فبعد نزوح أسرتها من مدينتها أواخر سنة 2014 على أثر اشتداد المعارك بين القوات النظامية الموالية لنظام بشار الأسد، وفصائل المعارضة المسلحة، قرروا الانتقال إلى مدينة الرقة لأن والدها كان موالياً للتنظيم. وعن زواجها الأول، قالت الخنساء: «لم يكن عندي أي خيار ثاني، طلبني عنصر تونسي، ووافق أبي عليه وكأنه فارس الأحلام! أما أمي فوقفت لجانبي لكنها كانت عاجزة مثلي».
وبعد مرور عام قُتِل زوجها الأول في شهر مايو (أيار) 2016، وكانت قد أنجبت منه طفلاً، ثم طلبها مقاتل تونسي على صلة بزوجها الأول، ووافق والدها ليتم تزويجها للمرة الثانية، وتزيد الخنساء: «الجنس والنساء هاجسان رئيسيان في حياة أي مقاتل أجنبي منتسب للتنظيم، غالباً ما يتخذ المقاتل أكثر من زوجة واحدة ويبحث عن السبايا، ثم يطلقون بعد شهر أو شهرين».

إعدامات
ومنذ سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرقة، أسرف مسلحوه في الذبح والقتل وتنفيذ الإعدامات الجماعية، إلى جانب معاقبة كل من يخالف أوامرهم أو يعارضها، أما المدنيون فكانوا يخشون من أحكامه المتشددة وعقوباته التي كان أبسطها بتر أحد الأطراف أو الجَلْد.
وأخبرت سعاد أن زوجها المغربي بقي يقاتل مع التنظيم نحو ثلاثة أشهر، لكنه أُصيب في معركة وأعفي عن القتال. وتضيف: «بداية 2016 أرسل زوجي خطاباً إلى (الناطق باسم التنظيم أبو محمد) العدناني يطلب منه السماح لنا بالسفر والعودة إلى المغرب، ومنحه جواز سفره، بعد شهر رد العدناني بالموافقة على طلبه».
لكن «فرحتها» لم تكتمل، حيث قُتِل العدناني صيف العام 2016 بغارة جوية من طيران التحالف الدولي، وما زاد الأمر تعقيداً إصدار والي الرقة قراراً يحظر بموجبه «سفر المهاجرين».
أما نور، فقد نجحت في إقناع زوجها الماليزي بترك التنظيم بعدما لَمَست منه أنه لم يعد مقتنعاً بهم كما كان سابقاً، وكان يفشي لها عن انكسار معنويات المقاتلين بعد الخسائر التي مُني بها التنظيم في سوريا والعراق.
في حين كشفت الخنساء أن زوجها الثاني قرر الانفكاك عن بيعته للتنظيم، وذكرت: «كان ينقل لي تذمره لأن التنظيم كان يرسل الأجانب إلى الخطوط الأمامية، أما المقاتلون المحليون فكانوا إما أمراء أو قادة ومسؤولين أمنيين».
وفي بداية شهر يونيو الماضي، وعلى وقع تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» داخل أحياء مدينة الرقة، فرت سعاد وزوجها المغربي وطفلتها من قبضة تنظيم داعش، عبر طرق التهريب، ودفعت ألف دولار حتى وصلوا إلى المناطق المحررة، وتضيف سعاد: «عندما وصلنا للحاجز كشف زوجي عن هويته، فأخذوه إلى السجن، ولا أعرف عنه أي شيء منذ ذلك الوقت، يقولون لي بعد انتهاء التحقيق سيفرج عنه».
واتفق زوج نور الماليزي مع مهرب لإيصالهم إلى مناطق «قوات سوريا الديمقراطية»، ودفع مبلغ 2000 دولار، وقالت نور: «عندما وصلنا للحاجز رفعنا علماً أبيض ومشينا جاثياً، عرف زوجي عن نفسه وأنه كان مقاتلاً سابقاً في التنظيم، اقتادوه إلى سجن مدينة كوباني - عين العرب على أمل الإفراج عنه بعد انتهاء التحقيق».
ونقلت الخنساء أن زوجها التونسي آثر بعد ذلك الهرب من الرقة، وقالت: «هربنا إلى قرية الجزرة شرق مدينة الرقة، ثم قصدنا أول حاجز لقوات سوريا الديمقراطية وسلمنا أنفسنا لهم، قلت لهم إننا من حلب وضاعت وثائقنا ولكن عندما تحدث زوجي اللكنة التونسية كُشف أمره وأخذوه إلى السجن ومنذ 45 يوماً لا أعلم عنه أي شيء».
وتبقى آمال هؤلاء النسوة الثلاث معلَّقَة، وعيونهن منصوبة نحو مستقبل مجهول، إذ يخشين من فصل أزواجهن عن عائلاتهم بعد الإفراج عنهم، وترحيل كل مقاتل أجنبي إلى دولته لتستمر إجراءات محاكمته قانونياً، بينما يبقى مستقبل أطفالهم الأكثر غموضاً وتعقيداً.



استئناف المعارك ضد الحوثيين في محور باب المندب

قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
TT

استئناف المعارك ضد الحوثيين في محور باب المندب

قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)
قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)

استؤنفت المعارك العسكرية ضد الحوثيين في محور باب المندب، الاثنين، بالتزامن مع مواجهات عنيفة في جبهات محافظة لحج، وتقدم لقوات العمالقة الجنوبية في مديرية المضاربة ورأس العارة، في حين دفعت القوات الحكومية بتعزيزات عسكرية إلى مديرية المقاطرة شمال لحج لاستعادة المبادرة والمناطق التي سيطر عليها الحوثيون خلال الأيام الماضية، وسط استمرار ثبات القوات الحكومية في جبهات محيط مدينة تعز.

وشهد محور باب المندب تجدداً للمواجهات منذ ساعات الصباح، مع مشاركة قوات العمالقة الجنوبية في عمليات عسكرية أسفرت، وفقاً لمصادر ميدانية، عن استعادة عدد من المواقع والتقدم في مناطق المواجهات، وسقوط قتلى وجرحى في صفوف الحوثيين.

وتزامن استئناف المعارك مع استمرار المواجهات في مديرية المضاربة ورأس العارة غرب لحج، حيث استعادت قوات العمالقة السيطرة على مواقع استراتيجية، بينها جبل سفن وقرن الشماية، في حين تواصل القتال في منطقتي المجزع وزريقة الشام على أطراف المديرية.

القوات الحكومية اليمنية تسعى لطرد بقية الجيوب الحوثية من منطقة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي تطور متصل، نفت قوات العمالقة الجنوبية الأنباء المتداولة عن انسحابها من ذوباب وكهبوب ومواقعها في الساحل الغربي. وقال أصيل السقلدي، مدير المركز الإعلامي للقوات، إن وحداتها لا تزال مرابطة في مواقعها، وإنها لن تنسحب تحت ضغط ما وصفها بالشائعات والأراجيف.

وأضاف السقلدي أن وجود القوات في ذوباب يمثل بداية لمسرح عمليات قال إنه سيمتد حتى صعدة، مؤكداً استمرار المواجهة ضد الحوثيين وعدم التراجع عن العمليات العسكرية.

استعادة المبادرة

في مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، دفعت القوات الحكومية بتعزيزات عسكرية كبيرة من قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن، تسلمت مقر قيادة محور طور الباحة العسكري، وانخرطت مباشرة في خطوط المواجهة مع الحوثيين، في تحرك يستهدف استعادة المناطق التي سيطرت عليها الجماعة خلال الأيام الماضية.

صبي يركب دراجة في صنعاء أمام جدار مغطى بصور قتلى الحوثيين (إ.ب.أ)

وقالت مصادر ميدانية إن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من إفشال محاولات حوثية للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

ويأتي وصول التعزيزات في إطار تحركات عسكرية لاستعادة زمام المبادرة في المديرية، ومنع الحوثيين من توسيع نطاق سيطرتهم على المواقع والمرتفعات التي شهدت مواجهات خلال الفترة الأخيرة.

تعز... ثبات في محيط المدينة

في محافظة تعز، واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية التصدي للهجمات الحوثية في الجبهات المحيطة بالمدينة، مع استمرار المواجهات في المحور الجنوبي الشرقي، حيث تركزت العمليات على إحباط تحركات الجماعة واستهداف تعزيزاتها ومواقعها العسكرية.

وأفاد محور تعز العسكري بأن القوات الحكومية، بمساندة الطيران الحربي، نفذت غارات استهدفت مواقع وتجمعات حوثية في منطقة برداد بسائلة عنقبة في جبل صبر، ودمرت عربة عسكرية، كما استهدفت مواقع أخرى في حصن المخعف ومناطق بمديرية المسراخ جنوب المحافظة.

وأضاف أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرتين مسيَّرتين تابعتين للحوثيين في جبهة صبر، في وقت تتواصل فيه المواجهات على عدد من المحاور، وسط تمسك القوات الحكومية بمواقعها ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات جديدة.

مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي سياق موازٍ، أفادت مصادر محلية بأن الحوثيين اقتحموا منازل شخصيات حكومية وسياسية واجتماعية في مديرية الشمايتين جنوب تعز، واستولوا عليها بالقوة. وشملت الاقتحامات، وفق المصادر، منزل وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي في قرية شرجب، ومنزل القيادي السابق في حزب البعث قاسم سلام، ومنزل العميد عبد الوهاب الشرجبي.

وتأتي هذه الاعتداءات في ظل تصاعد الانتشار الحوثي في عدد من مديريات المحافظة، وسط مخاوف من اتساع عمليات الاستيلاء على الممتلكات الخاصة واستهداف شخصيات حكومية وسياسية واجتماعية.

إسناد جوي وعمليات عسكرية

على المستوى العسكري العام، أعلن الجيش اليمني تنفيذ 1272 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت مساء الأحد، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت تجمعات الحوثيين وتعزيزاتهم وتحصيناتهم ومصادر نيرانهم ووسائل حركتهم وإمدادهم.

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة في مدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسهمت في إلحاق خسائر بقدرات الجماعة وإسناد تقدم القوات الحكومية واستعادة مواقع في محافظة الجوف، مشيراً إلى استمرار العمليات في الجبهات الشمالية ومأرب والبيضاء، إلى جانب الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية.

وأضاف أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 500 من القيادات الميدانية والعناصر الحوثية، وتدمير وإعطاب 169 آلية ومعدة وقطعة سلاح ثقيل، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.


اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.