ستيفن كينغ ملك روايات الرعب المصوّرة

عدد رواياته المنقولة إلى الشاشة بالمئات

TT

ستيفن كينغ ملك روايات الرعب المصوّرة

في غضون أسابيع قليلة يفتتح فيلم جديد بعنوان «البرج الداكن» مُقتبس عن رواية بالعنوان نفسه، وضعها ستيفن كينغ. فيلم يتولّى بطولته كل من إدريس إلبا وماثيو ماكونوفي وكلاهما اليوم، من أفضل الخبرات التمثيلية المتوفرة.
هذا ليس الخبر. الخبر هو أنّ هذا الفيلم، هو واحد من خمسة أفلام صُوّرت للعرض في هذه السنة. وهذه الأفلام الخمسة هي من بين نحو 150 اقتباسا مباشرا أو موحى به من رواياته. وفي مراحل مختلفة من إنتاج 13 فيلما آخر لعروض العام المقبل أو الذي يليه. هذا ما يجعل عدد الأفلام الروائية الطويلة التي اقتُبست عن أعمال هذا الروائي ذي الـ69 سنة، يفوق 175 فيلماً بما فيها أعمال تلفزيونية أيضاً.
ولا أود إضافة الأفلام القصيرة التي تُصوّر كل سنة، فهذه لا حصر لها وسترفع من الرقم ليتجاوز الـ220 فيلماً حسب IMDb‪.‬Pro.
* برج أول
هذا نجاح لا ريب فيه، لكن من الصعب معرفة كيف أمكن له أن يتحقق. كثيرون هم الذين كتبوا قصص رعب وتشويق وتخويف، ومعظمهم لم يحصد الكثير من النجاح، هذا إذا استمر. ستيفن كينغ تجاوز احتمالات النجاح منذ 41 سنة، عندما وفّر مخرج جديد على المهنة نوعا (كان حقق حفنة من الأفلام حتى ذلك الحين)، اسمه برايان دي بالما، اقتباسا سينمائيا لواحدة من روايات كينغ المعروفة «كاري».
«كاري» كانت أول رواية منشورة للكاتب. دار «دوبلداي» تسلمت نسخة من الرواية بالبريد وقرأتها وتحمست لها ونشرتها سنة 1973. أي قبل ثلاث سنوات فقط، من قيام دي بالما (الذي أصبح لاحقاً من أشهر وأفضل مخرجي السبعينات والثمانينات) من تحويلها إلى فيلم. الممثلة ذات العينين الواسعتين والوجه ذي التفاصيل الدقيقة سيسي سبايسك، لعبت دور تلك الفتاة التي لديها قوّة غير طبيعية، إذ تستطيع أن تشعل النار بمجرد الرغبة والنظر إلى الشيء المراد حرقه. وهي تحرق المدرسة التي داوم طلابها على السخرية منها، بسبب أمها شديدة التدين.
منذ ذلك الفيلم تصاعدت بورصة الكاتب في هوليوود. الأفلام تلاحقت بلا هوادة. من ثلاثة أفلام في العام الواحد إلى أربعة، ومعظم الأعوام منذ ذلك الحين إلى اليوم حملت إنتاجات سينمائية لحكايات وضعها. هي أعوام منفردة ومتباعدة تلك التي لم تنتج هوليوود فيلماً لستيفن كينغ.
في الواقع، وبالمراقبة الدقيقة، يتبيّن أنّ هوليوود داومت على إنتاج أفلام لهذا الروائي كل سنة من العام 1980. عندما أخرج ستانلي كوبريك «الضياء» The Shining (أو «اللمعان» كما يمكن تفسير العنوان أيضاً)، إلى اليوم باستثناء العام 1991.
الشيء المميز الآخر حول الإنتاج الجديد «البرج الداكن» (The Dark Tower)، هو أنّه قد يكون (إذا ما نجحت التجربة)، الفيلم الأول في سلسلة تحمل العنوان ذاته. هذا لأنّ كينغ كتبها على هذا النحو واضعاً البطولة في شخصية بطل يشبهه، في مفهومه الميثالوجي، الشخصية التي أداها كلينت ايستوود في ثلاثية سيرجيو ليوني الشهيرة في عالم الغرب الأميركي. اختلافها أنّها تجمع بين الخيال العلمي والفانتازيا والوسترن في توليفة باركتها أقلام النقاد عندما أمّـها الكاتب في مطلع الثمانينات.
في الفترة ذاتها كان نشاط كينغ مستمرا. كان يكتب ليل نهار واستمر على ذلك من حينها ما يفسر السبب وراء كثرة رواياته. لكن في تلك الحقبة، كانت رواياته ذات الطابع التخويفي، تتمحور حول الأفراد (رجال ونساء وأطفال) الذين يمتلكون قدرات روحانية وبدنية مختلفة تخوّلهم تحقيق ما يريدونه ردّا على اعتداء أو تميّـزاً عن الآخرين. هذا تماماً ما كانت عليه رواية «كاري» وما تمحورت حوله رواية «مشعل النار» (تحولت إلى فيلم سنة 1984 على يدي المخرج الكندي مارك لستر).
«الرصاصة الفضية» و«عين القطة» و«طالب حذق» و«رجل الحصاد» وسواها، دارت حول هذا الموضوع ببطولات مختلفة. وكلّها تحوّلت إلى أفلام. أحد الاستثناءات القليلة، فيلم عن سيارة مسكونة قام بنقله فيلماً جون كاربنتر سنة 1983.
* بين الأصل والنتيجة
مع مثل هذا الزخم كان لا بد لحكاياته أن تبدو كما لو كان كل منها منقولا عن حكاية مثلها. هذا من قبل أن يبدأ بالميل صوب مواضيع أكثر شمولاً واختلافاً من مجرد حكايات الأرواح الشاردة والقدرات غير الطبيعية لأخرى شريرة. «بؤس» كان خطوة على هذا الطريق، لكنّ الأكثر قدوة في هذا المجال «إصلاحية شوشانك» التي حققها فيلم فرانك دارابونت سنة 1994 كما «الميل الأخضر» التي أخرجها أيضاً دارابونت وكلاهما جيد.
في الواقع، لم تكن أشهر الأعمال التي تناولتها السينما عن روايات كينغ المتعددة تختلف في كيانها عن الفئة المتكررة من أفكاره. هذا العمل كان فيلم ستانلي كوبريك «الضياء» وكان الفيلم الثاني المقتبس عن إحدى روايات كينغ.
إنّها واحدة من المرّات القليلة، نسبياً، التي فاق فيها الفيلم لا الرواية ذاتها، بل مفهومها وهويتها الأدبية. فيلم «ضياء» لستانلي كوبريك، استفاد من المخرج أكثر مما استفاد من أدب الكاتب، لدرجة أن ستيفن كينغ رفض الاعتراف بالفيلم حين شاهده وكتب عنه أوصافاً من بينها أنّه فيلم «ممل» و«لا ينتمي إليّ».
ما كان كينغ كتبه سنة 1977. هو عن عائلة صغيرة العدد تلتحق بعمل في فندق يغلق أبوابه في الشتاء القارس. على جاك تورانس، رب العائلة، أن يُشرف على المكان ويحرسه. وجاك. هو كاتب روائي كشأن الكثير من أبطال روايات كينغ. التركيز هنا هو على ابنه الذي يبدأ باكتشاف قدراته الروحانية بعدما تبين أنّ المكان مسكون بأرواح شريرة.
ستانلي كوبريك، الذي لم ينقل سابقاً أو من بعد رواية من دون القيام بنسف أحداثها وإعادة صياغتها على هواه، استخدم التركيبة (The Set Up)، ليتحدث عن الزوج وليس فقط عن الولد. ومن خلال الزوج عن المؤسسة. فيلم كوبريك، في الحقيقة، أكثر رعباً من كتاب كينغ. هو فيلم رعب خالص. مواد الرعب فيه هي مزيج من أشباح الماضي، ورجل فقد عقله، وصبي يقرأ المستقبل، وامرأة في خطر، وغموض حول حادثة شبيهة وقعت قبل عشرات السنين، ثم شخصيات تتراءى حية من بعد موتها إلخ. كذلك هي عن ذلك الكاتب (كما أداه جاك نيكولسون بشكل رائع) الذي فقد شهيته للكتابة كما لو أنّ شيئا غزاه في الدّاخل وامتلكه.
في الفيلم، وليس في الرواية، ثلاثة مستويات مهمة: أولاً الأحداث التي تقع اليوم لدى وصول الكاتب جاك مع زوجته الطيبة وابنه ذي الموهبة التي لا يعرف الشاب عنها شيئا. هو من الطبقة المتوسطة، يقصد من وراء هذه الوظيفة المنعزلة أن ينهي رواية تكون أول مشاريعه الكتابية. لاحقاً يجنّ ويسعى لقتل ابنه وزوجته.
المستوى الثاني حادث قتل مماثل وقع قبل عشر سنوات عندما قتل الزوج (الذي كان يعمل في الوظيفة ذاتها)، أفراد عائلته.
المستوى الثالث مجموعة حوادث وقعت سنة 1921. يرى جان نفسه فيها، وتتبدى له شخصيات لأناس يعرفونه، بل نرى له صورة تذكارية تجمعه معهم.
كما في كل أفلام كوبريك باستثناء أول فيلمين له في الخمسينات، لا شيء كما يتبدّى أو كما نعتقد أن الفيلم سيكون عليه. جاك يفقد عقله تدريجياً. ذلك المشهد المهيمن الذي نرى فيه الزوجة المستغربة (شيلي دوفال)، تتقدّم من الطاولة حيث يجلس زوجها على الآلة الطابعة ليكتب روايته، فتكتشف سطراً واحداً مكرراً على مئات الصفحات يقول:
All Work And No Play Makes Jack A Dull Boy
من أفضل ما صوّرته سينما الرّعب لليوم، لأنّنا لا نعرف ما ستكتشف ولأنّها مسلحة بعصا غليظة خوفاً من زوجها ولأنّها تتسلّل بينما يحتمل أن يفاجئها. لكنّ العبارة المتكررة سطراً وراء آخر وتعني «العمل الدائم من دون ترفيه يجعل جاك ولداً ملولاً»، إلغاء لكل التوقعات وإدراكا بأنّ الزوج ودّع رجاحة عقله وكل شيء مقبل من تلك اللحظة سيكون محط اكتشاف آخر.
ذلك الفيلم هو نوع لا يمكن لستيفن كينغ تصويره حتى ولو ولج المفردات ذاتها. فالخوف عند كوبريك يتم تأليفه بالكاميرا كما بالحدث. المشاهد التي تدور في الردهات حيث الكاميرا تسبق الحدث. وتلك المشاهد التي تدور في الردهات حيث الكاميرا تلاحق السيارة الصغيرة التي يلعب بها الصبي داني، لا يمكن أن تُنسى على الإطلاق. والإضاءة التي يوفّرها للفيلم موزعة بعناية بحيث لا تترك ظلالاً تسرق النظر عن الموضوع أو الأساس، وبحيث يضمن كوبريك ابتعاده عن التخويف المجاني. الفيلم بأكمله مصنوع بما يقرب الإعجاز، كل لقطة فيه، كل زاوية ثم كل مشهد مختار بعناية ومسكوب في مقدرة تستأهل الدراسة والإمعان. لقد صرف كوبريك في العمل أكثر من سنتين، والنتيجة ما زالت مبهرة يمكن رؤيتها مجسّدة في كل مكان من الفيلم المنتمي إلى سينما الكبار، سينما ستانلي كوبريك.هيمنة الكاتب على الأفلام المقتبسة من أعماله، تتفاوت. أحياناً لا علاقة له بالاقتباسات والنتائج وفي أحيان أخرى (كما الحال في فيلمي دارابونت) كان قريباً إلى حد كاف. في فيلم «البرج الداكن» انتقل لممارسة الإنتاج، إذ هو أحد المنتجين بجانب رون هوارد وبرايان غرازر و(كاتب السيناريو) أكيفا غولدسمان. والإخراج لنيكولاي أرسل، ذلك المخرج الاسكندنافي الذي شاهدنا له قبل أربعة أعوام دراما تاريخية عنوانها «علاقة ملكية».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».