30 ألف حالة انتحار في الشرق الأوسط خلال عام

دراسة رصدت ازدياداً في العنف والقتل والاعتداء الجنسي

30 ألف حالة انتحار في الشرق الأوسط خلال عام
TT

30 ألف حالة انتحار في الشرق الأوسط خلال عام

30 ألف حالة انتحار في الشرق الأوسط خلال عام

أفادت دراسة علمية حديثة، بأنّ حالات الانتحار والقتل والاعتداء الجنسي ازدادت بوتيرة كبرى في منطقة شرق المتوسط، مقارنة مع المناطق الأخرى بالعالم. وتسببت أعمال العنف هذه بـ1.4 مليون حالة وفاة خلال عام 2015، ناهيك بالوفيات الناتجة عن الحروب التي أودت بحياة 144 ألف شخص.
وحسب البروفسور علي مقداد، الكاتب المسؤول عن الدراسة ومدير مبادرات شرق المتوسط لدى معهد قياس وتقييم الصحّة التابع لجامعة واشنطن، فإن «العنف المستعصي والمتوسط يؤدي إلى نشوء جيل ضائع من الأطفال والبالغين الشباب. وسيكون مستقبل شرق المتوسط قاتما ما لم نجد السبل الكفيلة بإرساء الاستقرار في المنطقة».

* الاضطرابات النفسية والانتحار

علاوة على العنف، فقد سُجّل ارتفاع حادّ في معدّل الأمراض غير السارية وفي الحالات المرضية المرتبطة بالصحّة العقلية مثل الاكتئاب، واضطراب القلق، والاضطراب ثنائي القطب وانفصام الشخصية. وشكّل الاكتئاب واضطراب القلق أكثر الاضطرابات العقلية انتشارا حسب الدراسة التي نشرت أمس، في المجلة العلمية «إنترناشيونال جورنال أوف بابليك هيلث». ويصيبان النساء أكثر من الرجال.
من جانبه، أكّد الدكتور رغيد شرارة من الجامعة الأميركية في بيروت، وهو أحد المساهمين في الدراسة الذين تجاوز عددهم الـ500، أنه «في ظل العولمة وتحضّر معظم المجتمعات، تتعرّض المرأة إلى عوامل إجهاد كثيرة، تؤثّر على الأسرة برمّتها، ولا سيما على الأطفال».
وقد تفاقمت مشكلة الاضطرابات النفسية والعقلية، بفعل غياب الاختصاصيين في مجال الصحّة العقلية والتمويل لهذه الخدمات.
فالمعدّل الوسطي لهؤلاء العاملين، يبلغ سبعة اختصاصيين تقريبا لكل 100 ألف نسمة في المنطقة ويتدنّى إلى 0.5 طبيب نفسي لكل 100 ألف نسمة في بلدان مثل ليبيا والسودان واليمن. في المقابل، يتراوح هذا المعدّل بين تسعة وأكثر من 40 اختصاصيا لكل 100 ألف نسمة في الدول الأوروبية.
وصرّح البروفسور مقداد، بأنه «لا بدّ من وضع خطّة شاملة للاستفادة من الخبرة والمشاريع المتوفّرة التي تتصدّى للتحدّيات الماثلة أمامنا في مجال الصحّة العامة والقدرة على الصمود البيئي والعدالة الاجتماعية والاقتصادية».
انتحر نحو 30 ألف شخص في منطقة شرق المتوسط، فيما توفي 53 ألف آخرون بسبب العنف بين الأفراد، خلال عام 2015، ما شكّل ارتفاعا بنسبة 100 في المائة، و152 في المائة على التوالي، خلال السنوات الـ25 المنصرمة. وارتفعت حالات الوفاة خلال الفترة نفسها في أجزاء أخرى من العالم بنسبة 19 في المائة نتيجة الانتحار وبنسبة 12 في المائة بسبب العنف بين الأفراد.
وكشفت الدراسة أنّ الشنق والتسمم هما أكثر الوسائل استعمالا للانتحار في منطقة شرق المتوسّط. وأفاد واضعو الدراسة بأنّه لربما يتم التقليل من الإحصاءات المتعلّقة بحالات الانتحار بسبب الحواجز الثقافية والدينية والوصمة الاجتماعية والعقوبات القانونية التي تثني الضحايا والعائلات والحكومات، عن الإفصاح عن هذه المعلومات.
تستند المقالات الـ15 والافتتاحيات الثلاث التي تشكّل الدراسة، إلى التقديرات الأخيرة المستقاة من دراسة العبء العالمي للأمراض والإصابات وعوامل الخطر، وهي بمثابة جهد علمي منهجي يرمي إلى تحديد حجم الخسائر الصحّية الناتجة عن الأمراض والإصابات وعوامل الخطر الرئيسية حسب السنّ والجنس والمكان. وتستفيد دراسة العبء العالمي للأمراض من مساهمة أكثر من ألفين و300 باحث في 132 دولة وفي ثلاثة مواقع غير سيادية، وتستعرض أكثر من 300 مرض وإصابة.
كما أنّها الدراسة الشاملة الأولى في المنطقة للعبء العالمي للأمراض التي تنظر في أنماط الوفيات المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، بصورة شاملة في المنطقة بين عامي 1990 و2015، وقد سجّل ارتفاعا بعشرة أضعاف في معدل الوفيات المرتبطة بفيروس (الإيدز)، حيث رُصدت معظم الحالات في ثلاثة بلدان، ألا وهي جيبوتي والصومال والسودان.

* وفيات نقص المناعة البشرية

من جهته، صرّح الدكتور شربل البشراوي، الأستاذ المساعد لدى معهد قياس وتقييم الصحّة: «يموت الأشخاص المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية في إقليم شرق المتوسط أسرع من بقية مناطق العالم. هذا دليل على أنّ مرضى فيروس نقص المناعة البشرية لا يحصلون على العلاج المناسب في عصر يمكن فيه السيطرة بطريقة فعّالة على هذا الفيروس مع نظم العلاج المناسبة». وأضاف: «لا بد من توعية الأطباء وغيرهم، من مقدّمي الرعاية الصحّية، على الفيروس وزيادة فهمهم له». كما أشار إلى دراسة حديثة في إيران وقفت على وجود «أفكار خاطئة مذهلة» بشأن فيروس نقص المناعة البشرية، حيث أجاب 20 في المائة فقط من الأطباء أنّهم يعرفون كيف يتعاملون مع المرضى الذين يمارسون الجنس مع شركاء مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.

حوادث السير

تلقي الدراسة أيضا الضوء على الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث السير في المنطقة بين عامي 1990 و2015.
في 2015، شكّلت هذه الحوادث السبب الثامن للوفيات في المنطقة عموماً، ولكنّها جاءت في المرتبة الثانية في قطر وعمان والإمارات العربية المتحدة. وبلغت نسبة الوفيات الإجمالية أعلى مستوياتها في قطر (20 في المائة)، وتلتها عمان (16 في المائة)، والإمارات العربية المتحدة (14 في المائة). أمّا المستويات الدنيا فقد سجّلت في باكستان (1.9 في المائة)، وفي لبنان (في المائة 1.8) والصومال (1.5 في المائة). لم تنخفض معدّلات الوفيات الناتجة عن هذا السبب في المنطقة بالسرعة نفسها التي تدنّت فيها على مستوى العالم وقد شهدت ثلاثة بلدان، وهي ليبيا وباكستان ومصر، ارتفاعا في معدّلات الوفيات.
وفي ذلك، أوضح البروفسور مقداد: «تشكّل الإصابات والوفيات الناجمة عن حوادث المرور، مشكّلة صحّة عامّة بأهمية فيروس نقص المناعة البشرية أو داء السكري. وكما هي الحال بالنسبة إلى فيروس نقص المناعة البشرية وداء السكري، تعدّ التدابير الوقائية، بالإضافة إلى التثقيف والعلاج، حيوية للتخفيف من هذه المشكلة».

* النظام الغذائي السيئ

وسلّط التقرير الضوء على نقاط أخرى وهي، الداء القلبي الإقفاري الذي يشكّل السبب الرئيسي للوفيات في المنطقة، تليه الأمراض الدماغية الوعائية. وشملت التغييرات في أسباب الوفيات تراجعا بنسبة 65 في المائة في أمراض الإسهال، وارتفاعا بنسبة 140 في المائة تقريبا في داء السكري، وفي سرطان الرغامي والسرطان القصبي وسرطان الرئة.
ويبقى التقدّم المحرز على صعيد وفيّات الأطفال، فقد تراجع معدّل الوفيات الإجمالي للأطفال ما دون الخامسة، ببطء مقارنة مع المستوى العالمي، حيث تسجّل نسبة 80 في المائة من وفيات الأطفال ما دون الخامسة في ستة بلدان هي أفغانستان وباكستان، الصومال، وجنوب السودان، والسودان، واليمن.
تمثّلت الأسباب الخمسة الرئيسة لوفاة الأطفال ما دون الخامسة بمضاعفات الولادة قبل الوقت المتوقّع، والتهاب الدماغ لدى المواليد الجدد، والتهابات الجهاز التنفسي السفلي، والتشوهات الخلقية وأمراض الإسهال. فيما تراجعت الأمراض السارية وعواقب الكوارث الطبيعية على الصحّة بشكل لافت بين عامي 1990 و2015، ولكن قوبل هذا التقدّم بآثار الحرب واضطرابات الصحّة العقلية والانتحار.
وشكّل تعاطي التبغ وارتفاع مؤشّر السمنة لدى المراهقين خطرا صحّيا رائجاً، إذ سجّلت بلدان كثيرة معدلات عالية لحمل المراهقات، بالإضافة إلى عدم تغطية الحاجات من حيث وسائل منع الحمل.
هذا ويشكّل النظام الغذائي السيئ السبب الرئيسي لسنوات العمر المصحّحة باحتساب العجز في المنطقة. يعاني كثير من الأشخاص في بلدان كثيرة من سوء التغذية ومن نظام غذائي سيئ يؤدّي إلى المرض. كما يعدّ تعاطي التبغ وارتفاع ضغط الدم من بين الأسباب الرئيسية لسنوات العمر المصحّحة باحتساب العجز.
كما تشهد المنطقة تباينا واسعا في إجمالي الناتج القومي الذي يبلغ أعلى مستوياته في قطر (134 ألفا و420 دولارا أميركيا)، وأدناها في أفغانستان (ألفا دولار أميركي).
تتجاوز نسبة الأشخاص الذين يعيشون ما دون خطّ الفقر الوطني حسب بيانات البنك الدولي الـ20 في المائة في عدد كبير من دول منطقة شرق المتوسط: أفغانستان (36 في المائة)، ومصر (22 في المائة)، والعراق (23 في المائة)، وباكستان (22 في المائة)، وفلسطين (22 في المائة)، والسودان (47 في المائة)، واليمن (35 في المائة). فيما تواجه دول كثيرة في المنطقة تحدّيات بيئية كبيرة بسبب شحّ المياه وارتفاع درجة الحرارة والعواصف الرملية.
وأضاف البروفسور مقداد: «وتشير هذه الدراسة بوضوح إلى أنّ مستقبل الصحّة في المنطقة بات مهدّداً».
تجدر الإشارة إلى أنّ منطقة شرق المتوسّط تعد أكثر من 600 مليون شخص يمثّلون مجموعة متنوعّة من 22 بلداً: أفغانستان ومصر والبحرين وجيبوتي والعراق وإيران والأردن والسعودية والكويت ولبنان وليبيا والمغرب وعمان وباكستان وفلسطين وقطر واليمن والصومال والسودان وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة.
وتطالب الدراسة التي أجراها معهد قياس وتقييم الصحّة، التابع لكلية الطبّ في جامعة واشنطن بسياتل، بمضاعفة الجهود لمواجهة المشكلات المرتبطة بتلوث الهواء.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».