خيط روسي ـ أميركي يربط الهدن والمعارك السورية: «حزب الله» في عرسال مقابل انسحاب مرحلي من درعا

TT

خيط روسي ـ أميركي يربط الهدن والمعارك السورية: «حزب الله» في عرسال مقابل انسحاب مرحلي من درعا

خيط روسي - أميركي يجمع معارك عسكرية وتفاوضية على أربع جبهات سورية، هي «هدنة الجنوب»، وقف النار في غوطة دمشق، المعارك في جرود عرسال على جانبي حدود لبنان، إضافة إلى «حرب الفصائل» في إدلب، وابتلاع «جبهة النصرة» لـ«حركة أحرار الشام».
أولاً, هدنة غوطة دمشق: لم يكن مفاجئاً إعلان موسكو اتفاق وقف النار في الغوطة، أمس، ذلك أن الحديث عنها تكرر، وممثلو «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر» طلبوا ذلك لدى لقائهم المبعوث الأميركي إلى سوريا مايكل راتني في عمان قبل أيام. لكن الجديد، استضافة القاهرة المفاوضات وإعلان الاتفاق من العاصمة المصرية وليس من آستانة ومساراتها. والأمر اللافت، أن القيادي في «جيش الإسلام» محمد علوش طالب محاوريه أكثر من مرة بضرورة إرسال مراقبين عسكريين مصريين إلى غوطة دمشق لضبط آلية الهدنة ومراقبة الاتفاق.
القاهرة التي حرصت على الوقوف في الوسط الأقرب إلى دمشق خلال الأزمة السورية مع استمرار التعاون الاستخباراتي مع دمشق، وعمل السفارة المصرية فيها، بدأت في الفترة الأخيرة تبحث عن احتمالات لعب دور أكبر في سوريا على أمل «استعادة الدور العربي» فيها بعد ارتفاع دور إيران وتركيا.
ولا شك أن صمود هدنة غوطة دمشق وبدء إرسال المساعدات الإنسانية، يفتحان الباب للبحث في شروط إرسال مراقبين مصريين إلى خطوط التماس بين قوات الحكومة السورية والمعارضة في الغوطة، خصوصاً أن الخريطة أنجزت وحددت جبهات القتال والتهدئة. العقدة هنا، هو الاقتتال بين «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» من جهة واستمرار غارات القوات النظامية ووجود فصائل تابعة لإيران من جهة ثانية. كان الأمران سببين في تأخر إنجاز التهدئة وسيكونان محل مراقبة لصمود الهدنة، ويشكلان تحديين رئيسيين للخطوات المقبلة، خصوصاً أن موسكو استثنت «النصرة» من الاتفاق، وسط أنباء عن عدم شموله مناطق «فيلق الرحمن»، إضافة إلى عدم تضمين حي جوبر الدمشقي الذي يتعرض لهجوم من قوات دمشق و«حزب الله».
ثانياً, هدنة الجنوب: منذ إعلان الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني في التاسع من الشهر الحالي لـ«خفض التصعيد» جنوب غربي سوريا، تكثفت المحادثات الثلاثية في عمان. لا تزال الهدنة صامدة رغم الخروق الجزئية، كما أن 400 عنصر من الشرطة العسكرية الروسية وصلوا إلى ريف درعا. وأبلغ راتني ممثلي «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر» في رسالة خطية ولقاءات مباشرة، أن هؤلاء المراقبين هم «روس سنَّة» وشرح لهم عناصر الهدنة، بينها أنها ستعمم في مناطق أخرى، ولن تكون وصفة لتقسيم سوريا، ذلك أن هناك اتفاقاً روسياً - أميركياً على وحدة سوريا، إضافة إلى أن الهدنة ستثبت خطوط التماس وتسمح بمساعدات إنسانية وانتخاب مجالس محلية مع تدفق التجارة وعودة اللاجئين وحرية تحرك النازحين وصولاً إلى بحث الحل السياسي لاحقاً بموجب القرار 2254.
لكن لا تزال هناك ثلاث عقد يعمل عليها الأطراف الثلاثة في عمان: الأولى: مناطق انتشار حركة «النجباء» العراقية التي تدعمها إيران و«حزب الله» حيث نص الاتفاق الثلاثي على إبعاد «القوات غير السورية» عن حدود الأردن لمسافة هي 30 كيلومتراً، كحلّ وسط بين مطالبة المعارضة بـ50 كيلومتراً وروسيا بـ20 كيلومتراً، لكن إلى الآن يرفض «حزب الله» الانسحاب من ريف درعا. ثانياً، معبر الحدود مع الأردن، إذ جرى تداول اقتراح بقاء السيطرة عليه لـ«الجيش الحر» ووجود مدنيين روس ورفع العلم الرسمي السوري بحيث يؤدي إلى إحياء الخط التجاري من الأردن إلى لبنان عبر سوريا. ثالثاً: الموقف الإسرائيلي حيث فوجئ الروس والأميركيون برفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق الثلاثي، لأن تل أبيب كانت على اطلاع به. وقال مسؤول غربي: «نتنياهو معترض لسببين: الأول، يريد حرية الحركة للقيام بغارات على مواقع حزب الله من دون قيود الطيران الروسي، إضافة إلى إبعاد حزب الله عن الحدود. الثاني، إقامة منطقة خاسمة لخفض التصعيد في القنيطرة قرب الجولان وإبعاد حزب الله الذي اقترب إلى ثلاثة كيلومترات من خط فك الاشتباك في الجولان».

عرسال مقابل درعا

ثالثاً, معارك جرود عرسال: العملية التي بدأها «حزب الله» على جانبي الحدود بدعم جوي سوري وتنسيق مع الجيش اللبناني لإنهاء وجود فصائل من «الجيش الحر» و«جبهة النصرة» المصنفة تنظيماً إرهابياً على قوائم مجلس الأمن، مرتبطة بالمحادثات الثلاثية في عمان. راتني أبلغ المعارضة خطياً: «اتفاق عمان يشمل الأراضي التي يسيطر عليها الثوار على حدود الأردن والجولان غرب السويداء، لكن لا يشمل مناطق شمال السويداء أو القلمون» قرب عرسال.
الخيط الروسي - الأميركي، هو احتمال السماح لـ«حزب الله» وإيران تعزيز الوجود العسكري بين دمشق وحدود لبنان وتثبيت الوجوده على حدود لبنان مقابل قبول انسحاب تدريجي من ريف درعا، بحيث يبدأ بمسافة عشرة كيلومترات ثم عشرة كيلومترات أخرى وصولاً إلى الابتعاد 30 كيلومتراً عن الحدود. المطروح: التزامن بين المسارين مع تمسك «النجباء» و«حزب الله» بالإبقاء على شبكات نائمة تسمح بتحريكها.
رابعاً, «حرب الفصائل» في إدلب. لم تكن موسكو راضية عن موقف أنقرة في اجتماع آستانة الأخير. أنقرة اقترحت بداية إرسال مراقبين أتراك إلى مناطق «خفض التصعيد» الأربع. ردت طهران باقتراح نشر إيرانيين في المناطق الأربع. ثم جرى اقتراح بتخصص تركيا في إدلب وتخصيص الأردن بدرعا واحتمال قبول وجود إيران في غوطة دمشق مع تفاهم آخر حول منطقة «خفض التصعيد» الرابعة في ريف حمص. لم يجرِ الاتفاق على هذا السيناريو لاعتراض دمشق على دور أنقرة ورفض المعارضة وواشنطن دور إيران، فاقترحت موسكو إرسال مراقبين من دول روسية سنية مثل الشيشان لتخفيف الاحتقان الطائفي ووراثة التنظيمات التي تدعمها طهران. وكان أحد أسباب جولة ألكسندر لافرينييف المبعوث الرئاسي الروسي إلى طهران ودول أخرى.
أنقرة المنزعجة من استبعاد واشنطن لها عن معركة الرقة واعتماد الأميركيين على «وحدات حماية الشعب» الكردية، أرادت إرسال «درع الفرات» إلى ريف تل رفعت وعفرين لتوجيه ضربة لـ«وحدات الحماية»، لكنها لم تحصل على ضوء أخضر روسي مماثل لعملية «درع الفرات» في ريف حلب، بل إن واشنطن انزعجت من قصف ريف عفرين لاعتقادها أن هذا سيؤثر سلباً على معركة تحرير الرقة من «داعش».
بعد فشل «سيف الفرات»، لوحت أنقرة لاحقاً بنقل فصائل «درع الفرات» إلى ريف إدلب عبر تقديم السلاح والذخيرة من دون غطاء جوي بعد اقتتال «هيئة تحرير الشام» (تضم «النصرة») و«أحرار الشام». وأرسلت أكثر من مائة عنصر من ريف حلب إلى حدود إدلب، بالتزامن مع سيطرة «النصرة» على مواقع «الأحرار». الرهان التركي هو الحصول على ضوء روسي والتمهيد بأن يكونوا مراقبين قبل القيام بعملية عسكرية لقتال «النصرة» وتشكيل سد يحول دون انتقال المقاتلين الأكراد بدعم روسي من عفرين إلى إدلب.
الخيط الروسي المربوط أميركا، هو أن استمرار «حرب الفصائل» وابتلاع «النصرة» لـ«الأحرار»، سيحول إدلب إلى «تورا بورا» سوريا مماثلة للأفغانية، ويسهم في تعزيز الضغوط على أنقرة ويفتح أفقاً مستقبلياً لتعاون بين روسيا وأميركا في محاربة الإرهاب في دير الزور وإدلب بعد الرقة، وإذ حذر قائد «الأحرار» أمس من تحول إدلب إلى «الموصل الجديدة أو الرقة الجديدة»، فإن مسؤولاً في قاعدة حميميم الروسية أشار إلى أن سيطرة «النصرة» على إدلب تعني أنها باتت مماثلة للموصل.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».